صفحات من التاريخ اليمني: كتاب ( الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر... الرجل الذي أحبه الحرم والهرم )

الكاتب : Time   المشاهدات : 3,647   الردود : 45    ‏2007-01-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-31
  1. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    تواصلا لسلسلة "صفحات من التاريخ اليمني"
    والتي تتابعت حلقاتها في المجلس السياسي
    وتناولت مذكرات أو كتابات عن العديد من الشخصيات السياسية اليمنية
    وقد تم نسخ جميع الحلقات إلى ديوان الكتب والوثائق بالمجلس اليمني
    حتى تكون بمتناول الجميع
    فيما يلي كتاب "الرجل الذي أحبه الحرم والهرم"
    بقلم الأديب والمؤرخ الكبير الأستاذ عبدالرحمن طيب بعكرالحضرمي يرحمه الله
    والذي يتناول سيرة ومسيرة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر
    ومهما اختلفنا مع الشيخ الأحمر ومع وجهة نظر المؤلف
    فإن الكتاب يبقى بالفعل صفحة من صفحات التاريخ اليمني
    بل وموسوعة تاريخية سياسية أدبية جديرة بالتأمل
    فتأملوا !!!
    وللجميع خالص الود
    والتحية المعطرة بعبق البُن
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-31
  3. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    تواصلا لسلسلة "صفحات من التاريخ اليمني"
    والتي تتابعت حلقاتها في المجلس السياسي
    وتناولت مذكرات أو كتابات عن العديد من الشخصيات السياسية اليمنية
    وقد تم نسخ جميع الحلقات إلى ديوان الكتب والوثائق بالمجلس اليمني
    حتى تكون بمتناول الجميع
    فيما يلي كتاب "الرجل الذي أحبه الحرم والهرم"
    بقلم الأديب والمؤرخ الكبير الأستاذ عبدالرحمن طيب بعكرالحضرمي يرحمه الله
    والذي يتناول سيرة ومسيرة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر
    ومهما اختلفنا مع الشيخ الأحمر ومع وجهة نظر المؤلف
    فإن الكتاب يبقى بالفعل صفحة من صفحات التاريخ اليمني
    بل وموسوعة تاريخية سياسية أدبية جديرة بالتأمل
    فتأملوا !!!
    وللجميع خالص الود
    والتحية المعطرة بعبق البُن
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-01-31
  5. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004

    الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر
    الرجل الذي أحبه الحرم والهرم

    تأليف الأستاذ عبدالرحمن طيب بعكر الحضرمي

    مقدمة الطبعة الثانية

    حمداً لك اللهم وصلاة وسلاماً على المثل الأعلى للبشرية محمد الذي من
    اتبعه اهتدى ونجى ومن خالفه ضل وهلك ، وبعد فقد أعطتنا الطبعة الأولى من هذا الكتاب عرضا حقيقيا لما يعتمل في النفوس اليمنية من شغف بالإطلاع على الصفحات المطوية من تاريخنا المعاصر، فتسابقت المدن و الأرياف لاقتناء هذا الكتاب الذي بين يديك عن أهم شخصية يمنية حية في صياغة النضال الوطني وتاريخ اليمن المعاصر الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وسرعان ما نفدت الطبعة الأولى قبل اكتمال عام على صدورها ، مما أوجب المسارعة بإخراج
    الكتاب في طبعته الثانية التي يأتي الشروع فيها متزامناً مع إهلال شهر الصوم المبارك . وتماثل الشيخ عبد الله للشفاء من العملية الجراحية التي أجريت له في القلب بالولايات المتحدة الأمريكية منذ أسابيع ، ومع اكتمال الأربعين عاما من عمره النضالي ذي الطابع التحولي المنفرد ، فكان بمثابة الجسر الشامخ المتين لأهم التحولات التاريخية الكبرى في تاريخ هذا الشعب . ومن حسن الطالع أن يأتي كل ذلك و اليمن الكبير الموحد يتهيئ لاستقبال الذكرى الخمسين لثورته البكر ربيع الآخر 1367 هـ فبراير 1948م فكان إصدار هذه الطبعة من أطيب التحايا وأنسبها لتلك الذكرى الخالدة ، فعلى بركة الله.ِ

    الثلاثاء
    8 رمضان 1418 هـ
    6 يناير 1998 م
    عبد الرحمن طيب بعكر الحضرمي

    مقدمة الطبعة الأولى​


    اللهم إياك نعبد وإياك نستعين
    اللهم صل على سيدنا محمد وسائر الأنبياء و المرسلين وآله والصحابة والتابعين. اللهم لا سهل إلا ما سهلته
    من حسن حظ البشرية أنها تعيش اليوم إجماعاً إنسانياً ناضجاً ضد الغيلان الثلاثة التي طوحت بالمسيرة الإنسانية عبر القرون و الأجيال الإلحاد، الإستبداد، التعصب.
    و الحق أن بداية الفتح العالمي و الكوني جاء مع إنبعاث الرسالة الخاتمة على
    يد المثل الأعلى للبشرية محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه القرآن الذي جاء بعد أن كان يبعث الأنبياء والمرسلون إلى أقوامهم فجاء هو بالدعوة لكل الإنسانية في عصره وحتى آخر يوم من حياة الإنسان فوق هذا الكوكب ، وتواصلت مع النضج البشري مسيرة الأجيال حتى بلغت أوجها في هذا الظرف الزمني الذي نحياه بتكاثر الباحثين عن الحقيقة مهما أصر الملحدون والمستبدون والمتعصبون في كل القارات ، وسمعنا باحثاً إنسانياً إستوعب تاريخ عالمه هو الأستاذ الأمريكي ( مايكل هارت ) صاحب كتاب (المائة الخالدين) يضع محمداً بدعوته الإسلامية والإنسانية على رأس القائمة ، ومع سقوط الهرم الشيوعي تزايدت فرص الإنفتاح والتواصل بفعل التقدم الهائل ، للوسائل والمواصلاتيه و الإتصالاتيه المتعددة التي وإن كان لها جانبها السلبي الهدآم فإنها تكفر عنه بما يقدمه جانبها الإيجابي من دعم للمسيرة الإنسانية الناضجة إيماناً ضد الإلحاد وحرية ضد الإستبداد وتسامحاً ضد التعصب لكن ما علاقة كل هذا بموضوع هذا الكتاب ؟
    إن العلاقة التي شدت إلى تلك التوطئه هي ما أنطبع به تاريخنا سواءً
    القديم منه و الحديث من جناية التعصب المحلي أوالمذهبي أو الطبقي على حقيقة الوقائع وعطاءات الأفراد ، ذلك أنك حين تتصفح ماكتبه أغلب مؤرخينا الأقدمين تراه في أغلبه ينضح بشميم التعصب المقيت الذي كان دافعه القديم تعدد الفرق وإختلافهم في الأصول والفروع فبسبب تلك الطائفية الأصولية و الفروعية رأيت مثلاً هذا الذي يعنى بالمعتزلة على حساب أصحاب السنه وإستدام ذلك الضيق الفكري و النفسي و العلمي حتى اليوم ؟ وأضاف اليه العصر إضافته المريضة بدافع من المحلية الصنعانية أو الزبيدية أو التعزيه أو الحضرمية أو الطبقية الحزبية أو الطبقية السلالية.
    فرأينا في اليمن حتى في صفوف الأكاديميين من يمارس ذلك التعصب إنغلاقاً في وجه الآخر أياً كان ، والأمثلة في المساحة كثيرة ولا أطلب منك العودة إلى ما كتبه الأقدمون عن طبقات الشافعية أو طبقات الزيدية أو طبقات الأحناف ولكني أدعوك لتنظر في عطاءات المراكز ذات الوجه الـتقدمي وما يصم إنتاجها من تعصب فيندر مثالاً بل ينعدم في دراسات مركز البحوث في صنعاء من يعطي القبائل وما قدموه من تضحيات ذات دور أساسي في قيام الثورة ورسوخ الجمهورية مايستحقونه حتىإن ما يجيء على ألسنتهم وأقلامهم عن هذا الصنف من المجتمع لا يعدو الغمز و اللمز و التجريح وحتى أن كتابة الأجانب تكون في الغالب أكثر أنصافاً منهم و إستيعاباً فإن أنت في تجاوزت مركز الدراسات إلى إنتاج الأفراد أدهشك ما تنضح به كتاباتهم من تجن وبخس الناس أشياءهم ، مثالاً عليه كتاب الحركة الوطنية للأستاذ سعيد الجناحي - فتراه لا يذكر الأحمر مثلاً وهو وأبوه وأخوه أوائل البانين لصـرح الجمهوريه بجماجمهم وأرواحهم فلا يذكره إلا في آخر القائمة وببروده وإهمال و الحق إن مثل هذا التعصب والإهمال ليس بالظاهرة المحصورة في اليمن أو كل بلاد العروبة وبلاد الإسلام ولكنه داء بشري عام تلمسه وتلاقيه في كل الأوطان والقوميات والديانات بسبب من كون التعصب داء بشرياً عريقاً ضارباً في الأعماق.
    وإذا كان الفقهاء كتبوا عن بعضهم ومثلهم الشعراء و النحاة و الأطباء والحزبيون فإن أهم شرائح الواقع اليمني (القبائل) ظلوا محل الإهمال والتجاهل فندرت بسبب ذلك الكتابة عنهم و التاريخ لهم ولم أجد إستثناء لهذه القاعدة الظالمة إلا ما كتبه رجل منصف كالقاضي إسماعيل الأكوع في كتابه (هجر العلم ومعاقله في اليمن) فأنفتح بدافع من سنيته المنصفه ودينه المتين وعلمه المكين وخلقه الرصين على رؤساء القبائل الذين عايشوه وشاركوه معاناة المسيرة منذ ثلاثينيات هذا القرن العشرين حتى اليوم وكان في كتابات المؤرخين الشعبيين كحوليات الحرازي جهد متفرد في هذا المضمار، ومنذ حين وأنا أرى أن أمثل طريقة لفهم تاريخنا هو دراسة كبريات محطاته ومنعطفاته عن طريق التوقف عند كبار أعلام كل مرحلة ، وعلى هذا جاءت دراستي المسلسلة لكبار أعلام الإصلاح في اليمن بدءاً بأحمد بن علوان في القرن السابع الهجري ومروراً بيحيى بن حمزة ومحمد بن إبراهيم الوزير و الحسن بن أحمد الجلال وصالح بن مهدي المقبلي ومحمد بن إسماعيل الأمير ومحمد بن علي الشوكاني ثم المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري وأستاذ اليمن الأول أحمد محمد نعمان وكان لا بد لي من أجل إتمام هذا المسلسل الوقوف عند شخصية الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر - ودوره المتميز في هذا الظرف الذي شهد تحولاً غير مسبوق وغير عادى في تاريخ اليمن بإعتباره رئيس التجمع اليمني للإصلاح وإلى جانب هذا هناك إعتبارات أخرى جعلت التوقف لديه والإلمام بمعطياته في سائر الساحة اليمنية أمراً حتمياً من مثل اعتباره الوجه اليمني الاول شعبيا وقبليا من حيث كونه اكبر مشائخ اليمن ، والوجه اليمني الاول من حيث كونه محور المؤتمرات الشعبية الكبرى التي فتحت وأصلت المشاركة الجماهيرية في تصحيح المسار الرسمي وتحقيق الرقابة الشعبية على ما يجري كما حدث في عمران وخمر وما تلاهما و الوجه اليمني الاول من حيث كونه مؤسس العمل البرلماني من اول تجربه ديمقراطية للمجلس الوطني سنه 1969م وحتى قيام مجلس ا لنواب في اليمن الموحد نتيجة عملية انتخابية صنعها الشعب ونفذها سنه 1993م بعيدا عن ا لتقديس فلا عصمه الا الله ولكتابه ورسوله وبعيدا عن الإطراء المتملق اذ انه ما دل على الفضل الكاذب مثل الثناء الكاذب ، والرجل غني عن ذلك بواقع انجازاته ودوره وبحسبه نجاحه المدهش و الرائع في مقدرته على الانطلاق الموفق من مضارب القبيلة ليتجسد الشخصية اليمنية الموحدة التي احسن تمثيلها في الافق القومي و الاسلامي و ا لعالمي.

    * شيء من قصة الكتاب *​


    ولقد كان هذا الكتاب اكثر كتبي اجهاداً لي وإلزاماً بالمتابعة الموصولة طوال
    سنوات ثلاث ذلك لأني وانا الضرير المقيم في اقصى الجنوب الغربي من تهامه ، الحريص على إنجاز هذه الدراسة الجادة و الصادقة و المستوعبة و الحكيمة في الإيراد و العرض و التعليل و التحليل كيف لي بمعايشة هذه الشخصية المشغولة سائر الوقت و المتنقلة كثيراً داخل اليمن وخارجه مما جعلني اضطر الى اختيار شخصية قريبة منه تكون كالواسطة فوقع الاختيار على الأخ الفاضل عبد الرحمن العماد رئيس الكتلة البرلمانية للاصلاح فبعثت اليه رسالة مطولة مرفقه بأهم وقفات الكتاب ليتقدم بها الى الشيخ عبد الله ويحصل منه على الاجوبه المطلوبة وصادف يومها غياب الاخ العماد في الولايات المتحدة وبعد شهور من الإنتظار لم يعد الرد من الا ستاذ عبد الرحمن العماد ، عندها أحسست بالصعوبة البالغة ففوضت الأمر إلى المولى سبحانه ولزمت الصمت حتى جاء الفتح بإتصال تلفوني من الشيخ عبدالله ودعوة كريمه للإلتقاء وزرته في منزله بالحصبه في صنعاء عصر الاءثنين 25 ذو الحجه 1416 هـ - 13 مايو996ام وقلت له : ( إن كتابة التاريخ العربي المعاصر مغامرة مرهوبة قل من يجرؤ على إقتحامها وقل من يوفق في الحوار معها والتعرف عليها وحسن تقديمها للآخرين.
    ذلك لأن الخارطة العربية عموماً وليس اليمنية فقط فكرياً وسياسياً وإجتماعياً لا تزال ملأى بالنتوءات و الأخاديد و المنحنيات ولم يزل يفصلها عن مرحلة التمهيد و التعبيد حتى تصبح سالكة ظرف زمني غير محدود ، ولأني من الجيل الذي عودته الإمامة على إحتمال مشاق الإرتحال بالجمال ضرباً في الصحراء أو صعوداً في الجبال فقد رأيت أن أفضل وأكمل إستجلاء للتاريخ اليمني العام هو الذهاب معه إلى الجذور ) .
    وكانت جلسة ممتعه أوقفتني على كثير من الجوانب الرائعه من شخصية الشيخ عبدالله فصلتها في مكانها من هذا الكتاب.
    ووعدني الشيخ بإرسال المعلومات المطلوبة وقام بالمتابعة حينذاك الأخ الشيخ العلامة محمد علي عجلان - نائب رئيس مجلس شورى الإصلاح وعضو مجلس النواب فحصل على بضع صفحات من الشيخ ثم قام بالدور وبصوره موسعه وبمتابعه حثيثه وودوده الأخ الأستاذ الفاضل / عبد القوي القيسي - مدير مكتب الشيخ الذي نجح جزاه الله عني وعن هذه ا لدراسة خيراً في الحصول على المعلومات الواسعة و الهامة التي تحفل بها الكثير من صفحات هذه الدراسة فلهما أسجل شكرى و إمتناني .

    وبعد :
    فإن هذا الكتاب يقدم مع توأميه عن الزبيري والنعمان تغطية أمينه ومستوفاه قدرا الإمكان عن مسيرة اليمن طوال هذا ا لقرن العشرين الميلادي ويضيف إلى المكتبة اليمنية المعاصرة مرجعاً جديراً بالثقه به والإفادة منه و الإجابه على التساؤلات الملحه عن أبرز الشخصيات اليمنية المعاصرة رسمياً وشعبياًُ والأحداث التحويلية الكبرى يمنياً أقدمه أداءً لواجبي نحو شعبي وتقديراً وتنويهاً بالشيخ عبدالله وهو يدخل بعد عام من هذا التاريخ إكتمال الأربعين من عمره النضالي والسياسي بدءاً من سنه 1985م حتى العام القادم سنه 1998م و الشاهدة بجدارته الحقه لأن يعرفه مواطنوه و الآخرون بأنه :

    ( بطل الجمهورية وراعي حزب الله )
    والله المعين


    ضحى الأحد : 29 / ديسمبر1996م
    19 / شعبان 1417هـ
    عبد الرحمن طيب بعكر الحضرمي


    الشيخ في لوحة قلمية​


    *الشيخ في لوحة قلمية :
    رأيتك أمس أنبل ( حميري ) * وأنت اليوم خير منك أمس
    وأنت غداً تزيد الخير ضعفاً * كذلك سادة مــن عبد شمس
    العتابي
    كنا في آخريات سنة 1968 م بعد إنقشاع حصار صنعاء وإنطواء أحداث أغسطس نستقبل القائد العام رئيس ا لوزراء الفريق حسن العمري - تدشيناً لبعض المنشأت في الطريق العام - ا لحديدة - تعز- وكانت الجمهوريه لا تزال تعيش بقايا غبارالحرب التي كانت يومها مشغولة بمتابعة تصفية جيوبها المتبقية جهة حجه وصعده ، وكان ذلك الجو يعكس نفسه على المشاعر و الأفكار فإن الفريق حسن العمري - حين مر بالجسر السطحي من شرجة حيس علق على إمتداده الذي يقارب اثنين كيلو رأى أنه صالح لإستعماله مطاراً سرياً في ظروف الحرب. وإنتقلنا معه إلى أقصى أطراف الخط جنوباً وتحديدآ عند الجسر المعلق بوادي رسيان ا لذي أتعب المهندسين الروس لرخاوة أرضيته حتى أعتبروا فراغهم منه إنجازاً هندسياً رائعاً ينبغي أن يفتتحه رئيس الوزراء وبينما كانت قاعة الحفل على الجانب الغربي من الطريق وفي ظل أشجار نخيل رسيان وعلى مقربة من مياهه الجارية والوقت هو عصر ذلك اليوم وبينما يبداء الإحتفال بتلك المناسبة شهدنا سيارة فارهة تحمل لافتة سفارة ألمانيا الإتحادية وأتضح أن السفير الألماني هوا لذي كان يقودها وأنفتح الباب وخرج منه نبيلٌ يمني يلبس ملابس كبار مشائخ القبائل ويتشح برداءٍ هو أدلى إلى ا لطول على جانب من الوسامه وإكتمال الصحة واستواء الجسد وعلى عينيه نظارة وفي يديه عصاة عجراء ما إن كاد يقترب من ساحة الحفل حتى هبَّ الجميع وقوفاً له وترحيباً به وأتضح أنه شيخ مشايخ اليمن عبدالله بن حسين الأحمر - وعلى حين أخذ مقعده كان رفيق آخر عظيم البدانه ثقيل الحركة يحاول الخروج من باب السيارة بصعوبة بالغه متقدم السن يتهادى ابين أشخاص يسندونه أتضح أنه الشيخ هادي عيطان ، وكنت على مقربة من الشيخ عبد الله أتفحصه بغاية الاهتمام ، وفي ذهني تطوف مشاهد من مأساة واق الواق عن الشهيدين والده و أخيه حميد والإنجازات الرائعة للشيخ عبدالله في سنوات الدفاع عن الجمهورية وبطولات فك الحصار عن صنعاء وفي فمي بيتا إبن هانئ ا الأزدري :
    كانت مساءلة الركبان تخبرني * عن جعفر بن فلاح أحسن الخبر
    حتى ألتقينا فلا والله ما سمـعت * أذني بأكثر مما قد رأى بصري
    كان ذلك هو إلتقائي الأول بالشيخ ، أما إلتقائي الثاني به فكان في منزله بالحصبه كما أسلفت مايو 1996م في ديوانه ا لأنيق الواسع فأكرمني بالجلوس في المقعد المجاور له ، وبحكم جلسة القات المفتوحه على الجميع وبطابع نقاشها المرتجل وحديثها المتنقل مع هذا وذاك وما أكثر المتعلقين بالشيخ وأغراضهم المتعدده لديه وأستمتعت رغم كل ذلك بحديثه مجيباً على أسئلة كنت أثيرها عنه وعن أبيه وأخيه وشيء من الذكريات عن الثورة غير أنه أضطر لإستقبال العجولين من ذوي الحاجات وفيهم من حضرموت ومن حجه ومن مأرب ومن سنحان بعضهم قبائل وبعضهم عسكريون ولفت نظري معرفة الشيخ لجميعهم ومناقشته لهم عن بعض الغائبين من قرابتهم ومعرفته الدقيقة للاماكن وإحاطته الواسعة بالأنساب فعرفت أنها موهبه الزعامة الحقه التي يمتاز بها أفذاذ الرجال وأستبان لي فيما بعد أن ا لرجل مولع بالتاريخ وجغرافية البلدان وبرغم المدة القصيرة التي قضاها في المحافظات الشرقية والجنوبية فقد كان يتخاطب معهم مخاطبة الخبير العليم بالمكان والإنسان ، وأخبرني عارفوه أنه على إطلاع واسع بجغرافية البلدان العربية والإسلامية وليس اليمن والجزيرة وحدهما، وكثيراً ما يناقش الضيوف و السفراء مناقشة المعايش المطلع وقد قادني هذا إلى معرفة هواياته الحبيبة إلى نفسه فعرفت أنها السباحة والرماية والزراعة والأسفار فهو من الذين يصيبون الهدف في الطلقة الأولى غالباً ورغم مشاغله فإدن أسعد أوقاته هي التي يقضيها في تفقد حقول مزارعه إن كان في الريف أو بستان منزله إن كان بصنعاء وما فيه من أشجار وما يضم من أبقار وهو فيما علمت بستان واسع أما الأسفار فإن ظروف نشأته قبل الثورة وبحكم طبيعته القبلية وموقع أسرته في ذؤابة حاشد وتباعد أملاكهم وإحتياجه وأسرته للإتصال المستمر بالإمام يحيى في صنعاء ثم ولده أحمد في تعز وحجه و الحديدة كل ذلك أعطاه معرفة عميقة بأحوال خمس محافظات عند قيام الثورة وسنوات الدفاع عن الجمهورية وموقعه المتقدم شعبياً ورسمياً جعله يوسع خبرته حتى شمل اليمن الشمالي بأجمعه وكذلك كان الحال بعد إعادة تحقيق الوحدة وله أسفاره الخارجيه في مهمات رسمية أو زيارات خاصة بحيث أمكن له التنقل في المعمورة من أقصاها شرقاً إلى أقصاها غرباً فقد زار كما تحدث عن نفسه في المعلومات التي أمدني بها :
    ا- فقد زرت أمريكا سنة 1973م وأنا رئيس مجلس الشورى زيارة رسميه.
    2- زرت الاتحاد السوفيتي سنه 1973م على رأس وفد من مجلس الشورى.
    3- زرت العراق في أواخر سنه 1969م على رأس وفد كبير وكنت حينها رئيس المجلس الوطني.
    4- زرت ليبيا سنة1969م وأنا رئيس للمجلس الوطني للمشاركة في إحتفالات الذكرى الأولى للفاتح من سبتمبر.
    5- زرت الصين سنه 1974م على رأس وفد من مجلس الشورى.
    6- زرت ا لكويت سنه 1971م بدعوة وأنا رئيس مجلس الشورى.
    7- زرت ألمانيا سنة1970م سبتمبر على رأس وفد كبير من مجلس الشورى.
    8- زرت كوريا الشمالية سنة 1974م بعد زيارتي للصين مباشرة وعلى رأس نفس الوفد الذي رأسته إلى الصين.
    9- زرت تركيا على رأس وفد برلماني في أكتوبر سنة 1994م.
    10- زرت ألمانيا على رأس وفد برلماني في مارس 1995م.
    11- زرت مصر على رأس وفد برلماني في إبريل 1995م .
    12- زرت فرنسا على رأس وفد برلماني في سبتمبر 1996م.
    13- زرت روسيا على رأس وفد برلماني في ديسمبر 1996م.
    14- زرت سلطنة عمان على رأس وفد برلماني في فبراير 1997م.
    وكل الزيارات السابقة كانت بدعوات رسمية.

    * أما الزيارات التي رافقت فيها الروساء :
    1- زرت المغرب سنة 1969 م كعضو في وفد مؤتمر القمة الإسلامي الأول مع القاضي الإرياني.
    2- زرت الجزائر سنة 1970م لحضور مؤتمر القمة العربي مع القاضي الإرياني.
    3- زرت السعودية سنة 1970 لحضور مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في جده وقد راس الوفد محسن العيني.
    4- زرت المغرب سنة 1985م لحضور مؤتمر القمة العربي مع الرئيس علي عبد الله صالح .
    5- زرت كلاً من مصر و الأردن و العراق سنة 1980 م وبتكليف من القيادة السياسية من أجل موضوع الحرب بين الشمال و الجنوب .
    6- زرت غمان و الإمارات وقطر و البحرين في مهمات وبتكليف من ا لدولة كما زرت سوريا وليبيا في نفس الإتجاه .
    7- زرت الجزائر ممثلاً لرئيس الدولة في أوائل الثمانينات.
    8- زرت الصومال سنة 1983م ممثلاً لرئيس الدولة .
    9- زرت كوريا الشمالية سنة 1984 م ممتلاً لرئيس الدولة.
    10- زرت السودان وتنزانيا وباكستان في وفود رسمية وشعبيه لحضور مؤتمرات إسلامية.
    11- زرت مصر أكثر من مرة مع الرئيس السلال.
    12- أما زياراتي إلى المملكة العربية السعودية فكثيرة ومتعددة في مهمات رسمية ووطنية في خدمة بلدي وهي بتكليف من رؤساء الدولة الإرياني ، الحمدي ، علي عبد الله صالح .
    ونظراً لأهمية القدوة في السلوك فإنه وهو المسلم الحنيف الذي يستلهم قيمه ومثله الأعلى من صاحب الدعوة المنقذ العظيم محمد صلى الله عليه وسلم ودينه القويم :
    ولا ازيدك بالإسلام معرفة * كل كل المروءات في الإسلام والأدب
    وله بعد ذلك الشخصيات التي أعجب بها وتأثر بها وفي مقدمتهم قبلياً أبوه الشهيد حسين و النقيب سنان ابولحوم و الشيخ علي بن ناجي القوسي و المرحوم الشيخ نعمان بن قايد بن راجح وفي مقدمة أصفياء الشيخ يأتي أبو جبران العميد البطل مجاهد يحى أبو شوارب الذي يقول عنه الشيخ ( هو من كبار مشائخ قبيلة خارف والده الشيخ يحيى بن هادي أبو شوارب كان كريماً شجاعاً وقد كان قائداً للمقاتلين إبان الحرب بين الامام والملك عبد العزيز بن سعود في المعارك التي دارت في نجران وجبل شيحاط وتوفي سنة 1952 م وولده مجاهد إبن عشر سنوات وقد لازم الأخ الشهيد حميد وهو في السابعة عشر من العمر وقد زج به في سجن القلعة عندما ألقي القبض على الاخ حميد وبقي في السجن قرابة ثلاث سنوا ت حتى توفي الإمام أحمد ، وتعلم الشيخ مجاهد في السجن ويوم قيام الثورة حشد حوالي مائتي مقاتل من خارف وتوجه لمطاردة الإمام البدر في مناطق حجه والمحابشة ووشحه وطارده حتى منطقة الملاحيط على الحدود السعودية وأشتبك مع البدر ومن معه في وادي تعشر وسقط من أصحابه من خارف بضعة قتلى منهم الشيخ محمد حميد نجاد - شيخ مدينة ناعط التاريخية وأستمر في القتال في الأسبوع الأول للثورة حتى نهاية الحرب سنة، 1970م حيت خاض آخر معركة مع قبائل حجور الشام بعد إعتراف المملكة العربية السعودية ثم قاد معارك الدفاع ضد الشيوعيين في مناطق الراهدة و قعطبة وله ملاحم تشبه الأساطير اذكر منها :
    الأولى :- في جبال بني علي أرحب سنة1963م حينما أنهزم أصحابه وبقي لوحده وأحاط به الاعداء وطلبوا منه تسليم بندقه فمد بها وهبوا لتناولها فقبض على الزناد ورش كل المحيطين به وأفلت منهم ونجى.
    والثانية :- في منطقة كدم وايله - لواء صعده حيث توجه من صعده لتفقد المواقع التي تتبع جيش الجمهورية فوصل إلى منطقة كدم بسيارته وقد أنسحب أصحابه وحل محلهم الملكيون في وايله فأحاطوا بسيارته في مضيق فخرج ومن معه من السيارة وأشتبكوا وهم مختلطين فانبطح على الأرض ورش المقتربين منه وفلت وبعض الذين معه راجلين وتركوا السيارة .
    والثالثة :- في حوادث أغسطس سنة 1968م حينما تمردت الصاعقة والمظالات ومن معهم في العرضي فقفز ومن معه من رجال حاشد من فوق داير صنعاء القريب من باب ا ليمن وأقتحم العرضي و الدم ينزف من رأسه إثر طلقة نارية أصابته إصابة غير قاتلة وأجهز ومن معه على المتمردين ا لعساكر وقتل من قتل من الجانبين وألقى القبض على من في العرضي من المتمردين ضباط وجنود وتم أخذ سلاحهم) أ . هـ .
    أما أهم الشخصيات العلمية لديه فالمجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري،
    و القاضي الرئيس عبدالرحمن ا لإرياني ، و أما سياسياً فأستاذ اليمن أحمد محمد نعمان ونجله محمد و الأستاذ عبد الملك الطيب ، وعلى الصعيد العربي فإنه معجب بالمرحومين الراحلين الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود و الرئيس جمال عبد الناصر وقد كانت له معهما إتصالات ومواقف وهو يتوجع من ا لاخير لموقفه من الإخوان المسلمين ويتوجع له وحين يتحسس الشيخ شريط ذكرياته يجد أن أصعب الظروف ا لتي مر بها قبل الثورة هي تلك التي كانت أيام محنته بأبيه وأخيه وأيام سجنه أسابيع في الحديدة قبل أن يعرف مصيرهما و كان الإمام قد أمر بإعدامهما وبتخريب البيوت ونهب الممتلكات وقلع الأشجار وترويع النساء الأطفال، أما أصعب ظرف مر به بعد الثورة فهو ذلك الذي وقع له بين نقيل يسلح وحزيز بداية إلتفاف الملكيين لمحاصرة صنعاء وسنمر بتفاصيل كل ذلك في مواقعها من هذا الكتاب ويتجلى للمتابع الكثير من الخصائص النفسية التي أنطبع بها نسيج حياته وجعلته مهوى الأفئدة ومحل إعجاب الأبصار و البصائر.

    * أولها التقوى والتواضع :​


    فالرجل من المصاحبين لكتاب الله في سفر وحضر وفي أوقات الرخاء والشدة ولعله من أكثر مشائخ اليمن إلتزاماً بالصلاة في أوقاتها فيؤدي الصلاة الوسطى (العصر) قبل أن يباشر تخزين القات فإذا جاء المغرب رأيت ديوانه الغاص بالمخزنين وقد تحول إلى قاعة صلاة حيث يؤديها الجميع جماعة بعدها يدخل الشيخ غرفته الخاصة لإستئناف القات فإذا فرغ منه صلى العشاء وما كتب له من صلاة وتفرغ لبعض شؤونه وهو يسهر عادة إلى الثانية بعد نصف الليل ثم يغفو حتى مطلع الفجر، وبعد أدائها يعود إلى النوم حتى الثامنه ذلك ما سمعته منه عن برنامجه اليومي و المعروف عنه بين الأدنين و الأبعدين محافظته الكاملة على النهج بعيداً عن كل الهنات الأخلاقية و السقطات المخلة بالدين والشرف ، ويمكنك في يسر أن تلمح تواضعه حين يتحاشى ذكر مبراته وقرباته تكتماً عليها وحرصاً على خلوص النيه فيها وكان من الصعب أن يفوه الشيخ بتفاصيل مشاركته في الجهاد الأفغاني ولا يسمح لك بأن تعرف عن هذا أكثر من أنه قضى عشرين يوماً في بيشاور الباكستانيه وقد كنت من الملايين اليمنية التي تابعت إنعقاد مؤتمر خمر في أكبر حشد جماهيري والقلوب تغلي حزناً على إغتيال الشهيد الزبيري وأجمع المؤتمرون أن يرأس الشيخ عبد الله ذلك المؤتمر ولكنه تواضعاً وتوقيراً دعا القاضي عبد الرحمن الإرياني ليرأس المؤتمر بدلاً منه.

    * الصبر والإحتمال :​


    واذا كان الصبر من الإيمان بمثابة الرأس من الجسد فإن الشيخ واسمع الحلم طويل الأناة بعيد إستثارة سورة الغضب ومواقفه في هذا كثيرة ويكفيه أنه هو الذي أحتمل ما أحتمل من عنجهية الإمام أحمد وقسوته ضد أسرته وقبيلته دون أن يجأر بشكوى أو يستخذي وقد تجلت إبان الفترة الإنتقالية واثر رئاسته مجلس النواب والدخول في مواجهة تحركات الإنفصاليين وفيهم رئيس الوزراء حيدر العطاس وستمر بنا تفاصيل ذلك في مكانها ويذ كر الذاكرون إحتماله لغمزات ولمزات المرحوم الأستاذ عبدالحبيب سالم مقبل، وقد كانت موجعة وطروحات الأخ عبدالرحمن أحمد نعمان اللاذعة بصدر رحب يذكرك بالأحنف بن قيس وكلمة الأول : ( حلمي أصم وأذني غير صماء) كل ذلك إبقاء على سلامة القلوب وجبر الخواطر وكم نشعر بالإعجاب البالغ بالرجل وهو يتحمل ما يتحمل في تعرضه لإصلاح شأن مواطنيه وإطفاء الحرائق بين فئات القبائل وجماعات المدنيين ، وبهذا الموقف الحكيم تفادى إدخال قبيلته في صراعات مع الآخرين ، وربما عرفنا شواهد هذا من صفحات هذا الكتاب.

    * الوفاء وحب الخير:​


    ومواقف الرجل الشاهدة بوفائه من الكثرة بحيث يصعب حصرها في هذه الصفحات ومن أشهر مواقف وفائه ذلك الموقف من الشهيد الزبيري بعد إستشهاده أن رعى إبنه عمران وحاطه بكفالته حتى بلغ أشده فزوجه ببنته ووفر له ما يحتاج إليه ولاتزال ذاكرته واعية مقادير الرجال الذين زاملوه أيام الشدة والنكبة فما إن يسمع بمصرع أحدهم حتى يسارع بنفسه بالمشاركة في العزاء والمؤاساة رأينا ذلك في تعز وهو يقدم معزياً الشيخ أمين عبدالواسع في وفاة أحد أبنائه ثم معزياً أحمد أمين في وفاة والده الشيخ أمين عبد الواسع ورأيناه في تهامة وهو يتحمل في يوم صائف صعوبة المكان معزياً عند وفاة شيخ الزرانيق الشيخ محمد يحى منصر وقيام إبنه بالمشيخ بعده وقرأناه في وفائه لمصر حين تعرضت ضفاف القناة للإحتلال الإسرائيلي وأصبح وضع الرئس جمال صعباً وعرض عليه تجنيد الألاف من قبائله رداً لجميل مصر و كذلك عند وفاة جمال حضر جنازته وهو من أسرع الناس مبادرة لإصلاح الشأن وحب الخير ولعل ذلك عمل دائم من أعماله اليومية في نطاق قبائله ولدى الأخرين وكان من أقربها إلى الذهن زيارته الأخيرة للمشائخ من آل السعيدي وللمشائخ من آل باشا بالعدين إصلاحاً للشأن بينهم وبين مواطنيهم وإهتمامه الشخصي بقضية الحتارش السكنية ا لتي شغلت الآف الأسر بصنعاء ولا تزال ، وأحسب أفراد هذا البيت مطبوعين على فعل الخير مع من يعرفون ومن لا يعرفون فقد كنا ذات يوم مع محافظ الحديدة يومها النقيب سنان أبو لحوم وكان يصاحبه في زيارته لمدينة حيس يحيى بن حسين الاحمر وحدث أن النقيب سنان غضب على بعض الموظفين إعتباطاً وأقسم على نقله من عمله إلى منطقة نائية من المحافظة وكان ذلك الموظف في سن متقدمه ومثقلاً بعائلة كبيرة فنهض الشيخ يحيى بن حسين الأحمر وهو الغريب الذي لم يسبق أن زار بلد يتلطف بالشيخ سنان حتى أذعن له وصفح عن الموظف المسكين وسحب أمر النقل .

    * الشجاعة والكرم :​


    وهذه الخليقة لا يحتاج دليلاً لإثباتها على بطل مارس حمل السلاح منذ الخامسة عشرة من عمره وخاض المواجهة ضد الامام أحمد وكلفه عارفوه بالمشاركة مع جماعة موكله بأغتيال أحمد بالسخنه وخاض لهب المعارك منذ أول قيام الثورة وطوال ثماني سنوا ت وكان من الأحداث التي لا ينساها أنه وهو سجين في المحابشة ، وتقوم الثورة ويستدعيه الرئيس السلال للخروج من السجن و المسارعة إلى صنعاء فيأنس إعتراضاً من مدير السجن ( لشاويش ) وتحايلاً لإحتجازه من أجل إرساله إلى البدر ويهمس في إذنه صاحباٌ له وهما في السجن ليلتئذ وهما يسمعان راديو لندن يذيع إستعدادات البدر وعمه الحسن يهمس في أذنه للخروج في منتصف الليل قبل أن يحجزهم السجان فيأبى الشيخ إلا أن ينام ملء جفنه حتى إذ ا جاء الفجرهب للصلاة ثم إنطلق مع بعض أصحابه العزل لمواجهة ما يعده الأعداء دون وجل وينطلق في طريقه إلى صنعاء وسيمر بنا في مكانه إعتزامه إعتقال كبار القادة وفيهم من فيهم حتى يذعنوا لموقف الشعب لولا حيلولة الزبيري دون ذلك كما فصله الأستاذ زيد بن علي الوزير في ذكرياته ولا يحتاج رجل تعود هو وأسرته وقومه على إستضافة المؤتمرات العامة أياماً إلى من ينوه أو يستشهد بشواهد عن خليقة الكرم فيه وهو الذي قام لديه في خمر أيام الأزمة مع السلال و المصريين منتصف الستينيات الآف اليمنيين من عسكريين وعلماء ومدنيين وأقام معهم جمهورية اليمن الحرة في خمر حتى دعته صعوبات الوضع فهب بهم إلى صنعاء لإستلام المواقع من المصريين وشهدت اليمن تلك المسيرة الشعبية الضخمة أولها في داخل صنعاء وأخرها في قاع البون إلا يذكرك هذا ببيتي حسان الخالدين في غسان :
    بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شم الأنوف من الطراز الأول
    يغشــون حــتى ماتهرّ كلابـهم * لا يسئلون عن الخميس المقبل
    هذه إلماحة عن الرجل المولود في شعبان سنة 1351هـ والذي يبلغ اليوم
    السادسة والستين من عمره المديد المبارك بإذن الله و الذي أستطاع أن يجسد في شخصيته وحدة اليمن وتقاليده وأخلاقه وكان بحق وجهه الأول ومثاله الجامع ، وإذا شئت مزيداً من الشهادة فإليك أسماء بنيه وقد جمع فيها كبريات قبائل اليمن وفصائله:
    (صادق - حمير - حميد - حسين - حاشد - هاشم - بكيل - مذ حج – همدان – قحطان ) .
    إن رجلاً هؤلاء أبنائه لهو بحق أبو ا ليمن وإن بيتاً يضمهم في أضلاعه لهو بحق بيت اليمن .


    الوقفة الأولى
    الوحدة اليمنية – الأئمة - القبائل


    ( لو توفر للدولة التركية طابور من هؤلاء المقاتلين اليمنيين لا نتصرنا على أوروبا )
    القائد الألباني المسلم
    الفريق أحمد عزت باشا
    رئيس أركان حرب الجيش التركي
    سنة 1323هـ - سنة1910م​

    حين قال الاحنف بن قيس لبني أمية إن كذبنا خفنا الله وإن صدقنا خفناكم فماذا نعمل ، كان بتلك المقوله يلخص أمراض الأمة التي تفاقمت حتى أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم من العلل والخلل و اذا كانت أمراضها الراهنة تبلغ العشرات فإن شفاءها علاج واحد غائب لو أمكن لها إستعادته و العودة اليه لشفاها بإذن الله ، ذلكم هو الصدق الذي حث عليه القران ونوه به وأثنى على أصحابه ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ) وكان أمره صريحا ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين ) وفي سورة الحجرات يحدد صفات الصادقين : (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموا لهم وإنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ). ومع إنتهاء العهدين النبوي و الراشدي وتحول الحكم من حق للعباد ينعقد ببيعتهم ويخضع لرقابة شوراهم إلى إستبداد يفرض إنجرافاته بالقوة عادت أمراض العرب الأولى تجرجر بأرجلهم إلى الضعه والهوان والفرقة وبد لاً من أخلاقية القرآن القائمة على إدانة النفس وإتهامها وتربيتها ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) جاءت الأخلاق الإبليسية إعتزازاً زائدآ بالنفس و تضخيماً للذات وتجاوزاً لحقوق الآخرين ومنطلقها مقالة الشيطان الرجيم ( أنا خير منه ) وأصبح المجتمع الإسلامي أواخر القرن الأول محكوماً لا بوصايا لقمان لابنه وإنما بجعجعة إبن أم كلثوم .
    لنا الدنيا ومن أمسى عليها ، ونبطش حين نبطش قادرينا وحين يغيب الدين الحق يسوء الحال كله وتسقم الدنيا وأهلها سواء منهم ساكنوا المدن أو المقيمون في الأرياف من القبائل ويتمادى بهم السوء حتى يصبحوا مجتمع ذئب وضئان ولا سبيل إلى علاج المجتمعات حينئذ إلا بالعودة الراشدة إلى الدين ، من أجل ذلك قال إبن خلدون :
    ( إن العرب لا يستقيم أمرهم إلا بالدين ) وها نحن نشهد في سائر الساحة الإسلامية قيام ظاهرة الذئاب والضئان في كل مكان نظراً لغياب وازع الدين ومن ثم إنعدام الصدق وقمع التواصي بالحق والصبر فكان هذا الخسران الذي نراه و الذئاب تتنوع بحسب أدوار المجتمعات حيناً بجفاء القبيلة وحلول بدائلها كالحزب الحاكم المتسلط على الرقاب أو الجيش المسيطر بالقوة وسيستمر الوضع العليل حتى تعم العودة الحقه إلى دين الله لا بالشعارات والمظاهر وإنما بالحقائق و الضمائر وسنبقى متعبين في مجتمعات المساكين الثلاتة المفترى بأسمهم على الملايين : الدين - الدستور- القانون ، بينما ممارستنا الواقعة إسلامياً مذبذبة فلا ديناً أقيم و لا دستوراً طبق و لا قانوناً حقق خلافاً لما عليه الآخرون الذين وإن كانوا قد أبعدوا الدين عن واقعهم إلا أنهم صدقوا الديمقراطية وحققوا رشداً سياسياً ورعاية حقيقية لحقوق الإنسان و تبرأوا من داء مداراة العيوب والأمراض و الانقياد للسلطة حين تخرج عن النظام ولم يتحرجوا من الاعتراف بأخطائهم و التعاون على إيجاد مقومات العوج و الإنحرافات وهذه ا لدراسة تلتزم ما استطاعت جانب الصدق والإستيعاب في عرض الوقائع دون تجن على أحد أو محاولة تجريح أو تشهير، ولربما غضب البعض من طروحاتها واستعراضاتها فليثق أنها تفعل ماتفعل بقلب أبيض وفهم مفتوح نظيف غايته الوقوف على الحق و المصداقية ا لتي نحن في إفتقار شديد إليها و الله المستعان .

    * الوحدة اليمنية :​


    تشيع في كل الشعوب دورات يتفاوت فيها النشاط ا لإنساني بين التجدد والجمود ومن ثم ينعكس على المظاهر الكبرى لوجوده من توحد أو صراعات وانقسام ، و تعد وحدة الشعب أي شعب ذروة عالية من إكتمال الشعور العام وإنعقاد التوجه الكلي للمجتمع لاستعادة دوره الحيوي في تاريخه العام ، وتشغل الطبيعة الجغرافية للمكان مساحة هامة في كتابة تاريخ الإنسان القاطن فيها والمتعإمل معها من حيث وعورة الجبال اليمنية وإمتداد السواحل ثلاثة آلاف كم ، وترامي الصحراء التي تشكل في الجغرافيا اليمنية قطاعاً واسعاً في المحافظات الشرقية أضف إلى كل ذلك ما أرتكز عليه نظام الإمامة من نظرة عنصرية فوقيه وما ساد لدى الحاكمين وغيرهم من ملوك وسلطنات ومشيخات وإمارات من غلبة المزاجية الفردية على أسلوب الحكم وإنعدام أية بقية من بقايا الشورى ونظام الجماعة اللهم إلا على النطاق القبلي المحدود في جزء من المناطق الشمالية ، وما كان لإطماع الدول الاجنبية وتدخلاتها عبر قرابة ثلاثة قرون ما يتفرد به الواقع اليمني في جزيرة الذهب ككيان فقير يمتلك الأيدي وتشح ظروفه عن تقديم الموارد المطلوبة والكافية لتحقيق أمن غذائي وتقدم تنموي حقيقي مما يجعله شبه مبعد عن نطاق الثريا الذهبية بقتضى توجهات الحاكمين في الجزيرة والخليج ومما يجعله ملتقى ممارسات يمليها الآخرون لمختلف مشاربهم واتجاهاتهم وطوال الأحقاب فإن بدائية المواصلات جعلت المظهر الوحدوي نادراً ل ايكاد يراه الرائي إلا لسنوات معدودة ثم يختفي باختفاء البطل الوحدوي ويكفيك أن اليمن في عهده الإسلامي وقد قطع منه مايقارب خمسة عشر قرناً لم يشهد غير خمسة من أعلامه ساءهم تشرذمه وتمزق أشلائه بين دويلات وإمارات فعملوا على تجديد وحدته وترميم كيانه العام ، وبالطبع كان الإسلام هو الروح العام الذي نفخ في أوصال الشعب الممزق ليستعيد تلاحمه ويستأنف دوره الرائد ، وكان ماكان من عطائه المتميز منذ العهد النبوي من فتح البلاد وحسن بلاء في الجهاد وإسهام رائع واسع في كتابة معلمة الأمة الثقافية من شرعية ولغوية وأدبية وعلمية مما تفيض به الأسفار وكان بعد إنتهاء النفوذ المركزي بدار الخلافة في دمشق الأمويين وبغداد العباسيين أن أستقل بالحكم رجال كبار جددوا الوحدة ولموا الشعث أولهم : محمد بن إبراهيم بن عبيد الله بن زياد أوائل القرن الثالث الهجري وقد تصدعت في عهد أخلافه وعلى إمتداد الحكم النجاحي واليعفري ثم جاء المجدد الوحدوي الثاني علي بن محمد الصليحي في القرن الخامس الهجري ، ومهما يكن من أمر أسماعيليته فإنه من أبناء اليمن الأفذاذ وأفرادها القلائل الذين أسدا لوحدة اليمن خدمات جُلى ، ثم جاء بعد إنتشار التصدع العاهل الرسولي الكبير المظفر يوسف بن عمر بن رسول في القرن السابع الهجري ولعله أبرز عاهل عالم عادل تبوأ أريكة السلطة في هذا الشعب وعادت عوامل الشتات دواليك حتى كان ظهور الإمام الراشد المؤيد محمد بن القاسم في القرن الحادي عشر فأعاد وحدة اليمن بجهود أخيه الحسن وأبنه أحمد بن الحسن من حضرموت حتى الخلاف السليماني وعمل الزمن عمله فتمزق اليمن من جديد بين أئمة وأشراف وأتراك وإنجليز وأذن المولى سبحانه بقيام الجمهورية ، وبعد مضي ما يقارب ثلاثين عاماً عادت الوحدة عن إجماع شعبي وتفجر روح تأريخي وحدوي فتحققت الدورة الوحدوية الكبرى على يد الرئيس الفريق علي عبدالله صالح - ومن ورائه ومعه كل القوى الشعبية الخيرة التي اكدت البنيان الوحدوي بإنتصارات السابع من يوليو 1994م الثامن والعشرين من محرم 1415هـ وستبقى ثوابت العمل الوحدوي وضمانات إستمراريته لا بالجيوش المتكاثرة ولا بالسلطة المسيطرة وإنما بتأصيل وتعميم الإيمان والعلم والعدل وعنها يصدر وعليها يقوم النظام والأمن والنماء ، لقد أصبح ضرورياً أن يعي الأعلون قبل الأدنين أن ثوابت السلوك الإنساني هي تلك الثلاث التي ذكرناها وأن مقر التحولات العامة في كل الحضارات والأمم والشعوب هي القلوب محل نظر الرب مصدر التغيير الدائم ، والواقع ملئ بالشواهد ومتخم بالعظات ولنعلم جميعاً أن التجارب المستعارة والمفروضة من الآخرين كالتي يسمونها التعددية الحزبية والممارسة الديمقراطية وأمثالها ما لم تكن نابعه عن قناعة ذاتية ومحكومة بممارسة حقيقية فإنها لا تعدو أن تكون ضرباً من إثارة الدخان للتضليل عن النهج والله المستعان .

    * الأئمة :​


    أول أئمة اليمن كما هو معلوم الهادي يحى بن الحسين وولده أحمد الناصر وأخرهم هو المتوكل يحى حميد الدين وولده أحمد الناصر من سنة 282هـ إلى سنة 1382هـ فبلغ تعدادهم عبر هذا المشوار الزمني الطويل سبعين إمام إنحصر حكم أغلبهم داخل سياج السراة ولم يحكم اليمن الطبيعية منهم غير أربعة هم :
    المؤيد محمد بن القاسم صاحب شهارة وأخوه المتوكل إسماعيل بن القاسم صاحب ضوران وإبنه المؤيد محمد بن إسماعيل صاحب معبر وابن أخيه أحمد
    بن الحسن صاحب الغراس وكلهم من أعلام القرن الحادي عشر الهجري ومع أنهم كلهم لقبوا أنفس بأئمة الزيدية فإن حقيقه الأمر أنهم هادوية نسباً في أغلبهم لإنحدارهم من جدهم الأعلى يحى بن الحسين وهادوية فكراً ومذهباً
    لمتابعتهم له في ما أخذه من الأصول عن شيخه المعتزلي أبي القاسم البلخي ووقفهم على اجتهاداته الفروعية في فقه العبادات والأحكام وكان الخطاء الفادح الذي أصاب أولئك الرجال الكبار هو موقفهم الرافض لصحاح السنه التي إحتضنت بحق تراث النبوة وكانت ولا زالت وستبقى مدونة الأمة الجامعة لكل مذاهبها فعزلوا بذلك أنفسهم وإنتاجهم وحالوا بين مواطنيهم وبين خير كثير، ويحدثنا في هذا الصدد القاضي إسماعيل الأكوع في رسالته اللطيفة و الهامة عن الزيدية فيقول ص 28 : وقد إعتمد الهادي يحيى بن الحسين في فقهه الذي إجتهد فيه وأختاره مذهباً له على أدلة مروية عن أسلافه فقط منها ما هو مرسل ومنها ما هو موقوف ولم يلتفت إلى الادلة المروية عند اهل السنه فيستنبط منها أحكام فقهه كما فعل أئمة المذاهب الأربعة الشافعي و الحنفي و المالكي و الحنبلي المعروفون ولكنه يتجاهلها بل وأنكر صحتها كما روى عنه الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى في كتابه الغايات في ذكر المخالف حيث قال : ولهم أي - لأهل السنه - كتابان يسمونهما بالصحيحين صحيح البخاري وصحيح مسلم - ولعمري أنهما عن الصحة لخلّيان.
    وعقب المهدي على كلام الهادي بقوله : ولعمري إنه - أي الهادي – لا يقول ذلك على غير بصيرة أو كما قال ، وهذا ما أكده المهدي بقوله نفسه :
    إذا شئت أن تختر لنفسك مذهباً * ينجيك يوم الحشر مـــن لــهب الـنار
    فدع عنك قول الشافعي ومالك * وحنبل و المروي عــن كـــعب أخبار
    وخذ من أناس قولهم ورواتهـم * روى جدهم عن جبرئيل عن الباري ويواصل القاضي / إسماعيل استعراض أقوالهم في نفس المعنى ص 29 : (فإن أحمد سمعد الدين المسوري المتوفى (1079 هـ - المو ا فق1668م) وهو من كبار علماء الهادوية أعلن في رسالته المسماه ( ا لرسالة المنقذة من الغواية).
    [ أن كل مافي الأمهات الست لا يحتج به وأنه كذب ] وذلك لان الهادي ومن سار على دربه من الأئمة وأتباع مذهبه لا يعتدون بها في شيء لأن رواتها لم يكونوا من الشيعه).
    ورغم ما أتيح لهم من الظرف الزمني الواسع ليصلحوا أمور الناس ويخففوا معاناة العباد فإنهم إنشغلوا أيام الحرب بالقتال وأيام السلم بالجدال وإنعدم في تاريخهم الإصلاح العملي في كل المرافق اللهم إلا بضعة مساجد وصرت تلحظ تخلفهم وقصورهم عما قدمه العبد الزيادي الصالح الحسين بن سلامه من إصلاح المرافق العامة وإنشاء المناهل والحانات لإيواء المسافرين فضلا عن أن نذهب في المقارنة بينهم وبين مساعي ومآثر الدولة الرسولية الرائعة والواسعة وكان من أهم رجالهم علمياً واصلاحياً ورفقاً بالعباد وإهتماماً بإطفاء الفتن والحروب الإمام يحيى بن حمزة الذي يعد في الذروة منهم ولم يكن هادوى النسب فإنه حسيني قد قدم أبوه من العراق وقد أستفاد يحيى بن حمزة خيرية في نفسه وسعة في المعرفة من جده لأمة الإمام السراجي الذي تربى في احضان السنه وأخذ عن الولي المصلح أحمد بن موسى العجيل في تهامه وكان إلى جانب المؤيد يحيى بن حمزه هذا في خيريته وحسن قيامه بأمور الناس مؤيدان فاضلان هما : المؤيد محمد بن القاسم والمؤيد محمد بن إسماعيل ، وعلى جانب آخر يتفرد ثلاثة بالدموية المسرفة أولهم المطهر بن شرف الدين ، ثانيهم محمد بن أحمد صاحب المواهب وثالتهم أحمد بن يحيى حميد الدين ، أما المع عسكري قدمه تاريخ الأئمة فهو الحسن بن القاسم الذي لم يكتف بإجلاء الأتراك وإعادة توحيد البلاد حتى أضاف إلى ذلك الإهتمام بتحسين الجزر اليمنية من زيلع إلى فرسان ودهلك وهذه لفته ذكية منه وددنا لو أن سائر الدول التي حكمت اليمن سبقته إليها أو لحقت به فإن اليمن طوال تاريخها قبل مجيء الإسلام لم تتعرض لغزو قاتل إلا عن طريق البحر ولأمر ما رأينا بريطانيا تحرص منذ القرن ا لسابع عشر الميلادي على التفرد بالسيادة البحرية في سائر بحار ومحيطات الدنيا مما أتاح لها إذلال قائد عسكري في مقدمة القادة العالميين هو ( نابليون بونابرت ) وملاحقته في مصر وإحراق إسطوله في أبي قير ثم محاصرته في بلاده فرنسا حتى أسقطوه ولم يخل تاريخ الأئمة من رجال ربانيين خرجوا عليهم فكرياً وقارعوهم علمياً وأقربهم إلى الذهن ساعة إملاء هذا هو العلامة المجاهد المجتهد يحيى محمد لطف شاكر الذي رفع لواء السنه وخرج على مقررات المذهب وسعى لإصلاح أحوال الناس وتخفيف معاناتهم ، ولو أن اليمن رزق رجالاً من طراز شاكر يقفون في وجه التعصب المذهبي و التعالي العنصري لأستقام العوج وأنعدل الميل ومن أخباره مع الإمام يحى ما أورده القاضي إسماعيل الأكوع في كتابه ( الهجر و المعاقل ) ص 2088 المجلد ا لرابع : (إجتهد في طلب العلم وتحصيله حتى فاق أقرانه وزاحم شيوخه فتخطاهم ولما عرف أن العمل بكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم وحدهما هو الحق الذي يجب أن يتبع نبذ التقليد وأنقطع لدراسة علوم الكتاب و السنه حتى صار مجتهداً مطلقاً وأخذ يدعو إلى ترك التقليد كما نعى على علماء عصره تمسكهم به وأنكر على الإمام يحيى حميد الدين أموراً يعملها على أنها من الدين وهي ليست من الدين في شيء كما قال وذلك في رسالة وجهها إليه وعد بعض تلك الأمور فأستشاظ الإمام يحيى منه غيضاً وأستدعاه إلى صنعاء وكلف أحمد بن عبد الله الكبسي وأحمد بن علي الكحلاني وعبد الله بن محمد السرحي ومحمد بن محمد زبارة بالإطلاع على تلك الرسالة الموجهه إلى الإمام ومناظرته و الرد عليه وقد إجتمعوا به بحضور محمد بن حسن الوادعي وعبد الرحمن بن حسين الشامي لمراجعته للعدول عن رأيه ولكنه أصر على تمسكه بماجاء في رسالته وعززها برسالة إلى أولئك العلماء هذا نصها : ( الحمد لله وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ، حفظكم الله تعالى وعافاكم وكفاكم مهمات الدارين آمين .
    لم أرد مما ذكرته في الرسالة من الشرك والكفر إلا ما أراده الله ورسوله فأنا غير مخطأ ولا أثم بذكرهما يقيناً لا أشك فيه ، وقد أشتهر أن الإمام حفظه الله منصف وسيظهر صدق ذلك من كذبه الآن فأقول : لإ يمكن إزالة ما ذكرته من الشرك والكفر إلا بعد حصول ثلاثة أمور: أحدها إزالة جميع المنكرات والبدع الموجودة الآن من قبب ( قباب جمع قبه ) ومشاهد ( شواهد القبور) ومكوس جمع مكس ما يأخذ من التجار من ضرائب مقدار عشرة في المائة ، وإسبال (عدم ضم اليدين في الصلاة ) وجمع بين الصلاتين ( الظهر والعصر و المغرب والعشاء ) وتكفير أهل السنه وإيثار قراءة غير الكتاب والسنه وما يوصل إليهما فإذا أزيلت هذه الأمور وأمر الإمام بالمعروف ونهى عن كل منكر وبدعه تحت وطأته بادرت بإزالة ما في الرسالة من شرك وكفر وإن كان حقاً فإن زعم عدم قدرته على إزالة ما ذكر فهو كاذب يكذبه كل عاقل .
    ثانيا أن تعرض الرسالة على جميع العلماء الذين هم تحت وطأة الامام فإذا
    اجمعوا على أن ذكر الشرك والكفر مخالف لامر الله ولأمر رسوله ولمراد الله ولمراد رسوله ولمحبة الله ولمحبة رسوله قلت لهم : تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين أنا أو هم .
    تالثاً : أنهم إذا تابوا عن المباهلة رقم كل واحد منهم شهادته على بطلان ما ذكرته وأن الإمام مصيب في كل ما فعله ولفظ الشهادة التي يرقمونها : نشهد لله أن ما ذكره فلان من الشرك والكفر في رسالته باطل وأنه مخالف لأمر الله
    ولأمر رسوله ولمراد ا لله ولمراد رسوله ولمحبة ا لله ولمحبة رسوله ونشهد لله أنه لا يلزم الإمام شيء من المكوس التي يأخذها على المسلمين ولايلزمه هدم القبب و المشاهد ولا نهي الناس عن التسريج عليها وقبول النذر لها ولا يلزمه إزالة بدعة من هذه البدع الموجوده الآن من ا لإسبال في الصلاة والجمع بين الصلاتين تقديماً وتكفير أهل السنه وإيثار غير أهل الكتاب و السنه عليهما ولا يلزمه شيء من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فمتى رقموا هذه الشهادة وكتب كل عالم من علماء دولة الإمام وسلمت إلي محوت الشرك والكفر وأحرقت الرسالة بالكلية فإن أبوا عن الشهادة للإمام بأنه لا يلزمه شيء الى أخر فليرقموا شهادتهم عليه بأن يلزمه ما ذكر من إزالة المكوس وغيرها فإن لم يحصل شيء مما ذكر البته وكذا إذا إختار الامام أحد الثلاثة الأمور وأخل بشعبة من شعب ذلك الأمر الذي أختاره فلا يمكن فإن إدعى أنه لايمكنه إزالتها دفعه بل على التدريج فليفعلها على التدريج ومتى أكملها فعلت المشار إليه وإلا فلا يمكن محوها البته لو فعلوا بي ما فعلوا فإني من ديني على بصيرة فلا قلق من شيئ البته لو أجتمع علي أهل الأرض ما باليت بهم في ذات الله لأني أعلم من نفسي أن هواي مع الله ورسوله لا مع نفسي ولا مع أحد من المخلوقين كما هو ديدن أهل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
    حرر آخر محرم 1357هـ
    من يحيى بن محمد ابن لطف – لطف الله به آمين
    فلما قرأ هؤلاء العلماء هذه الرساله صاروا في أمر مريج فهم لم يكونوا من الشجاعة في قول الحق مما يجعلهم يقفون الى جانب صاحب الترجمه ولا هم من ضعف الإيمان بالدرجة التي تجعلهم ينكرون على صاحب الترجمه ما جاء في رسالته جملة وتفصيلا ، وقد انتهى الأمر بأن أبلغ العلماء الإمام بموقف صاحب الترجمه وإصراره على عقيدته في الإيمان فما كان منه إلا أن أذن له بالعودة إلى معمرة ليبعده عن صنعاء فعاد بعد أن أدا ما أوجب الله عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكنه بقي في نفس الإمام عليه من الكره والحقد والألم مالا تستطيع السنون محوه ولهذا فإنه ما كاد الخلاف بين صاحب الترجمة وبعض علماء معمرة المتعصبين لمذهبهم الزيدي الهدوي يستطير لإعلانه وجوب التمسك بالعمل بالكتاب وصحيح السنه كالآذان بالتربيع وحذف حي على خير العمل والرفع والضم والتأمين في الصلاة حتى تصدى له حسين بن محمد الشرفي ومنعه من الاذان في المسجد فكان يؤذن من سطح داره أذان أهل السنه وكان إذا قال في الصلاة آمين ومد بها صوته عارضه حسين الشرفي بقوله طاعون مما حمله بعد أن لاقى من المتاعب في سبيل نشر السنه ما لاقى ان وصف شرح الأزهار كما أخبرني أخوه القاضي لطف بن محمد بن لطف بن محمد شاكر بإنه طاغوت الزيدية وذلك لما يوجد فيه من مسائل مخالفة لنصوص الكتاب والسنه فقد يذكر في المسائل الخلافية الأدلة في الكتاب والسنه أو كليهما فإذا لم يأخذ المذهب بها أتباعه يقولون: والمذهب بخلافه أي أن الواجب العمل بالمذاهب وليس بالادلة النقلية هذا وقد إغتنم الإمام يحيى فرصة الخلاف بينه وبين بعض العلماء المقلدين الذي يقال إنه هو الذي أذكى أواره فأرسل جنوداً من عنده من صنعاء إلى معمرة لإحضاره إليه وحضر فني الوقت نفسه مناوئوه ليقوموا عليه دعاويهم فلما مثلوا بين يدي الإمام خاطبه الإمام بقوله : مالذي بينك وبين هؤلاء العلماء فأجاب عليه بأنه ليس بينه وبينهم إلا ما يقع عادة بين العلماء ولا يريد لهم إلا الخير ثم قال للإمام ولكنك غريم الخاص والعام والغني والفقير لأنك ترسل جنودك على الناس من أجل نفر ذره من زكاة الفطر إذا تأخر تسليمها إليك أو إلى عمالك مع أن الله أمر على لسان رسوله أن تدفع تلك الزكاة إلى الفقراء قبل صلاة العيد طهوراً للصائم فأمر الأمام بأن يبقى في صنعاء كمعتقل ولا يسمح له بالخروج منها فأستأذن المؤرخ محمد بن أحمد الحجري أن ينزل عنده في بيته .. فوافق الإمام ).ا.هـ
    وواضح أن شاكر عني كعالم بالقضايا الإعتقادية والعبادية مع أن الواقع
    يطفح طوال العهد الإمامي بالمظالم ا لجائرة و المزمنه سواء في أخذ الزكاة غير مأخذها ومصرفها الشرعي كالخطاط والرسامة وصرف التنافيذ والرهائن والضرائب و التقصير في إقامة العدل القضائي وتحقيقه.
    وكان من أجهر أصوات الإستنكار المبكرة لإدارة الإمام يحيى أوضاع البلاد
    بعد إستقلاله بحكم ا ليمن هو صوت العلامة يحيى بن محمد الإرياني - مستنكراً هجوم جيش الإمام على يريم وما أحدثه من نهب وأجتراء على المواطنين مما عرضه في قصيدته إلى الإمام يحى بما وقع فما كان جواب الإمام غير أن يعرض على الإرياني تعويض ما فقده فأبى الإرياني إلا أن يكون حاله كسائر أهل يريم وقد دفع الفريق أحمد عزت - الوالي التركي يومها تعويضاً للمدينة ستمائه ليرة ذهبية يقول الإرياني :
    على رسلكم أهل المـحابر والقلم * بـــذا خــــبروا فليــنقل الرقــم من نظم
    قفوا ريثما أملي عليكم رســــالة * لهــــا الصدق خالٌ وإبن خالٍ لهـا وعم
    منزهة عن ذكر ليـــلى وزيــنب * ومشغولة عن وصف سلمى وذي سـلم
    بما كان حقاً في يريم وماجرى * من القوم مما أوقع الطـــــفل في الـهرم
    فلم يتركوا للمسلمين جميعهـــم * من المـــــــــال مايجدي ببيع ولاســـلم
    فقد أخذوها من محب ومبغض * ومافرقوا بين الصحيح وذي الـــــــسقم
    فكم من ضعيف قد أذيق بظلمهم * عذاب من التنكيل والـــــــــهتك للحرم
    وقطعهموا أذن الشريفة واقــــعٌ * لقرط **** لا يُـــــــــــــقوَّم بالقـيــــم

    * القبائل :​


    و اضح أن القبيلة في عمراننا البشري تمثل النهر المتدفق الجريان المتواصل
    العطاء يصب في المدينة فيجري في شرايينها ويحقق دورها ويجدد حيويتها واذا
    كان دورالقبيلة في الجانب الإنتاجي والتسويقي والعمراني غني عن البيان فكذلك دورها في الجانب المعرفي تربوياً وعلمياً وأدبياً وفي حالة مدينة كصنعاء مثلاً يمكنك أن تلقي نظرة على بيوتها أو تراجم رجالاتها حتى تقف على الكثير من الأسر ذات التفوق العلمي والأدبي والسياسي وكلهم من شوكان أو عمران آنس أو الحداء أو ا لحيمة وهذا سهل متاح قراءته من كتاب الواقع المشهود.
    أما ما ينبغي التلبث عنده فهو الدور السياسي والعسكري للقبيلة في تاريخ اليمن الإسلامي وبداية ننبه إلى المكونات الذاتيه والخصائص التي تفرزها البيئة والتاريخ طويل ومتعاقب مما يمكن إجماله في حصانة مرابضهم المسيجه بالجبال
    الصعبة و المفاوز المقفرة و لكهوف الموحشه وكلها موانع طبيعية تمنح مواطنيها حصانة دائمة ثم الكثافة العددية إذ تشغل مواقع القبائل ا لهمدانية و القضاعية أربع محافظات هي: الشطر الشمالي من محافظة صنعاء وفي الشرق الجوف وشمالاً صعده وغرباً حجه وقد قرأنا عن الإمام يحيى حميد الدين أنه فور توقيع صلح دعان 1911م، أبرق إلى الباب العالي بالآستانه يعرض بأسم اليمن تقديم مائة ألف فرد مزودين بالأسلحة وذوي مراس طويل في القتال دعماً لتركيا في حربها ضد أوروبا، كما علمت من الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر مشافهة أنه عرض على الرئيس جمال عبد الناصر تجنيد خمسه وعشرين ألف مقاتل من القبائل لحماية القاهرة ثم الضراوة القتالية لتربيتهم على القتال وحمل السلاح من السنوات الباكرة من حياتهم ثم جدب المكان الذي تعيش فيه الكثير من القبائل وخاصة المناطق الشرقية من الجوف إلى قيفه جوار رداع، أضف إلى كل ذلك إضطراب الدويلات وصرع ا لإئمة وتلاحق موجات الغزو من الخارج ولقد ذاقت اليمن بعد إنتهاء العهدين النبوي والراشدي مرارات لا تتوقف إلا لتتجدد بدءاً من العهد الأموي ثم العلوي كرد فعل ثم العباسي ولما إستقلت اليمن بأمرها في القرن الثالث كانت الصراعات اكثر هيجاناً وأشد ضراوة طوال عهود الزياديين و اليعفريين والنجاحيين و الصليحيين والأيوبيين والرسوليين والطاهريين وأشراف المخلاف السليماني و الأتراك و الإئمة.
    وما منهم إلا من يضطر إلى كسب القبائل لصالحه بحق أو باطل. ولهذا أصبح القتال حرفه مستديمه ومجال رزق مشروع لا حرج عليهم فيه.
    ويكفيك مثلاً ا ن تراجع كيف أستطاع الوالي الزيادي في مخلاف جعفر
    ( المذيخرة ) بالإغراء أن ينغص حياة اليعفريين في صنعاء و المشيخات المجاورة كآل الروّيه في السر، و آل الضحاك في حاشد، و آل الدعام في ارحب، إلى آخر قائمة المشيخات في سائر اليمن التي اربت يومها على عشرين إمارة ومشيخه، وتتفرد علاقة القبائل بالإئمة وعلاقة الإئمة بالقبائل أنها قائمة على تعاليم الدين ومقررات العقيدة ذلك شأنها في الأصل.
    ولكن أخطاء الكبار وانحرافات ممارسات القادة جعلها تأخذ مجرى العلاقة
    النفعية المتغيرة بتغيرات الرياح وحين نصوب النظر الى ممارسة بعض الإئمة مع القبائل خاصة من القرن العاشر الهجري فما بعده نشهد المطهر بن شرف الدين في مقدمة المسرفين في سفك الدماء وازهاق الأرواح الى الحد الذي جعل والده يضج من فعائله.
    وقد إمتاز الصدرالأول للدولة القاسمية بإخلاص القبائل لهم والتفافهم حولهم وحسن التعامل بينهم ، حتي إذا ما انقضى القرن الحادي عشر وبداء العام الأول من القرن الثاني عشر الهجري نجمت ناجمة الفتنة الأهلية التي أخذت في التوسع وإغراق البلاد طوال القرنين الثاني عشر والثالث عشر حتى قيام مؤسس الدولة القاسمية الثانية المنصور محمد بن يحيى حميد الدين سنة 1307هـ وكانت البداية حين حاول أمراء بني هرهرة الإنفراد بأمر يافع سنة 1101هـ فجهز عليهم صاحب المواهب حملات كثيرة متتابعة جعل على رأسها كبير همدان جابر بن خليل الذي يبدو أنه أخفق في إخضاع يافع وتقاعس في الحرب ضدها إنتقاماً من وزير الإمام محسن الحبيشي.
    وعاد خليل إلى بلاده دون ان ينجز مهمته ففتك الإمام بوزيره الحبيشي وبعث من جاءه بجابر بن خليل فاحتز رأسه وكانت تلك الفعلة هي الشرارة التي أشعلت قلوب القبائل بنار الإنتقام من الإمام وتتابعت الأفعال وردود الأفعال حتى إستطال مسلسل العنف بين الفريقين فإنه لما هبت قبائل حاشد وبكيل غاضبة لمقتل خليل بعث إليهم صاحب المواهب قائده الشجاع ابن أخيه قاسم بن الحسين الذي اصبح فيما بعد إماما ولقب نفسه بالمتوكل وما إن وصل القاسم بن الحسين الى خمر والتقى الروساء البكيليين والحاشديين حتى عاجل صالح بن هادي بن حبيشى كبير بكيل بالقتل داخل قصر الخمري سنة 1120هـ فاستفز القبائل الموتورة التي تألبت تحت قيادة علي قاسم الأحمر، وقد عمد الأحمر تحقيقا لمأربه الانتقامي الى مصادقة الحسين القاسم الذي اصبح بعد سنوات عاملا على عمران وفيما بعد إماما ملقبا بالمنصور فدفع به الأحمر أيام عمالته لأبيه على عمران أن يخرج على والده خروجا مسلحا ، ولكن جهود مصلح اليمن محمد بن إسماعيل الأمير اطفأت الفتنة بين الأب والابن وعاد الحسين الى عمران ولما توفي والده سنة1140هـ دخل في نزاع مع محمد بن إسحاق على الإمامة ووصل الأحمر وناصر بن أحمد جزيلان إلى سفح عصر معسكرا بقبائله ضد الحسين بن القاسم فاحتال الإمام لمعاجلة الأحمر بالفتك ولم تستسلم القبائل وانما إنتقموا بقتل الوزير الحيمي وواصلوا دعمهم لمحمد بن اسحاق واستمر المسلسل في عهد الإئمة اللاحقين فقتل المهدي عبد الله كبير بكيل في عصره على عبد الله الشايف ، وخرجت بكيل تنتقم له فعاثت في صنعاء ، وجاء من بعده إمام آخر فتك برأس زعيم بكيلي آخر هو أحمد بن صالح ثوابه إلى آخر المسلسل الدامي والإنتقامي الذي رأيناه يتواصل حتى آخر إمام بقيام الجمهورية ، فكان حسين بن ناصر الأحمر وولده حميد وعبداللطيف بن راجح الخولاني خاتمة ذلك المسلسل الدامي ، وعلى الصعيد الآخر شهدنا الكثير من الأئمة يقضون نحبهم في وقت قصير بعد إضطلاعهم بالأمر كالإمام السراجي الذي قتل في الصف والإمام الويسي الذي قيل أنه قتل مسموماً والإمام الناصر عبد الله بن الحسن الذي قتلته همدان في طريقه الى صنعاء ، وآخرين كثيرين ذاقوا نفس الكأس مما جعل القلوب تغلي والثارات من الجانبين تتواصل وكان طبيعيا في غمرة تلك ا لأهوال وتضاعف الإشتعال من عقد الى عقد مضافا الى ما استجد من معاودة الأتراك الدخول الى البلاد سنة 1289هـ وما تفننوا فيه من إيذاء الناس بتوسيع الضرائب فكان منطقيا ان تهمل الزراعة وتقل المحاصيل وتنتشر المجاعة وتغرق البلاد عامة وصنعاء خاصة في أهوال ما أحسب مدينة في الجزيرة مثلها ، والنص التالي من كتاب: ( حوليات ) للحرازي يعرض فضاعة الواقع بلغته العفوية الموجعة ص193:
    ( ومن هنا قد بنيت على الإختصار مما وجدت لأنها أمور طويلة من تغلب أهل الفساد على الدولة في كل بلاد وترسبت الأمور وقطعت الطرق ولم زد بقي دخل للامام إنما تارة يدؤر ماعاد في الخزائن وتارة يخرج من ملكه دفعا على عرضه من كل باغي من القبائل الخارجين والتوابع الداخلين لا رحم الله كل من بغى وتعدى فما أظن ما نحن فيه (45) سنة إلا بسبب البغاة ثمانية وعشرين سنة في كل سنة إمام وكل واحد ينهب ما عاد بقي من بيت المال و الآخرين خربوا الدور والقبائل اتغلبوا على ما خلف السور و آخرها عقال ومشائخ وطاغوت ، وتسعة وعشرين سنة ترك طاغوت أحمر وقانون على خلاف الشريعة ومنكرات ظاهرات وكل حركات الرجل بفلوس للدولة إن قام سلم وان قعد سلم وان رقد سلم وإن أكل سلم وإن شرب سلم وان سافر سلم وان عمر بيت أو رفعه سلم ، وان دخله شيىء من ماله وضابطه ما بقي من غير تسليم سوى النوم وما أظن الا قد يسلم حق النور وهي الغرفة المسماة ( بلور كين ) و أما الكيري فعرفناه
    ( والميري ) سلمناه وما كان ا لا مثل ما قال : كيري ميري وصلناه نستغفر الله من الذنوب والخطايا و الأوزار آناء الليل وأطراف النهار). إ . هـ .
    ذلك هو الناتج الأول المشؤوم لذلك التطاحن الأهلي الذي عانته البلاد
    طوال القرنين ناتج آخر هو ما حدث من ثلاثينيات القرن الحادي عشر أيام صراع المنصور حسين بن القاسم مع أخيه أحمد بن المتوكل المستولي على تعز، وان كان البدر الأمير قد أصلح بينهما مرتين إلا أن حملات الجند إستمرت من صنعاء جهة إب وتعز مما جعل القبائل المجدبة ا لمحرورة تتطلع إلى إمتلاك جنبات واسعه من البلاد الخضراء في إب وتعز وحدث مايماثلها في جهات أخرى مما يقصه المؤرخ الثقه العرشي في كتابه ( بلوغ المرام ) ص75 :-
    ( إعلم أنه لما ضعفت الدولة القاسمية تغلبت القبائل وتطاولت الدول إلى اليمن وتغلب أهل البلاد النائية وأنتشر في البلاد أهل الفساد فتغلب ذو محمد وذو حسين على كثير من بلاد لاعه كالعربلان وبني الشايف وعلى جزيل من اليمن الأسفل بل صاروا ملوكاً كبني ( أبو رأس ) و آل صلاح والبحور وغيرهم وتغلبت أحياء خولان العاليه على بعض منه وأحسانهم ومرهبة على بعض وتغلبت الحداء على بعض من أسفل جهران وتغلبت حاشد كالحمران وبني ناشر وغيرهم من الخارفيين والصريميين والعصيميين على جزيل من بلاد حجه ولاعه ، وتغلب بعض من أرحب على بعض من ذلك وتعاظم الشطط وكث اللفظ وأغار الناس بعضهم على بعض ) .
    ناتج ثالث هو تفكك أطراف البلاد وانهيار وحدتها فأستبد الكثيري والقعيطي بحضرموت والعبدلي بلحج وعدن ، وأصلهم من أرحب وأستبد الفضلي بأبين
    واصله من آنس مثل ذلك حدث في إنفراد أشراف المخلاف السليماني بأمور البلاد وانفصالها عن الوطن الأم.
    وكان الناتج الرابع لتفاقم تلك الأهوال أن طمع الإنجليز في إحتلال المخا أولاً
    قبل إحتلال عدن كرد فعل لاحتلال الفرنسيين مصر فأستولى الانجليز على ميون وقدموا مطالبهم إلى عامل المخاء مما يعرضه الاستاذ حمزه لقمان في كتابه ( تاريخ عدن وجنوب الجزيرة العربية ) قال: ص 126 ( في سنة 1232هـ سنة 1817م وقع اعتداء على المقيم البريطاني في المخاء وقام حوالي ثلائمائة عسكري يمني بإغتصاب المصنع البريطاني ولم يذكر نوع الصناعة فيه ، وضرب بعض البحارة الهنود وكان الملازم ] دميسي[ ربان السفينة برنس أوف ويلز مريضاً بالحمى في الدار حينما هاجمه عدد من الجنود وسحبوه في الشارع وضربوه وبصقوا عليه ثم ساقوه إلى دار الحاكم الشيخ فتح - الذي أمر بحبسه ، وفي سنة 1234هـ] 1819م[ طلبت حكومة بومباي من الإمام أن يعاقب حاكم المخا على تصرفاته و الإهانات التي ألحقها برعايا بريطانيا ولكن الإمام المهدي عبد الله لم يهتم بذلك الطلب وعندئذ جهز الحاكم العام للهند فرقة من الجنود للإبحار إلى اليمن وإجبار الإمام على تنفيذ مطلب حكومة الهند التي كان من ضمنها التوقيع على معاهدة تتضمن الاحترام للرعايا وللمقيم البريطاني في المخا ، والمعاهدة تحتوي على البنود الآتية :-
    اولاً : - أن على المقيم أن يكون لديه حرس شبيه بالحرس ا لذي للمقيم البريطاني في البصرة وبغداد لضمان إحترام شخصه .
    ثانيا : - ان جميع خدم المصنع يستمتعون بالحماية البريطانية ويخضعون للقضاءا لذي يعرضه القانون .
    ثالثا : - ان جميع التجار الهنود سيكونون تحت حماية الراية البريطانية وأن جميع المنازعات التي تقع بينهم ستكون من إختصاص المقيم و اذا حصل تزاع بين أحدهم و الرعايا فإن المقيم سيقضي بينهما بالإشتراك مع مندوب من حاكم المخا .
    رابعا: - أن المقيم سيكون معفياً من جميع ما يعتبر تحقيراً وأنه سيكون حراً في ركوب الخيل متى وحينما شاء ، وستكون له حرية الدخول و الحروج من أبواب المخا بما في ذلك باب الشيخ / الشاذلي ، الذي كان الأوروبيون ممنوعين من إستعماله ، وكانت مدينة المخا مسوره في ذلك التاريخ .
    خامسا : - إن قيمة الضريبة على الصادرات من البضائع البريطانية ستخفض من ثلاثة ونصف في المائة إلى إثنين وربع في المائة وهي القيمة ا لتي كان الإمام والفرنسيون قد إتفقوا عليها منذ قصف الفرنسيين للمخا قبل قرن من ذلك التاريخ .
    سادسا : - أن تخصص بقعة من الأرض لتكون مقبرة لرعايا بريطانيا وألا يسمح سب أي رعوي بريطاني بسبب الديانة التي يعتنقها.
    سابعا : - أن تكون للمقيم البريطاني حرية السفر إلى صنعاء ليتصل بالإمام حينما يرى ذلك ضرورياً ويلزم على حاكم المخا أن يهيئ حرساً للمقيم في تلك المناسبات ) أ. هـ.
    ثم إستولى الإنجليز على عدن كما هو معروف سنة 1839 م سنة 1255 هـ ويبدو أن مواجع القبائل الكامنة ضد الإئمة جعلتهم يتطلعون إلى إتصال ما بالانجليز ويشير صاحب حوليات في حوادث سنة 1287 هـ ص 308 إلى أن مجاميع من قبائل ذو محمد البكيليين دخلوا لحجاً وعدناً وكانت لهم إتصالات بالإنجليز، ولما عادوا بعث إليهم الإنجليز رسائلهم الجوابية وكانت ملغومة ما إن فتحوها حتى تفجرت فيهم ، تدفعنا بعد كل هذا الإستعراض معطيات المشهد للتساؤل عن فاعلية التشيع المعروف في النفسية القبلية للامامة والإئمة ، هل إنتهت يومها ؟ أم ماذا ؟ وواضح ما يحدثه القدوه الحسنة في نفسية الانسان أي إنسان من حب لصاحبها وتعلق بكريم خصاله ورفيع خلاله وذلك هو التشيع النقي الذي رأينا اليمن عامة و همدان خاصة تحتفظ به للإمام علي ثم للائمة الصادقين الصالحين بعده وهم قلائل وهو شعور فياض إستمر رغم كل شيء في الطوايا لا يغيب عنها وكثيراً ما تكشف الأحداث عن تأصله في النفوس وفاعليته الباقية مع الأيام ، ومن أمتلثه القريبة ما حدث أوائل النصف الأخير من القرن الثالث عشر من إنتقام أرحب لمقتل الإمام الناصر عبدالله بن الحسن - حيث لم تهدأ ثائرتهم حتى قتلوا من همدان صنعاء مائة وخمسين رجلاً ، والحوادث الشاهدة بتأصل التشيع النقي كثيرة غير أن الغالب نظراً لتدني أخلاق السيد والمسود هو التشيع النفعي الذي عم حتى خم وما أكثر حوادثه وأقبح وقائعه ، من ذلك أن المتوكل محمد بن يحيى المقتول 1265 هـ دخل في حرب مع الشريف علي بن حيدر بين القطيع و باجل وكان قد أسر الشريف وهو جريح فأودعه الإمام جماعة من القبائل المشتركة في جنده على أن يحفظوه ولكنهم ما إن آنسوا إنشغال الإمام بأحوال المخا حتى إتفقوا مع الشريف على إخلاء سبيله مقابل مبلغ مالي ضخم أخذوه منه ولم يكتفب الشريف بخلاص نفسه وإنما طلب منهم إعتقال الإمام مقابل جعل مالي وأحس الإمام بفعلتهم فأجتاز إلى حيس ومنها أخذ طريقه إلى الجبال ، وما إن وصل بلاد إب حتى سارع بقطع رأس كبيرهم أحمد بن صالح ثوابه ، وجاء إمام آخر ليستهل عهده بقطع رأس كبير خولان أبي حليقه ومن المفيد في تجوالنا هذا أن نتعرف على شيء من شجاعتهم وذكائهم ووفائهم إتماماً للتعرف عليهم ، أما الشجاعة فيكفيك أن ما فقدته تركيا من خيرة شبابها وشباب الشام الذين يجاوزون عشرات بل مئات الألوف والذين لقوا مصارعهم جهلاً من الحاكم والمحكوم هنا في اليمن طوال ثلاثة قرون ، ويكفيك أن القبائل كانت تقاتل تلك الجيوش الحسنة التدريب والتسليح تقنياً بأسلحتهما التقليدية وأستطاعت أن تأخذ من أسلحة الجيوش العثمانية عتاداً ضخماً حتى قال قائل يومها: (إن الأسلحة التي صناعتها في أوروبا تباع في اليمن بأرخص من محل صناعتها). ونكاية في العثمانيين كانت كبار الدول الأوربية تمد القبائل المقاتلة بأسلحة كما صنعت فرنسا عن طريق ميناء ميدي بإمداد جبال الشرف ببندقية السك وكما صنعت بريطانيا عن طريق الادريسي بإمدادهم ببندقية الصابة ولعل الشيخ البطل علي ناصر القردعي هو أبرز نماذج البطولة الفردية للقبيلي اليمني بإقتنائه مع أمير الوحش النمر وجهاً لوجه وبمواجهته قبيلة خولان التي أرادت تسليمه للإمام فواجهها ببندقيته ثم بسلاحه
    الأبيض حتى فاضت روحه دون أن يفكر بإستسلام أو هزيمة من أنجح نماذج البطولة الجماعية لقبائل اليمن هو ذلك المشهد الذي رأه الفريق أحمد عزت باشا عند قرية متنه وهو داخل إلى صنعاء سنة 1328 هـ قبيل صلح دعان فرأي من ضراوة المقاومة بالأسلحة النارية أولاً ثم إلتحاماً بالسلاح الأبيض ما جعله يقول :
    ( لو توفر لدولة تركيا طابور من هؤلاء المقاتلين لأنتصرنا على أوروبا ) أما ذكاؤهم فإن من يشاهدهم عن بعد يتوهم بلاده في عقولهم وضعفاً في فهوههم غير أن الحقيقة ليست كذلك فلديهم من الذكاء ما استطاعوا به مثلاً توفير تموينهم طوال سنوات المقاومة من عتاد الجيوش العثمانية التي كانوا يعرفون كيف يضللونها ويستولون على أرزاقها ، ومن شواهد ذكائهم أنهم لما رأوا العودة العثمانية الثانية إلى صنعاء سنة 1289 هـ أجمعوا أمرهم على وضع خطة عسكرية تمتص كل الحملات العثمانية ضد بعضهم وإليك هذه الحادثة التي تعرض مقدرتهم البارعة على مواجهة المفاجأت الحربية وسرعة وضع الخطة المحققة للنصر يرويها شارحاً ديوان الآنسي الذي أضاء بنصوصه الشعرية الحمينية كثيراً من أحداث عصره : ص 156 :
    ( وسبب هذه الحرب حرب الشرم من بلاد عتمه 1231 هـ أن الإمام المهدي عبدالله ولي الشاعر الأنسي منصب القضاء في ناحية عتمه وكان رئيس هذه الناحية الفقية محمد علي معوضه مسلطاً جباراً فأرسل جماعة من أعوانه لإستقبال الحاكم المذكور وإلقاء القبض عليه وعند وصوله أودعه الحبس وبعد أخذ ورد بين المهدي وإبن معوضه أطلق الحاكم على أن يعود إلى العاصمة صنعاء فعاد وعمل على تحريض المهدي على الانتقام من إبن معوضه وكانت الحكومة القاسمية إذ ذاك قد بدأت بالتدهور وضعف السلطة فأرسل المهدي حملة من الجند على رأس الشيخ أحمد شريان - أحد روؤساء ذو غيلان وكادت الحملة أن تفشل لولا أن قائدها إهتدى إلى خدعة حربية وذلك أن إبن معوضه كا ن يعتمد في الدفاع عنه على قبيلتي بني ضبيان وبني جبر من خولان العالية التي تسمى الآن خولان الطيال فزور شريان ورقة تتضمن إلتمام بينه وبين روؤساء بني جبر وبني ضبيان على تسليم إبن معوضه أسيراً إلى حكومة المهدي في مقابل تعهدات تعهد بها شريان فيها مصالح لأنصار إبن معوضه ووقع على هذه الورقة ختوماً مزورة ورماها بسوق الخميس فألتقطت وسلمت إلى إبن معوضه فلم يشك في كونها خيانه من أصحابه الذين يعتمد عليهم في الدفاع عن نفسه فأمرهم بالإنصراف عنه وطردهم ، ولما خلت الحصون والقرى عن الحامية هجم شريان وقومه عليها حتى صاروا على مقربة من الحصن واقتحامه فكان بنو جبر قد إنتهوا إلى قرية ماريه من قرى مخلاف عنس من قضاء ذمار في الجهة الغربية منها فراوا لمعان الطلقات النارية حول الحصن فعرفوا أن الحصار على إبن معوضه شديد فعادوا وهجموا على شريان و أصحابه من الخلف وفكوا الحصار عن إبن معوضه فعرف إخلاصهم ووفاءهم وعرفوا جميعاً أن الورقة التي وجدت في سوق الخميس مزوره ) أ. هـ.
    أما وفاؤهم خاصة لبعضهم وللمبادئ التي يعتقدونها فلا يأتي عليها حصر
    ، وسيمر بنا إن شاء الله في مكانه من هذا الكتاب موقف ( أبي شوصا ) أحد مشائخ حاشد في وجه الإمام أحمد حين أخبره بقتل الشيخ ناصر الأحمر، ولقد عرفت فيمن عرفت من ذؤابة قبائلنا المناضل البطل فيصل بن عوفان من آل دمينة برط وهو يتحمل مهمة الإلتقاء بزعماء اليمن من كبار القبائل إستعداداً للحركة التي قام بها رجال حاشد وبكيل بقيادة حسين بن ناصر الأحمر وولده حميد .
    وأشهد أني ما ألتقيت شمماً وإعتزازاً وتحملاً وإستهانة بالموت مثل ذلك الذي رأيته لدى ذلك البطل رغم الضائقه المالية التي كان فيها و الرعب الإمامي الذي كان يملأ الارجاء وقد سجن مع من سجن بحجه وإذن له البدر بزيارة أمه وبعدها قامت الثورة وكان من أوائل المدافعين عن الجمهورية حتى سقط شهيداً هو ورفيق له من بني مهفل وكانوا في طريقهم إلى صعده و أغتبطت لموته وهو ساجد يصلي ورددت قول الأول :
    فإن كريه الموت عذب مــذاقه * إذا ما مزجناه بآي مـــــــــــن الذكر
    وما رزق الإنسان مثل مــــنيته * أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر
    ومن ذا الذي يجهل موقف قبائل برط عند إغتيال المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري فطاردوا القتلة وأشتركت في المطاردة كل أذواء بكيل وقبضوا عليهم خزايا صاغرين إلى سجن المهلهل في خمر.
    بعد هذا التطواف مع قبائلنا في مسيرتهم عبر الأحقاب والأجيال ينبغي الإلتفات للمستجدات من أحوالهم بعد قيام الثورة السبتمبرية سنة 1962م ورسوخ النظام الجمهوري وقد أصبحوا فيه قادة ومحافظين ووزراء بل روؤساء وكان لكل ذلك إنعكاسه القوي على كل شؤونهم ومختلف أوضاع حياتهم وأبرز إنماطاً مغايرة للمألوف السالف وسلوكيات هي نبات طبيعي لمعطيات الواقع الجديد وكان من أجدر القائمين بدراسة هذا الجانب هو شاب نبت في التربة القبلية فكان أكثر معرفة لواقعه وأقدر على رصد الجديد والأجد ذلكم هو الأستاذ فضل علي أحمد أبوغانم في رسالته التي نال بها الماجستير ( البنية القبلية في اليمن بين الإستمرار والتغيير) ومع أنه أشبعها بصب محصلته العلمية الأبحاثية أكثر من المعلومات الميدانية التي يتلهف القارئ إلى معرفتها إلا أنه قدم ما يستعان به على الرؤية الكافية لما أحدثته أدبيات الثورة وتطورات العصر من إشتراك الجميع في الفرص المهيأة أمام كل الفئات العليا منها والدنيا وأتيح للشريحة الهضومة أن تتبوأ مواقع عليا وتحقق تفوقاً تجارياً مشهوداً وينبه الباحث أبو غانم إلى ما صار لشجرة القات ذات الربح السريع والمرتفع من مكانة مفضلة فوق كل المحاصيل الزراعية نصغي إليه قليلاً وهو يقضّ عن مقدرة الواقع الجديد على التخلي عن الكثير من المواصفات العرفية غير الجديرة بالبقاء فيقول:
    ص 322 :
    ( كذلك الإتجاه نحو مزاولة بعض الأعمال الحرفية والمهنية التي كانوا يحتقرونها ويرفضون القيام بمزاولتها خاصة بعد أن وجدت الأوضاع والمناشط الإقتصادية الحديثة أو الصور الحديثة للانتاج مصطلحات وأساليب والآت حديثه تختلف عن الصور التقليدية للانتاج وعن المصطلحات والأساليب والألآت التقليدية التي كانت تستخدم في مثل تلك الأعمال الحرفية والمهنية أيضاً وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن رجل القبيلة في الوقت الحاضر يحاول تجنب نقد أفراد قبيلته وسخريتهم له عند قيامه بفتح ورشة ( حداده ) أو نجارة وما شابه ذلك بإطلاق أسم مصنع عليها بدلاً من إسم ورشة وبإستخدام معدات وأدوات حديثه فيها لأن حدة النقد والسخرية ومفهوم العيب الإجتماعي القبلي الذي يواجهه رجل القبيلة نتيجة قيامه بأعمال الحدادة أو النجارة أو الصناعة والدباغة يختفي إلى حد كبير في حالة قيامه بإستخدام مصطلح أو إسم جديد وحديث وأساليب وأدوات إنتاج جديدة في المنشأة التي يمتلكها ويعمل بها وهذا يعني أن الإهتمام والمفاهيم القيمية لأفراد المجتمع هي الأخرى مختلفة ، وهكذا بالنسبة لبقية الأعمال الحرفية والمهنية الأخرى مثل أعمال الخياطة وصناعة النسيج والأحذيه والفخار والمعدن وكذا العمل في المطاعم والمقاهي والفنادق والنقل والمواصلات فالفرد في القبيلة يقبل لنفسه ولغيره مثلاً إمتلاك فندق والقيام بإدارته ولكنه يرفض أن يكون مالكاً ومديراً لمقهايه ، كما يقبل أيضاً أن يقوم بنقل البضائع و الأعشاب بواسطة السيارة المخصصة لذلك ، ولكنه يرفض نقلها بالأجرة على ظهور الجمال والحمير مثلاً وكل هذا يعني أن الشخص يصبح مطمئناً لعدم تعرضه للسخرية والنقد من قبل الأخرين ) أ.هـ.
    مثل ذلك ما أستجد في نمط التحكيم وهو ما يسمى بالعدل تبعاً لتحسن الأحوال وتكاثر الأموال . يقول ص 139 :
    ( يعتبر نظام الرهائن من الأنظمة القبلية القديمة في اليمن و التي لا تزال قائمة حتى اليوم وهذا النظام يتمثل في قيام الوحدات القبلية أثناء النزاعات و الحروب فيما بينها تقوم الهيئات التي تقوم بالتوسط بينها ولعقد إتفاقيات الصلح بأخذ عدد من الأشخاص من الأطراف المتنازعة كضمان للتقيد بالصلح المبرم بينها و الإلتزام بتنفيذه ، وفي الوقت الحاضر وبعد تحسن الحياة الإقتصادية لرجال القبائل نجدهم يقدمون عدداً من السيارات وعدداً من البنادق الآلية عند حدوث المنازعات و الحروب بين قبيلة وأخرى يطلق عليها كلمة (عدال) وأحياناً يكون العدال المطلوب نقوداً قد يصل إلى مئات ا لألوف من ا لريالات) ا . هـ .
    ولأن الواقع اليمني منذ كان وحتى الآن قبلي في مجمله فقد توفرت مكتبة عامرة قديماً وحديثاً في مختلف الدراسات عنه أنسابياً وجغرافياً وتاريخياً كما تراه في كتابات الهمداني و الحجري و الأكوع و الحبشي و الشامي و الإرياني وغيرهم مما لا أحسبه متوفراً لغير مجتمعنا اليمني في سائر البلاد العربية من الإستقصاء والتوثيق.
    أما وقد بلغ بنا المشوار في حديثنا هذا إلى حيث نحن فإن خاطرة ظلت تطل على الذهن وتلح على النفس طوال هذا المشوار رأيت أن أختتم بها وقفتنا هذه ذلك هو ما تعرضت له المقدرة البلاغية لدى قبائلنا من تناقص وخفوت إلى حد الموت فحين تقارن مثلاً بين ما سجلته يراعة شعرائنا الأقدمين و كانوا في أغلبهم من كبار رؤساء لقبائل وزعماء البلاد كعمرو بن معد يكرب وعبد يغوث ومحمد بن أبان وعبد الخالق بن أبي الطلح إلي آخر ما تفيض به كتب الأقدمين كإكليل الهمداني و الصفة ومفيد عمارة ، وبين ما تدنى إليه الحال من فقدان المقدرة على الأداء التعبيري الراقي نأسف للإنحطاط الذي أصاب الإنسان العربي عامة وليس اليمني خاصة في هذا الجانب الهام .
    وأني لأدهش حين اتذكر أن وفود اليمن المؤمنة قدمت على المنقذ العظيم محمد صلى الله عليه وسلم تأخذ عنه قرآنه وتعاليمه فكانت تتلقى عنه ما تتلقى في مقدرة عالية من الفهم و الإستيعاب ، ولم نسمع أن أحداً منهم كائناً ما كان حاله من الضعف و الأعرابية طلب من يفسر له آية أو يشرح له حديثاً ، وإنما سمعنا راجزهم كذي المشعار الهمداني يلتقي النبي في منقلبه من تبوك وهو يرتجز بمثل هذا الرجز العالي:-
    إليك جاوزنا سواد الريف
    * في هبوات الصيف و الخريف

    مخطمات بخطام الليف
    وسمعنا فيما بعد أربعة قرون من العهد ا لنبوي شاعرأ زبيدياً يخاطب أميرا صليحياً- و الصليحيون كما هو معلوم قبائل خرجوا من حراز يصف مقدرة ممدوحة الصليحي البلاغية العالية:

    ولما مدحت الهزبري بن أحمد
    * أجاز وكافاني على المدح بالمدح

    أجاز على شعري بشعر وزادني
    * عطاءً فهذا رأس مالي وذا ربحي

    شققت إليه الناس حتى رأيته
    * فكنت كمن شق الظلام إلى الصبح


    ونسمع في القرن السادس الهجري شاعراً مصرياً هو الرشيد بن ا لزبير الغساني يشيد بذائقه ممدوحه الهمداني البلاغية:-
    لئن جهلت حقي زعانق خندف
    * فقد عرفت فضلي غطاريف همدان


    وجاء إبن حمير في القرن السابع- ولا تزال للقبيل اليمني مكانته السامية
    في ديوان الأدب وميدان الفصاحة و البلاغة، هو ذا يثني على القائدين


    * الوقفة الثانية:
    أسرة .. وثلاثة قرون من المجد​


    ( وخرجوا إلى مطرح الأتراك في السنتين ووقع حرب وقتل ما وقع مثله
    و أكثر القتلى من الأتراك لأن حاشد لم كان يباشرونهم إلا بالقفزات والطعن من اليد وذلك الذي هو سمّ الأتراك ) الحرازي في كتابه ( حوليات يمانية ).​

    * بطاقة عصر: ( من سنة 1101هـ إلى سنة 1337هـ ) ​


    منذ إستتباب الأمر للإمام المنصور القاسم بن محمد المتوفى بشهارة سنه 1029هـ بالصلح وإلى دخول الإمام يحيى بن محمد حميد الدين صنعاء إماماً مستقلاً بأمر اليمن بعد جلاء الأتراك سنة 1337هـ تعاقب على حكم اليمن من الإئمة طوال ثلاثة قرون ما يزيد على ثلاثين إماماً إستقر في الحكم منهم وشمل نفوذهم أكثر مقاطعات البلاد قليلون وعموماً فإن الإئمة الأربعة الأول من الدولة القاسمية الأولى تمتعوا بمكانة كريمة في النفوس وطاعة مخلصة من القبائل وإجماع شعبي على إمامتهم.
    وكانت سنه 1097هـ التي شهدت وفاة الإمام المؤيد محمد بن إسماعيل- صاحب معبر في السنه الفاصلة بين عهد الإستقرار و الوحدة الذي سبقها وبين عهود الإنشقاق وانتقاض الأطراف وظهور التمردات طوال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين و التدخل الأجنبي.
    وقد ظل ا غلب أولئك الإئمة بعيدين عن العاصمة صنعاء وإن كانوا يحكمونها فأحتفظ القاسم بن محمد المؤسس بموقعه في شهارة وكان يحرص حتى قبل الإستقلال وخلال المصالحة بينه وبين الأتراك على الإحتفاظ بالمواقع
    الحاشدية ( القفله و العصيمات ووادعه و الأهنوم ) بإعتبار ذلك مركز شيعته ومعقل دولته وكذلك الشأن مع ولده المؤيد محمد كما إستقر ولده ا لثاني المتوكل إسماعيل في ضوران واستقر حفيده أحمد بن الحسن في الغراس ثم صاحب المواهب في عاصمته التي إختطها شرقي ذمار وكان القاسم بن الحسين بن احمد بن الحسن أول إمام قاسمي دخل صنعاء واستقر فيها وتوفي بها وتابعه في ذلك أولاده وأحفاده حتى المهدي عبد الله المتوفى سنه 1252هـ ورغم ما ساد من هرج ومرج فإن العلوم كانت مزدهرة وأسواقها عامرة منتشرة ، وفاضت ساحة اليمن الطبيعية بأكابر العلماء فكان في حضرموت مثلاً عمر عبد الرحمن المحضار المتوفى ساجداً ، وعمر العيدروس الحبشي ومفتي أبي عريش يوسف بن مبارك ومحسن بن محمد السبيعي ناقل علوم اليمن إلى الهند وكان من تلامذته ملك بهوبال صديق حسن خان وكبير علماء بيت الأهدل السيد محمد أحمد عبد الباري الأهدل صاحب المؤلفات العديدة وعلي عبد الله الشامي الحديدي وكان متفنناً في كل العلوم ومتقدماً في علم الحديث له حاشية على البخاري تبلغ ثمانية مجلدات ومن تلامذته أحمد بن قاسم حميد الدين ، كذلك مفتي مدينة الزيدية وقاضيها عبد الرحمن بن عبدالله القديمي الذي خلع نفسه من القضاء نفوراً من الضرائب التي فرضها الأتراك على البلاد ، أما في صقع صنعاء وما جاورها فقد شهدت تلك الحقبة بروز أكابر علماء اليمن بل كبار مجتهدي العالم الإسلامي على الإطلاق أمثال : مصلح اليمن محمد بن إسماعيل الأمير وشيخ السنه محمد بن علي الشوكاني ثم إبنه العلامة الورع المجتهد أحمد بن محمد الشوكاني وقد فارق صنعاء عند شيوع الفتن إلى الروضة ثم مفتي صنعاء محي الدين العراسي وفي ترجمته تجد كبار علماء ذلك الصقع بين شيوخ له وتلاميذ ورئيس العلماء احمد بن محمد الكبسي وعالم ذمار الرباني يحى بن محمد العنسي الذي كان يتهرب من منصب القضاء ولما علم بإتجاه أحمد فيضي بجيش إلى ذمار خرج لإستقباله خارج البلاد ولما أصر عليه فيضي بقبول القضاء وافقه إتقاء لشره ورغبة في صرف الجيش عن دخول المدينة فأظهر القبول ولكنه عزل نفسه عن القضاء حين أطمئن على أمن البلاد وكبير علماء صعده إبراهيم بن عبدالله الغالبي الداعي إلى الله بين قبائل فيفاء وبني مالك وكانوا في جهالة عمياء فهداهم الله به أما ولاة الأتراك فكثيرون كان أولهم أحمد مختار باشا الذي دخل صنعاء سنة 1289 هـ وكان أخرهم وأفضلهم الفريق الألباني المسلم البطل أحمد عزت محقق صلح دعان مع الإمام يحى سنة 1319 هـ وقد غادر البلاد إثر إبرام الصلح وأبقى محمود نديم مشرفاً على إدارة الأعمال وهو الذي تولى بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى سنة 1918 م أستدعاءالإمام لدخول صنعاء والاستقلال بأمر اليمن بينما كان الفريق البطل علي سعيد باشا يرابط بقواته على أبواب عدن بعد إستعادة لحج وكثير من البقاع من قبضة الانجليز والذي إستسلم راغماً لشروط وقف الحرب بين الدولة المنتصرة بريطانيا وحلفائها وبين الدولة المنهزمة تركيا وحلفائها.
    وقد تفاوت حظ الولاة العثمانيين في علاقتهم مع اليمنيين بين إقتراب واختلاط بهم وتودد إليهم حتى إن بعضهم كانت ثيابه تتلطخ بالنيله السوداء التي كانت تصطبغ بها ثياب القبائل من كثرة إختلاطه بهم وإصغائه لهم ، وبين فظ غليظ لا يأبه بأحد ولا يتعامل مع الناس إلا بالقوة واختلاس الأموال ، ولعل أحسنهم إدارة هو الوالي حسين حلمي الذي كان على جانب كبير من الكياسه وتحف به مجموعة من فضلاء تركيا فيهم العلماء الحريصون على إقتناء الكتب والباحثون لإصلاح أوضاع البلاد وقد قام فعلاً بإصلاحات إدارية ومالية فأبعد الفاسدين وأدب العابثين ومنع الرشوة وأحسن إلى المستحقين بالمال وتألف قلوب القبائل وخاصة حاشد ولبس العمامة هو وكبار مرافقيه وأسس المدارس الكثيرة وعمل على مد الخط الحديدي وشق الطرقات وأرسل البعثات التعليمية إلى الإستانه ، وهو الذي قال حين غادر صنعاء إنه عرف الداء وعرف الدواء وبقي أن يبحث عن الطبيب وقد وجده حين آلت إليه رئاسة وزارة الدولة العثمانية فكان الإختيار الموفق لأحمد عزت بعقد الصلح واراحة الدولة و اليمن من ذلك النزيف الهائل .
    وسنرى في النقطة التالية مع القبائل كثيراً من المجريات مع الولاة العثمانيين
    بين مخلصين لهم متعاونين معهم وبين محاربين صادقين قبضوا على الجمر حتى لقوا الله و آخرين بين بين وخلال ذلك العصر المستغرق قرنين كاملين ونيفاً عرفت اليمن عامة وصنعاء خاصة حوادث موجعة ونكبات متتابعة جراء ضعف الإئمة وتمرد القبائل وأطماع الجند وتكاثر المتدخلين في أمر اليمن حيناً بإنفراد الإشراف في أبي عريش وأمير أبها محمد بن عايض وجماعات النجود من الوهابيين بأمر تهامه من شمالها وحتى المخا وتارة إغارة الحملات المصرية والتركية وتعرض السواحل أولاً للقصف البرتغالي في القرن الحادي عشر كما حدث لميناء المخا ثم القصف ا لايطالي والإنجليزي كما حدث في القرنين الثالث عشر والرابع عشر قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها وخلالها ، أما الجنوب فقد إنفردت به السلطنات و المشيخات وأبتلع الإنجليز عدن رغم إستبسال المجاهدين المدافعين عنها و العاملين على إستنقاذها كما صنع المجاهد الشريف إسماعيل المغربي ولم أجد في غير حوليات يمنيه شيئاً من خبره وأصبحت أرض الجنوب منفذاً لقراصنة التراث المستغلين فقر أبناء البلد وأميتهم فتسببوا في تهريب ما يزيد على مائة حمل من المنحوتات و الكتابات الرخامية من أراضي شبوة وبيحان ومأرب كما فصله الدكتور محمد عيسى صالحية في كتابه ( تغريب التراث العربي ) وتفردت صنعاء بوضع مأساوي لا تحسد عليه من تقصير الأئمة وعبث الأتراك ونهب القبائل حتى إضطرت إلى عسكرة نفسها وحمل السلاح من قبل كل إبنائها وإقامة مشايخ خاصين بها كان أبرزهم أحمد بن أحمد الحيمي ثم محسن معيض وقد سجل صاحب حوليات الكثير الغريب من وقائعهم وتأرجحت الأسعار بين رخص بالغ وبين غلاء فاحش من سنه إلى سنه تبعاً لنسبة هطول الأمطار واستقرار الأمن أو إضطرابه ومن وراء كل هذا الخليط الهائج المائج النفر الغريب وفيهم المصلح الصوفي كسعيد بن ياسين الهتار القائم بالدنوه من جبل حبيش من سنه 1256هـ إلى سنه 1258هـ و آخرون الله اعلم بشأنهم كالمحطوري وأبي علامة ومن سارعلى شاكلتهم .
    وقد أطلنا الكلام عنهم وعن ظاهرتهم الجديرة بالتفسير في كتابنا عن (مصلح اليمن. محمد بن إسماعيل الأمير).
    أما لعملة وتلاعب اليهود بها فخبرها طويل ، والحوليات هي اوفى المراجع عنها.

    * بطاقه قبلية :

    كان لقبائل اليمن الهمدانية عموماً من دولة القاسم بن محمد أوائل القرن الحادي عشر حتى أخر إمام قاسمي ثلاثة مواقف او ادوار :
    اولها : قتالهم مع الإئمة لإجلاء الأتراك في غزوهم الأول وبعد جلائهم لإعادة تحقيق الوحدة ويمكن إستمرار هذا الدور حتى اصيل القرن الحادي عشر.
    الدور الثاني : الإشتغال بصراعات الإئمة فيما بينهم حتى غرقت البلاد في حرب أهليه جعلت بعمق الإئمة كالمهدي عبدالله والمتوكل محمد بن يحى يطلبون النجدة من مصر ومن الاستانه ، وقد إستغرق ذلك الدور قرنين كاملين هما أفظع ما مرت به اليمن سياسيأ و أمنيأ ومن المفارقات أن يكون ذانك القرنان هما أنشط القرون علمياً وأدبياً.
    الدور الثالث : موقفهم ضد الأتراك في دخولهم الثاني إلى اليمن سنة 1289هـ وحتى توقيع صلح دعان سنة 1329هـ وقد إستغرقت تلك الحقبة التي لا تعدو اربعين عاماًعهود اربعة إئمة هم : المحسن بن احمد الشهاري سنة 1295 هـ وشرف الدين عشيش المتوفى سنة 1307هـ وقد كان لآل حميد الدين صله وثيقه بهذين الإمامين ومن سبقهما من الإئمة إذ كان يحى حميد الدين الاول من انصار عبد الله بن الحسن الذي قتلته همدان فأنحاز يحى حميد الدين إلى ارحب وحرضهم على الثأر للإمام القتيل وثأروا له فعلاً كما مر، وجاء بعده إبنه محمد يحى حميد الدين كأوثق أنصار محسن الشهاري وكان ممن إعتقلهم ا لأتراك سنة 1293 هـ بصنعاء ثم الحديدة حتى سعى العلامة العثماني الصالح محمد عارف المارديني في إطلاقهم فأطلقوا على يد الوالي الصالح إسماعيل حقي سنة 1296هـ اما الإمامان المتبقيان تمام الأربعة فهما : هذا المنصور محمد بن يحى حميد الدين القائم بعد عشيش سنة 1307هـ ثم إبنه يحيى القائم بعد وفاة أبيه سنة 1322هـ وعلى كثرة معارك الأتراك ضد القبائل شرقاً وشمالاً وغرباً فإن مواقع محددة كانت هي مركز إهتماهم ومحور المواجهات الكبرى وهي : الشرف وهو سلسلة جبال شمال غربي حجه وحصن الظفير أحد المواقع الهامة للإئمة جهة حجه وشهارة وهي مركزهم الروحي وقفله عذر وتأتي أهميتها من إستقرار محمد بن يحى حميد الدين وولده يحى فيها ، ثم جبل برط وقد غزاه أحمد فيضي إستعراضاً لقوته وتيئيساً للإمام من وجود معقل يحميه وستمر بنا طائفه من اخبار هذه المواقع و اماكنها وتصويراً لإشتداد الإلتحام بين الأتراك و القبائل طوال أربعين عاماً نورد هذا النص من حوليات ص 353 :
    ( وأما أخبار الوقائع التي وقعت في اليمن والحروب فلا تعد ولاثم فسحه لرقمها عن كل وقعه لأنها تكاثرت فإن هي أرحب فخمس ست وقعات وان هي خولان فمثلها وان الحداء فكذلك من إبتداء التشكيل وإن هي آنس وضوران فمرارىً وكل بلدة يستنصروا فيها الترك إلا بلاد حاشد فما قد حد فعل كفعلهم حتى إنهم منعوا على نفوسهم وأول الأمر قبل ما يختبروا بقتالهم كان سلموا عشور عامل عليهم في خمر يحده إلى عند عاصم فما أحد وصل إلى أقصاها إلا هو في تلك المدة المذكوره حق البطنه مرة على المتوكل ومرة على الهادي شرف الدين وتغلق باب القبله ورفع العامل ومنعوا على تسليم العشور وطلبوا الزيادة من الدولة حتى إنهم جعلوا لهم معاشات في كل شهر ومتى قطعوها الدولة دوروا لهم أدنى شغله وهولوا بحركة أو مخرج إمام ويستلموا مالهم من منكسر ومثله .
    وأما ما غنموا من الأتراك فقد أكثر بلاد حاشد متسلحين شاشخان ولم عاد فيهم يتسلح البنادق الاصلية إلا القليل وهو عندهم كالناقص بينهم واذا خرجوا دوره أو ملقى أو عيد أو سوق فلا ترى فيهم إلا كلهم بما ذكر وذلك بمرآي وقد به في أرحب ولكن ما هم مثلهم أما حاشد فلله درهم ) أ. هـ .
    ولم ينفرد الإئمة بولاء كل القبائل في كل الأوقات وإنما كان الأتراك يكسبون الكثيرين من وجهائهم بإغراء السلطة وبإغراء المال وكان أبرز أعوانهم كبير عيال سريح عبدالله أحمد الضلعي وقد بلغ به الولاء لهم أن طرح لباسه القبلي التقليدي ولبس الطربوش والبدلة العسكرية التركية وتلقب بالباشا ، وكبير خولان محمد البليلي وأخوه علي وقد توليا بلدية صنعاء ومقبل أبو فارع من كبار حاشد وكبير بني الحارث صالح دغيش ، وسنعرف شيئاً من خدماته العسكرية للأتراك وكبير بني حشيش مبخوت بن علي سعد الحشيشي ، الذي يقص زبارة شيئاً من خبره في المجلد الأول من أئمة اليمن :
    ص 198 :
    ( في سنة 1314هـ مات الشيخ مبخوت بن علي سعد شيخ مشايخ بني حشيش وكان من أعوان العجم المضرين بالناس ، وكان الإمام قد جعل لمن يقتله ويريح الناس منه جعلاً فعاجله الله وظن أنه مسموم فأستعار فصاً يذهب السم فأزدرده ومات ودفن ثم نبش قبره وشق بطنه وأستخرجوا منه ذلك الفص عن طلب مالكه من بيت الحسيني أهل رجام ) .
    وقد أكتشف القبائل في غمرة التطاحن الأهلي حاجتهم إلى ترتيب أمورهم فعمدت سنحان وخولان ونهم وحاشد للتصالح سنة 1274هـ وسعو بذلك إلى بقية القبائل ويبدو أن العبث كان يتسلل من كل منفذ لتعدد مصادر الفساد ومن مصادره الجديدة حينئذ دور الإنجليز للدس و الوقيعة بين الإئمة والقبائل فبعثوا أحد صنائعهم وأطلقوا عليه أنه عبد وأسموه فيروز وأستقر لدى امير الحديدة ثم توصل إلى الدخول في بلاط الإمام في صنعاء فأستولى على مشاعره وتفرد بتصريف شئون العباد و البلاد وكان في منتهى الخبث و الكره للمسلمين حتى إنه كان يحرص على القبض على أمير تعز البطل الماس الذي أذاق الإنجليز الأمرين بحملاته عليهم ، وفي الأخير عهد فيروز إلى تزيين فكرة زيارته للانجليز في عدن والتقريب بينهم وبين الإمام فأخذ نفائس بيت المال وأرتحل بها إلى جهة عدن وأخذ من الإمام أوراقاً معمده ومختومة بإسمه وبخاتمه ليحرر فيها ما شاء فأنتبه لذلك أحد أذكياء القبائل أحمد الرويشان فدخل ضمن جماعة الحراسة المرافقة له وكان من خبرهما ما قصه صاحب الحوليات ص 110 :
    (وتبعه النقيب أحمد الرويشان ونفر معه من بني ضبيان وكان النقيب احمد من المعينين معه في سفره فلما باتوا تلك الليلة إلى أثناء الليل وصل من بني ضبيان وخولان بحق ثلاثين نفر ولم يزالوا يكرروا الرماية بالبنادق ويجلسوا ساعة ويعشروا وهلم جرا وكأنهم قوم بيصالوا في محبة العبد الخبيث فلاحظ الرويشان الطمع بما رأى من الحلي و الحلل والصناديق المقفلة و الخيل المسومة فكان الرويشان يدخل يوافق العبد ويبارزه بأشياء بوارد وفي خلال ذلك كان يراسل للصناديق وفي آخر مواقفه للعبد بعد العشاء ارسله إلى البيت وقبض عليه وحده وأرسل بتلك الأشياء إلى بلاده في بطن الليل مع أقاربه وأهل بلده وعشيرته وأصحابه و العبد ما يعلم بشيء وإنما كأنه سامر عند النقيب للأشوار و المدابرة بينهم ومراسلة الرويشان لذلك و العبد عنده وكأنه العبد يرا سل لهم فلما تيقن الرويشان أن قد إستكمل ما يريد وما بقي إلا أشياء مهمله مثل الخيل وآلة المكان حق الأكل والشرب و المتاع أمر النقيب أحمد أصحابه بالصياح والعوايق والرمي بالبنادق وقد كتب الكتب إلى من حوله من خولان يخبرهم بالغنيمة ويحثهم على الوصول في بطن الليل فأقبلوا كالنسور الغاورة فلما وصلوا قبض على العبد اللئيم وحمله على بعيرإلى محله ووقع بين أصحاب العبد التوابع وبين خولان حرب عظيمةوانحازوا إلى السماسر فصعدت خولان إلى الصدوح وهموا بهجمها عليهم ومن هرب أوهم بالهرب احاطته خولان وأخذوا سلبه وآل الأمر إلى المصالحة في اليوم الثاني على أن التوابع يخرجون سالمين بأسلحتهم ويتركوا ما في المطرح من بيت المال وقد سار العال العال وكان هذا إهلاك العبد و أنقضى عهده بسبب ظلمه بسرعة ) ا. هـ .
    كان ذلك سنة 1259هـ وقد أستفاد الرويشان من جملة ما إستفاد الأوراق المختومة فحرر فيها لنفسه وجماعته مخلافاً خصباً من آنس كما فصله صاحب
    حوليات هذا وقد عملت عوامل الزمن على إنضاج وعي القبائل بالمردود الحسن لإتحادهم وكان من أهم تلك العوامل ما حدث بعد رحيل الأتراك واستبداد الإمام يحيى بالحكم فشملت المعاناة المرة كل الشعب مدنه وقبائله ولم يقم النظام الجمهوري إلا وقد عمل سيف الإمام أحمد وسجونه على تجميع كبار القبائل ضد الإمـامة وجاء نظام الجمهورية بمتغيراته الجذرية في كل المجالات وظهرت ظاهرة المؤتمرات الشعبية بدءاً من عمران لتستمر إلى ما بعد العقد الثمانيين من هذا القرن العشرين وتعددت مصادر العمل والكسب الحلال وتكاثرت المدارس وفاضت الثروات وصار أبناء القبائل اليوم في طليعة الصفوف وعلى ذروة الهرم الإجتماعي القائم .
    أما تقسيمات اليمن قبلياً فمعروف انها تتمحور أربعة أنهر هي :
    كل ابناء اليمن قبلياً ومدنياً ويعد في مقدمتها همدان بن زيد بقسميه الكبيرين حاشد وبكيل ومن حاشد قبيلة يام كما ذكره الحجري والهمداني وهي معروفة ذلك هو النهر الأول يليه نهر مذحج بكثرته العددية وهو يشمل ما هو شرقي ذمار ومحافظتي مأرب والبيضاء وشطراً من تعز وأغلب المحافظات الجنوبية والشرقية ونهر حمير وهو من يريم وكل محافظة إب و الأشاعر في تهامه ، ونهر قضاعة وإليه تنسب خولان صعده وما جاورها من القبائل .

    * الجد المؤسس ( علي قاسم الأحمر) :​


    تنقسم حاشد إلى أربعة أقسام : بنو صريم ومدينتهم خمر - خارف ومدينتهم ذيبين عذر ومدينتهم القفله - العصيمات ومدينتهم حوث ، ومن العصيمات آل الأحمر من ذي ناصر بن مسعود وأشهر شخصياتهم التي توقفت عندها الأحداث كثيراً هو الجد المؤسس الشيخ علي بن قاسم الأحمر وسلسلة النسب بينه وبين الشيخ عبدالله - هي كما ذكرها في معلوماته التي إعتمدتها هذه الدراسة :
    (عبد الله بن حسين بن ناصر بن مبخوت بن صالح بن مصلح بن قاسم بن علي بن قاسم الاحمر) وقد إستفسرت من الشيخ عبدالله عن علاقتهم بحيط الحمران غربي ذيبين فأجاب :
    الصحيح أن هذه القرية إسمها قرية الحيط من قبيلة بني جبر خارف المعروفة إلى الآن والواقعة في جبل ذورة غرب ذيبين .
    أما علاقة آل الأحمر بهذه القرية فعلاقتهم بها مثل علاقتهم بحاشد الشرق وحاشد الغرب حيث لا تخلو منطقة إلا ولهم فيها أثر مندثر أو اثر ظاهر فلهم حصون واثار معروفه في بلاد الشرفين قضاء الحابشه وفي مناطق قضاء حجه ومناطق كحلان عفار وهي معروفة إلى الآن وقد ظهر إسم الشيخ علي بارزاً في مسرح الأحداث في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري .
    و المعلومات المتعلقة بالشيخ علي قاسم - غير كافية وهي علي قلتها متفرقة تبرضناها من أحواضها المتباعدة تبرضاً ، وحاولنا أن نستخلص منها ما يعين على رؤية أوضح لذلك الزعيم وأول ما يقع على الأسماع من خبره هو عند فتك القاسم بن حسين بمدينة خمر بكبير سفيان صالح بن هادي بن حبيش سنة 1120هـ حيث إنحاز علي قاسم الأحمر وبقية رؤساء بكيل للانتقام منه ،
    المرة الثانية : يطالعنا إسم علي الأحمر سنة 1128هـ حين بعث المنصور صاحب شهارة جيشاً مكوناً من قسمين قسم بقيادة علي بن قاسم الأحمر وناصر أحمد جزيلان وقسم بقيادة علي بن هادي بن حبيسق ضد القاسم بن حسين حين خرج على الإمام المنصور الشهاري وأخذ البيعة لنفسه فأتخذ الجيشان إتجاهين مختلفين فأتجه إبن حبيش جهة تهامه وفيها قتل واتجه الأحمر وجزيلان جهة حراز والحيمه ، المرة الرابعة : التي نلتقي فيها بإسم الشيخ علي مشاركاً في الأحداث هي عند إتصاله بعامل عمران الحسين بن القاسم بن الحسين الذي خرج على أبيه إلى صنعاء أواخر أيام أبيه المتوكل ، وأصلح بينهما البدر الأمير.
    المرة الخامسة : وهي تلك التي حدثت في سفح عصر حين عسكر علي قاسم الأحمر وناصر أحمد جزيلان بجيشهما نصرة للإمام محمد بن إسحاق ضد الإمام المنصور الحسين بن القاسم بن حسين سنة1140هـ وفيها كان مقتل علي بن قاسم الأحمر غيله كما فصلته المراجع ، ونهضت بعده قبائل حاشد وبكيل ثأراً له فنصروا الإمام الناصر محمد بن إسحاق وأضطر المنصور للتنازل له ومبايعته بشروط ثم إنتقض عليه وبطش به وبأهله ، وأورد زبارة في المجلد الأول من نشر العرف ص 539 تفاصيل مصرع الشيخ علي بن قاسم الأحمر قال : ( النقيب علي بن قاسم الاحمر من أكابر روساء حاشد كان بينه وبين المنصور الحسين بن المتوكل قاسم بن الحسين كمال الصداقة في أيام المتوكل ولما كانت دعوة الإمام الناصر محمد بن إسحاق بن المهدي عقيب وفاة المتوكل القاسم بن الحسين أظهر إبن الأحمر المتابعة له و الإنحراف عن المنصور ووصل في جموع من القبائل إلى قرية عصر غربي صنعاء ومعه من روساء قبائل بكيل إبن جزيلان وأحمد بن محمد حبيش وغيرهم وكان المنصور يحسن الظن بإبن الأحمر فأرسل إليه بالضيافة الفاخرة وتابع الرسل إليه لتذكيره ما مضى من صنائعه إليه فأغلظ إبن الأحمر في الجواب وقال : إنما نريد الإتفاق والمراجعة فيما نعينه له من البلاد فعند ذلك أضمر الحسين قتله وأمر بنصب خيام الإجتماع في مصبانة عصر وأمر الأمير ذا الفقار وثلاثة من العبيد بقتل الأحمر فلبسوا الدروع من تحت الثياب وكذلك المنصور الحسين وخرجوا ولما أستقر المنصور بخيمته وصل إليه إبن الأحمر وإبن جزيلان وخاضوا معه ثم تلفع المنصور في الخيمه بردائه إستلقى وترك إبن جزيلان وغيره يخوصون مع إبن الأحمر فلم يرعو لهم وكان تأخير الكلام والمراجعة إلى اليوم الثاني وهو عاشر المحرم وفيه طلب المنصور الحسين إبن الأحمر إلى خيمة كان قد أعدها لقتله ولما وصل هو وابن حبيش وغيره من الشجعان خرج المنصور عن الخيمة وحينما اراد إبن الأحمر الخروج منها إنتهره الأمير ذو الفقار وقبض على وفرته وطعنه في نحره فخر صريعاً ولما راى ذلك إبن حبيش فر من الخيمة ثم رجع المنصور إلى الخيمه فوجد إبن الأحمر يخور في دمه فأمر لأمير سليمان بقطع راسه و لرصاص يدفع من جموع القبائل إلى المنصور وأصحابه ثم تناول المنصور الحسين رأس إبن الأحمر ووضعه بسنان حربته وأشار إلى تلك الجموع الحاشدية بقوله : هذا رأس صنمكم ، فكانت هيعة ومنعت رصاص بنادق القبائل المرور من الطريق المحجة وكان الوزير الحسين الحيمي قد تأخر يسيراً في الخيمه بعد قتل الأحمر فحمل عليه رجل من قبيلة بني جبر من حاشد فطعنه ومات لحينه وعاد المنصور الحسين إلى صنعاء في موكب عظيم ورأس الأحمر على رأس رمح أمام المنصور وحملت قبائل حاشد جسد إبن الأحمر إلى اهله) ا. هـ .
    ونعرف من كتاب ] هجر العلم ومعاقله في اليمن [ ، للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع ان الشيخ علي بن قاسم الأحمر هو الذي إنتقل بأهله من العصيمات إلى حبور من ظليمه وهي خارفية حاشديه فعمر حصنها وأتخذوه مسكناً لهم وكانت زكاة ظليمة تساق إليه وكان يتولى حكم سوق حبور وتبعه في ذلك اولاده وأحفاده .

    * ناشر علي يحيى الأحمر:​


    طبيعي أن نشهد بعد المصرع المروع للشيخ علي قاسم الأحمر صمتاً شمل الكثير من أولاده وأحفاده لإنشغالهم بترتيب اوضاعهم و العناية بشؤون أسرتهم وكانت الشخصية النابهة بعده من احفاده هي شخصية الشيخ ناصر بن مبخوت الذي لمع نجمه وظهر إسمه مشاركاً في الأحداث بعد وفاة الإمام ا لهادي عشيش وقيام المنصور محمد بن يحى حميد الدين سنة 1307هـ وفي مدار فلك الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر ظهر إبن اخته الشيخ ناشر بن علي بن يحى الأحمر كأحد قادة الجيوش في وجه الأتراك وقد أوردنا ذكره هنا متقدماً على حديثنا عن خاله الشيخ ناصر أولاً لتقدم سنة تاريخ وفاته التي كانت سنة 1318هـ وثانياً لأن حديثنا عن الشيخ ناصر بن مبخوت طويل متشعب فظهر إسم ناشر علي الأحمر مدافعاً عن كوكبان كخط دفاعي متقدم عن أملاكهم في حجه فخرج في ستين نفر من رجاله سنة 1318هـ لدخول كوكبان فما أمكن لهم الدخول ليلاً فباتوا في حصن بكر وأحس بهم الأتراك فهاجموهم ودارت معركة حامية كما فصله زبارة في ( إئمة اليمن ) ثبت فيها النقيب ناشر علي الأحمر وقتل بسيفه سبعة من الأتراك ثم قبضوا عليه وعلى من تبقى من رجاله و أقتادوهم أسارى إلى صنعاء ، وهناك بعد تعريضهم للتعذيب قتلوا النقيب ناشرا ونفرين وسجنوا الآخرين .

    * الشيخ/ ناصر مبخوت الأحمر:​


    نلتقي هنا بالشخصية البارزة في رأس القرن الرابع عشر الهجري وذات الدور الهام في دولة الإمام المنصور محمد بن يحيى حميد الدين القائم سنة 1307هـ ثم ولده يحيى من بعده طوال سنوات المقاومة حتى إكتمال الإستقلال ودخول الإمام يحى صنعاء سنة 1337هـ وهذه الشخصية المؤثرة هو كبير حاشد في عصره والمجدد الثاني لدور أسرة آل الأحمر قبلياً ويمنياً الشيخ ناصر مبخوت الأحمر والمؤسف ان رجلاً كهذا في ضخامة دوره لم يجد من يسجل كل أعماله التي قام بها طوال حياته وأن ما دونه مؤرخو ذلك العصر عنه كان يرد عرضاً ضمن حديثهم عن الإمام وكبار قادته من الهاشميين بينما كان ناصر مبخوت كبير العصيمات وزعيم حاشد هو المؤثر فيمن حوله وعلى ضيافته وفي قبيلته الحاشدية كان نزول الإمام حتى الاستقلال سواء وهو في القفله أو في حوث أو في خمر فكلها تابعة له وتحت قيادته ومما يدل على ضياع الكثير من وقائعه البطولية ضد الأتراك أننا لم نجد في كتب المؤرخين الرسميين كزبارة في مجلديه عن إئمة اليمن إلا النزر اليسير في حين يورد مؤرخ شعبي كالحرازي في حولياته نصوصاً شديدة الإضاءة لحياة ذلك الشيخ المقدام ولقد كان مولد الشيخ ناصر بحصن العائلة من حبور سنة 1280هـ وهي من السنوات العصيبة التي عاشتها اليمن في تلك الحقبة غارقة في صراعات الإئمة وأضطراب أمن البلاد وقد لمع إسمه مع مطلع قيام الإمام المنصور محمد بن يحى حميد الدين سنة 1307هـ فظهرإسمه على مسرح الأحداث كمقاوم جرئ ضد الأتراك بإستهلال سنة 1308هـ ولعل إقامة الامام محمد بن يحى حميد الدين في بلاد حاشد خلافاً للامام عشيش الذي كان يقيم في بلاد صعده هي التي جعلته أوثق إتصالاً بالمقاومة ويحدثنا صاحب حوليات عن حماقة القائد التركي بمنطقة حجه ورعونته محمد عارف وما صنعه ببعض مشائخ حجه من تصرف سيء وعبث غير لائق ، الأمر الذي جعل موقف كبار المشائخ منه موقف عداء ومواجهة يقول صاحب حوليات ص 410: ( في سنة 1308 هـ في ربيع آخر وصل رجل فلان الأخشر من ئلا ومزوج الآن من ثلا من بيت الريص سادن الجامع حق ثلا ولنا به معرفة ووصوله من المغرب من بني العوام والعريف وأخبرنا بما صار في الرعايا في تلك البلاد مما قضاه الله على جميع العباد في تولية المائلين عن الرشاد والمتولي في ذلك التاريخ تركي يسمى محمد عارف و الكل منهم للشرع والرسول صارف فمما رأى في تلك الحضرة أن هذا المتولي خرج على الشيخ يحى صالح صاحب جبل نمر من بني العوام وربطه في زنده بحبل شده وخلا جزار من جزارين حجه يصيح به في السوق بين الناس كما يفعلوا في أسواقهم ويسموه بالحرج يحرج به يا شاري الحمار يا شاري الكبش من يعطي ثمن هذا المشار فيهرب المشائخ الكبار ويستقيم الفجار ويعطوا فيه ثمن قرش ويضحك من ذلك الهمج الرعاع وخرج على شيخ آخر يسمى صالح القحمي أصله مشرقي مستوطن العريف فخرج عليه إلى بيته ليلاً على حين غفلة فدهمه بغتة فبهته ومعه أربعين نفر من الاتراك فقبض عليه وذبحوا غنمه عشاءً لمن معه ومن لحق وكفل جميع المشائخ وتهددهم بالقتل فأيقنوا به حيث لم يجدوا معيناً ولا ناصراً فأخذ منهم نحو عشرة الآلف ريال لنفسه وأستخلص بقبضهم الحقوق الذى عند الرعايا في جميع البلاد ومثليها نحو مائة وأربعين ألف غير العشرة حقه الذي في سلامتهم من الموت وهذا من التسليط وإلا فليس له قدرة وقبض الميرى حق أسواق حجه بنحو سبعين ألف ريال هذا كله في شهر زمان) وإذا عرفنا أن الشيخ ناصر مبخوت هو كبير الملاك بمغارب حجه من بني العوام وغيرها وعرفنا أنه كبير مشائخ حاشد وزعيم تلك الجهة بأكملها أتضح أن المرجع لأولئك المشائخ الذين أصابهم الهوان و الإختلاس هو الشيخ ناصر ومن ثم فإنه هو الهدف المقصود و الرجل المأمول لمواجهة ذلك الطاغي العابث ولم يكتف محمد عارف كلا صنع وإنما أتجه إلى منزل الشيخ ناصر مبخوت ليلاً فهدمه وأحرق ما فيه وربما كان يقصد مباغته الشيخ ناصر و القبض عليه أو قتله ولكن الشيخ كان سباقاً في الإفلات منه و الرد عليه ولم يحدد النص التالي القرية أو الجهة التي كان يقيم فيها الشيخ ناصر ليلتئذ يقول النص : ( حوليات ص 412 )
    ( ومنها في حجه غزا محمد عارف قائم مقام على الحمران يريد إبن الأحمر بن مبخوت الأحمر المناصر لسيدي القائم المنصور بالله محمد بن يحى حميد الدين ولعله أخرب بيته وأخذ عليه طعاماً جماً وناصر مبخوت لما أحس أن لا طاقه له به في تلك الساعة شرد مختفياً وأصطحب له جماعة من أصحابه وغزا إلى حجه مكافأة لقائم مقام فوصلها ليلاً بعد أن هدأت العيون وعشر إلى العرضي هو وجميع من معه فوقعت الهيعه والفزعة التي لا مزيد عليها حتى ظن من فيها أن قد أخذت وبقيت الفتنة إلى قرب الفجر وشرودا ولم أحد لحق له على أثر ولعله راح فيها نفوس نحو ثمانيه من الاتراك وقيل أكثر وقيل أقل ولكنها لم تظهر أمور العجم على العرب وهذا الذي في هذا الصفح في شهر جمادي آخر سنة 1308هـ) أ. هـ .
    واذا لم يطلع الفجر حتى كان الشيخ ناصر قد كال لخصمه بمكياله وهاجمه في عقر معسكره كان ذلك في الشهور الأولى من سنة 1308هـ ولم تقف عنجهية محمد عارف قائم مقام حجه عند حد فواصل أهل الجهة تربصهم به حتى أمكنت لهم فرصة قتله في منتصف شوال سنة 1308هـ حين كان على رأس حمله من جنده بين القفل في الشرف وحصن الشاهل فقتلوه وقبضوا على الكثير من رجاله وقادوهم أسرى إلى الإمام ، بعدها حمي القتال وأشتدت ضراوته من الطرفين فبعث الإمام كبار مقادمة جيشه وقد أسماهم زبارة إلى عدة مواقع من حجه لحصارها ويذكر زبارة في كتابه ( إئمة اليمن ) ص 52 :
    أن الشيخ ناصر وأصحابه حالوا بين الترك المحصورين وبين القوافل القادمة بالتموين لهم وأستولوا على بعض تلك الحموله وفي ذي القعدة سنة 1308هـ
    دخل جند الإمام بقيادة السيد يحيى بن محمد الهادي صاحب المداير وإشراف الشيخ ناصر بن مبخوت حصن الظفير وقد ظل الظفير مركز مواجهة بين الإئمة والأتراك لأهميته وكانت أولى المعارك بينهم قد دارت فيه أيام الهادي شرف الدين عشيش سنة 1299هـ وبإستيلاء جند الإمام عليه خضعت بلاد حجه له وسارت تابعة لأوامره ولم يطق الاتراك إحتمال كل ذلك فجهز أحمد فيضي حملة قوية على الظفير سنة 1309هـ يقص زبارة خبرها في المجلد الأول من ( إئمة اليمن ) ص71 :
    ( في جمادى الأولى سنة 1309هـ تقدمت الأتراك تريد حصن الظفير ومن فيه من سادات الرجال والأبطال وأميرهم السيد العلامة لطف بن علي ساري الحوثي الحسيني ومن تحته الشيخ ناصر مبخوت الأحمر وبعض الخاصة من أصحاب الإمام وزهاء الخمسمائة مقاتل من الاقوام ، فيهم زهاء عشرة تحمل البنادق الشاشخان والمارتين . وقبض الشيخ ناصر مبخوت وبعض أصحابه الجبل المعروف بالحريوين لأنه إذا قبضه العدو أمكنه أن يرمي منه بمدافعه وبنادقه إلى حصن الظفير فتقدم أحمد فيضي عليه في نحو ستة آلاف من الأتراك كلهم يحملون البنادق المارتين التي تقتل على مسافة ميل وربع ميل ، وكان أول خروجها إلى اليمن في هذا العام فوعر العرب طريق حصن الظفير ورتجوا بابه بالحجارة وكان الإمام قد أمر بترتيب جبل نيسان وجعل فيه بعض عساكره وعليهم السيد العلامة يحى بن حسن الكحلاني لئلا تملكه الترك فتقدم فيضي بجنوده وحط في جبل عمرو في محطة آخرى ، وكان إبتداء الحرب من يوم الإربعاء نصف جمادى الأولى وأستمرت إلى آخر نهار الجمعة وأخذت العجم ما قابلها من المراتب وأفضوا إلى بعض سور الظفير فقاتلوا هناك قتالاً ذريعاً وفرت العجم آخر نهار الجمعة راجعة وتركوا قتالاهم وما عليها فخرجت بعض الأقوام ليلاً من الظفير فأخذوا أسلاب القتلى من البنادق وما وجدوه من ذهب في أثوابهم وغنموا غنيمة شجعتهم على الثبات و القتال ، وبلغت القتلى من الترك نحو المائتين ومن العرب سبعه وأعلنت القبائل البشرى بهذه الفتكه وأوقدت النيران على شواهق الجبال) أ. هـ .
    ويبدو أن الشيخ ناصر مبخوت لم يكن يرابط بمكان واحد وإنما كان يضع من يثق بهم من قبائله في الموقع ثم يتجه إلى موقع آخر وذلك ما رأيناه من مواجهة ضارية بينه وبين الأتراك في حصن الرغيل وقد فصل خبره زبارة : ص68 :
    (في يوم الجمعة ثالث الشهر المذكور ويوم السبت تقدم أحمد فيضي ببعض من معه من الأتراك على من في الشراقي وهداد و الرعيل وتقدم علي باشا من قارة أحمد ببعض من معه من الأتراك إلى شرقي الرعيل ورموا بسته من مدافعهم وتقدمت الأتراك الذين في الحصب إلى حصن دواس وفيه من المقادمة السيد محمد عبدالله مزيقر الشرفي و السيد محمد بن حسين عباس و الشيخ ناصر مبخوت وهاجمت الأتراك على الحصن وأستمر الحرب إلى الليل ودامت بعد ذلك إلى يوم الأثنين وأستشهد الأمير السيد عبد الرحمن عباس وغيره و أستولت العجم على الرغيل ثم على غيره في بلاد حجه ولاعه وكوكبان و الطويلة ) أ. هـ .
    ولقد كان المشير أحمد فيضي من أعتى وأدهى ولاة الأتراك فلم يستسلم للهزيمة عند أبواب الظفير وإنما عاود الكرة فقاد حملة ضخمة من صنعاء على بلاد حاشد معتمداً على المال أولاً وعلى السلاح ثانياً فأمكن له أن يدخل عمران وخمر وحوث التي كان الإمام قد غادرها بساعات وأنقاد له بنو صريم وخارف من حاشد وقدموا الرهائن وأجزل لهم العطاء وكان قد أمكن له أن يضغط على القبائل المرابطة في الظفير وكان أكثرهم من بني صريم بالإغراء المالي على يد مقبل أبو فارع ، ولم يجد الشيخ ناصر مبخوت بداً من مسايرتهم فسقط الظفير في يد الأتراك من جديد وكان سقوطه ضربة قاصمة للإمام ومشجعة لفيضي فأتجه إلى برط الذي كان الإمام قد إتخذه مؤئلاً لأهله وفي مقدمتهم إبنه يحيى ومعه الأسارى من الأتراك فنجح فيضي في طلوع برط الأشم وإستنقاذ الأسرى وإنضمام رجال بكيل إليه مما أوجع الإمام أكبر إيجاع وقد أساه القاضي العرشي بقصيدة اثنى فيها على موقف العصيمات وعذر وشيخهم الأحمر:
    هـــم هــــم آل همـــدان إبن زيد لهم * تجارب بضراب البــــــيض والأسل
    كم جعوا الترك كاسات المنون وسل * حصن الظفير ومــــــا لاقاه من جل
    وفيهم الضيغم الفــــــتاك ناصـــرهم * أعني ابن مبخوت نجل الدارع البطل وقد أستوفى زبارة الواقعة وتفاصيلها في المصدر السابق ص 81 :
    (وفي يوم غرة ذي الحجة الحرام أضطر السيد العلامة لطف بن علي ساري ومن لديه من السادة و الأقوام إلى الخروج من حصن ظفير حجه بعد أن لبثوا فيه سنه كاملة ، قال القاضي حسين العرشي ، وكان فيضي قد أعمل الحيلة في إخرج من في الظفير من المجاهدين وكان جل من فيه من بني صريم حاشد فكان يلين لهم الأقوال ويبذل لهم الأموال ويرغب ويرهب وقد عرف الداء ومن أين الدواء لإخرج من في الظفير أخبرني الشيخ ناصر مبخوت الأحمر وهو المنظور إليه من عساكر الظفير قال : لقد كنا أحرص من أن نخرج منه إلا أنه لما رأينا بني صريم قد رغبوا في الخروج وأبوا أن يقعدوا وكنا قد أتعبنا القتال ونفذت علينا الأموال ونضبت المياه بالبركات وقد رأينا إختلاف الكتب فيما بين بني صريم فوقع خروجنا على شيء من المال وعلى إخرج ما معنا من الاثقال فأشتد بذلك ساعد فيضي وتنفخت أوداجه وكانت له صولات ، وقال القاضي علي الإرياني : إن فيضي لما تمكن من قبائل بني صريم بقبض رهائنهم فرق فيهم مائتي بقرة ومائتي رأس غنم ومائتي قدح طعام وكان الشيخ مقبل بن يحيى أبو فارع الحاشدي من أعوان العجم وكان بعض عقال حاشد يسيرون بالخديعة والمكر فتوسطوا بين العجم وناصر مبخوت زعيم قوم الظفير بأن يسلم العجم أحد عشر ألف ريال ويخرجون من الظفير فتم هذا وأما من زعم أن السبب لخروجهم تهدد فيضي لناصر مبخوت بإخراب بيوته التي في قرية الخمري من بلاد حاشد فعذر كاذب فاسد ، وكان الإمام قد أمر بإنتقال نجله خليفة العصر المتوكل على الله يحى حفظه الله وأهل الإمام والأسارى من حاشد يسعى في إستخرج الأسرى من برط بكل حيلة وسار في شرذمة من العسكر إلى الغولة ثم عطف نحو قبائل بني جبر فأخذوها منهم ورجع الجراف وبذل العطاء الواسع من المال ووعد من سعى في إخرج الأسارى بالجريل من الأفضال وكان من أجل من أعانه على ذلك الثمثمي من مشائخ سفيان ومقبل أبو فارع وجبران الغشمي والشويع وأمثالهم من العقال ، ثم سار فيضي إلى حرف سفيان وما زال يسعى مقبل بن يحى أبو فارع بينه وبين رؤساء ذو محمد ومنهم النقيب ناجي بن قايد أبو رأس وآل جزيلان وأهل الأملاك في بلاد لاعه وفي اليمن الأسفل فرغبوهم بأموال يعطونهم إياها على تسليم الأسرى ورهبوهم بأخذ أملاكهم فأجابوهم سراً وكان عند جميع الناس كالمستحيل أن ينخدع رجال ذو محمد أو يبلغ العجم إلى جبل برط وأظهر فيضي أنه يريد صعده ورحل عن الجراف إلى محل يسمى الخراب وكان الإمام قد رجح إرسال الأسرى إلى حضرته من العنان مع رفقة من جميع أخماس قبائل ذو محمد البرطيين ، وفي خلال تدبير ذلك لم يرع أصحاب الإمام إلا أصوات مدافع وبنادق لأتراك وقد رقوا من شعب النيل إلى جبل برط وتم لفيضي أخذ الأسرى من عنان برط ) أ. هـ .
    وقد ظلت علاقة الشيخ ناصر بالإمام المنصور على حالها من الثقه و ا لإخلاص حتى لحق الإمام بربه سنة 1322هـ وحين أجتمع مجلس كبار العلماء لإختيار خليفته قالوا إن إبنه يحيى جمعهم في مكان وأغلق الباب وجعل مندوباً من جهته معقباً عليهم الشيخ ناصر مبخوت الذي يذكر الدكتور سيد مصطفى سالم في كتابه ] تكوين اليمن الحديث[ أن ناصر مبخوت خاطبهم بلغته القبلية ] ما بش غير سيدي يحى [ مهدداً بقتل من خالف هذا ، وفي كتابه ] وثائق يمنيه [ يورد الدكتور سيد مصطفى أيضاً وثيقة مرسلة من القاضي حسين بن علي العمري إلى زميله في صلح دعان قاسم أبي طالب بتاريخ : رجب 1329هـ فحواها أن بصحبة الشيخ ناصر مبخوت ناقل تلك الرسالة الثلاثة وعشرين ملازماً من الإمام إلى الوالي العثماني أحمد عزت كما نشهد في سياق مجريات صلح دعان ورود إسم الشيخ ناصر ضمن المرافقين للإمام يحيى وكان هذا هو آخر ما ورد للشيخ ناصر من مشاركة في الاحداث العامة .
    وقد ترك أربعة أولاد ذكور هم : ناصر وحسين وعسكر وغالب وستمر بطائفة من أخبارهم في الوقفه التالية ، أما الحدث البارز و الأخير في حياة الشيخ ناصر فهو ما ذكره القاضي إسماعيل في كتابه ] هجر العلم [ من أنه كان أحد الحاضرين لتوقيع إتفاقية صلح دعان ولكنه لم يرضه هذا الصلح فمال بأخره إلى الإمام محمد بن علي الإدريسي حاكم عسير والمخلاف السليماني لمؤازرته في حربه ضد الدولة العثمانية وأقام عنده بعض الوقت ). وسنرى فيما يلي من صفحات هذه الدراسة الاثر الكبير على حياة الأسرة كاملة وعلاقتها بالإمام يحى وإبنه أحمد من جراء تحول الشيخ ناصر من موقفه في الصف الأول من أنصار الإمام يحيى وإتجاهه إلى صبيا ليصبح نصيراً من كبار أنصار الدولة الإدريسية حتى وفاته ليلة الأحد ثالث جمادي أول سنة 1340هـ وقد رثاه كبار شعراء قطره وعصره وفي مقدمتهم يحى بن محمد بن الهادي ومن ذلك أبيات كتبت على قبره المعروف بحبور:-
    هـــذا ضريـــــح للرئيــس الأشـــهر * من هابه في الحرب كل غضنفر أعني إبن مبخوت بن صالح ناصراً * بسيـــــاسة وشجــــــاعة وتـــدبر
    وكان هذا الشاعر الذي رثاه زميلاً له لدى الإدريسي في صبيا إذ قاطع الإمام يحيى سنة 1331 هـ بعد أن كان خطيبه وأحد قادته وأستمر حتى لحق الإدريسي بربه ، ومثله كان موقف أحمد يحى عامر الذي زار الإدريسي في السنه نفسها وعاد ليقول للإمام يحيى حين سائله عنه وعن رأيه فيه إنه ( سيد أحسن منك ) وعزم على التخلي عن إرتباطاته بالإمام وأبلغ محمد بن الهادي أبو نيب ( محافظ صعده ) بقناعته فتخليا معاً عن علاقتهما بالإمام ومحمد الهادي أبو نيب هذا هو الذى كان العلامة عبد الوهاب المجاهد يرى أحقيته بالخلافة قبل الإمام يحيى لكنه كان عازفاً عنها .
    وكتردد الجاهد في بيعة الإمام يحى تردد شيخه أحمد عبدالله الجنداري معللاً تردده فيه ببخله وأعتزل القاضي علي عبدالله الإرياني بعد البيعة مقام الإمام في القفله متجهاً إلى غربان وكان الإمام يحى يشعر بإنفضاض الناس عنه وإقبالهم على سواه ليس الإدريسي وحده وإنما حتى بعض القضاه العاملين في مقامه فكان يحقد على هؤلاء لحظوتهم لدى القبائل مثل صنيعه مع أحمد الشرعي الذي كان محل ثقه بني صريم ومثل حسين محمد الشرعي الذي حكم على الإمام يحيى ببطلان دعواه في بعض خيوان وبلغ الامربمحمد بن عبدالله بن المتوكل بن محسن الشهاري أن دعا لنفسه بالإمامة بأرحب سنة 1343هـ وجرت بينه وبين جيش ا إمام يحى مواجهة وكان من النافرين عن الإمام يحى شيخ الإسلام علي بن علي اليماني - لأنه أجرى حداً في مدينة خمر دون أستئذان من الإمام الذي كان يومها مقيماً فيها ، بل إن الأعضب المعروف ب ( حاجز) من علماء حوث قاد جيشاً من حاشد نصرة لصاحب صبيا وكانت القبائل العائدة من صبيا تنشد زواملها على مسمع الإمام يحيى ومنها :
    يا سلام الله عليك يا سيد الولي * محمد بن إدريس ا للي نوره مضي
    ومنها:
    جينا نزاوره بالهدايه * والولاية المهدي يقوم
    مما جعل الإمام يحيى يستعد لمواجهة حاشد وما زال مقيماً بها لحينها ومن قبل دخوله إلى صنعاء فعهد إلى حاكم خمر طميح الآنسي ببناء سجن مهلهل فيما بعد سنة 1332 هـ من أجل ذلك يتضح شبه الإجماع بين شيعة الإمام يحى نفوراً عنه ولياذاً بالإدريسي وأصبح إنصراف ناصر مبخوت عنه معروف البواعث والمبررات فقد كان على تشيعه ليحيى وأبيه ذا إستقلالية في المواقف فحين أراد الإمام يحى إعتقال محسن الرصاص العائد من ا لأزهر بعد تلقيه تعليمه فيه بمصر كعادة الإمام في الأنقباض عن العلماء المنفتحين على العصر كان ناصر مبخوت هو الذي أنقذ الرصاص بتأمينه على الخروج من حاشد وتيسيرسفره إلى تهامه ومنها إلى مصر، وكذلك كانت نفسية ناصر مبخوت وأولادة تنفتح للعلماء العاملين وإن كانوا مغاضبين للإمام مثل يوسف بن عبدالله المؤيد الذي أثره آل الاحمر بتسليم نيسا إليه مع رفضهم تسليمها إلى أحمد ومحمد إبني الإمام يحى وقد جرت بين الإمام يحيى وبين يوسف هذا مغاضة لسخائه في الإنفاق على قبائل الجوف وما جاورها حتى لا يلتحقوا بنفوذ الجيران في نجران قائلأ للإمام يحى :-
    ( أنا لم أكن أعرف أنك تريد أن تنظر إلى حدود اليمن الشمالية من طاقة دارالسعادة ) .
    وعلى العكس كان موقف ناصر مبخوت من عباس بن عبدالله المؤيد الذي أذى حاشداً وأوجعها فنصح ناصر مبخوت أولاده بالإذعان للعلماء من أهل بيت الإمام عدا عباس هذا .

    الوقفة الثالثة
    الثلاثة الذين جمهروا الصخور



    بارق برق من سما صنعاء أرض الجهاد
    سيله معابر ورعده من بنادق جداد
    وأمسوا يسقوا بسيله في جميع البلاد
    علي ناصر القردعي​

    بإنحسار ظل الدولة العثمانية برزت على الساحة القوى المحلية الطامحة في تبوء المكانة خلفها وكان من أبرزها على نطاق الجزيرة شريف مكه الذي كان يحلم بوراثة لقب أمير المؤمنين والملك القوي المنطلق من نجد عبد العزيز بن سعود وفي اليمن الإمام يحيى حميد الدين الخارج من الجبال والادغال ليتبوأ أريكة صنعاء وشاب طامح أخر في ذات الرقعة اليمنية من شمالها الغربي هو محمد بن علي الإدريسي تدفعه رياح الطموح و الذي يعنينا من كل أولئك هو يحى حميد الدين الذي أفاد من سوء إدارة العثمانيين في اليمن ومن بعدهم الضباط الإتحاديون كما أفاد من إنشغال الباب العالي بعلله وأمراضه المزمنه وأعدائه المتكاثرين في أوروبا فكأن أن أشتد ساعد الإمام بتوسيع دائرة المقاومة حتى إستطاع أن يحاصر صنعاء مرتين ويدخلها الدخلة الأولى بعد وفاة أبيه بسنه واحدة ويأخذ خلال ذلك كل ما تركه الأتراك من عدة وعتاد ليجعلها في مقر مقاومته من أرض حاشد ورأيناه يستغل إرتفاع حماس المقاومة في أنفس اليمنيين ليشمل بها ما وراء صنعاء حتى منطقة إب ويستقبل أمداد الزكاة وحمولة الحاصلات المنقولة إليه من أرجاء الشعب كإمام شرعي وحيد في عصره بأمر هذه البلاد متفرد بإقبال القلوب والأموال عليه وإنقيادها له وإليه وقد كان يحرص على إظهار قوته حتى قبل وفاة أبيه الإمام المتعصب المنصور فحين أطلق عليه بعض قبائل حاشد رصاص بنادقهم بينما كان في طريقة بين حبور والقفله سنة 1321هـ لم يكتف بإظهار ندامتهم على فعلتهم وإيصال العقير إليه حتى عاد منكلاً بهم تخريباً لبيوتهم وسجناً لأكثرهم وتغريماً لهم مبالغ مالية فوق كل ذلك ولما مات أبوه سنة 1322هـ وحصل على إجتماع البيعة له تحت ضغط الشيخ ناصر مبخوت الأحمر كما أسلفنا عجل بإرسال أمراء الجيوش إلى مختلف الجهات المحيطة بصنعاء وأشعل نار المقاومة حولها وأنتقل إلى شبام وأمكن له إخراج الأتراك ودخول صنعاء ونقل ما فيها من أسلحة قبل قدوم فيضي إلى صنعاء وعودته هو منها إلى حاشد وصفت له بإسقاط المنافس الضحياني في الإمامة ثم ان إنتصاره في شهارة سنة 1323هـ إنتصاراً قصم ظهر القوة التركية وأذل عنجهية أحمد فيضي وأرغم الدولة في الأستانه على عقد الصلح في دعان من جبل عيال يزيد سنة 1329هـ وبإنعقاده أصبح الباب مفتوحاً أمامه لتأديب القبائل الخارجه فجهز ضدهم حملة علي عبدالله الوزير سنة 1336هـ في نهم وحملة محمد علي الشامي ضد الحداء ورداع ليدع بهم إلى جيش الفريق البطل علي سعيد باشا ضد الإنجليز وحملة عبدالله أبو منصر ضد عيال يزيد سنة 1336هـ ثم خروج الإمام بنفسه إلى ذات الجهة لتأديبها ورأينا الإمام يبدي أقوى مظاهر قوته وهو يقرض الجيوش التركية كما ورد في رسالة الفريق علي سعيد باشا إثني عشر ألف قدح طعاماً من أنبار يريم سنة 1330هـ ويكرر إعلانه عن إستعداده لإمداد الدولة التركية بمائة ألف يمني مسلح مناصرة ضد أعدائها وتواصلت إليه نداءا ت المناطق النائيه كحضرموت تستصرخه على لسان عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف لطرد المحتل وإستخراج الخيرات :-
    وبقيت تمشي للأنام ونصرة إلا * سلام إذ رجع الكــــــثير القهقري
    أنت الملاذ من الردى وأذى الـ * عدا لولاك أضحى الدين ينبذ العر
    يا قـــلمس العلم الذي بــــــكلامه * تحيى القلوب إذا تعالى المنبرا
    يا صاحب العزمات والهمم التي * تذر المناصل والوشيج مكسراً
    قسمـــاً تآلى زاــــئروك لقد رأوا * في بردك الطائي و الأسكندرا
    ويجيبه الإمام في نص شعري مطول يعرض صورة من تفكيره وتعبيره ومقدرته البلاغية العالية:-
    ألف السهاد وحاد عن طيـب الكرى * من لم يزل في الحادثات مفكراً
    قد ضرسته الحرب فهو إلى الوغي * يعدو على شوها كبرقٍ قد شرى
    لــكن حــداه إلى القيـام قواطع الأي * الكرام ونص من ســـــاد الورى
    يــدعو إلـى سـنـن الشريعة كـل ذي * عقل يحج به عــلى وجــه الثرى
    بخـــاً لـــه لـــو شـــــايعته كتــــائبٌ * شوشى إذا زحفت فعثيرها يرى
    وقد كان الرجل متابعاً لأحداث العالم عامة والنشاط الثقافي العربي خاصة
    في مصر عن طريق صحافتها التي كان على إتصال ببعضها ويعرض النص التالي من رسالته إلى أهل حوث شيئأ من سعه دائرته الثقافية ( إئمة اليمن لزبارة - المجلد الثاني ص 254 ) :
    ( مما دهم الإسلام في أكثر البلاد من إستيلاء عباد الصليب عليها في هذا العام وما قبله كبلاد البلغار وبلاد كريد وبلاد البوسنه و الهرسك ثم بلاد فاس التي كان يدعى واليها بأمير المؤمنين هو عبد الحفيظ من السادات الإدريسيين فإنه إستولى عليها الفرنساه وفعل بأهلها الأفاعيل ثم بلاد الإيران وهي بلاد العراق الداخلي التي منها جيلان وديلمان وواليها هو شاه العجم .
    وهم الإمامية فإنه إستولى عليها الماسكوه وفعل بأهل تبريز ما لم يكن مثله
    في الأزمان ثم بلاد طرابلس الغرب فإنه وثب عليها الطليان وأخذ المدن التي على ساحل البحر وقتل أربعة الآف نفس ذكوراً وإناثاً وصغاراً وكباراً ، ثم ما كان من جميع النصارى من إطلاق الرسن للطليان لمضايقة جميع المسلمين ومنحوه السلطة في البحار حتى شمل إضراره بكثير من بلاد الإسلام يريد أن يضطر العثمانية إلى تسليم طرابلس له وأستعان بالإدريسي في اليمن وساق إليه الأموال و الأسلحة و الرجال وعلم كل من يعلم أن الطليان والادريسي إجتمعوا على حرب ميدي و القنفذة من لبحر و البر وأن المراكب التي بيد الإدريسي من الطليان وأن المراكب التي تأتي بالأموال إلى الإدريسي مراكب الطليان وعليها بيارق الطليان وخرج إلى الإدريسي أمين صندوق الطليان بمصوغ والأخوان هنالك ، ويقول الإدريسي إن ما يخرج له من الطليان هو معاملة يعني تجارة فلما خرج له أمين صندوق الطليان وما إليه من التجارة و التجار ومن أين للتجار مدافع وكذلك ألف بندق من سلاح الطليان ، ومن أين للتجار طباشيه وكيف يأمن الإدريسي في البحر وجميع المسلمين ممنوعون في جميع البحار وأي جامع بين المسلمين والحربيين وهل المستعين بالطليان الإدريسي يريد الطليان نصرة الاسلام وأحياء شريعة سيد الانام أم هو الطليان أستعان بالإدريسي وساق إليه الأموال مقابل إعانته وهل للمسلمين الإستعانة بالحربيين و المستعان به هوالأمر الناهي .
    نعم.. قد عرفتم إنثيال الناس إلى الإدريسي وتهافتهم على الأطماع وما في ذلك من المفسدة الدينية وتحالف المستهزئين بالدين على إشارة أمر الإدريسي وليسوا من الدين في شيء وإنا نقسم لكم بالله إنه وصل إلينا رسول من الطليان يعدنا بالأموال و الأسلحة وكل ما نطلبه لنقاتل الأتراك ، وأنه وصل إلينا كتاب من ثقة أن وكيل الطليان بعدن إستعان به على أن الإمام يترك التجهيز على الإدريسي ويسلم له الطليان كذا كذا ألف ذهبيه وأجبنا أشد الجواب.
    أما ما يقال أن الدراهم التي بيد الإدريسي من أهل مصر أو السنوسي أو غيرهم فذلك من الكذب كل أولئك يدينون بوجوب طاعة السلطان ويخطبون له في جميع البلدان وينسبون أهل اليمن إلى كل قبيح لمحاربتهم العثمانية حتى من تحت ولاية النصارى أهل الهند و السند والأندلوس وغيرهم .
    أهل مصر الآن هم القائمون بنفقات المجاهدين بطرابلس من أنفسهم ومنهم المتطوعون بطرابلس و السيد السنوسي قد أرسل كثيراً من أصحابه إلى طرابلس للجهاد وكأني والله بالطليان وقد ملأ سواحل تهامه نصارى وأستحلها ، أيريد المتحرج أن يقول له الإدريسي أنه معين للطليان ناصر له إلا لا يكون ذلك إنما يتستر المفسدون بالفضل والديانة والزهد كما كان من علي بن الفضل ورفيقه ، وأقل أحوال الإدريسي أنه وقف موقف التهمه إن لم تفد هذه القرائن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من وقف موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن) على أنه لو لم يكن من الإدريسي إعانة للطليان لكفى في وجوب عداوته البغي على الإمام وتجهيزه عليه المدافع و العساكر أفي بغيه شك نعم إذا تأمل المتأمل في قوله تعالى : ( آلم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) . لم فرح المؤمنون بنصر الروم على فارس والجميع كفار؟ أكان ذلك لغير أن أهل الروم أهل كتاب بخلاف فارس .
    وهل للمؤمن أن يفرح الآن بإنتصار الكفار عباد الصليب على العثمانية وأكثر بلاد الإسلام تحت العثمانية ) أ. هـ .
    وإن هي إلا سنوات حتى صار الطليان على علاقة وثيقه بالإمام يحيى ، اللافت للنظر أن هذا المتمكن في ثقافته الشرعية والتراثية عموماً والملم بأحوال العصر وتغيراته و الناقم من تركيا مظالم موظفيهم وعبثهم لم يفعل شيئآ من الإصلاحات الأساسية المتعلقة بحياة الناس ومعاشهم فقد بقي مكرساً نظام الرهائن و الخطاط و التنافيذ وأخذ الزكاة وإحتكارها حتى إننا رأيناه فيما نقله زبارة عنه ضمن أحداث سنة 1335هـ يقر كأول أمر صادر منه نظام البدل في أخذ الزكاة وهو محرم شرعاً .
    وحين طلب منه أحد الخلصين له مفتي الجمهورية الآن العلامة أحمد محمد زبارة إقامة مجلس شورى كان جوابه كما نقله صاحب رياح التغيير ( إن الإمام علي لم يكن له مجلس شورى ) وقدم إليه الزبيرى برنامج الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فسخر منه ثم أودعه الحبس وتقدم إليه كبار علماء اليمن بنصيحة جامعة فلم يعرها بالاً وكان قصارى همه ألط يحتفظ بما ورثه من تركيا من مبان وأنظمة مالية وإدارية ويحرص كل الحرص على التحصيل و المتوفير وإقامة توازن في علاقاته بالقوى الثلاث المجاورة :
    السعودية شمالاً ، وبريطانيا جنوباً وشرقاً وإيطالياً غرباً وفي علاقته بالقبائل كان يركز على الأسرتين الهمدانيتين آل الأحمر في حاشد وأبو رأس و الشايف في بكيل وحدث أن أغتيل قايد أبو رأس عامل آنس للأتراك سنة 1335هـ فأتهم رجاله قائمقا ، تعز التركي بقتله وتجهزت بكيل بقيادة يحى بن يحى الشايف بحملة إلى المتعكر ولكنها لم تنجح في الإنتقام من المسؤول التركي فحاول بعضهم ا للجوء إلى الإنجليز، وفي كتاب ( وثائق يمنيه ) ما يشير بخط الإمام يحيى إلى تخوفه من ذلك وقد سعى الساعون لتحكيم الإمام فحكم بالديه وهو ما لم تقبله بكيل كما كان يحرص على إكتساب إسرتين هاشميتين إلى صفه للإستعانه بهم واحتوائهم هما أسرتا آل الوزير وآل شرف الدين .
    ورغم جهوده لإحتوائهم فقد عانى من هاتين الأسرتين كما هو معلوم وكما سنمر ببعضه في ثنايا هذه الصفحات ، ولقد فشل في تطبيق الدين ا لذي جاء بإسمه تطبيقاً حياً في واقع الناس فشله في مواجهة الحضارة المغامرة الجبارة التي إنزوى منها وظن انه بالإنطواء يكون في مأمن منها ، وجاء بعده ولده أحمد بمخزونه الثقافي المتوتر ومزاجه النفسي المتوفز ليؤدي دور المصارع لكل ما حوله ومن حوله وكأنما كان موكلاً من القدر بإنضاج خميرة الثورة ونشر شرارتها في كل النفوس و البقاع رغم مدة حكمه القصيرة التي لا تعدو خمسة عشر عاماً فأتخذ العنف أسلوب إدارة وتعامل مع الآخرين من عسكريين ومدنيين حتى أفراد أسرته .
    وكان سيفه مسؤولأ عن حصد أخصب موسم ربيعي جادت به التربة اليمنية عبر قرون فأزهق سنة 1367 هـ وما بعدها نخبه من شباب الوطن وخيرة رجال الأمة ولم يكتف بما فعل حتى عمد إلى روافع عرشه وعرش أبائه من رؤساء قبائل اليمن ، يحصدها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، ولأن حاشد عبر قرون ظلت مركز الشيعة ومقر الإئمة ، ولأن آل الأحمر هم ذؤابتها وتاج مجدها فإن إزهاق روح الشيخ حسين بن ناصر الأحمر و ابنه ذي ا لثلاثين ربيعاً حميد وإخراب بيوتهم وإتلاف مزارعهم و التنكيل بأبنائهم وعلى رأسهم الشيخ عبد الله بن حسين المودع ظلمات سجن المحابشه حتى قيام الثورة السبتمبرية سنة 1382هـ سنة 1962 م فإن كل ذلك كان هو المعامل الرئيسي في جمهرة
    الصخور المتشيعة وتحويلها من حامية للإمام و الإمامة إلى فاتكة بهم ومطاردة لهم ، وكان أمر الله مفعولا ، ولم يكد ينقضي على تساؤل ا لزبيري السجين
    بمشبك الأهنوم .
    من أين يأتيك العدو وأنت في * بلدٍ تكاد صخوره تتشيَّع
    غير عقدين من الزمن حتى رأت الدنيا بأجمعها وسمعت تلك الصخور
    المتشيعة حاملة راية الجمهورية وناشرة مفاهيم الثورة وأناشيدها في المدن والوديان وعلى القمم و التلال .

    * ناصر بن ناصر الأحمر:
    أول شيخ قاوم الإمام يحيى بعد الإستقلال​

    بإنتهاء حياة الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر سنة 1345 هـ كما أسلفنا بعد تحوله من نصير للإمام إلى نصير للإدريسي وقد إستعرضنا في الوقفه السابقة نفور الكثيرين من الإمام إلى الإدريسي ، كما أن القاضي المؤرخ عبدالله عبدالوهاب المجاهد قد توسع في ذكر الرعيل الأول من أنصار الإمام يحى الذين فارقوه بعد صلح دعان ، ومنهم والده العلامة عبد الوهاب المجاهد ، كل ذلك يكفي لتوضيح بواعث ذلك التحول ، أقول بإنتهاء حياة الشيخ ناصر مبخوت عامئذ بدأت مرحلة المواجهة المباشرة بين الإمام يحى وبين قبيلة حاشد بقيادة الإبن الأكبر الشيخ الأبي القوي ناصر بن ناصر مبخوت الذي لم يتردد منذ عام بروزه الأول عن المواجهة وقد أتخذت مواجهته للامام ميادين ثلاثة أولاً في حجه نفسها وقد دفع بأخيه حسين بن ناصر لمناصرة محسن شيبان من أحفاد المطهر بن شرف الدين سنة 1338هـ .
    ثانيا : في نيسا وهي مكان قريب من حجه ذو تأثير مباشر عليها وقد قاد زحف حاشد عليها تمهيداً للاستيلاء على حجه الشيخ ناصر بن ناصر نفسه.
    ثالثا : المواجهة في أرض حاشد على إمتدادها وقد جهز الإمام حملات متكاثرة عليهم فيها كان أولها بقيادة الشريف عبد الله الضمين سنة 1341 هـ
    وثانيتها: بقيادة الأمير عبد الله بن أحمد الوزير سنة 1343 هـ وكانت حجتهم فيها كما ذكر الجرافي في مقتطفه أنها من أجل توريث النساء ثم كانت ثالثتها وأكبرها هي تلك التي قادها ولي العهد أمير حجه أحمد بن يحيى حميد الدين سنة 1346 هـ على العصيمات حتى أذعنوا وسلموه رهائنهم بعد مقاومة ضارية ، وعن المواجهة الأولى في حجه بين حسين بن ناصر موفداً من أبيه ومن أخيه سنة 1338هـ كما قطع به زبارة وليس سنة 1337هـ كما يروي المجاهد نصغي إلى النص الذي تفرد بذكر مقدماته وأحداثه بين سائر المؤرخين القاضي عبد الله عبد الوهاب المجاهد في كتابه ( اليمن . الحضارة و الإنسان ) ص 172:
    ( إتفق السيد يحيى شيبان مع الشيخ ناصر مبخوت الأحمر- على إشعال ثورة من حجه تمتد فتغطي الشمال الغربي ثم تطبق على صنعاء فتجبر الإمام يحيى على الإعتزال إن لم يعتدل بتطهير جهاز حكمه من تلك الفئه الغير المرغوب فيها ويعيد إلى الجهاز أولي الإخلاص والسبق ، ولنجاح العملية إتصل الأحمر وشيبان بمن يثقان به كأبو منصر بثلا والسيد عبد الوهاب الحوري من مشايخ مسور حجه ومجموعه من أعيان حاشد كالشيخ محمد القديمي ، وكان الإمام قد إكتشف المخطط وكان شيبان بصنعاء فقبض عليه وإعتقله بسجن غمدان ففجر الثورة أخوه محسن شيبان بحجه عام 1337هـ ولم يكن محسن كأخيه في قوته ومواهبه فلم يبق أمام الشيخ ناصر الأحمر إلا أن يرسل قوة من قبيلة حاشد بقيادة إبنه الشيخ حسين الأحمر مدداً لمحسن شيبان ويصل حسين الأحمر حجه ومنها صعد مع طائفة من جنوده إلى قاهرة حجه حيث يقيم محسن شيبان ويذهب محمد القديمي وطائفه من حاشد فيحتلون قرية صعصعه المسيطرة على الطريق إلى الأمان الذي تحتله حينذاك القوات الأدريسية ، وتكون الحرب بين شيبان والأحمر ومن إنضم إليهما من عشائر المنطقة ، وأرسل الإمام يحى من صنعاء طائفة من الأعيان مع جيش وأمرهم بالتوسط وحل القضية بالمصالحة ومن أولئك الأعيان سيف الإسلام محمد بن المحسن و الشيخ حزام الصعر وإنهم ليدورون في غبار المصالحة إذ يطلع من شمال حجه سيف الإسلام أحمد بن الإمام يحيى في عسكر جرار معظمة من الأهنوم ومن عذر والعصيمات ، فقد كان أوعز إليه أبوه الإمام يحيى سراً بالزحف على حجه وتظاهر بالمصالحة ليخدر شيبان و الأحمر حتى يفرق من حولهما العشائر المنظمة إليهما وحتى يتمكن إبنه أحمد من حشد قوة يزحف بها إلى حجه ، وقد تم له ذلك ويصل أحمد وهو إذ ذاك شعله من نار لم يتجاوز الرابعة والعشرين عاماً وسرعان ما أحتل المواقع الهامة المحيطة بحجه ثم إحتل حصن كوكبان حجه المطل على حجه ، وهنا كانت الحرب العوان وقد ثبت فيها محسن شيبان وحسين الأحمر برغم قلتهم وإحتلال أحمد كل ما يحيط بحجه حتى فصلها عما حولها ودخوله إلى جوفها فأحتل حصن نعمان ولم يبق بيد الأحمر وشيبان إلا قاهرة حجه وقد أبديا مقاومة أقنعت أحمد أنه لا يأخذها عنوة فقبل شروطهما بأن يخرجا مع جميع أصحابهما وبكل ما بقاهرة حجه من أموال وسلاح ماعدا المدافع إلى حاشد وقبل أحمد هذا الشرط وأنتقل الأحمر وشيبان من حجه إلى خارف حاشد) أ. هـ .
    كما يتفرد القاضي عبد الله في نفس المصدر بتوضيح تفاصيل أحداث المواجهة الثانية التي قادها ناصر بن ناصر نفسه في نيسا فيقول (ص 173 ) :
    ( وكانت حاشد وبكيل غير خاضعتين لحكم الإمام عسكرياً وانما خضوعاً روحياً فأستشارهم ناصر بن ناصر الأحمر لأخذ حجه وإخرج أحمد منها فألتفت حوله عدة الآف وزحف بهم عن طريق حبور حتى وصل حصن ( نيسا ) القريب من حجه فذعر الإمام بصنعاء .
    أما إبنه أحمد فأستولت عليه بحجه ا لمخاوف حتى أنه بدأ في نقل بعض أمتعته ومعداته لئلا تسقط في يد الجيش الزاحف الذي يقوده ناصر بن ناصر الأحمر وكان ذلك هو المنتظرإلا أن الجيش توقف بنيسا فقد تعرض له عامل الإمام بنيسا القاضي حمود حميد وسرعان ما قتل القاضي حمود حميد وأحتل ناصر الأحمر قلعة نيسا وهنا أظهر بعض أعيان الجيش الزاحف إستنكاره لمقتل القاضي حمود حميد واتسع الخلاف بين الجيش وقد يكون ذلك عن مؤامرة دبرها أحمد ، ولم يتمكن ناصر بن ناصر من التغلب على هذا الإشتقاق فإذا بشطر جيشه ينسحب عائدآ إلى بلاده مما أضطر معه ناصر بن ناصر الأحمر إلى التوقف بقلعة نيسا مع من بقي معه من الجيش وأستمر بنيسا قرابة عام يتحين الفرص ليثب منها على حجه ولكن الفرصة لم تأت وثقلت نفقات الحرب على ناصر بن ناصر الأحمر فترك نيسا وعاد إلى حاشد وأستقر بها إلى أن دخلت حاشد في حرب مع الإمام / يحى وكان الإمام قد أعد لها من الجيوش النظامية وغيرها كما دس بين حاشد نفسها ما فرق صفها ثم رماها بقائد له مكانته في اليمن هو السيد عبدالله الوزير الذي له في حاشد نفسها صنائع من عدة أسر وأعيان مما مهد له أن يحتل حاشداً عسكرياً فلم يبق للشيخ / ناصر بن ناصر الأحمر إلا أن يلجأ إلى الملك عبدالعزيز آل سعود ) أ. هـ .
    وقد إنتقلت المعارك بعد ذلك إلى الساحة الحاشدية نفسها وأستمرت حتى منتهى سنة 1346 هـ وأوائل سنة 1347هـ حيث تدخل العلامة محمد بن محسن بن أحمد الشهاري للإصلاح بين الإمام وآل الأحمر فأثر الشيخ ناصر بن ناصر عدم المقام تحت راية الإمام وإتجه إلى نجران حيناً ، ولما بدأت نواجم الحرب بين الإمام والملك عبد العزيز آل سعود توجه الشيخ ناصر بن ناصر إلى الرياض وخيره الملك عبد العزيز أن يقيم حيث يشاء فأختار البقاء في أبها عاصمة عسير وبها تزوج وأقام حتى وافاه أجله سنة 1362 هـ وكان قد ناصرته الفاف من بكيل وكان من أبرزهم علي بن حسين مهفل وناجي بن أحمد الشايف.

    * الشيخ حسين بن ناصر الأحمر:
    وولداه : حميد وعبد الله..​


    أغرب مواقف التاريخ العربي هو موقفه من أبطال الشعب يمر بهم في إنتاجهم ومواقفهم وتضحياتهم مرور الأخرس حتى إذا حان حين مأساتهم نطق عنهم ثم مضى أدراجه لايلوي على شيء فما علة ذلك ؟ أحسبه يعود إلى إدمان تاريخنا الإنبهار بإنتصارات المنتصر دون أن يجشم نفسه مشقه البحث عن الدماء الشهيدة المسكوبة الحاضنة للقضية والحاملة أمانة المسؤولية كم أشجاراً تنبت بها في أرض الغد وكم أجنحة تحلق بها في سماء المستقبل؟
    أقول هذا وأنا أتوقف بالقارئ الكريم في هذه الدراسة أمام رأس كبير من رووس اليمن هو الشيخ حسين بن ناصر الأحمر الذى كان له ولولديه حميد وعبدالله الأثر الهام والحاسم في تاريخ اليمن العام فلو لا أن المولى سبحانه أنسأ في عمر ولده عبد الله وتبوأ مكاناً رفيعاً في النظام الجمهوري لضاع خبر الاب ضياع خبر الآخرين.
    والشاهد المؤكد أن زميلهم في المحنة كبير خولان عبد اللطيف بن راجح لم
    نر التاريخ يعطه شيئاً من الذكر رغم تضحيته الجسيمه بنفسه وماله غير أنه خرج من بلده في بعدان على فرسه إلى قعطبة فقبضوا عليه و اقتادوه إلى سجن أحمد ثم إلى جلاده وسيفه، ورغم أن المادة التي توفرت عن حياة الشيخ حسين هي أوفى من المادة المتوفرة عن أسلافه إلا أنها لا تكفي لتكوين رؤية كاملة عنه، وكان من مراجعي إجابة كريمة مركزة من ا لاخ الأستاذ عبد الملك الطيب سأورد نصها آخر هذه الكلمة ومراجع أخرى فيها أشتات من المعلومات عن الشخصية الكريمة التي نلتقيها وعن ولديه الشهيد حميد والشيخ عبد الله إنتجعتها من مجموعة زبارة وموسوعة العفيف وما كتبه القاضي إسماعيل الأكوع والد كتور عبد الرحمن ا لبيضاني والعقيد عبد القادر الخطري وهذا الأخير هو أوسعهم حديثاً عن الشيخ حسين لولا أنه نهج نهج جورجي زيدان في الرواية والتدوين ولكنه على كل حال قدم معلومات هامة لم ترد في غيره ووددت لو أن إبنه مخرج الكتاب بعد وفاة أبيه عمد إلى توثيقه بتقديمه إلى شخصية تاريخية كالقاضي عبد الرحمن الارياني أو القاضي عبد السلام صبره، ليضعا تصديراً له وتأكيداً على ما ورد فيه، وقد أكد الشيخ عبد الله صداقة الخطري له ولأخيه حميد وأبيهما حسين منذ سنوات باكرة قبل الثورة.
    ولد الشيخ حسين بن ناصر بحبور سنة 1318هـ وتلقى تعليمه المعهود حينئذ في كتاب القرية تحت إشراف أبيه وما إن بلغ الخامسة عشر من عمره حتى كان مشاركاً لوالده في كبار الأحداث ومعنى ذلك أنه أصبح سنة 1333هـ مرافقاً لوالده في زيارته لمحمد بن علي الادريسي بصبيا وإنضمامه اليه ويبدو أنه أصبح على علاقة وثيقه بإمام صبيا ودائم التردد عليه حتى أنه حين شارك محسن ناصر شيبان في الاستيلاء على قاهرة حجه سنة 1338هـ كما فصلناه في حديثنا عن أخيه ناصر بن ناصر آنفاً، يقول زبارة : إن الشيخ حسين بن ناصر كان يومها متوجهاً إلى الادريسي على رأس ستمائة مقاتل من قبائله فطلب منهم محسن شيبان مناصرته ضد الإمام، فأستجابوا له وكان ما سبق تفصيله وكذلك كانت له مشاركة تحت قيادة أخيه في معركة نيسا سنة 1341هـ ولما أحتدمت المواجهة بينهم وبين الامام إنتقل الصرع إلى أرض حاشد نفسها وشهدت المواقع الحاشدية بطلها حسين بن ناصر وهو يتنقل في استبسال بين : الظاهر، السنتين، خمر، حوث، العشه، حبور، وقد إنتهت تلك المواجهة بالمصالحة بين الإمام وآل الأحمر وإنسحاب ناصر بن ناصر وقيام أخيه حسين بن ناصر خلفاً له في قيادة حاشد على يد سيف الاسلام محمد بن الإمام المتوكل محسن بن أحمد الشهاري محرم سنة 1347هـ ، ويذكر ولده الشيخ عبد الله في معلومته التي تلقيتها منه : ( وقد خرج الوالد حسين بن ناصر و السيد شيبان ومن معهم من المقاتلين من حصن القاهرة في حجه بمصالحة بينهم وبين الإمام قام بها السيد أحمد بن قاسم حميد الدين ومعه الشيخ حزام الصعر وعدد من مشائخ حاشد وغيرهم وعادوا بعدها إلى بلاد العصيمات ولم يتعرض أحد منهم للسجن لأنه لم تتم السيطرة للإمام على بلاد حاشد والعصيمات وخارف وعذر وبني صريم ومن إليهم في ذلك التار يخ ) أ . هـ .
    ويضيف الأكوع في كتابه ( الهجر ) ص819 - المجلد الثاني قائلاً :
    (فأنفرد بحكم شهارة إلى أن خرج محسن شيبان عن طاعة الامام يحيى في حجه وبعض نواحيها سنة 1338هـ بسبب إعتقال الامام يحيى أخاه يحيى بن ناصر شيبان في سجن القلعة بصنعاء وقد ساعد محسن شيبان على الخروج عن طاعة الامام الشيخ حسين بن ناصر الأحمر ومن معه من أصحابه من قبيلته حاشد الذين صادف وقوع هذه الحادثة وهم في حجه في طريقهم إلى جيزان عند ا لادريسي فأمر الإمام يحى بنهود إبنه أحمد وسرعة عزمه إلى حجه لإحتواء ذلك العصيان قبل أن يتصل محسن شيبان بالإدريسي الذي كانت قواته مرابطة على أطراف نواحي حجه الغربية فتمتد عدوى العصيان إلى مناطق أخرى تابعة لنفوذ الامام يحيى وقد تمكن أحمد بن الإمام يحيى ممن معه من القوات وبمساعدة فعاله من الشيخ يحيى بن سرحان المحجاني- أحد مشائخ خارف من حاشد ( وكان من أكبر المخلصين للإمام أحمد ويعود الفضل له في فك الحصار عنه سنة 1374هـ / 1955م لضربه بالمدفع مواقع القوات المحاصرة له بقيادة المقدم أحمد يحيى الثلائي) تمكن من الاستيلاء على حصن نعمان أحد حصني حجه من أيدي أعوان محسن شيبان وأستولوا على مافيه من أسلحة وعتاد ، وكذلك المدفع الذي قصفوا بقذائفه حصن القاهرة - حصن حجه الآخر- الذي كان فيه محسن شيبان و الشيخ حسين بن ناصر الأحمر وأتباعهما فأرغموا على قبول الصلح الذى رفضوه من قبل وخرجوا من القاهرة بأسلحتهم بأمان وهم يزملون وكان محسن شيبان في الصف الأول لقواته التي مرت بالقرب من بيت اليمني الذي كان يسكن فيه أحمد بن ا لامام يحيى فساءه ذلك التحدي من قبل محسن شيبان وأخذ بندقيته كما أخبرني محمد بن أحمد المتوكل الذي كان حاضراً هذا الموقف وصوبها تلقاء محسن شيبان لقتله وأسرع الشيخ حزام بن عبدالله الصعر فرفع فوهة البندقية إلى أعلى وقال لصاحب الترجمة : ( هي وجيه رجال ماشو لعب عيال ) ذلك لأن الشيخ الصعر كان أبرز رجال الصلح من قبل القبائل بين الإمام يحيى وبين محسن شيبان وأنتهى الأمر بسلام وأذن الإمام يحيى لإبنه بالبقاء في حجه و الياً عليها وعلى نواحيها وهدم بيت اليمني الذي سكن فيه وعمر محله ( دار سعدان ) أ. هـ.
    وقد سألت الشيخ عن المحجاني كيف أعان الامام أحمد في حجه ضد الشيخ حسين ناصر ومحسن شيبان فأجاب : ( أما سؤالكم عن موقف الشيخ الحجافي الخارفي الحاشدي الذي كان مع أصحابه مستلمين حصن نعمان في حجه اثناء الحركة التي قام بها شيبان في حجه ومعه الوالد الشيخ حسين بن ناصر وعدد من المقاتلين من العصيمات سنة 40هـ وأحتلوا حصن القاهرة وغيره في حجه فما قام به المحجاني من التصدي و المقاومة يعتبره و اجباً لأنه كان ملتزماً للامام بحماية حجه والدفاع عنها إضافة الى أن الولاء للامام في ذلك التاريخ كان يعتبر واجباً مقدساً ، وقد خرج الوالد حسين بن ناصر و السيد شيبان ومن معهم من المقاتلين من حصن القاهرة في حجه بمصالحة بينهم وبين الامام قام بها السيد أحمد بن قاسم حميد الدين ومعه الشيخ حزام بن عبد الله الصعر، وعدد من مشائخ حاشد وغيرهم وعادوا بعدها إلى بلاد العصيمات ولم يتعرض أحد منهم للسجن لأنه لم تتم السيطرة للامام على بلاد حاشد الشرق والعصيمات وخارف عذر وبني صريم ومن إليهم في ذلك التاريخ) أ. هـ.
    وبعد إنتهاء المواجهة العلنية أستمرت مرحلة التربص والحذر وأمكن للشيخ حسين أن ينعم بالاً بين أهله وأملاكه بضع سنوات ورزق خلال ذلك مولوده الأكبر حميد في ربيع أول سنة 1349هـ ثم رزق مولوده الثاني الشيخ عبد الله في شعبان سنة 1351هـ ، وقد ترعرع كالاهما في رعاية الأب وشبا شباباً قوياً مباركاً وما إن بلغ حميد التاسعه من عمره حتى دار عليه الدور ليصبح رهينه عن الأسرة لدى الامام بدلاً عن الرهينة ا لاول عمه عسكر بن ناصر بن مبخوت المتوفى رهينه ودخل الفتى حميد تلك المرحلة الصعبه بعيداً عن الاسرة في سن باكره هي أحوج ما تكون إلى رعاية الأسرة ومن سنة1358هـ حتى سنة 1362هـ ظل في سجنه يتلقى دروسه الأولى كغيره من الرهائن وقد أفرج عنه ليعود إلى الأهل ولعله حل محله إبن عمه علي بن غالب بن ناصر بن مبخوت وبالمناسبة فإن الشيخ غالب بن ناصر بن مبخوت عاش حتى أدرك الثورة وشارك في الدفاع عن الجمهورية وكانت وفاته سنة 1970 م - وسنمر بمزيد من خبره في مكانه من هذا السياق - ولما قامت ثورة 1367هـ بقيادة الامام عبد الله بن أحمد الوزير وخرج ولي العهد أحمد إلى حجه يؤلب القبائل ضد صنعاء و الثوار الذين فيها إنتقاماً لمقتل أبيه واستعادة لعرشه ، يقول الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في إيضاحاته عن أخيه حميد أنه كان موجوداً مع بعض مرافقين معه في منطقة سوق الامان لاستحصال غلول أملاكنا هناك ففوجؤا بوصول ولي العهد أحمد بن يحيى حميد الدين وهو هارب من تعز متوجه إلى حجه بعد مقتل أبيه الامام يحيى وقيام ثورة الدستور فقدم الأخ حميد ومشائخ وأعيان المنطقة للسلام على ولي العهد وما أن تعرف الامام على الأخ حميد حتى ألقى عليه القبض وأصطحبه معه إلى حجه وأودعه سجن نافع ليضمن ولاء أبيه وقبائله وقد جأت الاقدار بعد إنتصار الامام أحمد وفشل الثورة في صنعاء جأت الأقدار بزعماء الثورة من العلماء والمفكرين والقادة العسكريين والمشائخ فذهب يأخذ عنهم ويتتلمذ عليهم وكان أكثر ما يكون تعلقاً بالقاضي عبد الرحمن الإرياني والأستاذ الزعيم أحمد محمد نعمان ، وقد أحس الإمام / أحمد بخطورة بقاء حميد لديهم فعمل على تحويله من سجن إلى آخر فخرج من سجن القاهرة إلى سجن نافع ثم إلى سجن بيت عذاقه في جبل مسور، وأستغرقت تنقلاته تلك خمس سنوات من سنة 1367هـ إلى سنة 1372هـ فأفرج عنه وسمح له بالعودة إلى الأسرة للزواج ثم إستدعاه إليه إلى تعز حيث بقي معه عدة سنوات، وكان مرافقاً له في زيارته لصنعاء إستقبالاً للملك الزائر مسعود بن عبد العزيز سنة1373هـ ولما قامت حركة سنة 1955م سنة 1374هـ بقيادة المقدم أحمد يحيى الثلايا كان حميد في مقدمة أنصار الامام أحمد حتى أن الثلايا حاول إلقاء القبض عليه واعتقاله كما ذكر الأستاذ الجناحي، ولكن تدخل القاضي عبد الرحمن الإرياني حال بينهما وبين الاشتباك، وعاود حميد نشاطه في صف الإمام أحمد ولما أستتب الأمر لأحمد وقضى على الانقلاب وتوثقت العلاقة بينه وبين الملك سعود والرئيس جمال عبد الناصر إلى حد إنشاء وثيقه جده المبرمه بين اليمن و السعودية ومصر سنة 1956م كان حميد من أبرز مرافقي الإمام إلى جده ، وقد إستفاد من إقامته الطويلة بتعز واتصالاته الواسعه بمشائخ اليمن ومثقفيه و الإلمام بالأوضاع العربية مما جعله على درايه كافيه ومما هيأ له إقامة تنسيق بينه وبين مجاميع الشعب ورموزه البارزة ، هنا ننعطف إنعطافه قصيرة للتذكير بظاهرة مكرره في التاريخ اليمني خلال هذا القرن العشرين وذلك ببروز حدث مركزي يشغل عقداً كاملاً إلى جانب المظالم المزمنه و المطالب الدائمة للشعب عبر القرون ففي العقد الثلاثيني شكلت الهزيمة المهينة للقوات اليمنية أمام إبن سعود سنة 1934م ( إنتصر إبن سعود رغم ضائقة مالية و تمردين قبليين: إبن رفادة في الشمال الغربي ، و الدويش في الشمال الشرقي و التراجعات الحدودية المفرطة في الأرض ) شكلت هماً شعبياً مؤرقاً ضاعف من مواجعه الاتفاق الحدودي بين الإمام وبين الانجليز في تلك السنه ، وقد تنبه الحس الشعبي إلى هول الخسائر التي جرت اليها السياسة الضعيفة الو اهنة للامام و التفريط في السيادة الوطنية على التراب و البحار وما إن جاء العقد الأربعيني من هذا القرن العشرين أيضاً حتى رأينا تلك المواجع وافرازاتها والمظالم المزمنة و المطالب التاريخية في الاصلاح كلما تنتهي إلى إجماع شعبي حول ضرورة وجود دستور يحقق قيام دولة المؤسسات و الفصل بين السلطات مما لا عهد للإمامة به ، ولم يكن فكر الامام يحيى وفكر ولي عهده يتسع له أو يهضمه وأصبح الدستور هو الحافز المحوري لنشاط الشعب طوال العهد الأربعيني ، ثم ما إنتهت إليه الأحداث من مقتل الإمام يحيى وفشل الثورة وسقوط الدستور و المذابح الرهيبة التي أودت بأعز النفوس وأغلى الرؤوس وتحويل الشعب إلى معتقل عام للاحرار، كل تلك النوازف و المرارات أنطبعت في الحس الشعبي كتراث نضالي ورافد ثوري يهيىء لليوم الموعود يوم سبتمبر.
    وجاء العقد الخمسيني وكانت قضيته المركزية شعبيا ًورسمياً هي قضية ولاية
    العهد التي خط وثيقتها كما فصله الشامي في رياح التغيير القاضي عبد الرحمن الإرياني في رمضان 1373هـ - 1954م وعلى إثرها تفجرت التناقضات المتوارية داخل الاسرة الحاكمة ، وبرزت صراعات الأمراء علنية سافرة على الساحة وأنقسم البيت ا لحاكم إلى عبدليين هم أنصار سيف الاسلام عبد الله بن يحيى وزير الخارجية يومها والقائم بإنقلاب شعبان 1374هـ - إبريل 1955م بقيادة المقدم أحمد يحيى الثلايا والذي لم يعمر أكثر من خمسة أيام،وكان حصاده مجموعه وطنيه كريمه إنضافت إلى شعلة النضال الشعبي لتضاعف من دائرتها التي إستغرقت كل الشعب وبعد فشل العبدليين بقي على الساحة الحسينيون أنصار سيف الإسلام الحسن الذى يمثل الخط المحافظ في أقصاه ، والبدريون المنضوون تحت راية ولي العهد محمد البدر وكان أكثرهم من طلقاء حجه الذين كان للبدر عليهم منه ، ورغم صمت الإمام أحمد عن إعلان ولاية عهد إبنه إبقاء على وحدة الأسرة وإتقاء لشقاقها فإن فشل إنقلاب 1955 م وقد ذهب فيه إثنان من كبار أخوته هما: عبد الله و العباس جعله في حل من إعلان موافقته على ولاية العهد لابنه سنة 1956م وأصبح المجال مفتوحاً أمام أنصار البدر لكسب ولاء الجماهير له وأخذ البيعة منهم وعلى هذا فان موقف الشيخ حسين بن ناصر وولديه حميد وعبد الله منذ سنة 1957م وحتى سنة 1959م صار موزعاً فموقع عبد الله بن حسين ودوره القيام بشؤون الأسرة وأملاكها وشؤون القبيلة و التواصل مع قادة العمل الوطني في صنعاء وكان على رأسهم يومها القاضي عبد السلام صبرة ومع هذا فقد كان عبدالله يحل محل أبيه حسين في تعز من سنة إلى أخرى كمناوب عنه إلى جانب وجود حميد في تعز وهذا يعني أن الثلاثة ظلوا في إعتقال دائم من سنة 1347هـ سنة المصالحة إلى سنة 1379هـ سنة الاعدام ، أما موقع حميد فقد إنتقل من مرافقة الامام ، أحمد في تعز إلى بلاط ولي ا لعهد محمد البدر في صنعاء ، وكان في مقدمة رجاله وأبرز الساعين في أخذ البيعة له من القبائل إذ كان بمثابة المستشار لشؤون القبائل في بلاط البدر في حين بقي الشيخ حسين بن ناصر في بلاط أحمد بتعز تحت المراقبة الشخصية منه ورغم متابعته بالارصاد والجواسيس إلا أنه إستطاع أن يتصل بالتنظيمات الوطنية داخل تعز ويتواصل عن طريق ولده حميد في صنعاء مع العاملين هناك وقبل أن نعرض لأهم الاحداث التي مر بها في تعز ننبه إلى حدثين مستجدين هامين كان لهما شأن في النسيج العام للوقائع في تلك الايام أولها :
    إعلان الإمام أحمد في لعبة سياسية ذكية إنضمامه إلى الوحدة السورية المصرية ، وكانت تلك كما وصفها المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري الخدعة العربية الكبرى إستطاع بها الإمام أن يسكت أصوات المعارضة من قنوات الإعلام المصري ويقيد نشاطهم هناك.
    ثانيها: سفر الإمام أحمد إلى روما للعلاج سنة1959م وما أعقب ذلك من تفجرات داخلية في كبريات المدن كتعز وصنعاء مما جعل ولي العهد يقع تحت ضغط الواقع الشعبي المتفجر ومؤمرات الحسنيين وأستعداداتهم الدائمة و المتعددة ضده ولا يمكننا هنا إيراد كل ما فصله العقيد عبد القادر الخطري من أمر الجمعية الثورية الوطنية بتعز تحت توجيه وقيادة القاضي عبد الرحمن الإرياني ولا كل التحريكات و المقترحات التي رواها الكتاب عن الشيخ حسين بن ناصر وزميله النقيب قاسم بن حسن أبو رأس ، وإنما نكتفي بتلخيص أهم المحاور التي وردت فيه والكتاب كما أسلفنا يتناول نشاط الجمعية طوال سنتي 1957 م- 1958 م وخلالها كان الشيخ حسين بن ناضر ينزل في قصر صالة حيث يسكن الإمام أحمد، وكان العقيد محمد مفرح - مدير أمن القصر يومها يشغل نقطة إتصال وتعريف بين الشيخ حسين بن ناصر وأعضاء الجمعية حتى
    إستطاع الإجتماع بهم ووضع الخطط معهم وا شراك كبار مشائخ اليمن كعلي بن ناصر طريق وسنان أبو لحوم و الحباري والقيري وغيرهم بحيث أصبحت إتصالات المشائخ تشمل القبائل الشرقية في مآرب ومراد و البيضاء و القبائل الشمالية في رازح وسحار والعمالسة وآل سالم عن طريق حميد بن ناصر الأحمر، ومن أهم خططهم لإغتيال الإمام أحمد ثلاث خطط : الأولى أقر فيها المجتمعون الإتصال بالألوية العسكرية المرابطة بمدينة تعز وقد أسماها الكتاب وحدد مواقعها وعدد قواتها وحدد دورها في عملية الهجوم على صالة وتمتل دور الشيخ حسين بن ناصر والنقيب أبو رأس في إستدعاء خمسمائة مسلح من قبائلهم ليقوم حسين بن ناصر شخصياً على رأس قوة منهم بمهاجمة المدخل الرئيسي لقصر صالة ويقوم أبو رأس على رأس قوة منهم ، بمهاجمة البوابة الخلفية للقصر، وفعلاً كان إستدعاء الخمسمائة مسلح وهيأوا لهم أماكن سكناهم وأنفق عليهم الأحمر وأبو رأس من خاصة مالهما وقبيل اليوم المحدد للهجوم بساعات باغتهم الإمام أحمد بمغادرة تعز إلى الحديدة وقد أبقوا المسلحين أربعة أشهر تحسباً لعودته ثم أجازوهم إلى بلادهم.
    الخطة الثانية: هي خطة الهجوم على أحمد بمطار تعز وقد توزع أدوار الهجوم كل من الجيش و القبائل وفيهم يرد ذكر إسم فيصل الفريد من أصحاب أبو رأس لمهاجمة مدخل المطار وهو بإسمه الكامل فيصل بن عوفان من آل دمينة الذى سبق أن نوهت به في الوقفة الأولى ولكن الإمام أحمد الذي كان يتابع ما يجري بيقظة وخبرة لم يعد إلى تعز.
    الخطة الثالتة : وكانت إجرأ الخطط الثلاثة وهي أن يركب ثمانية فدائيون إحدى سيارات القصر الملكي في زي نساء ومعهم أسلحتهم مسدسات وقنابل ليهاجموا أحمد عند عودته إلى صالة داخل غرفته ، وكان من ضمن الثمانية الذين تطوعوا لتنفيذ العملية الشيخ حسين بن ناصر وقاسم أبو رأس ، وفي الساعة قبل الأخيرة من وقت التنفيذ باغتهم الإمام أحمد بإستبدال سائق السيارة المتعاون معهم بسائق أخر جديد.
    فأنت ترى كيف بلغ الحماس و الإصرارعلى قتل أحمد لدى أولئك الرجال وعلى رأسهم الشيخ حسين بن ناصر ذلك المبلغ البعيد من الفدائية و الإقتحام وبعد مغادرة أحمد لأرض اليمن إلى روما للعلاج كانت الفرصة مؤاتية للشيخ حسين بن ناصر للعودة من تعز إلى صنعاء ليلتقي بولده حميد في بلاط البدر ويواجها معاً تكتلات الحسنيين وتجمعات القبائل المتعاونة معهم و التي كانت تتابع دخولها إلى صنعاء وتبتز الأمو ال من البدر.
    ويذكر القاضي المجاهد أن الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر كان من ضمن جماعة وطنية أجتمعت في صنعاء في منزل القاضي عبد السلام صبره وإلتزمت بقتل أحمد في السخنه كما يذكر الخطري في كتابه ص 168عملية مماثلة قام بها فريق من المشائخ المتابعين في إصرار تحركات أحمد و الحريصين على قتله ، نقدم النص على ما فيه من أخطاء لغوية لنرى مدى إرتفاع الحماس الشعبي و الغضبة الوطنية يومئذ فإن السنوات الواقعة بين سنة 1956م – سنة 1962م كانت قمة الإصرار الشعبي و الإجماع الوطني على إنهاء الإمامة و التطويح بالعرش و الأسرة ، ونص الخطري لم يوضح ما إذا كان ذلك قبل أو بعد سفر أحمد إلى روما لإغفال الكتاب تحديد تاريخ الوقائع و المجريات، يقول الخطري في كتابه ( حقيقة الثورة وأسرارها) : ( بينما كانت مجموعة من المشائخ الأحرار قد وصلت صنعاء من تعز قبل فترة وجيزة من مغادرة الطاغية تعز وذلك للحمل في أوساط القبائل وحينما سمعوا بنبأ وصول الطاغية إلى السخنه أتفقوا مع الاخوان بصنعاء أعضاء اللجنة التنظيمية بصنعاء على العزم إلى السخنه للقيام بعمل فدائي وهم :
    الشيخ علي ناصر طريق ، الشيخ أحمد القيري ، الشيخ عبد الولي القيري ، الشيخ أحمد الحباري ، الشيخ جار الله القردعي ، الشيخ أحمد دويد ، الشيخ أحمد شديق ، الشيخ علي بن علي الغادر، الشيخ علي الشعبي وقد صادف وصول هؤلاء المشائخ الفدائيين للقيام بمهمتهم في حالة خروج الطاغية بمناسبة حضور الحفل الذى أقيم لمشاهدة عملية القفز المظلي من على الطائرة من طرف ضباط المظلات اليمنيين المتخرجين لأول مرة في تاريخ اليمن تشهد أبناءها وهم يمارسون عملية القفز المظلي بكل شجاعة وإقدام وأذكر أن هذه الدفعة هي دفعة الأخ الملازم عبد الله الراعي وحينما شاهد الطاغية هذا المنظر الرائع العظيم أعني قفز الضباط بالمظلات من على الطائرة وهي في أثناء طيرانها ومن على بعد شاسع بدون أي خوف أو تردد لاول مرة جن جنونه ولم يستطيع حينها أن يخفي ما في نفسه فقد كشف دخائل نفسه في تلك اللحظة وهو يخاطب بعض أنصاره الجالسين بالقرب منه بقوله : إن هؤلاء الضباط المظليون يمثلون شياطين الجن الذي يحاولون أن يسترقوا السمع من السماء فتتبعهم الشهب السماوية لتحرقهم ، وما أشبه هؤلاء بالشياطين ونحن لا نريد أن يكون في جيشنا شياطين مثل هؤلاء ونهض من مجلسه معلناً إنتهاء الحفل بالرغم من أن عملية قفز الضباط لم تنته و القفز لا يزال مستمراً وأما بالنسبة للفدائيين فقد لحظوا من على بعد بأن الطاغية أختار جلوسه على بقعة تحيط بها ثلاثة جدران من الخلف ومن اليمين و الشمال ، ولم يكن هناك أي ثغرة سوى ثغرة من الامام وقد ترتبت الحراسة على هذه الثغرة من أربعة قطارات دائرية بعضهم وراء بعض بين كل قطار وآخر عشرون خطوه قصيرة تقريباً ، بالإضافة إلى ذلك أن عبيده الخاص والذي يتراوح عددهم في حدود العشرين طوقوا عليه بشكل دائري وحاشية من الأنصار أمامهم والطاغية نفسه جعل مجلسه متوسطاً بينهم لا يكاد أن تراه العين ، علاوة على ذلك منعوا أي مواطن من الإقتراب إلى آخر قطار من الحرس على أن يكون المواطنين على بعد عشرة أمتار من القطار الأخير مما تعذر على الفدائيين الإقتراب منه وعدم رؤيته بالمرة ، حينئذ حاول أثنين من المشائخ الفدائيين أن يقوما بعملية إرباك للحراس و الحاشية علهم يتفرقوا من جانبه بينما يقوم الآخرون بالهجوم عليه وصب الرصاص على جسده فأطلقا طلقتان كل واحد منهما أطلق طلقه وصادف وقوع هذه ا لطلقتان على جانب أحد التشكيلات الدائرية للحراس ولكنها غاصت بين الرمال ولم تصب أحد بأذى وما إن شعر الطاغية بذلك حتى إختفى بين مجموعة العبيد وركب على سيارته ودخل قصره وقد أصابه الخوف و القلق وبالأخص حينما لحظ موقف الحرس الملكي فور إطلاق النار بأنه أشبه بموقف المتفرج لأنهم حين وقوع ذلك لم يلحظ منهم أي إهتمام بالمحافظة على حياته أو يحيطون به للدفاع عنه لولا أنه غاص بين مجموعة العبيد ولهذ ا تصور له بأن الحرس متواطئين مع الذين أطلقوا النار خصوصاً والحرس لم يحاولوا حتى البحث عمن أطلق النار وكأن الذي حدث شيء عادي هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تصور له أنه لم يأت إطلاق النار بالرغم من الحراسة المتشددة لو لم تكن هذه المجموعة كبيرة وواثقه من نفسها بأن تصد أي قوة تحاول أن تقوم بأي إجراء ضدها ، ولهذا لم يطمئن على بقائه في القصر أكثر من نصف ساعة منذ دخوله عقيب إطلاق النار حتى ركب على متن سيارته فجأة وغادر السخنه إلى الحديدة ومنها ركب على متن الطائرة إلى تعز) أ. هـ .
    وقد عد الجميع سفر الإمام أحمد إلى روما للعلاج بمثابة توديعه الأخير لليمن نظراً لسوء صحته وتوقع الجميع بما فيهم إبنه البدر قرب وفاته وعلل البعض أنفسهم أنه في حال ما إذا تعافى وعاد فسيكفيهم الرئيس جمال عبد الناصر أمره في مصر بإبقائه لديه هناك وهو كما تراه تعله ساذجه ما كان لجمال أو لغيره من العقلاء أن يتورط فيها ويغامر بسمعته وسمعة دولته وبلده فتصرفت القوى المختلفة في الساحة على ذلك الإعتبار فسارع البدر إلى إنشاء ما أسماه بمجلس نيابي جعل على رأسه القاضي أحمد السياغي - تمسحاً بالديمقراطية وتقرباً من الأنظمة التي يسمونها تقدمية وعمل على إستراضاء الجيش وأنفق الأموال تألفاً للقبائل وركز الحسنيون على نشاط حميد ونقلوا كل حركاته مضخمه إلى أحمد في روما وأنه أصبح يعد لإعلان الجمهورية وتصرف الرؤساء وفجأة هب أحمد مستعيداً شيئاً من عافيته متؤجهاً على الطائرة أولأ ثم على الباخرة ثانياً وفي بوابة الحديدة إلتقي إبنه الذي لا يبعد شأن الضعفاء أن يتبرأ من أخطائه ويجعل جريرتها على أنصاره وفي مقدمتهم حميد وأبوه وأعلن خطابه المهدد المتوعد وتحرك ليقبض على حميد وأبيه وقد مرت بك الخلفية الدامية لعلاقة الإمام أحمد شخصياً بآل الأحمر ورغم إتفاق القبائل على مواجهته للتخلص من الإمامة أولاً في شخص أحمد ثم في شخص إبنه البدر ثم إعلان الجمهورية فإن إجراءات أحمد العاجلة شغلت كل واحد بنفسه وتختلف المراجع في تحديد كيفية المواجهة بينه وبين حاشد وتتفق على النتيجة المتلخصة في إتجاه حميد إلى برط ثم إلى الجوف وبعد مقاومة منه للجيش الذى واجهه به عامل الجوف أحمد المهدى إستسلم في وجه الشريف الضمين وتم نقله وبعض أصحابه على طائرة إلى السخنه ثم إلى الحديدة ثم إلى حجه حيث كان إعدامه ثم إعدام والده بعده بأسبوعين في حجه وأوثق المصادر في ذلك هو الشيخ عبد الله بن حسين الذي أخبرني في إيضاحاته الخطية قائلا :

    * الشيخ / عبد الله يروي قصة الاعتقال والإعدام :

    عند خروج الجيش من صنعاء إلى حاشد لإخضاع القبائل حاول أخي حميد أن يحرض قبائل حاشد لمواجهة وصد الجيش ولما لم يفلح أصيب بخيبة أمل وتوجه مع بعض المجموعة التي كانت ملتفه حوله من مشائخ ذو محمد برط وحاشد إلى برط غير أن القبائل هناك منعتهم من طلوع جبل برط فتوجه ومجموعته صوب الجوف على أمل الخروج إلى بيحان لكن عامل الجوف السيد أحمد المهدي ألب عليه القبائل مع عساكر النظام الموجودين في المنطقة وأحاطوا به في منطقة الحميدات علو الجوف فرفض التسليم إلا إلى أيدي مشائخ دهم والشريف علي الضمين الذين أعطوه الوجيه وأخذوه إلى بيت الشريف الضمين وأبرقو للإمام أنه سلم نفسه إلى وجيههم وأن وجيههم من وجه الإمام فطلب منهم الإمام الوصول جميعاً فوصلوا كلهم إلى السخنه على متن طائرة أقلتهم من الجوف وقد التقيت به وأنا هناك وقد أرسل إلى سجن الحديدة ومكث فيها قرابة الأسبوع ثم أرسله الإمام إلى سجن نافع .
    أما الوالد الشهيد فقد واجه الجيش في مدينة حوث مركز قبيلة العصيمات اللذين كانوا ملتفين حوله للدفاع عنه بدمائهم وبيوتهم فأصر الوالد على عدم المواجهة القتالية تجنباً لإراقة الدماء و الدمار ولاطمئنانه أن الإمام لن يمسه بسوء لاسيما وقد بعث إليه البدر رسولين يحملان إليه رسالة وجه وذمة بأنه لن يمس بسوء وكان المبعوثين هما القاضي علي بن عبد الله اليدومي و الشيخ عبد الله بن يحيى بدر الدين وتوجه الوالد إلى صنعاء برفقة المبعوثين وعدد من مشائخ العصيمات حيث استضافه البدر في قصره بدار البشائر..
    أما بقية المشائخ اللذين كانوا مع الوالد من العصيمات فقد توجهوا إلى السخنة لمراجعة الإمام وقدموا له العقائر واستقبلهم في وجودي في مسجد السخنة وأمرهم بالبقاء الأمر الذي جعلهم يطمأنوا ، غير أن الإمام كان قد عقد الأمر على إعدام الوالد وحميد ولم يكن طلب بقاء المشايخ إلا من باب المناورة وتحسباً لردود الأفعال..
    وقد ظل الوالد ضيفاً على البدر في صنعاء طليقاً غير سجين ولما قرر الإمام إعدامه وولده حميد أستدعي بصورة عادية الى الحديدة فلما وصل بطائرة خاصة تم إعتقاله هناك وأرسل فوراً إلى حجة حيث أعدم حميد في صبيحة اليوم الثاني من وصول الوالد إلى سجن نافع ، وظل الوالد مسجوناً لا يعرف عن مصير إبنه شيئا وبعد إسبوعين أخرج الوالد الى باب القلعة وبلغ بأمر الإمام بإعدامه وطلبوا منه أن يوصي فسألهم عن حميد فأجابوه أنه قد أعدم فسألهم عن عبد الله فقالوا له بأنهم لايعلمون عنه شيئاً فقال: ( إذاً البقاء بعد حميد خمس دقائق كثير..) وأعدم في تلك اللحظة .
    * الشيخ/ عبد الله والإمام والسجن :
    ويتابع الشيخ تفاصيل الأحداث بعد إعتقال أخيه وأبيه وإعدامهما قائلاً : ( في أوائل عام 1379هـ وبعد عودة الإمام من روما الى الحديدة وإطلاق صرخته الكبرى كنت و الوالد و الأخ حميد ومعظم مشائخ اليمن موجودين في صنعاء مع ولي العهد الذي كان في ذلك الوقت منفتحاً على المشائخ وبصفة خاصة مع الاخ حميد الي كان يعتبر من صفوة الرجال المقربين اليه وبعد وصول الإمام الى الحديدة قرر المشائخ بعد إلتقاء الوالد وحميد بهم - قرروا النزول بوفد من المشائخ لإستقبال الإمام والسلام عليه فرفض الإمام ذلك وأبرق بعدم ترول المشائخ ولذلك فقد كلفني الوالد وحميد بالنزول لنقل رسالة تهنئة بوصوله وبقائي في مقامه بدلاً عن الوالد حسب العادة ، وقد وصلت الى مقر الإمام في السخنة فاستقبلني إستقبال حار فيه البشاشة والحفاوة فسلمت له رسالة الوالد ونقلت تحياته وتبريكاته وإعتذار الوالد عن الوصول وتقبل ذلك ورحب به وإستمريت في مقامه أحضر المقابلات و الإحتفالات الرسمية وأتواجد مع الحاشية و استمر هذا الحال قرابة الشثهرين وفجأة تغيرت أحوال الإمام فطلبني وأمرني أن أرسل إلى الوالد وحميد بالوصول الى السخنة وعلى وجه السرعة وبدأ التهديد و الوعيد بخروج الجيش على حاشد وظليت أراجع وأحاول تهدئة الوضع غير أن الجيوش تحركت على حاشد في شهر جماد الثاني من نفس العام وجرى ما جرى من الخراب و الدمار وقلع أشجار البن وإعتقال مشائخ حاشد وبعض مشائخ برط ومطاردة حميد والقبض عليه في الجوف ، وفي يوم إحدى عشر رجب عام 1379هـ أصدر الإمام أوامره بدخولي من السخنة الى الحديدة للقاء بالوالد الذي وصل من صنعاء في نفس اليوم و البقاء معه في الحديدة ، ولكن فوجئت فور وصولي الحديدة أن الوالد وحميد قد رُحِّلُوا إلى حجة وتم إعتقالي في المكان الذي كان فيه حميد وبعد إحدى عشر يوماً تم نقلي من القلعة من سجن الحديدة إلى حبس المحابشة الذي ظللت فيه ثلاث سنوات حتى قيام الثورة ..
    ويذكر صاحب كتاب ( هجر العلم ومعاقله في اليمن ) أسماء المواقع من أملاك الأحمر التي تعرضت للخراب من قبل جيشي الإمام في حبور وبني موهب وسنجر جهة حجه ، وكان لمقتل الشهيدين حميد وأبيه وقع كارثي رهيب خاصة في نفوس عارفيهما ، ويصور النص التالي من كتاب الخطري ما وقع بين الامام أحمد والشيخ علي جابر أبو شوصا من مشائخ حاشد من مشادة بشأنهما ، وهي لعمرو الله من صور الوفاء النادر من الأحياء للأموات بعد رحيلهم :
    ( ومن الجدير بالذكر أنه حينما هرعت مجموعة كبيرة من المشائخ إلى الطاغية بالمسخنه للمراجعة على إطلاق سراح الشيخ حسين بن ناصر الأحمر من
    السجن عمد الطاغية إلى إستخدام سلاحه القديم ذات العبارات العنصرية وقد أطلق هذه العبارات إلى وجوه هؤلاء المشائخ بدون خجل أو ذرة من حياء حيث قال وهو يقد اللهجه القبلية : هل يرضيكم يا قبائلنا أن يعمل حسين ابن ناصر وابنه حميد على طرد جميع الأسر العدنانية من اليمن ويشردوهم من أرضهم وديارهم ويجعلوهم كلاجئي فلسطين .
    أنا داعي لكم مدعى القبيلة مدعى حاشد وبكيل ومذحج فرد عليه الشيخ أبو شوصا بقوله : و الله ما علمنا عليهما بسوء من مثل هذا وما هذه إلا وشايه مغرض لئيم وحاقد زنيم أرا د بها الإنتقام من حسين بن ناصر وولده وما تلك يا مولاي سجايا حسين بن ناصر ولا سجايا أحد من أبناء هذا الشعب فلا تصدق مثل هذه الأقاويل المفترى بها ، فحاول الطاغية أن يؤكد كلامه بطريقة المغالطة و التموية ، فقال : كيف في تجادل الحقيقة وبيدى ما يثبت صحة ذلك بهذه الوثيقة مشيراً إلى ورقة مطوية بيده عليها توقيعات من المواطنين تشهد لشخص بأنه فقير متربة يستحق العطف عليه بالصدقة من خزينة الدولة وحينما قال الشيخ أبو شوصا رداً على الطاغية : أرنا يا مولاي هذه الوثيقة التي تزعم بأنها تثبت ذلمك فأشار الطاغية إلى تلك ا لورقة المطوية القابض عليها بيده وقال ها هي الوثيقة ، ولكن صاحب الورقة كان واقفاً مع مجموعة المشائخ فقاطع الطاغية في كلامه بقوله : هذه يا مولاي هي ورقتي موقعة من بعض المواطنين الذين يعرفون حقيقة فقري وقد رجوت فيها تقرير الصدقة لي ولأولادي فلم يسع الطاغية أمام هذه الفضيحة الكبرى في حضور مجموعة المشائخ إلا أن يوجه كلامه إلى الشيخ أبو شوصا بقوله : لا تحاول الإلحاح في إطلاق حسين بن ناصر وولده حميد فالباقي وجه الله فحملق أبو شوصا بعينيه إلى الطاغية ورفع صوته غاضاً وقال بلهجته البدوية البريئة : إعقل يا جني لك الجن تشلك ، حسين بن ناصر وولده في رأسك فخاف الطاغية أن يتطور الكلام ويحدث ما لا يحمد عقباه فأرتد من باب قصره راجعاً إلى الداخل ، وحينما دخل أرسل أحد ا لخدم يستدعي إليه الشيخ أبو شوصا وكان الوقت حينئذ الساعة الواحدة ظهراً أوان وجبة الغداء ، وما إن وصل حتى أستقبله الطاغية ببشاش وقال له : أجلس هنا فأنت ضيف الإمام اليوم ، وقد قام الطاغية بتدبير كل شيء قبل وصول الضيف وبعد لحظات من جلوس الضيف دخل الخادم وأشار إلى الطاغية بأن السفرة جاهزة فنهض وأشار إلى الضيف بالنهوض وتقدم الإثنان إلى مكان السفره وقد تكونت السفره من عدة صحون ذات لونين بعضها باللون الأخضر الغامق والبعض الأخر باللون الأبيض الخالص ، وقد صنعت هذه الصحون على نمط خاص فقد كانت الصحون ذات اللون الأبيض أمام مجلس الطاغية أحمد والأخرى ذات اللون الأخضر الغامق فقد كانت أمام مجلس الضيف وقبل أن تمتد الأيدي بدأ الطاغية في تمهيده للضيف بقوله إنه ممنوع من الوجبات الدسمه والمطبوخ بالتوابل وأنه لا يأكل إلا مسلوقاً حسب قرار الأطباء ، ثم أشار له بأن يتناول من الصحون التي أمامه وكان السم المدسوس على الضيف من نوع خاص لا يشعر به المرء إلا بعد أن يتناوله بحوالي ساعه ، هذا وقد تناول الضيف وجبته المسمومة دون أن يشعر حينها بشيء ما، وما إن أتم الضيف وجبته حتى أشار إليه الطاغية بأن يذهب للمقيل في محله وأنه سوف يستدعيه في الغد للتفاهم من أجل حسين بن ناصر وولده فتوجه الضيف إلى محله الساكن فيه للمقيل ، ولم تغرب شمس يومذاك حتى ووري الشيخ أبو شوصا في مقره الأخير) .
    وكان من أصداء تلك الفاجعة أن ظهرت الرواية التاريخية الوحيدة للمجاهد الشهيد الزبيري بعنوان ( مأساة واق الواق ).

    * إضافة قيَّمة للأستاذ / عبد الملك الطيب :​


    ورغبة في تجلية ذلك الحدث الهام والحاسم في تاريخ الإمامة وما ترتب عليه من التمهيد الناجح لقيام الجمهورية فقد وجهت بعض إستفسارات إلى الأستاذ المطلع و المعايش و المعروف بالرصانة و الموضوعية الاستاذ : عبد الملك الطيب فأجاب بنص ضاف رأيت إثباته بكامله لأهميته التاريخية أولاً وللفائدة الأدبية ثانياً وكان في مقدمة رسالتي إليه إستفسار عما إذ ا كان وهو سفير اليمن في باكستان قد تأثر بأشذاء الثلاثي الشعرى الكبير: إقبال - الأميري – الزبيري ، فصار شاعراً فوق أنه الناثر المجيد و الخطيب البارع ، كما طلبت منه نبذة عن حياته فأجاب :
    ( إستلمت مكتوبك من الأخ الحبيب علي عبد الله الواسعي وأحسن ا لله إليك فقد كنت صاحب الفضل بالمبادأة وليست الأولى وأنا رغم تقصيري فقد بحثت عنك في صنعاء في الفترة التي كنت موجوداً فيها قبل سبعة أشهر وأستغربت وأصابني ما يصيب من الدهشه من يبحث عن عزيز عليه ، وأنا والله أحبك في الله وأشتاق لرؤيتك والجلوس معك ، نسأل الله أن يهبنا الطمأنينة في الدارين ، أخي الكريم: وأما ما أشتملت عليه رسالتك من سؤالات ونحو ذلك فإليك جوابها:
    1 – أنا مولود في سنة 1348هـ في النادرة من لواء إب.
    2 – لم أتعلم في ا لأزهر وءإنما تعلصت في مساجد ردع و المدرممة العلمية والسجن.
    3 – وددت أني تأثرت بالزبيري والأميري وإقبال ، وذلك ما لم يحدث وأرجو أن أكون قد إلتقيت معهم كما يلتقي المؤمنون على التأثر محاولة الإقتداء بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    4- أما الشعر فلست شاعراً ، وإن كنت قد نظمت شيئاً قليلاً منه.
    5- حميد بن حسين الأحمر رحمه الله فهو شهيد حقاً كماعلمت إلتقيت به في حجه وهو شاب واع محنك جمع بين ثقافة القبائل وثقافة الطبقة السياسية من المدنيين وتأثر بدعوة الأحرار وأفكارهم من خلال تردده على حجه ومدن اليمن الكبرى وتتلمذ مع بعض الشباب على يد الزعيم أحمد محمد نعمان ورفاقه وكان كمعظم الشباب الناضج تحز في نفسه أحوال البلاد ويتوق إلى حياة أفضل علماً وعمرانً واجتماعياً واقتصادياً .
    6- أما إستفساركم عن لماذا لم تقاتل حاشد جنود الإمام؟ فالأسباب متعددة وأهمها ما يلي:-
    أ- أنه كان هناك إعداد لثورة شعبية واسعة تبدأ في صفوف بعض القبائل فكشفت هذه الثورة قبل أن تصل مراحلها الأخيرة وعادة أن مثل هذا يؤدي إلى الفشل في معظم الحالات في التاريخ .
    ب- إن القبائل اليمنية ما كانت تملك سلاحاً يمكنها من مواجهة الحكومة فحاشدما كان يوجد فيها كلها إلا نحو مائة بندقية على الأكثر مع بعض المشائخ والمائة البندقية بلا ذخيرة كافية .
    جـ- إن الإمام وجه على حاشد جيشين جيشاً من صنعاء وجيشاً من حجه ومعظم الذين يتحدثون عن هذه الفترة لا يعرفون إلا الجيش القادم من صنعاء بينما الجيش الأقوى والأهم هو القادم من حجه وهو من رجال الأهنوم وحجور جيران حاشد من الغرب ، وتولى الإمام أحمد بنفسه توجيه حركة هذا الجيش خطوة بخطوة ومركزاً مركزاً حتى دخل مدينة حبور والقفله من الغرب.
    د- والإمام أحمد رجل حرب من الطراز الأول وقد بدأ الحرب على حاشد وبيت الأحمر بوجه خاص بإرهاب أنصارهم في لواء حجه فأمر بقطع أشجار البن وهدم بيوت الأحمر في نواحي حجه وكحلان ومبين والشغادرة ونجره وأظن وبني العوام وبهذا نشر الرعب في المناطق الشمالية.
    هـ- وإخواننا أحرار صنعاء معظمهم لا يعرفون هذا إنما يعرفون أن جيشاً توجه من صنعاء ضد حاشد وأن بعضهم إتصل بقائد الجيش وأتفق معه على أن ينحاز إلي حاشد إذا وجد مقاومة وهذا كلام لا يمكن تطبيقه على الواقع لأسباب كثيرة يطول شرحها.
    و- وتحالف بعض القبائل اليمنية مع حاشد من أجل ثورة عامة في ذلك التاريخ كان معروفاً وشائعاً عند جميع الناس وبخاصة بعض القادة السياسيين وفي مقدمتهم القاضي عبد السلام صبره والقاضي عبد الرحمن الإرياني الذي كان صديقاً حميماً للشيخ حسين بن ناصر وولديه حميد وعبد الله.
    فهذا موجز لعلمكم .
    و الله المسئول أن يزيدك توفيقاً ونجاحاً.
    وسلام عليكم ورحمته وبركاته...
    أخوكم / عبد الملك الطيب

    15 / محرم /1417هـ


    الوقفة الرابعة
    مع سبتمبر من السفوح إلى القمم


    كـم شهيد من ثرى قبر يطـل * ليرى ما قد سقى بالـــــدم غرســـــه
    ويرى الهامات منا كيف تعلو * في ضحى اليوم الذي أشرق شمسه
    من النشيد الوطني
    للشاعر: عبد الله عبد الوهاب نعمان​

    يأتي يوم السادس والعشرين من سبتمبر 1962 م ربيع الثاني 1382 هـ يوماً خالداً بحق ومتميزاً بالأهمية التحويلية البالغة ، ولليمن على إمتداد تاريخه أيام لم تلد مثلها أم الزمن أولها يوم دخول بلقيس وقومها إسلامهم مع سليمان لله رب العالمين ، ثانيها : توحيد أسعد الكامل ملك يكرب للجزيرة ثالثها : يوم تحرير سيف بن ذي يزن بلاده من الأحباش.
    رابعها : مجيئ الإسلام الذي جمع اليمن بعد شتات وأعزه بعد هوان وتمر ثلاثة عشر قرناً بعده عانت اليمن خلالها تمزقاً ومتاعب فكان يوم الخميس الأغر المحجل يوم سبتمبر الذي جاءت منه وتربت على عينيه أيام متميزة منها : الرابع عشر من أكتوبر سنة 1963 م ضد الإنجليز ويوم الثلاثين من نوفمبر 1967 م يوم الجلاء ثم كان عيد الأعياد الثاني والعشرين من مايو 1990 م ليحقق إعادة الوحدة وما الوحدة والجمهورية والثورة بالغايات المقصودة لذاتها ولكنها محطات إرتحال شطر اليوم السعيد الذي يتحقق فيه لأبناء اليمن إرتفاع علم الإيمان وإنتشار حقيقة العدل بكل أقسامه لكل أبناء الشعب وقيام مجتمع الفضيلة والتراحم والعمل والنظام والتنمية ، ولقد كانت سعادة جيل المعاناة الذي شهد المنعطف بالأمة وأسقامه وتضحياته حين سمع من صنعاء إعلان قيام الجمهورية سعادة ليس لها في قاموس اللغة ما يؤدي ما روعتها ولا ما يصف حلاوتها ، وألتقت كل صفوف الشعب وكل فئاته وقبائله ومدنييه تحت راية الجمهورية في يومها الأول ولو قدر لتلك الجمهورية الإدارة الحكيمة و القوة الرادعة لما سال ما سال من دماء ولكنها ضريبة التحول العظيم ذلك الذي قدمته اليمن من الأرواح و الخسائر و المعاناة طوال ثماني سنوات ، ولقد شهد التاريخ اليمني خلالها وهي تغالب التيار الناتج عن قيام نظام يخالف مألوف الجزيرة وعزز من ضراوة الصراع تدخل أطراف أجنبيه بكل الألوان ومختلف الأسلحة وسيذكر التاريخ يإعزاز بالغ لليمن موقفها الصادق من أجل الجمهورية وثباتها الجريء في غمرات الطوفان حتى إنتصرت وأستقرت جمهوريتها على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين.
    وتحققت وحدتها ، وان يفرح اليمنيون بفجرهم السبتمبري العظيم فإنها فرحة تتفاوت بحسب أحوال أصحابها ، وإن سجيناً فقد أعز أقاربه وأحب أحبابه في مذبح الإعداد لإقتلاع الإمامة وقيام الجمهورية وشهد منازله تهدم وأملاكه تدمر ومحاصيلها تصادر ويرزح فوق ذلك من سجن إلى سجن ثلاث سنوات لهو المولود الجديد في أحضان سبتمبر الذي أصبح بحق أباه وأخاه وميدان إنطلاقته بقبيلته وشعبه إلى آفاق الحرية و العدل و الرخاء وقد أثرت إيراد نص الشيخ عبد الله وهو يقص مشاعره في ذلك اليوم العظيم وما قام به من واجب منذ الساعات الأولى بإعتباره الأقدر والأجدر باداء مدلوله العظيم.

    * الرجل الذي أحبه الحرم والهرم:​


    مر بنا أن الشيخ ناصر بن ناصر الأحمر- كان أول شيخ يمني رفع راية المقاومة في وجه الإمام يحيى وإبنائه وأستقر مقيماً بأبها حتى الوفاة ، ومر بنا أن أخاه الشيخ حسين بن ناصر كان آخر رأس كبير من رؤوس اليمن حصده سيف الإمام أحمد ومر بنا أيضاً أن الشيخ حسين ثم ولديه حميد وعبد الله لبثوا من سنة 1374 هـ وحتى سنة 1379هـ في شبه إعتقال دائم أولاً لدى الإمام يحى في صنعاء ثم في تعز لدى الإمام أحمد ، وقد أفادهم ذلك العناء زاداً نضالياً ضخماً إذ تأصلت روح المقاومة و الرفض للإمامة من الجذور وأمكن لهم الإلتقاء بوجوه الشعب ورجالاته من مختلف الشرائح وأكتسبوا معرفة أكثر بالدائرتين العربية والإسلامية و إطلاعاً على حقيقة العصر و؟اذا كانت المرحلة هي التي تكتشف بطلها فأن إتصال المشير السلال عصر اليوم الأول للثورة بسجين المحابشة عبد الله بن حسين الأحمر كان غاية في التوفيق والسداد وتسليماً للراية إلى صاحبها فهب السجين فور وصول تلك الإشارة يعانق سبتمبر وينطلق به من مقر القيادة العليا للجيش إلى أرياف الشمال وجباله مضطلعاً مع رجاله بمطاردة البدر في أوكاره التقليدية حجه وشحه ثم مواجهة التدخل العسكري الذي إستهدف بشراسة وكثافة وفي إصرار وتركيز ضار محافظتي حجه وصعده ، وإستمر الرجل يحمل الراية هناك من سنة 1962م وحتى عام إعتراف السعودية سنة 1970م فأحبه الهرم في مصر لمواقفه وقبائله الرائعه، وضاعف الحرم إحترامه لتلك البطولة التي تصدت وبإخلاص وتفان لكل التيارات حتى إنتصرت وبرزت الميزة البارزة في حيإة الرجل الشيخ التي ما أحسب يمنياً ينافسه فيها، تلكم هي إنعقاد الإجماع الشعبي عليه داخلياً وحصوله على ثقة الأضداد عربياً فكان محل إحترام وثقه كلا الرجلين جمال وفيصل وأستقامت مكانته المتقدمة أمام كل الصفوف وفي كل الأحوال وفي السطور ا لتالية نصغي إلى الرجل وهو يقص في تواضع وإختصار شيئاً من خبره منذ الفجر السبتمبري الفريد:
    في الساعة الثامنة من صبيحة يوم الخميس (26 سبتمبر) 1962 م خرجت من السجن في المحابشه مع أولاد العامل للفسحة والدورة وعند مرورنا بالقرب من بيت السيد محمد بن إبراهيم جحاف الذي لايبعد عن عن السجن أكثر من مأتي متر سمعنا من الراديو التابع لبيت جحاف موسيقى عسكرية وأناشيد فاتجهنا الى بيت جحاف ودخلنا المنزل واذا بالراديو يبث بيانات الثورة فعدنا الى دار الحكومة ودخلنا مكتب عامل القضاء ووجدنا العامل و الحاكم وكبار المواطنين وقعدت معهم وكان لديهم راديو يستمعون اليه وأقنعت الجميع بإرسال برقية تأييد للثورة ففعلوا وبعد ذلك توافد الى مقر الحكومة أعداد من المشائخ والوجهاء حيث ألقيت فيهم خطاباً عن الثورة لإقناعهم وضرورة تأييدها ولم أجد معترضاً إلا السيد أحمد علي الخزان الذي ما قال: (( والله إنها علوية حتى تقوم الساعة)) وكذا الشيخ علي عبدالله هبة ( شيخ منطقة شمسان المحابشة ) والذي كان مديراً لسجني الذي قال: (( إن الإذاعة هي إذاعة صوت العرب وليست إذاعة صنعاء..)) وأقسم أن لا يتديول إبن موزع البريد في مصر على قبائل حاشد وبكيل (يقصد عبد الناصر) ثم إنتقلت الى الكاوش حق العسكر والذي يوجد فيه بلك من النظام الأسكي، و الذي يوجد فيه أكثر من مائة عسكري مع أمير البلك وضباطه وألقيت فيهم محاضرة عن الثورة وواجبهم نحوها وبعد عصر ذلك اليوم المجيد وأنا مقيل في غرفتي في الحبس مع الشيخ علي عبدالله هبة الذي هو مدير السجن ومجموعة من أصحابه وصلت برقية من المشير السلال إلى عامل قضاء المحابشة ( محمد بن علي عبد الله جحاف) بإطلاقي والزامي بسرعة الوصول الى صنعاء فأحالها العامل الى مدير السجن الشيخ علي عبد الله هبة فلما قرأها هبة قال: (( من هو السلال ومن يقولوا له ؟ أريد إطلاق من الإمام البدر أو من سيدي حمود نائب الإمام في حجة )) فقلت له: (( يا شيخ علي لقد قضيت عندك ثلاث سنوات ولم أجد منك الا التقدير والإحترام فلا تغير ما بيني وبينك من الود والصورة الطيبة
    عنك لدي فأنا متوجه الصباح الى صنعاء سواء جاء إطلاقي أو لم يأت فقد جاء الإطلاق من ا لسماء..) فلما سمع مني ذلك قال: (( قضيت عندي ثلاث سنوات محبوس وغداً أنت ضيف عندي في بيتي لأن السفر غداة الجمعة ثقيل وبعد الصلاة و الغداء إتوكل على الله..))
    وعلى إثر ذلك خرج الى بيته للإعداد للغداء فقمت بتجهيز نفسي للسفرواستدعيت المجموعة المستلمة للحبس من أصحاب الشيخ هبة وأبلغتهم أني مسافر صباحاً الى صنعاء وأنه من يريد ا لسفر معي فليجهز نفسه فأجابوا بالإستعداد والقبول وفي منتصف الليل كنت أستمع الى إذاعة لندن بواسطة الراديو الذي عندي وبجانبي الأستاذ ناجي مانع أحد موظفي الصحة في المحابشة إذ ا بالإذاعة تقول: ((إن الإمام البدر المخلوع تمكن من الخروج من تحت الأنقاظ و اتجه الى جبال حجة المنيعة وأن ا لأمير الحسن بن يحيى حميد الدين توجه من أمريكا الى السعودية للخروج الى اليمن لمحاربة الثورة و استمعت الى ذلك وأنا في مرقدي مستلقياً فظن الأخ ناجي مانع أنني نائم فقام وهز رأسي بقوة وقال قم و اسمع ما يقولون فقلت له قد سمعت فقال لنتحرك الآن فلو سمع مشائخ الشرفين قضاء المحابشة بذلك لألقوا القبض عليك وسلموك هدية للبدر فأخبرته أنه لا يوجد راديو هات لأهل الشرف ولا نسافر إلا الصباح حتى ولو أحاطوا بنا.. وبعد صلاة الفجر توجهنا ومعي أصحاب إبن هبة عساكر السجن و الحاج مانع و الأخ يحيى عبد الله جحاف و الاخ عبد الوهاب الشهاري وأعطاني العامل بغلته للركوب عليها وحمل أمتعتي واتجهنا صوب عبس حيث وصلنا هناك ظهر الجمعة و اتجهنا الى شفر خارج عبس وذلك عند الحاج إبراهيم زين الذي كان يستورد القات من المحابشة ولنا به معرفة واستضافنا للغداء وكان وقوفنا هناك تحسباً وحذراً حتى نتعرف على موقف المسئولين والعساكر في المنطقة وقد أرسلنا ناجي مانع الى المدينة والمركز للإستطلاع وما إن علم مشائخ عبس وأصحابهم بوجودنا في شفر حتى خرجوا عن بكرة أبيهم الى شفر الذي لا يبعد عن عبس إلا حوالي كيلومتر واحد .
    وأخذونا جميعاً في ظل الترحاب الى منزل كبير مشائخ عبس الشيخ ابراهيم محجب ثواب في مدينة عبس وأحاطونا بالحفاوة وكرم الضيافة والتصفيق، وأُلقيت الكلمات التي رحبت بنا و المؤيدة للثورة ثم تحركنا من عبس منتصف الليل متجهين الى الحديدة على سيارة إيجار- بثمانين ريال فرانصى- وقد تعطلت السيارة علينا بالقرب من مدينة الزيدية ونزلنا ضيوفاً على القاضي علي بن إسحاق البشاري- رحمه الله- وتغدينا وبحث لنا عن سيارة أخرى نقلتنا الى الحديدة ووصلنا الحديدة قبل غروب شمس يوم السبت 28/9/1962 م حيث التقينا صدفة بمظاهرة شبابية وهم يهتفون بالثورة وبحياة الشهيد حميد الأحمر ووالده وكان يقود تلك المظاهرة عبد الله الصيقل واتجهنا رأساً الى مقر القيادة حيث كان في استقبالنا العميد الشهيد محمد الرعيني مع عدد من المسؤلين ووصلت المظاهرة الى القيادة حيث استقبلناهم ثم أخذونا الى نادي المنتزه وأقيم هناك مهرجان خطابي إحتفاء بنا، وقد القيت فيهم كلمة حماسية ثم انتقلنا بعدها الى حفلة العشاء التي أقامها لنا عرايف الجيش البراني من مشائخ حاشد وبكيل ، وفي صباح الأحد 29/9/1962 م توجهنا الى صنعاء بالسيارة حيث وصلنا صنعاء عصراً.
    وأتجهنا إلى مجلس قيادة الثورة بالعرضي حيث كان في إستقبالنا المشير السلال وعدد من أعضاء قيادة ا لثورة و المسؤولين من عسكريين ومدنيين وما أن تبادلنا كلمات التهني و الترحاب حتى طلب مني المشير السلال سرعة التوجه إلى المناطق الشمالية الغربية لمطاردة البدر و القبض عليه ويومئذ إلتقى الشيخ عبد الله ولا ول مرة حادي الثورة محمد محمود الزبيري، ولنا معهما وقفه مستقله في مكانه من السياق ويواصل الشيخ ذكرياته عن حملاته العسكرية مع قبائله في ملاحقة البدر وتأمين أطراف البلاد من التسلل الخارجي :
    وفي صبيحة اليوم الثاني من وصولنا إلى صنعاء وهو يوم الإثنين 30/9/1962م غادرنا صنعاء متجهين إلى خمر ومعي عدد كبير من مشائخ ووجهاء حاشد الذين كانوا موجودين في العاصمة بما فيهم الشيخ هادي مسعد عيطان الذي كان مختبئاً في إحدى المنازل في صنعاء لأنه كان خائفاً بسبب بعض ممارساته مع الإمام ، وتوقفنا بعض الوقت في مدينة ريده حيت كان في أستقبالنا أعداد كبيرة من مشائخ ورجال حاشد وغيرهم وأستضافونا للعشاء وبعد تناول العشاء تحركنا إلى خمر وبتنا فيها وفي صبيحة اليوم الثاني توافدت علينا قبائل حاشد بالألآف ومن كل حدب وصوب وصلوا بأهازيجهم وزواملهم مهنئين ومعبرين عن فرحتهم وأستبشارهم بوصولي بينهم وكانت اللقاءات كافة مؤثرة للغاية ومعبرة أشد التعبير عن الفرحة العظيمة بوصولي اليهم بعد المعاناة الطويله و القتل و التنكيل الذي حل بنا وتجلت العواطف الأبوية و الأخوية الصادقة في اسمى معانيها حيث كان كبار السن ينهجون بالبكاء من شدة الفرح وبعد ظهر يوم الثلاثاء توجهنا إلى مدينة حوث وتوجهت بعدنا الألآف من قبائل خارف وبني صريم و الذين كانوا يملكون السلاح سيراً على الأقدام كالسيل الجرار وقد أمسينا في حوث حيث أستقبلنا هناك قبائل العصيمات وبني صريم الأسفلين ، وتوجهنا صباح الأربعاء في جيش جرار إلى القفله وفي الطريق توقفنا بالقرب من القفله حيث كان فيها تجمعاً من عذر و الأهنوم وموظفي الإمام في القفله وشهارة مؤيدين للبدر وكانوا مترسين إستعداداً للمواجهة وفي الليل بعثنا إليهم بعض المشائخ من العصيمات لإقناعهم بالدخول فيما دخلت فيه قبائل حاشد الأخرى وما أن أقتربنا من مدينة القفله صباح الخميس حتى باشرونا بالحرب لأنه كان يوجد في حصن القفله أسلحة وذخيرة نهبوها وواجهونا بها وكان كل من الفريقين على مرمى من الآخر فأقتحمهما من كان معنا من الرجال ودخلوها عنوه وفر من كان فيها يجرون أذيال الخيبة والهزيمة .
    وفي صباح يوم الجمعة اليوم التاسع لقيام الثورة ، عاد إلينا مشائخ عذر للاعتذار وإعلان الولاء والطاعة ما عدا الشيخ فايد الدوحمي - ومن تبعه فقد واصلوا تمردهم إلى مناطق الحدود الغربية مع السعودية ، وقد أقرينا القفلة مركز تجمع وانطلاق وفي اليوم الثاني جهزنا عدداً كبيراً من المقاتلين للتوجه إلى وشحه لمطاردة البدر المخلوع حيث دخل المقاتلون حصن وشحه بالحرب وكان يوجد فيه عامل الإمام السيد أحمد عبد الكريم وعسكره وتم إلقاء القبض عليه وأرسل إلى صنعاء أما الإمام البدر فقد فر من حصن وشحه قبل أقتحام الجيش الجمهورى للحصن بساعات ، ومنها توجه إلى الحدود مع المملكة ، حيث أتخذ له مقراً من منطقة الملاحيظ اليمنية، وتجمعت حوله أعداد كبيرة من قبائل عذر وحجور والأهنوم وخولان عامر وغيرهم وإلى هناك وصله الدعم الكبير بالسلاح وغيره فوزع السلاح بين القبائل وبعد حصولهم على السلاح عادوا لمحاربة النظام الجمهوري في مناطقهم ، أما نحن فقد أستمرينا في مركز القيادة فى القفله وأستمرت المعارك دفاعاً عن الثورة والنظام الجمهوري ومن أجل أخضاع المتمردين ومحاولة السيطرة على أكبرعدد من المناطق في تلك الجهات ولم يقتصر دورنا ودور قبائل حاشد على الدفاع عن الجمهورية في هذه الجبهة بل شمل الدفاع عن مدينة صعده وتأمين الطرق إليها حيث كانت تتعرض بين الحين والآخر لقطع الطريق من قبائل سفيان وغيرهم من المناوئين للثورة.
    كما تحملنا مسئولية الحفاظ على حجه وعلى الطرق المودية إليها وخضنا معارك في عدة جبهات في المناطق المجاورة ومع القبائل الذين يقومون بقطع الطرقات ومحاصرتها لأن التركيز على حجه من قبل الملكيين كان على أشده لأنهم كانوا يراهنون على إسقاطها بأعتبارها مركز النصر بالنسبة إليهم .
    كما قمنا بتجهيز جيوش من حاشد لفتح الطرق المؤدية إلى صنعاء مثل طريق الحديدة - صنعاء وطريق صنعاء- تعز وطريق صنعاء- عمران - صعده مرات عديدة أضافة إلى قيادة المعارك ضد القبائل المجاورة لحاشد من كل الإتجاهات فقد كان بيت حميد الدين يفتحون الجبهات ضد حاشد من أجل شغلهم عن المحافظة على النظام في حجه وصعده.) أ. هـ .
    و المطلع يلحظ في كل هذا النص إختصاراً لكثير من مجريات سنوا ت النضال الثمان مما لا تزال تفاصيله حتى اليوم متواريه من مثل عدد الشهداء الذين سقطوا والجرحى والمشوهين ومن مثل وقائع المؤتمرات الشعبية وفي مقدمتها مؤتمرا عمران وخمر، ومن مثل وقائع زيارة الرئيس جمال لليمن سنة 1964 م وقد كان الشيخ يومها مشغولاً بالمواجهة في حجه وتوابعها ومن مثل مواقف القوات المصرية بين رجال صادقين ضحوا بالأرواح وعانوا من الجراح وبين آخرين عابثين أساءوا العلاقة بين الشعبين وكانوا سبباً لتوسيع دائرة الحرب وإرهاب الشعب وإرهاق الميزانية المصرية إشباعاً لإطماع بعضهم وخدمة قدمها البعض ضد رئيسهم وشعبهم في مصر إرضاءاً لسادة الكرملين الذين لم يكونوا مخلصين في صداقتهم لجمال وإنما كانوا يستغلون جماهيريته ليدفعوا بشياطينهم الحمر داخل نظامه وفي البقاع المتأثرة به ويطول بنا تفصيل النقاط التى أختصرها النص من مثل حالة إغتيال أمين عام حزب الله محمد محمود الزبيري ووثيقة الطائف ووثيقة جده ومؤتمر حرض ثم إعتقال حكومة اليمن في السجن الحربي بالقاهرة سنة 1966م وقيام الشيخ في تلك الفترة العصيبة بإحتضان المجاميع الجمهورية عسكرية ومدنية وقبلية في خمر التي أصبحت ملاذاً للمطاردين من إرهاب صنعاء ولم تنته تلك الفترة إلا بعد كارثة خمسة يونيو 1967 م وعودة المعتقلين من مصر ورحيل القوات المصرية إلى بلادها وتسليم مو اقعها إلى الشيخ وقبائله وإلى جانبه الباسل البطل العميد مجاهد أبو شوا رب ومجيء حكومة نوفمبر برئاسة الإرياني وتفاصيل كل ذلك في وقفه قريبه.

    * لقطات ميدانية.. دفاعاً عن الجمهـورية :

    أعلنت الجمهورية كبديل شعبي للمملكة المتوكلية اليمنية في شطر من أشطار اليمن الموزعة جنوباً وشرقاً تحت الإحتلال الإنجليزي وقطاعاً واسعاً من الشمال ظل محل نزاع بين اليمن وجيرانه السعوديين .
    وكان من طبيعة هذين النظامين رفض أي بديل لما هو قائم فقد روى القاضي عبد الرحمن الإرياني في كتابه الصادر عن مركز الدراسات أنه رأس وفد الحج اليمني سنة 1379هـ وإلتقى ولي العهد يومها فيصل وبعد إستعراض ما يجري في اليمن وما يرجوه المصلحون من أبنائه أبدى لأمير فيصل تعاطفه بشرطين أثنين:
    عدم تغيير طبيعة النظام وعدم الإستعانة بأي قوة أجنبيه و كان لزاماً على ثوار سبتمبر قبل تفجير الحدث أن ينقضوا كلا الشرطين في وقت البعض ضد رئيسهم وشعبهم في مصر إرضاءاً لسادة الكرملين الذين لم يكونوا مخلصين في صداقتهم لجمال وإنما كانوا يستغلون جماهيريته ليدفعوا بشياطينهم الحمر داخل نظامه وفي البقاع المتأثرة به ويطول بنا تفصيل النقاط التى أختصرها النص من مثل حالة إغتيال أمين عام حزب الله محمد محمود الزبيري ووثيقة الطائف ووثيقة جده ومؤتمر حرض ثم إعتقال حكومة اليمن في السجن الحربي بالقاهرة سنة 1966م وقيام الشيخ في تلك الفترة العصيبة بإحتضان المجاميع الجمهورية عسكرية ومدنية وقبلية في خمر التي أصبحت ملاذاً للمطاردين من إرهاب صنعاء ولم تنته تلك الفترة إلا بعد كارثة خمسة يونيو 1967 م وعودة المعتقلين من مصر ورحيل القوات المصرية إلى بلادها وتسليم مو اقعها إلى الشيخ وقبائله وإلى جانبه الباسل البطل العميد مجاهد أبو شوا رب ومجيء حكومة نوفمبر برئاسة الإرياني وتفاصيل كل ذلك في وقفه قريبه.
    ذلك أن الإمامة كأسلوب حكم مختلف عصرياً ومناقض دينياً لحصره حق الحكم في يد أسرة كوصية دائمة على الأمة ولا بد من قيام نظام جمهوري يخلع عن الشعب أغلال التحجر و الركود و الإنقسام ويفتح أمامه مجالات الحياة على أساس من الدين الحق و النظام المؤهل لإعادة حريته ووحد ته ، وكان لا بد في ظل الأوضاع اليمنية القائمة قبل الثورة من وجود قوة قادرة على تحقيق ذلك الهدف وضمان إستقرار أمن البلاد وسيادة النظام المحقق للعدل والمساواة بين كل أفراد الشعب وكان الواقع قبل الثورة لا يسمح بقيام تلك القوة ، الأمر الذي جعل الإستعانة بمصر عبد الناصر شرطاً لا مندوحة عنه ولا بديل له لضمان نجاح الثورة وقيام الجمهورية ، من أجل ذلك مإ ان قامت الثورة وأعلنت الجمهورية وأستبان إفلات البدر من يد الثوار والخروج من صنعاء إلى العمق القبلي المليء بأنصاره وأنصار أبيه إلى جانب الإستعداد السعودي لرفض الوضع الجديد في صنعاء سواء تحت راية البدر أو راية عمه الحسن لقد كانت عوامل المحنة وفواعل الاشتعال تفوق كل إحتمال فالفقر المنتشر و الجهل المطبق يهيئان أنسب البيئات للتلقي الأعمى و التبعية القاتلة ، وكانت جهات التدخل شمالاً توفر المغريات من مال وسلاح وتسليط مما جعل الإقبال غير محدود.
    على الجانب الآخر وفي المنصة المقابلة كانت اللهفة الروسية على تحقيق مركز نفوذ وتغلغل في جزيرة الذهب الأسود والممرات البحرية للوقود العالمي على أشدها وذهبت تنشر أخطبوطها عن طريق توسيع دائرة التدخل المصري لتتمكن عن طريقه من إعطاء أتباعها المتمركسين من المصريين واليمنيين مواطى أقدام ومجالات تسرب وإنتشار في رعاية حكومة علي صبري وقيادة عبد الحكيم عامر وركزت جهدها على توريط الزعامة الناصرية التي كانت موسكو تظهر لها الود وتبطن العداء لتصل بها في ختام المشوار إلى السقوط وقبول الأملاءات الروسية وذلك هو الذي كان فعلاً عند هزيمة يونيو المنكرة سنة 1967م وبين هؤلاء وأولئك كانت قيادة النظام الجمهوري في صنعاء على حال من الغباء والتهالك لا تحسد عليه ، لقد كان الرجل المسيطر على القصر الجمهوري يومها فاقد الرؤية مصروفاً عن الجادة الراشدة ، لا يفكر و لا يهتم إلا في حدود ذاته وكانت طريقته في الحكم الإتكاء على عكازين أولهما : ا لإرتماء بأمر البلاد في أحضان الوجود المصري ليس على النطاق العسكري وحده وانما أيضاً في الجانب الإداري.
    ثانيهما : إخلاء الساحة من المنافسين ذوي المكانة فعمل على إقصاء رجال الزعامة المدنية فكان إغتيال الزبيري وسجن النعمان والإرياني ، كما عمل على سلوك ذات الأسلوب في التعامل مع القيادات العسكرية فكان أقصاء الجائفي وسجن العمري وقتل الرعيني في ظهيرة مجنونة دامية الظفائر و الأظفار حالكه الوجه مزدانة بفظائع القتل والسحل مما لا عهد لليمن به وإن من يعرف العميد محمد الرعيني وسجله الرائع في خدمة الشعب والجمهورية ليفزع من هول الخاتمة التي قدمها سيد القصر لذلك الضابط المؤمن المستقيم الحاصل على حب الملايين من أبناء شعبه قبليين ومدنيين وعسكريين، وبحق فقد أبرز مخاض سنوا ت لحرب للدفاع عن الجمهورية التي أشترك فيها كل الشعب قيادات ذات عطاء متميز أبرزها حاشدياً : عبدالله بن حسين الأحمر وزميله مجاهد أبو شوارب الذي أحسن البلاء عبر سنوات القتال والإستبسال وبكيلياً النقيب أمين أبو رأس وعبد الله د ارس ذا المواقف المعروفة وفي قبائل المناطق الشرقية كان أحمد عبد ربه العواضي وأصحابه يشكلون إعصاراً مقتحماً طالما كشف الغمرات عن العاصمة في ساعات الضيق والحرج ، كما أبرزت قيادة عسكرية متميزة على رأسها الفريق حسن حسين العمري والعميد محمد الرعيني والنقيب عبد الرقيب عبدالوهاب أحمد والمقدم الطيار محمد الديلمي ، بعد هذه الإلماحة العاجلة نتوقف لنرى شيئاً من مواقف موضوع الدراسة عبد الله بن حسين الأحمر ولم يتوفر لنا رغم البحث الطويل مرجع يستوفي يوميات سنوات الدفاع عن الجمهورية فأكتفينا بما أمكن من الشذرات المتفرقة هنا وهناك ففي كتابه ( أزمة الأمه العربية وثورة اليمن) يذ كر الدكتور عبد الرحمن البيضاني في يوميات أكتوبر سنة 1962 م الذي كان بمثابة الشهر الأول للثورة أن شائعات تواردت إلى صنعاء عن سقوط عمران بيد الملكيين فأضطرت القيادة الجمهورية إلى زيارة عمران وعقد مؤتمر صحفي بها يشرح كذب الشائعات ويقول : إن شيخ حاشد- وعمران حاشديه كما هو معلوم - كان مشغولاً يومها بمطاردة البدر وتطهير المناطق الشمالية والشمالية الغربية ، كما يذكر البيضاني أن المشير عامر تقديراً لجهد الشيخ عبد الله بن حسين طلب إعطاءه رتبه وزير دولة ، ويقول الدكتور أنهم فعلاً أصدروا القرار وقبل إذاعته بنصف ساعة إعترض المشير السلال على إصداره وطلب إلغاءه حتى لا يثير شهية بقية القبائل للمشاركة في وزارا ت الدولة، وفي إستعراضه لأحداث سنة 1966 م الدامية يقول الأستاذ سلطان ناجي في كتابه ( التاريخ العسكري لليمن ) ص 235 ( وقد هربت أعداد كبيرة أخرى إلى خارج الجمهورية من بينها بعض كبار مشائخ حاشد وبكيل وقد تم إعدام الجمهوريين المعروفين بتهمة التعامل مع وكالة المخابرات الأمريكية والبريطانية و السعودية مثل محمد الرعيني وهادي عيسى قائد الجيش القبلي ونائب رئيس أركان الجيش وقد علقت جثثهم خارج المدينة وبلغ عدد الذين أعدموا رسمياً خمسة عشر شخصاً، أما عدد الفارين إلى الخارج من الإعتقالات فقد قدر عددهم بألف شخص منذ عودة السلال.
    ومنذ ذلك الحين بدأت القوة الثالثة من الجمهوريين المنشقين تبرز أكثر وقادها الشيخ الأحمر).
    ويورد ص 236 شيئاً مما حدث عقب كارثة خمسة يونيو 1967 م في مصر: ( وعلى الرغم من النكسة التي حاقت بالعرب بعد حرب الأيام السته إلا أنها بالنسبة لليمن قد أدت مؤقتاً على الأقل إلى رأب الصدع داخل صفوف الجمهوريين، فعندما بدأت الحرب أعلنت كل من حاشد وبكيل ولاءها من جديد للجمهورية وفجأة هبطت على صنعاء قوة قبلية مسلحة بقيادة إبن الأحمر مكونة من 25 ألف مقاتل وأعلنت دعمها لعبد الناصر وبعد أن تم إستقبالها أرسلت القوة إلى منطقة حجه لإستبدال القوات المصرية المنسحبة).
    وفي مكان آخر من كتابه يذكر الأستاذ سلطان ناجي أن الشيخ عبد الله بن حسين عرض برقياً على الرئيس جمال عبد الناصر إستعداده بإمداد مصر بخمسة وعشرين ألف مقاتل من قبائله لدعم الموقف المصري بعد ا لهزيمة، ومزيداً من تفاصيل مواقف الشيخ عبد الله الدفاعية عن الجمهورية توردها صحيفة الصحوة العدد (101) 24/9/1989 م ضمن مقابلة صحفية مع الشيخ :
    ( ليس هناك معركة من المعارك لمواجهة أعداء الثورة إلا وكنا مشاركين فيها حيث قدنا رجالنا المخلصين من أبناء حاشد الذين وهبوا أنفسهم للدفاع عن الثورة من أول يوم وحتى ترسخت أركان الثورة و النظام الجمهوري وقدموا فيها الآف الشهداء والجرحى و المعوقين فقد شاركت في بداية الثورة وحتى عام 1964 م في معارك المناطق الشمالية والشمالية الغربية لمطاردة فلول الملكيين ومنها مناطق ظليمة وبني عرجله وغربان ووشحه و القفله وشهارة وسفيان وتطهير تلك المناطق منهم، ومن عام 1964م حتى عام 1968م شاركنا في معارك الدفاع عن الثورة في مناطق سنحان وبلاد الروس وهمد ن وعيال سريح و الحيمتين والجبل وبني الحارث وبني حشيش ومسور وكحلان في حدود حاشد أرحب ومرهبة وسفيان وبني عبد في معارك السبعين للدفاع عن العاصمة صنعاء وفك الحصار عنها و التي أصبت فيها ، وفي عام ول 1968 م و 1969 م شاركنا في معارك تطهير مناطق حجه وصعده من فلول الملكيين ومطاردتهم وإخراجهم منها إلى غير رجعه ، وإجمالاً ليس هناك معركة لم نشارك فيها بشكل أو بآخر).

    * إنما يحمل اللواء النجوم:​


    عرفنا فيما مر بنا قريباً شيئاً من شهادات الميدان ومعاناة المواجهة وهنا نلتقط الكلام من مجريات ما بعد مؤتمري عمران وخمر اللذين سنستعرض شيئاً من وقائعهما في حديثنا الخاص عن الشيخ والزبيري وقد كانت الساحة تشهد تصعيداً متواصلاً إثر مقررات خمر سنة1965م وقيام حكومة النعمان واختلافهما مع السلال بسبب خروج الرئيس على مقررات المؤتمر والدستور الصادر عنه مما أدى إلى إستقالة النعمان وخروج بعض الجمهوريين إلى السعودية وولادة ما أسمي بوثيقة الطائف ثم إتفاقية الرئيس جمال وفيصل في جده وقيام مؤتمر حرض على أساسها وما أعقبه من الإنشقاق الخطير في الصف الجمهوري وتوجه رجالات اليمن إلى القاهره واعتقالهم في السجن الحربي كما حدث في صنعاء إعتقال الرعيني وزملائه ثم إعدامهم وتصاعد الإرهاب والتحق الكثيرون بخمر وكل ذلك يفصله الشيخ كأهم شهود المرحلة وأوفى المراجع عنها :
    (بلغت قررات المؤتمر إلى رئيس الجمهورية و القيادة المصرية من خلال وفد من المؤتمر لإذاعتها ونشرها وتم ذلك بدون تردد من المسؤلين أو زيادة أو نقصان.
    وبعد ذلك توجه المؤتمرون في موكب عظيم كبير ومهيب أوله في صنعاء وأخره في قاع البون وبعدها تم تشكيل حكومة خمر برئاسة الأستاذ أحمد محمد نعمان تسليماً بإرادة الشعب التي تجلت في مؤتمر خمر وكان الفريق العمرى نائباً لرئيس الجمهورية وقد أقتنع بهذه المسيرة وأنظم إليها وأنفصل عن السلال الذي أستدعي إلى مصر وأستمر هناك فترة طويلة وكان العمري يقوم بأعماله وحينما عاد السلال من مصر تصاعد الخلاف من جديد بينه وبين الحكومة و المشائخ وذهب القاضي الإرياني والنعمان وغيرهم من الشخصيات إلى الدول العربية المعترفة بالثورة لوضعهم في الصورة عما يجري في اليمن ذهب عدد من المشائخ الجمهوريين البارزين الى المملكة العربية السعودية وأستقبلهم الملك فيصل أستقبالاً كبيراً وفي المملكة عقد مؤتمر الطائف المشهور بين المشائخ الجمهوريين وبين المشائخ الممثلين للقبائل الموالية للملكية وغيرهم من المرتبطين بالمملكة وقد صدر عن ذلك المؤتمر قرارات تقضي بإنهاء الملكية وكذا النظام الموجود في صنعاء وقيام نظام جديد يسمى (دولة اليمن).
    وما أن علم وسمع بذلك جمال عبد الناصر حتى أتصل بالملك فيصل معلناً رغبته في زيارة المملكة لكي ينسف ما تم الأتفاق عليه في مؤتمر الطائف وعقد عبدالناصر مع الملك فيصل أتفاقاً لا يختلف عن مقررات مؤتمر الطائف وعلى ا ن يتم عقد مؤتمر لاحق في مدينة حرض تحت إشراف لجنة مشتركة من المملكة والجمهورية العربية المتحدة يحضره ممثلون عن الجمهوريين و الملكيين.
    وتم عقد ذلك المؤتمر المعروف وقد أستبعد من المؤتمر بيت حميد الدين وأستدعي من كان موجوداً منهم داخل اليمن إلى المملكة إلا من رفض كما أستدعي الرئيس السلال إلى القاهرة وجمد فيها لإن ذلك الاستدعاء كان من ضمن الأتفاق الذي تم بين الملك فيصل وعبد الناصر.
    وقد مثل الجانبين في المؤتمر عدد من الشخصيات اليمنية البارزة من مشائخ وعلماء وعسكريين حيث رأس الجانب الجمهوري القاضي عبد الرحمن الإرياني ومعه الأستاذ نعمان و الشيخ محمد علي عثمان والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر والعميد الشهيد محمد الرعيني وعدد من الشخصيات الوطنية المعروفة ورأس الجانب الملكي السيد أحمد محمد الشامي ومعه عدد من المشائخ وحضر المؤتمر فريق ثالث وهم المتمسكون بقررات الطائف يرأسهم الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير و الذين سموا أنفسهم بإتحاد لقوى الشعبية وهو الإسم المعروف لتنظيمهم إلى الآن.
    وقد فشل هذا المؤتمر لإن الفريق الجمهوري أدرك أن القرارات قد أعدت سلفاً وأنها تنص على إلغاء النظام الملكي المنتهي وإلغاءا لنظام الجمهوري الثابت وإبداله بنظام دولة اليمن كما أسلفنا.
    وخلال أيام المداولات و المناقشات في المؤتمر إستدعي الجانبين الجمهوري
    والملكي إلى خيمه الفريق محمد فوزي وأبلغونا تحيات عبد الناصر ورسالته إلى المؤتمر وحينها قلت للحاضرين لقد ضحينا من أجل الثورة بالكثير وقدمنا الشهداء وسوف نقاتل من أجلها ونضحي بأكثر ولو قاتلنا دفاعاً عنها بالجنابي و النصال.
    وقد أدركت القيادة المصرية ذلك وأن العناصر المؤثرة و التي لديها ثقل شعبي كبير لا يمكن أن ترضخ لما تم الإعداد المسبق له فلم تتمسك بما سمي بمقررا ت حرض.
    أما بالنسبة للحرب فقد ظل مستمراً قبل المؤتمر وأثناء إنعقاده وبعد فشله وقد ظهرت نوايا المصريين وأنهم لا يرغبون في التعامل إلا مع الضعفاء الذين لا يستطيعون العيش إلا تحت حمايتهم مسيرين غير مخيرين فأختلفنا معهم خلافاً كبيراً فعينوا قائداً جديداً للقوات المصرية في اليمن وهو اللواء طلعت حسن بدلاً عن الأول الذي كان بيننا وبينه بعض التفاهم.
    وكان الهدف من تعيين طلعت حسن هو تطبيق سياسة جديدة ومتشددة حيث أعادوا المشير السلال رغم أرادتنا وأرادة الشعب وفرضوه بالقوة وقد حموه بالدبابات من المطار إلى بيته وأحاطوه بحراسة قوية من جيشهم داخل بيته وفي القصر الجمهوري وفي كل تحركاته وتولوا إدارة مرافق وشوارع العاصمة وكذا النقاط العسكرية بجنود مصريين وسحبوا قواتهم من المناطق البعيدة وجعلوها في أنساق قريبة من العاصمة بغرض السيطرة على العاصمة ومنافذها الرئيسية لفرض المخطط الذي يريدوه وعلى إثر ذلك سافر القاضي الإرياني وأحمد نعمان والفريق حسن العمري والحكومة وقادة الجيش وبعض العلماء إلى القاهرة للاحتجاج والمراجعة للرئيس جمال عبد الناصر فأعتقل الجميع وأودعهم السجون والزنازن العسكرية في نفس السنة التي صفى فيها علماء مصر من الإخوان المسلمين وغيرهم.
    وفي صنعاء قام الرئيس السلال وقائد القوات المصرية الجديد بإعتقال وسجن الكثير من الشخصيات و العناصر البارزة من الجمهوريين من علماء وعسكريين ومشائخ وشباب وعاملوهم بنفس الأساليب التي عومل بهـا المعتقلون في مصر وقد أعدم في هذه الحملة الاجرامية العميد محمد الرعيني أحد قادة الثورة والعميد هادى عيسى والشيخ أحمد حسن النيني أحد المشاركين في الثورة والشيخ على محسن هارون من ثوار سنة 1948 م و سنة 1962 م وعدد من المشائخ والعسكريين ولم يكن لتلك الحملة أي مبرر غير أخضاع الشعب وإرهابه ليخضع لمخططاتهم المخالفة لكل الشرائع ا لسماوية و القوانين الإنسانية ولم ينبئ إلا الذين تمكنوا من الفرار إلى خمر من الضباط و المثقفين و العلماء أو المشائخ الجمهوريين الذين هربوا إلى بلادهم للإحتماء بقبائلهم.
    أما بالنسبة لي فقد أستمريت في صنعاء فترة للدفاع عمن أستطعت أدافع عنه وتهريب من أستطعت اخراجه وكان بجانبي عدد من رجالات حاشد ، وقد أنذرني الكثير من المخلصين بضرورة مغادرة العاصمة غير أني لم أرد الخروج بصفة هارب كغيري وأنتظرت الفرصة حتى جاءت من القائد المصري ا لذي طلب مني سرعة الخروج لأستلام المناطق التي يريدوا الإنسحاب منها في خمر وريده وعمر ان فخرجت رافعاً الراس مع من معي من مجاميع من رجالات حاشد وأستلمت المناطق حيث أنسحب المصريون إلى النسق القريب من صنعاء و الذي رسمته خطتهم وأقمنا في خمر جمهورية ضمت العدد الكبير من القادة العسكريين و المدنيين و المشائخ وظل الفارون من صنعاء والمدن الاخرى يفدود إلينا في خمر حتى النكسة المشئومة في حزيران سنة67م و التي هزمت فيها مصر و الدول العربية..
    وقبل ذلك رتب لقاء بيني وبين القائد المصري في منطقة جربان أخر نسق عسكري مصري وحضر معي من القبائل أضعاف عساكرهم مما جعلهم ينصحون عبد الناصر بعدم التمسك بالسلال وقد تعرضت مدينة خمر للضرب بالطيران وأعتذروا لذلك وأعتبروه خطأ.
    وخلال هذه الفترة و الصراعات المريرة حافظنا على حجه وصعده وكنا نوفر للعساكر التموين والمعاشات لإِنها قطعت من صنعاء.
    وأذكر أن السعوديين والملكيين أرسلوا إلينا قي تلك الفترة أربعه ألف جنيه ذهب مع وفد مكون من الشيخ عبد الله حازم العوجلي والسيد عبد القادر بن محمد عبد القادر فأرجعناها إليهم.) أ . هـ .
    هذا وقد أنعقدت قمة عربية في الخرطوم أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر من نفس السنه وأمكن للسياسي السوداني المخضرم محمد أحمد محجوب التقريب بين الملك فيصل والرئيس جمال بإتفاقهما على رفع أياديهما عن اليمن وترك ا لإختيار لأبناء الشعب اليمني ، وأحتج السلال المشارك في القمة وخرج مغاضباً وقاطع المؤتمر ولكن إتفاق الزعيمين ا لسعودي و المصري كان قد أثمر لجنة ثلاثية من السودان و المغرب و العراق وتنفيذ ما أتفق عليه وقررت اللجنة زيارة صنعاء و الإجتماع برجالات اليمن ولكن السلال رفض وصولها غير أن اللجنة تجاهلت رفضه ووصلت إلى مقر القيادة العسكرية المصرية في صنعاء في الثالث من أكتوبر سنة 1967 م واستدعت السلال فرفض الوصول إليها وكان تهييج الغوغاء في مظاهرة مسلحه أزهقت أرواح الكثير من الجنود المصريين العزل وهم يشترون هدايا العودة إلى مصر و كان ذلك اليوم من الأيام السوداء في تاريخ اليمن بسبب حماقة الرئاسة ودموية تصرفاتها ، وكان الوجه اليمني الاول الذي بزغ في ظلمات تلك الغاشيه السوداء هو الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر فرفع اللواء وصدق حسان حين قال: (إنما يحمل اللواء النجوم) فألتقى اللجنة وأعتذر للقيادة المصرية وعن ذلك يحدثنا الدكتور البيضاني في كتابه ( أزمة الأمة العربية وثورة اليمن ). ص 736.
    (كادت تلك تكون خاتمة المشهد الأخير عشية ا لانسحاب المصري من
    اليمن لولا ضمير اليمن الذي تمثل في إبنها المجاهد الغيور على تاريخها والمدافع عن شهامتها الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر- فرفض أن تكون تلك خاتمة المشهد الأخير، ففي نفس ذلك اليوم الدامي ذهب الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر إلى مقر القيادة المصرية وقدم للقائد المصري إستنكار الشعب اليمني لتلك الاحداث المؤسفة التي لا تعتبر عن شهامته الحقيقية ولا أصالته التاريخية وتقاليده العربية التي تأبى الغدر بالأعداء فضلاً عن تقديسها لحقوق الاصدقاء. وضع الشيخ عبد الله عمامته بين يدي القائد المصرى إمعاناً في الإعتذار له على الطريقة القبلية وقدم إليه عزاء الشعب اليمني في مصرع الشهد اء المصريين على يد الأصدقاء السلاليين ، كذلك أكد الشيخ عبد الله للجنة المحاصرة في مبنى القيادة المصرية إستعداد القبائل الجمهورية للحفاظ على النظام الجمهوري وإنشراح صدرها للوفاق الوطني بين جميع أبناء الشعب اليمني) .

    * الجمهورية الثانية.. وحصار السبعين.. وأحداث أغسطس:​


    جاء على اليمن حين من الوقت عبر سنوات الحرب وحرائقها تتجاوز العشرين موقعاً وكان أهمها وأقدمها بفعل مراكز التدخل الخارجي موقعين إتخذا شكالاً محورياً في التدخل والهجوم كان أولها في الشمال الغربي جهة حرض وقد أمكن للجمهورية إحراز أول إنتصارات المواجهة هناك حيث خسر العدو كثيراً من أعداده وعتاده ، وكان ثانيهما في الجهات الشرقية و الجنوب الشرقي نظراً لإنطلاق التدخل الانجليزى من هناك وكان في مقدمة ذلك التدخل أوائل الحرب أمير بيحان الشريف الهبيلي الذى كانت تربطه بالامامة وشائج نسب و القاضي أحمد السياغي النائب الأول للإمام أحمد و الذي وإن كان ذهب مغاضباً إلى لحج فإنه إستنكر خطوات الحاكمين الجمهوريين في صنعاء لتهورهم في الإعدامات وكان ضمن المعدمين أخوه عبد الرحمن السياغي وزير داخلية الإمام ويقال إن القاضي أحمد كان يرتبط ببيعة في عنقه للحسن بن يحمى حميد الدين، وقد لقي السياغي مصرعه في السنه الأولى بعد أن بذل الشهيد الزبيري جهوداً للالتقاء به وإقناعه فلم يقتنع، وكما كانت العشرات من الأرواح الغالية وقوداً لمواجهات المنطقة الشمالية الغربية و كان في مقدمة الخسائر هناك المقدم محمد مطهر من أكثر الضباط إستقامة ووطنية فإن حرائق المواجهه في المنطقة الشرقية أودت بالمئات وكان في مقدمة الخسائر هناك بطل الثورة علي عبد المغني الذي أختضرته الحرب في الاسبوع الاول للثورة، وخسرت القوات المصرية في رأس الوتدة جوار رأس العرقوب أعز رجالها المقدم عبد المنعم سند، وببلوغ الجمهورية عامها الثاني إستبان أن أشد معارضيها من القبائل هو كبير خولان ناجي بن علي الغادر وحين قام بمهمة أعمال الرئاسة في صنعاء العميد محمد الرعيني المعروف بأسلوبه الهادئ و الحريص على الإقناع وكسب الكثير من المغرر بهم عمل على إصطحاب مجموعة من كبار رجال الجمهورية عسكريين وقبليين للإلتقاء بالغادر خارج صنعاء رغبة في إقناعه وإستمالته إلى الصف الجمهوري ، ويقص العميد حسين محمد الدفعي في شهادته المدرجة ضمن وثائق كتاب الأستاذ محمد الزرقة عن العميد محمد الرعيني وقائع ذلك اللقاء ص 36:
    (وفي سنة 1964 م إتفقت مع الشيخ ناجي بن علي الغادر على ضرورة تحديد مكان وزمان اللقاء ، وبالفعل تم ذلك اللقاء في أطراف سنحان خلف جبل كنن وقد حضر الشيخ ناجي بن علي الغادر وأصحابه من المشائخ من خولان وقد كان بصحبتي الأخ محمد الرعيني و الأخ عبد ا لسلام صبره ، كما حضر اللقاء عدد من كبار المشائخ منهم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وعلي بن علي الرويشان وعبد الولي القيري ونعمان بن راجح وسنان أبو لحوم ولا أتذكرهم الآن بعد مضي أكثر من أثنين وعشرين عاماً على ذلك اللقاء ، وقد بدأ الأخ محمد الرعيني حديثه مع الشيخ الغادر ولم تكن هناك معرفة سابقة ، وقد وجه حديثه لصف الملكيين وبدأ يتحدث للشيخ الغادر بضرورة إنتمائه للصف الجمهوري وتحدث عن السلام و الإستقرار وكذلك عن الزراعة والمضخات الحديثة التي ستقوم الجمهورية بالإهتمام بها وتوفيرها .
    وقد رد الشيخ الغادر على كلام الأخ محمد الرعيني بأنه لم يعرفه من قبل ولكنه رجل طيب وقال: بإنه أحبه كثيراً من كلامه ثم تحدث الغادر موجهاً كلامه للجمهوريين و الملكيين جميعاً وقال بالحرف الواحد بأنه لن تكون هناك جمهورية ما لم يتم قتل خمسة أشخاص من أكبر المشائخ وقد حددهم بالإسم و قال:
    عبد الله بن حسين الأحمر- سنان أبو لحو،- علي بن علي الرويشان- ناجي علي الغادر- نفسه - نعمان بن راجح ، وقد وجهت حديثي للغادر قائلا بأن العديد من أرواح اليمنيين تزهق نتيجة الحرب القائمة وإن كان فعلاً مقتنع بالكلام ا لذي أدلى به فلماذا لا يتوجه إلى صنعاء هو والأربعة المشائخ الذين حددهم وسنقوم باللازم وقد يكونوا شهداء أبرار بعد ذلك ويسلم الشعب تلك الخسائر وقد رد قائلاً بأنه لم يدخل صنعاء إلا بعد أن يتم قتل الأربعة المشائخ السابق ذكرهم، ولقد كان إسم الغادر إسماً على مسمى وبعد ذلك الحديث بدأت أوجه حديثي للملكيين بأن الجمهورية قائمة وستظل رغم أي شيء ، وبأن التخريب لن يؤدي إلى أيما نتيجة اللهم إلا أن يسجل التاريخ أسماء أولئك الاشخاص الذين حاولوا تخريب إرادة الشعب اليمني ووقف مسيرته النضالية ، وبأن على المشايخ عدم الفرح بالأموال و الذهب و الأسلحة التي لديهم لأن الأمل كله سينتهي بمجرد طلقة رصاصة واحده تأخذ ذلك الشيخ أو ذاك إلى النهاية وسيقتل في يوم من الأيام.
    وقد تحدث بعد ذلك كل من الإخوة المشائخ عبد الله بن حسين الأحمر وسنان أبو لحوم و الأخ عبد السلام صبره والجميع دعوا الشيخ الغادر للدخول بصف الجمهورية ولكنه بدأ المراوغة وسحب نفسه من سنحان على أساس أن يعود مرة أخرى للمفاوضات مع ا لجمهوريين) أ.هـ.
    وكان من أشد سنوات الثورة غلياناً وجنوناً هي تلك الثلاثة و الثلاثون شهراً
    من مارس 1965 م إلى نوفمبر سنة 1967م حيث شهدت الجمهورية موجات من العنف دامية كما مر بنا آنفاً ، إذ جرى إغتيال شهيد اليمن القاضي محمد محمود الزبيري أمين عام حزب ا لله في رجوزة من برط بعد فراغه من أداء صلاة العصر يوم 5/ذي الحجه 1384 هـ- 31/مارس1965 م وأنعقد بعده مؤتمر خمر وشكلت حكومة النعمان بدعم من المؤتمر ثم إختلفت مع السلال وقدمت إستقالتها وأنشق الصف الجمهوري بعدها وذهب من ذهب إلى بيروت وذهب من ذهب إلى الطائف وكانت إتفاقية جده بين فيصل وجمال ثم مؤتمر حرض ، وعاد السلال في أشد غلوائه ليصبح هو رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع وليعلن الأحكام العرفية ويقيم المحاكم العسكرية ويطارد رجال الصف الجمهوري النازعين إلى الإستقلال والإعتماد على النفس فيقتل بعضهم ويسجن ويسرح بعضهم، وقد لاذ الكثيرون بمعقل اليمن المنيع في خمر ضيوفاً على وجه اليمن البارز عبد الله بن حسين الأحمر كما سجن الكثير من القيادات اليمنية في السجن الحربي بالقاهرة وجاءت نكسة حزيران وعلى إثرها قمة المصالحة في الخرطوم وغادر السلال البلاد مع القوات المصرية العائدة إلى بلادها مصر وقدم طلقاء السجن الحربي إلى اليمن وعلى رأسهم القاضي الإرياني ، وجاءت مجاميع خمر وعلى رأسها الشيخ الأحمر وأنعقد ا لاجتماع على قيام الجمهورية الثانية صبيحة 5/ نوفمبر /1967 برئاسة القاضي الارياني و المشاركة الجماعية لزملائه وبرز دور الشيخ عبد الله في الليلة الأولى لذلك الحدث التحولي الهام حيث كان يشرف على كل التحركات في شوارع العاصمة في الساعات الأخيرة من تلك الليلة تصدياً لأي قوة تحدث نفسها بمعارضة الإرادة الشعبية في إصلاح الأوضاع ، وللعقيد الركن أحمد فرج في كتابه ( رجال في خنادق الدفاع عن الثوره ) نص يعرض نشاط الشيخ في تلك الليلة التاريخية ص 252:
    (عند وصولي إلى جوار البنك اليمني للإنشاء والتعمير في باب السبح( التحرير) وإذا بي أشاهد مجموعة من القبائل المسلحين وبصورة تلفت النظر عندها أوقفت الدبابة بهدف التعرف على أفراد تلك المجموعة الذي كان من بينهم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر و الذين ما إن توقفت الدبابة حتى تفرقوا على جنبات الطريق بغرض الحراسة والحفاظ على الشيخ عبد الله وخاصة في تلك الليلة التي كانت فيها حالة الطوارئ على أشدها، وبالطبع كنت أعرف الشيخ عبد الله الذي طلب مني معرفة إتجاه الدبابة ، ومن أين تحركت، فشرحت له بأن الدبابة تحركت من الكتيبة السادسة مدرع في إتجاه الإذاعة ورحب بالمهمة بقوله: أهلاً وسهلاً توكلوا على الله فواصلنا التحرك ونحن أكثر إطمئنانا بأن الحركة وطنية طالما وأن الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر من روادها) أ.هـ.
    وبعد رحيل السلال ومجيء الإرياني توقع الكثيرون عودة المتمردين وبالأخص ناجي بن علي الغادر إلى الصف وأنعقدت ندوة في صنعاء للتحاور حول تصحيح الأوضاع وجمع الشمل وكان في المتحدثين الأستاذ محمد عبد الله الفسيل الذي كان يذهب إلى أن العلة الوحيدة في تمرد المعارضين كانت هي أخطاء السلال وضرب مثلاً على ذلك بحالة الغادر ووقف الشيخ عبد الله وهو الخبير بالغادر يعقب على ما ذهب إليه الفسيل (عن تاريخ اليمن العام ، للحداد) المجلد الخامس ص210:
    ( أما الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر فقد قال الآتي :
    أختلف مع الفسيل على أخذه لموقف الغادر كمقياس لأخطاء المصريين و الثورة فالغادر كان ضد الثورة و الجمهورية وسوف أذكر الأخوة المشاركين في الندوة الزامل الذي ألقاه الغادر وأقسم فيه على نفسه على عدم الخضوع للنظام الجمهورى بصرف النظر عن وجود السلال أو غيره لقد قال في زامله:
    حيد الطيـــــــال أعلن وجـــــوب كل شامخ في اليمن
    مـــا بنجمهر قــــــط لو نـــــــــفنى من الدنيا خلاص
    لو يرجع أمــــــس اليوم وإلا الشمس تشرق من عدن
    و الأرض تشعل نار وأمزان السماء تمطر رصاص.
    لقد كنت متصلاً في فترة من الفترات بالغادر وكنت أحثه على الإنضمام إلى الصف الجمهوري فور خروج المصريين من اليمن وإبعاد السلال من رئاسة الجمهورية ولكنه ثبت على موقفه المعادي للجمهورية حتى بعد خروج المصريين بعد نكسة 1967م و الاطاحة بالسلال فالغادر كان ضد الجمهورية ولكنه كان يبرر عداءه للجمهورية بالعداء للمصريين و السلال). أ. هـ.
    ولقد كانت أيام الحصار السبعيني من أواخر نوفمبر إلى أوائل فبراير تمثل ذروة المشقة و المعاناة القاسية التي عاشتها صنعاء وأحتشدت قوى أنصار الجمهورية من كل الشرائح الشعبية في وجه سبعين ألف مجند فيهم المرتزقة من الأوروبيين المحترفين وذوي الخبرة العالية في القصف المد فعي و الضرب الصاروخي إلى حد أنهم إستطاعوا قصف القصر الجمهوري وتحديداً الغرفة التي كان يوجد فيها رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبد الرحمن الإرياني وحين إنتقل من القصر إلى بيت الشيخ محمد علي عثمان فوجئ بالتركيز المدفعي على بيت الشيخ محمد علي الذي أصيب إصابة بالغه مما جعلهم يقررون ترحيل الرئيس الإرياني وزميله الشيخ محمد علي عثمان إلى المناطق
    الآمنة في تعز والحديدة ، وحوصرت صنعاء من كل الطرقات وأصبح سقوطها في يد الملكيين أمراً وارداً بين لحظة وأخرى لولا أن المولى سبحانه كان قد كتب إنتهاء الامامة وإستمرار الجمهورية.
    وكما كان التركيز على صنعاء شديداً كان التركيز أيضاً على حاشد في مواقعها: العصيمات وعذر و خارف وبني صريم بإعتبارها القوة القبلية الأولى في الدفاع عن الجمهورية ولكنها إستطاعت بعون الله ثم بحكمة الشيخ عبد الله وزملائه من مشايخ حاشد جمع شملها والتأزر فيما بينها حتى كسرت الطوق وإستطاعت أن تؤدي واجبها في الدفاع عن صنعاء.
    نورد هنا رواية الشيخ عن تفاصيل وقائع تلك الأيام :
    (أما مرحلة حصار صنعاء المسماه السبعين يوماً وما تلا ذلك حتى أنتهاء الحرب في نهاية 1969م فقد أبتدء الحصار بعد خروج القوات المصرية من اليمن حيث ظن المعادون للثورة أن الفرصة قد حانت للإجهاز على العاصمة و الذي بسقوطها تسقط الثورة والجمهورية وكانوا قد بدأوا بعد هزيمة القوات المصرية في حزيران يونيو بالإجهاز على مناطق حاشد و التي يعتبرونها عمقاً للثورة لأنها تزود الثورة بالمقاتلين في كل الجبهات ففتحوا على حاشد أكثر من خمس جبهات دفعة واحدة بقيادة تسعة من الأمراء من بيت حميد الدين وهم ( محمد بن الحسين- عبد الله بن الحسن- محمد بن الحسن- علي بن إبراهيم- عبد الله بن الحسين- محمد بن إسماعيل- وعلي بن علي- و الحسن بن الحسن- ومحمد بن إبراهيم ) وبعون الله تم التصدي لهم ودحرهم جميعاً في كل الجبهات وأنتهت هذه الحملة بمؤتمرات بيننا وبين القبائل الموالية للملكيين ووضعت أتفاقيات صلح تقضي بعدم فتح أي جبهة على مناطقهم من حاشد أو من قبلهم على حاشد وإن من يريد القتال مع أي طرف فإن ميدان الحرب صنعاء وبعد ذلك دخلنا صنعاء مع أعداد من مقاتلي حاشد للدفاع عنها وحاولنا الحفاظ على الطرق المؤدية إلى صنعاء ومنها طريق صنعاء- تعز الذي تواجهنا فيها مع الغادر ومن معه ودارت رحى المعارك في حدود سنحان وبلاد الروس حتى تمكن المهاجمون بقيادة الغادر من الوصول إلى سواد حزيز وقطعوا علينا الطريق وكنت حينذاك مع عدد من رجال حاشد في بلاد الروس للدفاع على نقيل يسلح وكانت آخر رسالة بعثها الغادر لي من السواد يقول فيها هذا إليكم من سواد حزيز وغدآ سيتوجه الموكب المنصور إلى العاصمة صنعاء فإذا كنت تحب العز و الشرف فأنظم مع الموكب المنصور ولك الوجه والأمان والا فالوجه أبيض .
    وبت تلك الليلة وهي أخر ليلة في شعبان في موقع ظهر قحازه داخل الدبابة وأتصلنا بالفريق العمري باللاسلكي وأبلغناه أن الطريق مقطوعة من السواد وأني سوف أتحرك إلى صنعاء صباحاً والمطلوب فك الطريق، وفي صباح أول يوم من رمضان ركبت داخل مدرعة وتحركت صوب العاصمة ولم نصل حزيز إلا وقد فك العمري الطريق وبمجرد دخولي صنعاء أنقطعت الطريق مرة أخرى حتى نهاية الحصار، وكانت هذه الحادثة وما عقبها أيام حصار صنعاء هي من أحلك الظروف والمواقف ا لتي أستذكرها وهي من أسواء الذكريات عندي غير أننا واجهناها بعزيمة وإيمان حتى كتب الله النصر في شهر فبراير 1968 م غير أن المعارك لم تنتهي بنهاية حصار العاصمة بل أستمرت إلى نهاية 1969 م في صعده وحجه وتحملنا وقبائل حاشد مسؤولية الدفاع عن هاتين المدينتين، وحافظنا على حجه من بداية الثورة حتى أنتهاء الحرب وكانت الطريق تنقطع في فترات ونفتحها في فترات ، أما صعده فقد سقطت في ديسمبر سنة 69 م بعد أن سلمناها للقوات المسلحة والأمن ثم تلاها بأشهر قليلة المصالحة وأعتراف المملكة العربية السعودية بالجمهورية العربية اليمنية سنة 1970م .) أ.هـ.
    نص أخر يمدنا بمزيد من التفاصيل عن تلك الأيام نأخذه من كتاب الحركة الوطنية، للأستاذ سعيد ا لجناحي ص 391 :
    ( قبل الحصار بشهرين جرت محاولة لتطويق حاشد من كل الجهات عندما قاد محمد بن الحسين حملة هاجم فيها منطقة ذيبين حيث تحرك من أرحب بإتجاه ناعط وتحرك عبد الله بن الحسين من جهة الشرق بإتجاه مدينة خمر، وعلي بن إبراهيم من جهة مسور وتمكن من إحتلال جبل غربان وتولى كل من علي بن علي يحى حميد الدين ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن إسماعيل التحرك من منطقة القفله وشهارة بإتجاه العصيمات غير أن تلك الحملات صدت وتمت المصالحة بين القبائل المؤيدة للجمهورية والمؤيدة للملكيين ثم تواجد الأمير محمد بن الحسين في خولان مع الشيخ علي بن ناجي الغادر وهو شيخ قوي وخطير أعلن تمرده على النظام الجمهوري منذ الأيام الأولى تحت حجة رفضه تواجد القوات المصرية ولما كانت القوات المصرية قد إنسحبت راسله الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر- مبيناً له أن الوجود المصري قد إنتهى وهو ما كان يريده، ودعاه للوصول إلى صنعاء، إلا أن الغادر لم تعيه الحجج والمماطلة، ثم كانت المباغته بأن هجم الملكيون على المواقع العسكرية في جبل حروة ولم تستطع حامية الموقع رغم إشتراك قبائل من حاشد مقاومة الهجوم الملكي ، إلا أن الإرتباك الذي ساد القوات الجمهورية كان سببه عادم معرفتهم جيداً بالمنطقة مما أدى إلى إستشهاد عدد كبير منهم ، وانسحبت بقية الحامية إلى ريمه حميد وعززت الحامية بقوة من الحرس الجمهوري بقيادة الفريق حسن العمري الذي إصطحب معه مجموعة من المشائخ منهم علي ناجي القوسي وسالم عبد القوي الحميقاني وصالح بن ناجي الرويشان إضافة إلى الشيخ إبن الأحمر) أ. هـ.
    وللعقيد أحمد فرج إضافة مفيدة في هذا نوردها عن كتابه السالف ص 259 :
    (في نفس الوقت وصلتنا معلومات عن الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وجماعته وأنه توجه إلى المنطقة في اليوم السابق لخروجنا لذ ا كان لا بد من إستفسار سائق الوايت عن الشيخ وجماعته فأفاد بأن الشيخ جرح وعاد مع جماعته إلى قرية دار سلم و البقاء في القرية وبعد التأكد من هذه المعلومات عندها قررنا التوجه إلى القرية و اللقاء بالشيخ عبد الله بن حسين الأحمر و ا لاطمئنان عليه وجدناه جالساً جوار نافذة تطل على وادي الأجبار وتبادلنا التحية وحمدنا الله على سلامته وبادرنا بالسؤال من أين وصلتوا فرد عليه الأخ عبد الله فرج قائلا وصلنا من صنعاء ولا نعرف ما يجري في البلاد ونحب أن نسمع منكم ونتعرف على ما يحدث في المنطقة ومن أين تأتي مصادر الرماية فأشار بيده إلى أطراف وادي الاجبار وقال : إن الرماية تأتي من منطقتكم و لربما يكون مصدرها أصحابكم ، وبعد توقفه عن الحديث أشرنا إلى الشيخ بأن أبناء المنطقة حريصون عليك كل الحرص حتى لو وجد في صفوفهم من المغرر بهم ولا أعتقد أن هناك من يجرو على توجيه بندقيته نحوك) أ. هـ.
    بعد هذا أمكن للشيخ تضميد جراحه ومعاودة الاقتحام بقبائله ضد المجاميع الملكية التي كان يقودها ناجي بن علي الغادر ومعه أحد أولاد الإمام، نقلاً عن المصدر السابق ص 277:
    ( لقد شهد يوم 19/12/1967م تسللاً باتجاه جنوب صنعاء وما رافق ذلك من سيطرة أعداء الوطن و الثورة على تباب النهدين حدين جنوب مطار صنعاء الجنوبي ( ميدان السبعين حالياً ) و السيطرة عليه وأتذكر حينها بأن الذي خطط لذلك التسلل هو ناجي بن علي الغادر أحد مشائخ خولان الذي تصدت له مجاميع من القبائل الوطنية من حاشد بقيادة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ومعه مجاميع من قوات الأمن العام والشرطة وكانت تلك الضربات الموجعة التي أفقدت تلك المجاميع المعادية صوابها وأوقعت فيهم العديد من الخسائر خاصة في الأرواح وكان ممن شاركوا في ذلك من الإخوة الضباط الأخوان المقدم عز الدين المؤذن، و المقدم علي محمد الضبعي لتنتهي المعركة باستيلاء قوات الثورة على التباب السالفة الذكر ونحن نتابع عن قرب من الاذاعة خطوات تنفيذ الهجوم ولا أخفي بأن الخوف والقلق كان يسيطر علينا حتى تحقق النصر والوصول إلى قمة تباب حدين النهدين لتنهال طلقات المدفع سبعة وثلاثين (م / ط) على أعداء الثورة من كل جانب.
    وبهذه المعركة التي تعتبر الثانية في تسعة أيام حيت تلى ذلك إختفاء الشائعات والأكاذيب وأساليب الدعاية والترويج وكان الهدف منها تشديد الحصار على العاصمة وإسقاطها وبدأت أحلامهم تتلاشى وتنهار يوماً بعد يوم) أ. هـ.
    تلك تناولات متفرقة لبعض أحداث الحصار السبعيني لصنعاء الذي جند له أنصار الملكية مرتزقة أوروبا وأطلقوا على العملية إسم عملية الجنادل وكان من أبرز العاملين فيها ، وينارد وبيكي ماكلين و النقيب محمود ا لإيراني و الميجوربد قلي و الكولونيل ديفيد سمايلي الخبير البريطاني وشارك فيها من القبائل المغرر بها وبقية المجندين الإماميين ما يقارب سبعين ألف جندي.
    ذلك بإختصار وفي غير إستيعاب واستقصاء هو الدور القتالي للشيخ عبد الله وقبائله و الجيش إجتثاثاً للأمامة ودفاعاً عن الجمهورية وترسيخآ لقواعدها ، وقد عايش سبتمبر من منحنيات السفوح إلى شموخ القمم وأعالي الذرى فصحت كلمة أمين عام حزب الله:
    لهم الجبال الراسيات وأنفس * مثل الجبال الراسيات عظام
    أتراهم صنعوا الذرى أم أنها * صنعتهم . أم أنهم أتــــــوام.
    المؤسف أن وحدة الصف شعبياً ورسمياً خلال حصار السبعين لم تصمد لما تلاها من مستجدات فقد توسع الخلاف بين القوى الجمهورية وحدث الصدام حول الأسلحة القادمة من روسيا إلى الحديدة في مارس 1968 م حيث كانت مجاميع المقاومة الشعبية بدعم من رئيس الأركان النقيب عبد الرقيب عبد الوهاب أحمد تحرص على أخذ شطر منها ، الأمر الذي كان القائد العام الفريق العمري يعترض عليه وأستمرت بواعث النزع تتصاعد حتى تفجرت أحداث أغسطس سنة 1968 م يقودها الفصيل القومي داخل القوات المسلحة الشمالية المدعوم من حكومة الجبهة القومية في عدن، وعن فضاخ تلك الأيام الدامية يحدثنا الشيخ عبد الله: ( وقد تمردت في هذه الأحداث بعض الوحدات العسكرية التي كانت متمركزة في العرضي الواقعة جنوب وشرق العاصمة وكل الثكنات العسكرية وهي الصاعقة و المظلات والمدفعية وسلاح المشاه وكانت هذه الوحدات هي النواة الأساسية للقوات المسلحة إضافة إلى سلاح المدرعات وكان هدف هذه الوحدات بقيادة بعض الضباط الشباب مثل النقيب عبد الرقيب عبد الوهاب نعمان الذي تولى رئاسة الأركان حينذاك ومعه النقيب محمد صالح فرحان و النقيب عبد الرقيب الحربي وحمود ناجي وكلهم من خريجي موسكو و القاهرة هو الإستيلاء على السلطة بالتنسيق مع العناصر اليسارية الذين أستولوا على الحكم في جنوب الوطن فالجميع يلتقون في ايديولوجيه واحدة.
    وقد قامت مجموعة المتمردين بضرب العاصمة بداءً بقصر السلاح الذي حاولوا إقتحامه أكثر من مرة وقصف الإذاعة والقصر الجمهوري وبعض المرا فق وبيوت المسئولين و الأحياء السكنية ومنها مسجد الطواشي الذي قتل فيه 73 شهيد وهم ساجدون يؤدون صلاة الظهر.
    وقد تصدى لهذا التمرد سلاح المدرعات و الجيش الشعبي من حاشد بقيادة العميد مجاهد أبو شوارب والذي كان متمترساً من قصر السلاح الى الإذاعة، وقد استمر التمرد لمدة أربعة أيام الى أن تم اقتحام العرضي ومواقعهم الأخرى بقيادة العميد مجاهد، ورجال حاشد وقتل من قتل من الضباط والعساكر المتمردين وأسر من أسر وفر من فر، ومن أبرز من قتل من قادة التمرد هو النقيب محمد صالح فرحان قائد سلاح المشاة ، أما الشهدآء من حاشد فقد بلغ عددهم أكثر من عشرين شهيداً، أذكر منهم الشيخ حمود بن هادى أبو شوارب والشيخ حمود بن يحيى العرمزة و الشيخ راجح بن محمد لاهب، والشيخ محمد حسن عواض، والشيخ عايض بن ناصر هبة، والشيخ عبد الحميد الرداعي، والشيخ عبده بن صالح المكتب.
    وقد أقدم المتمردون على هذه الجريمة والعاصمة لا تزال محاصرة من عدة إتجاهات ومدافع الملكيين لا تزال تطال أحياء العاصمة ومرافقها، وأذكر موقفا عجيبا وعظيما.. حيث قامت القبائل الموالية للملكية المتواجدين خلف جبل نقم بالهجوم على نقم في إحدى ليالي القتال بيننا وبين المتمردين من الوحدات العسكرية السالف ذكرها فاضطريت الى مناداة قائد التمرد عبد الرقيب نعمان بجهاز الهاتف وطلبت منه إيقاف الحرب، ونحن من جانبنا نوقف الضرب لنصد جميعا هجوم مقاتلي الملكية والتي هاجمت نقم، وفعلا توقف الضرب من الجانبين وقامت مجاميع منا ومنهم جنبا الى جنب بصد المهاجمين وما إن فر المهاجمون حتى عدنا للإحتراب من جديد..

    * المناصب التي تقلدها الشيخ:​


    ونختتم هذه الوقفة الرابعة بذكر المناصب التي شغلها الشيخ كما أوضحه في معلوماته التي أمد بها هذه ا لدراسة:
    ( توليت منصب وزير الداخلية في ثلاث حكومات بعد مؤتمر عمران وقبلها عينت عضواً في المجلس الذي تلى مجلس قيادة الثورة ، كما عينت سنة 1964م أميراً (محافظاً) لحجه ولفترة قليلة ، وفي بداية سنة 969ا م شكل المجلس الوطني الذي كان نواة لمجلس الشورى وقد رأست المجلس الوطني وأستمر أكثر من سنتين ومن أهم منجزاته الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية وهو الدستور الذي أستمر العمل به حتى قيام الوحدة كما رأست مجلس الشورى من مارس سنة 1971 م حتى أكتوبر سنة 1975م ثم عضواً في المجلس الإستشار حتى قيام الوحدة.
    وفي الخامس عشر من مايو سنة 1993 م أنتخبت رئيساً لأول مجلس نواب منتخب بعد الوحدة.
    وفي الثامن عشر من مايو سنة 1997 م أعيد أنتخابي مرة أخرى رئيساً لمجلس النواب.


    الوقفة الخامسة
    بطل الجمهوريه وراعي حزب الله​



    ( يا بني الكريم إنك الآن تحمل أثقال جبال اليمن وسهولها ووديانها وإن هيكلك النحيل إمتحنه القدرفحمله الأمانة الكبرى نحو الشعب والبلاد ، وأملي عظيم أنك تحمل ما حملت وتؤدي ما فرض الله عليك، إنك الذي ترجح كفه النجاة لوطنك كله، ليس هذا مبالغة ولا ثناء وإنما هو مسؤولية نوجه نظرك إليها).
    من الرسالة الأخيرة للشهيد الزبيري إلى الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر مارس 1965 م.​


    بالإمكان القول في إطمئنان دون إفتيات على أحد أو تجاهل للجهد الشعبي
    العام من كل الفئات في صنع اليمن المعاصر ثورة وجمهورية أقول بالإمكان القول في إطمئنان إنصافاً لأقدار الرجال وتقييماً لعطاء المبرزين المتقدمين ممن خضرموا عبر العهود وأرتادوا الصفوف على تتابع الأجيال مع إحتمال المشاق و الإستعلاء على كل صعوبات الظلم وقسوة الأنظمة ومرارات الواقع ، فإنه إذا جاز لنا أن نطلق على الرئيس عبد الرحمن الإرياني لقب أبي الجمهورية لتبنيه المبكر منذ منتصف الخمسينات فكرة قيام نظام جمهوري وإحتماله أهوال التعنت الأحمدي ثم ما أضافه من رصيد متميز بعد قيام ثورة سبتمبر، وجاز لنا أن نطلق على الفريق حسن العمري لقب منقذ صنعاء من حصار السبعين لإستبساله ويقظته وجاز أن نطلق على العقيد إبراهيم الحمدي من واقع عطائه لقب رجل الأولويات التأسيسية ، وجاز أن نطلق على الفريق علي عبد الله صالح لقب الرئيس التاريخي لليمن وبطل إعادة تحقيق الوحدة اليمنية بعد شتات قرون فإنه يجوز المقول بإطمئنان وفي إنصاف أن نطلق على الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر لقب بطل الجمهورية وراعي حزب الله ذلك لأنه أولاً الوجه اليمني الجمهوري البارز طوال أربعين عاماً من أواخر الخمسينيات وحتى أواخر التسعينيات ولا يزال وعلم الغيب بيد الله وهو بعد أبيه وأخيه في مقدمة العاملين بالمال والرجال لقيام الجمهورية قبل إعلانها السبتمبري بخمس سنوات ولأنه ثانياً رأس ولا يزال أكبر مجموعة شعبية مقاتلة عبر السنوات دفاعاً عن الجمهورية لا في صنعاء وحدها وإنما أيضاً في صعده وحجه وغيرها شمالاً وجنوباً ومشرقاً ومغرباً، ولأنه ثالثاً محور الإجماع الشعبي المتوفر و المتواصل طوال أربعة عقود في مؤتمرات عمران وخمر ووشحه ووفقة حرف سفيان ومؤتمر سبأ وغيرها، وفيها ضحى كأول المضحين وأبرزهم بالكثير الغالي من أجل إنجاحها، ولأنه رابعاً التلميذ المخلص للقيادة التاريخية وبخاصة أنه ظل الراعي الأمين لتراث حزب الله ورجاله ، كما كان حاضن الشرفاء من اليمنيين عسكريين ومدنيين في سنوات الجحيم والجنون التي شهدتها الجمهورية الاولى، ولك أن تقرأ في كتاب الزرقة عن الرعيني شهادات المعايشين في هذا وكيف كانت خمر قلعة الصامدين المصابرين.
    لأنه الرجل الذي إرتضاه بشر اليمن وأختاره القدر ليكون أول رئيس مجلس نواب في اليمن الموحد، وبعد أول إنتخابات يمنية عامة.
    ولست بهذا أطريه وأبالغ في الثناء عليه أو أدعي العصمه له، وإنما أذكر بحقائق معروفة و أشير إلى وقائع قائمة وما عدا ذلك فكل ابن آدم خطاء ومن أجتهد فأصاب له أجران ومن أجتهد فأخطاء فله أجر ولا عصمة إلا لله وكتابه ور سو له.
    وبحسبه إخلاصاً وإلتزاماً أنه وهواالذي زامل المسيرة السبتمبرية من يومها الأول وحتى اليوم لم يعرف عنه الادنون والأبعدون غير ثلاثة سمات تشكل المضمون الكامل لشخصيته وتاريخه أولها: الدفاع عن الجمهورية إلى حد الإستماته رغم كل المعوقات والمغريات.
    وثانيها: تحقيق أكبر إجماع شعبي ممكن رغم الشتات المريع الذي تعرضت له البلاد سابقاً و لاحقاً.
    وثالثا : أنه الرجل الذي شب وشاب راعياً لتراث حزب الله أهدافاً ورجالاً عاملين وليس حزب الله بالعمل ا لتنظيمي ولا بالتجمع السياسي ولكنه توجه إصلاحي عن إنطلاق إيماني في ظل توجيه قرآني مفتوح لكل عباد الرحمن عبر إمتدادات المكان والزمان إن الرجل الذي لم يغره منصب وزارة الداخلية في ثلاث حكومات ولم يصرفه تسنمه للمؤسسات التشريعية كالمجلس الوطني أواخر الستينات ومجلس الشورى أوائل السبعينيات ومجلس النواب كما هو قائم ماثل لم يصرفه كل ذلك عن إلتزام الخط الشعبي و التصدي لأخطاء المراحل فواجه إنحرافات السلال وإفلات الأوضاع في عهد الإرياني وتصدي لمنذر التطرف الحزبي في عهد الحمدي وقاوم عمليات التخريب أوائل عهد الرئيس / علي عبد الله صالح و الوقوف في وجه ويلات الفترة الإنتقالية بعد إعادة الوحدة ثم نهوضه بواجباته في وجه الإنفصال ومسعاه المشكور في تجنيب ا لبلاد صداماً يوهن الشعبين الشقيقين اليمن و السعودية ثم موقفه الوطني القوي في حادثة غزو حنيش إن رجلاً أنجز كل هذا لجدير بالإعزاز و العرفان.

    (1)* مع أمين عام حزب الله . الزبيري :​


    و لربما أنكر البعض تناولنا الحديث عن حزب الله هنا وذلك جهل بأهمية ذلك المولود الكريم في الساحة اليمنية وتجاهل لعطائه الدافق المبارك في الواقع أمس و اليوم وغداً. إن ولادة حزب ا لله أوائل رمضان 1384هـ وأغتيال أمينه العام المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري في الخامس من ذى الحجة 1384هـ هي على قصر زمنها الذي لا يعدو مائة يوم ومحدودية إمكاناتها تعد في ميزان الحقيقة بمثابة ليلة القدر التي أوشكت أن تلامس ببركاتها مجتمع المدينة المنورة لولا أن صحابيين تلاحيا فرفعت ، وإذا كان أمينه العام قد لحق- بربه الذي أنقذه بالشهادة من معاناة أكثر من ثلاثين عاماً فإن الصفحات المضيئة التي خطها الشهيد بنبضات قلبه وتوجه فكره وإعتصر فيها خلاصة خبرته هي اليوم تملا السمع و البصر وتلهم الوجدان وتضيئ المسار لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا .
    وقد أحسن الأستاذ المجاهد عبد الملك الطيب كتب الله ذلك في صالح أعماله بجمع التراث الموحي والمحيي في كتابه ( التاريخ يتكلم ) وهو تراث وثيق الوشائج ملتحم الخوالج بحياة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بإعتباره مشاركاً فيه ومتداخلاً معه، من أجل ذلك ناسب كذكرى للغافلين وتوجيه للجاهلين الإشارة إليه هنا في إيجاز منبهين بداية إلى أن الفارق الأساسي بين ثورة الدستوريين سنة 948ام وثورة السبتمبريين سنة 1962 م هو فارق يبرز في جانبين أولهما:
    أن الأولى قام بها لفيف من العلماء والعسكريين والقبليين وكانوا لا يزالون جميعاً مطبوعين بطابع التربية الإسلامية الأصيلة وذلك ما لم يتوفر للثورة الأخرى وهذا يجرنا إلى الجانب الثاني من الفارق الرئيسي بينهما وهو كثافة العنصر الخارجي وتأثيره البالغ على الداخل بحيث أصبحت القوى الداخلية مدارة بأكثر من زمام أجنبي فقد كان من حظ ثورة الإربعينيات أنها جاءت والقوى الخارجية الكبرى لم تفرغ بعد من دوار الحرب العالمية الثانية وكانت إسرائيل الركيزة الدخيلة مشغولة بإبراز كيانها وتثبيت دولتها ، على حين كانت ثورة الستينيات وقد أصبح للأجنبي الشرقي محطة في مصر وللأجنبي الغربي محطتان في عدن المحتلة إحتلالاً إنجليزياً وفي السعودية المرتبطة بالنفوذ الأمريكي الذي إزداد تدخله بعد حرب السويس وأصبحت أسرائيل قوة مسيطرة إقليمياً وعربياً، ومن يقرأ كتآبي هيكل ( الغليان ) و ( الإنفجار) يقف على مصداقية ما قلناه ومن وراء كل ذلك كان البناء الثقافي العربي الإسلامي الأصيل قد تصدع وأمتلأت الساحة بالماركسيين والقوميين والبعثيين وكلهم يلتقون على عدائهم للدين، وقد عايش الزبيري في القاهرة مجاميع طلابية متحزبة وعانى منها ما تضمنته رسالته الموجهة إلى زميله النعمان منتصف الخمسينيات وقد نشرتها بكاملها في كتابي عن المجاهد الشهيد وكتابي عن النعمان، ولمزيد من توضيح دور ذلك الشباب المراهق حزبياً و الذي أصبحت بيديه حكومة اليمن في الشمال وساحة اليمن في الجنوب نورد نصاً مفيداً عن معاناة المساحة العربية والإسلامية من ذلك الخليط الذي لا نزال نعانيه، نقلاً عن مذكرات الأستاذ حسن يحيى الذاري في صحيفة الصحوة (10/ ربيع الأول / 1417هـ) يقول:
    (أنا من جيل تفتح وعيه وحسه على شعارات ولافتات تحررية وبدأ حياته
    و الميدان يموج بحركات متباينه مختلفة كلها بلا إستثناء تغري الشاب أي شاب بالإنجذاب إليها ، وعندما قدمت القاهرة كنت أحمل في أعماقي إنتماءً عميقاً للثقافة الإسلامية التي كانت أول ما عرفت وآخر ما عرفت من الثقافات الأصلية و المعطاءة ، وكنت كغيري من شباب تلك الأيام أسمع عن القومية العربية وعن الوحدة العربية فأهفوا إلى تحقيقها وأنفعل بشعارات القومية كما ينفعل غيري ولكن لم يكن في أذهاننا نحن اليمانيين أن القومية العربية يمكن أن تكون بديلاً عن الإسلام ، حماسنا للقومية العربية شديد ومصر منارة الثقافة الإسلامية لا أدري الآن هل كان حقيقة أم وهماً ، صدقاً أم كذباً، وأسأل نفسي الآن أين ذهب كل ذلك الحماس ؟ وكان للطلاب اليمنيين إعتقادً أملاه اليأس بأن الإنتماء لأحزاب وحركات تلك المرحلة قد ينفع في تغيير أوضاع اليمن وتحريك مياهه الراكدة ، ولهذا عندما جاءت إلينا لم نتخوف ولم نتردد دون دراسة أو بحث عن الصالح منها والطالح ، إندفعنا نعمل تحت لوائها فمزقتنا خلافات وإختلافات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وبدلاً من إلتفافنا حول القضية اليمنية جعلتنا تلك الأحزاب نختلف حولها ونتأمر على بعضنا ونحن نحسب أننا نخدم قضيتنا ولست أرى مبرراً للصرع الذي عشناه بعد الثورة غير ما زرعته تلك الحركات من صراع فينا إختلط بالخصومة الشخصية والمصالح الذاتية فأنقلب إلى جحيم ورعب إمتد حتى وقت قريب وعندما قر بنا القرار في القاهرة بدأ بعض الطلبة العرب يترددون علينا بعضهم من لبنان ومن الكويت وبلاد الشام عموماً كانوا يقومون بزيارتنا ويتعرفون على مساكننا ثم يطرحون في جلسات عادية أفكارهم وتصوراتهم ويتعرفون على مساكننا ويناقشون فيما بينهم ويشركوننا في هذا النقاش وكانت هذه من أهم وسائلهم التي أتبعوها لتنظيمنا في حركة القوميين العرب كنت أنا مع الإخوة مطهر وعبد الله وحسين محمد الإرياني وكان الدكتور عبد الكريم الإرياني قد بدأ يتأتر بهم مع التحفظ لكنه سافر إلى أمريكا في منحه دراسية، ثم كنا نقوم برحلات إلى القناطر الخيرية وإلى المناطق الجديرة بالزيارة والهدف منها معروف، والقضية في الاول والأخير كما قيل لنا- هي قضية عربية أما البعثيون فلم يكن لهم أثر والإخوان المسلمون مطاردون منهم قسم في السجن وقسم في المنفى ومن تبقى مطارد ومغضوب عليه وكنا نعتقد أن القومية العربية موجه جديدة لا بأس منها فهدفنا واضح وهو تخليص اليمن من حكامه الظلمة وليناصرنا كائن من كان لتحقيق هذا الهدف حتى الشهيد الزبيري كان يرى مثل هذا الرأي لقد كان يؤيد القومية العربية لكن بشروط أن لا تكون بديلاً عن الإسلام، أن لا يسيطر علينا (حواتمه ، وحبش ، وأضرابهما من قيادات القومية العربية ، وبدأ رفاقي في القومية العربية يعطونني الكتب المقررة أقرأها وأوجزها تعميماً للفائدة وكنت لا أباري في الأمر فقد لخصت معظم كتب ساطع الحصري، وكان مسؤولا الإتصال بي هما: فيصل عبد اللطيف الشعبي ، وابراهيم العبد الله ، الأول من اليمن و الثاني من لبنان وفيصل عبد اللطيف الشعبي كان آنذاك في كلية التجارة و الإقتصاد وهو الزعيم القومي المعروف الذي برز في جنوب البلاد في الستينيات حتى قتل غيله وغدراً في السجن على أيدى رفاقه أيضاً وكان هذان الشخصان يصلاني صلة شخصية في كثير من الأحيان وتربطنا ببعضنا صداقة حميمه فكانا يدعواني دعوات خاصة ويهدياني كتباً خاصة و كان إخواننا القوميون يرددون أملنا في اليمن معلق بإثنين ( فيصل الشعبي وحسن الذاري ) ، وأستمر حالنا هذا من أواخر عام 1957 م حتى آخر عام 1959 م وفي ذلك الوقت كانت بعمض قصائدي تجد طريقها للنشر بتشجيع من رفاقي ومن ذلك قصائد قومية نشرت في صحيفة الرأي السورية و التي كانت تتبع بصورة أو بأخرى جماعة جورج حبش، في أواخر سنة 1959 م كنت حينها قومياً لا غبار علي ولا يشك أحد قط أنني أملك رواسب رجعية كما قيل فيما بعد . أصدر الحركيون كتاباً إسمه (مع القومية العربية) لفلان دروزة من سورية وفلان آخر لم أتذكرإسمه لعله لبناني أو كويتي.
    وكان هذا الكتاب (حاطب ليل) ملفلف من هنا وهناك وفيه سموم القومية العربية مجتمعة وأعطوني خمسين نسخه منه لتوزيعها على الناس، ومن أتوسم فيهم الخير للأمة العربية وكان هذا جزءاً من واجبي القومي وعندما أعطوني الكتاب طلبوا مني قراءته وإبدأ الرأي فيه ، فأكببت عليه أقرأه بحماس قومي لا نظير له حتى وصلت إلى فصل معنون بالقومية العربية والدين فإذا بي أكتشف أن القومية العربية لا تحبذ الدين كثيراً صحيح أنها نظرياً لا تحاربه لكنها لا تؤيده، فوضعت خطوطاً حمراء على هذا الفصل وأنبعث في أعماقي صوت الإمام محمد عبده ومحمد رشيد رضا والأفغاني وكل العلماء والكتاب الأجلاء الذين ترعرعت على كتبهم ومؤلفاتهم في صنعاء وتعز وقريتي الصغيرة ( الذاري ) في مكتبة أخي الكبير وفي حلقات الجامع الكبير بصنعاء كل ذلك أستيقظ في نفسي وأنا أرى ثلاث سنوات من عمري ضاعت مع القومية العربية التي لا تؤيد الدين هذا المكون الهام لشخصيتي كيمني وعربي لا يعرف أن الدين أفيون الشعوب أو عدو الحضارة ولا يؤمن بمثل هذا الكلام ، واجهت رفاقي وقلت لهم هذا الفصل قالوا: ماذا به ؟ قلت لهم : لا نوافق عليه وليس صحيحاً بالمرة ، الإسلام غير هذا الكلام الذي يقوله الكاتب في هذا الكتاب:
    أنا لا أؤمن إلا بالإسلام.. الدين.
    قالوا: يا أخ حسن راجع نفسك إن فيك رواسب رجعية.
    قلت لهم: أنا لست رجعياً أنا متمسك بالدين.
    كانت الرجعية تعاقب عليها السلطات المصرية، ولذلك نفيت رجعيتي بحماس وقلت لهم: أنا تقدمي أكثر منكم.
    وبدأ رفاقي يقدفون لي المغريات كي أتخلص من رواسبي الرجعية.
    وقالوا: يعطوني مالاً ، وقالوا: يعطوني منحاً دراسية معتبرة.
    لكنني ركبت رأسي ورفضت هذه الإغراءات و الحمد لله تعالى كان الانفصال بيني وبينهم وفي تلك الأيام كانت هناك حركات وكانت أحزاب ، فالإخوان كما سبق أن قلت لكم بين السجين والمنفى والمطارد والبعثيون قله قليلة عرفت منهم محسن العيني وكان يحاول التأثير علينا دون جدوى وكذلك يحيى الشامي الذي أستقر في عدن وهو في الإشتراكي الآن وكان بعثياً والشيوعيون كانوا أيضاً مضطهدين وكان أيضاً لهم طلائع يمنية منهم إبراهيم صادق وهو شاعر من الحديدة وأحمد الشجني و الدكتور الشهاري وعمر الجاوى ولم أكن أعرفه وعرفت أيضاً من الماركسيين أبا بكرالسقاف.
    و الزبيري في تلك المرحلة حدثني الأخ عبد المجـيد الزنداني كان يعمل على تنظيم الشباب في جماعة إسلامية ، لكن لم يتسن لي معرفتها لأنني غادرت القاهرة قبل أن تتبلور لديه) أ. هـ.
    إزاء ذلك وجد الزبيري نفسه في المرحلة التي وجد غاندى ونهرو نفسيهما فيها إكتشاف الهند ، خلالها قامت ثورة سبتمبر وعاد الزبيري مركزاً على قوى الداخل فأتجه تلقاء القيادات المؤثرة داخلياً فأتصل وزملائه بأحمد السياغي في كرش في الشهور الأولى من الثورة فلم يظفر منه بطائل ، ثنم إتجه للإلتقاء في أركويت بالسودان بالأستاذ أحمد الشامي ثائر الأمس ووزير خارجية الإمام بعد سبتمبر فتمسك كل منهما بموقفه وكانت له إتصالاته مع علماء رابطة العالم الإسلامي بمكة عن طريق صديق عمره المجاهد الشامي عمر بهاء الدين الأميري وكان على قاب قوسين من الإلتقاء بهم و التوصل عن طريقهم إلى التفاهم مع الملك فيصل فسبقتهم رصاصات الإغتيال ، كل هذا يوضح سبب تركيز الزبيري على العنصر القبلي كقاعدة كبرى لنشاطه فعمل على إسقاطهم أولاً عن طريق مجلس الشيوخ ثم في مؤتمر عمران ثم عن طريق حزب الله ووفقة الحرف من سفيان بين حاشد وبكيل ثم التحضير لمؤتمر خمر الذي حال الأجل بينه وبين حضوره ، وقبل إستعراض مؤتمر خمر وما تلاه نكر راجعين إلى تحديد أول لقاء بين الزبيري و الشيخ عبد الله الأول عائد من القاهرة و الثاني خارج من السجن ، ويحد ثنا الشيخ في نصه التالي اليوم الرابع لقيام الثورة بأنه اليوم الذي شهد إلتقاءهما الأول.
    (واخبرني السلال أن الشهيد أبو الأحرار القاضي محمد محمود الزبيري قد وصل صباح ذلك اليوم من القاهرة وأنه موجود مع القاضي الإرياني في القصر الجمهوري فأنتقلت من القيادة إلى القصر الجمهوري للسلام على القاضيين العالمين الفاضلين الرمزين الزبيري و الإرياني وجلست معهم نتبادل الأحاديث حيث كان لقائنا مفعماً بالأفراح والبشرى والأشواق و الشعور الجارف بنشوة النصر وتبودلت فيه القبلات وسالت العبرات لأننا شعرنا بأننا قد حققنا الحلم الذي ناضلنا وضحينا من أجله جميعاً . )
    ويعود الشيخ في إيضاحاته لبعض المواقف التي طلبتها منه مواصلاً حديثه عن الزبيري من أجل إصلاح المسار: الزبيري الزعيم الوطني و الثائر المؤمن داعية السلام و الذي قال في إحدى قصائده:
    بحثت عن هبة أحبوك ياوطني * في فلم أجد لك إلا قلبي الدامي .
    أستنكر ا لقتال بين اليمنيين بعضهم البعض ومنذ تفجرت الحرب هنا وهناك
    في أوائل سنة 1963م بداء الشهيد بالخروج بنفسه لا يحمل من السلاح إلا إيمانه القوى إلى المناطق التي أشتعلت فيها الحروب مثل خولان وأرحب وبني حشيش مناشداً الأطراف المتحاربة إيقاف سفك الدماء و اللجوء إلى الحوار والتفاهم وظل متنقلاً بين هذه المناطق ودخل في نفس الوقت في حوار وجدل كبير مع قادة الثورة وعلى رأسهم المشير عبد الله السلال - وقيادة القوات المصرية حول إيقاف الحرب و العودة للحوار و التمسك بالشورى وظل هذا همه في كل لقائاته وخطاباته في العاصمة صنعاء ومساجدها وكل التجمعات التي كان يلتقي بها وقد شد إليه العديد من الشباب والمثقفين و العلماء والمشائخ والضباط وفي مقدمة الجميع زميلي الزبيري القاضيان ( عبد الرحمن الإرياني وعبد السلام صبره) ومن أجل هذا دعى إلى عقد مؤتمر عمران في أوائل سنة 1964م الذي حضره عدد كبير من أبناء اليمن من مختلف الفئات و المناطق اليمنية وقد أستجبنا لدعو ته الإصلاحية ووقفنا بجانبه ونصرناه وآزرناه منذ البداية.
    ومما تمخض عن مؤتمر عمران إقالة حكومة السلال وتشكيل حكومة عمران برئاسة اللواء حمود الجائفي وسلم بذلك المشير السلال رئيس الجمهورية حينها و كذا القيادة المصرية.
    وقد أستمرت المسيرة الخيرة بقيادة الأستاذ الزبيري ودخلنا في مخاض شديد حول ضرورة تنفيذ الإصلاحات التي صدرت عن قرارات مؤتمر عمران وتطور الخلاف والصرع بين الخير والشر حتى أصبح وجود القاضي الزبيري في صنعاء معرضاً للخطر فقررت قيادة الإصلاح حينها خروجه من العاصمة واستقراره في مدينة خمر التي أطلق عليها الزبيري رحمه الله مدينة السلام لتكون هي منطلقه لمواصلة مسيرته ولما خرج الزبيري قاصداً خمر ولم يجدني هناك حيث كنت في منطقة جبل رازح وبلاد جماعة من لواء صعده لمواجهة أعداء الثورة والجمهورية توجه الشهيد إلى جبل برط بغرض التوعيه والإرشاد وتوحيد الصف ومنها دعى إلى عقد مؤتمر في خمر والذي سمي مؤتمر خمر للسلام وقد ألتف حوله معظم قبائل جبل برط من ذو محمد وذو حسين بقيادة مشائخهم المشهورين الشيخ أمين بن حسن أبو رأس و المشايخ آل شايف وآل ثوابه وغيرهم من المشائخ.
    ومن جبل برط أعلن الزبيري قيام حزب الله وقد رافقه في سفره إلى جبل برط القاضي عبد الملك الطيب والأستاذ محمد الفسيل و الأستاذ عبد المجيد الزنداني وعدد من الشباب والتحق به من الزعماء القاضي الكبير عبد الرحمن الإرياني والأستاذ أحمد محمد نعمان وغيرهم وظلوا يحضرون لمؤتمر خمر الكبير وينطموا للحزب الجديد بالتنسيق معنا. أما بالنسبة للقائي بالأستاذ / الزبيري في خمر فما أن علمت بخروج القاضي الزبيري من صنعاء إلا وأسرعت للقائه حتى أهيئ له مقره في خمر ولكنني لم أصل إلى مدينة حرف سفيان إلا وقد مر منها صبيحة ذلك اليوم متوجهاً إلى برط فواصلت السير إلى خمر وظليت على إتصال مستمر به وبمن معه والتنسيق من أجل المؤتمر المزمع عقده وقد كنت في تلك الأيام وزيراً للداخلية غير أني بعثت بإستقالتي من الوزارة ضمن الأستقالات الجماعية لأعضاء الحكومة وكانت أخر رسالة منه إليّ هي تلك الرسالة التي نشرت في الكتب والصحف وكذلك القصيدة السينية المشهورة والتي مطلعها:
    هذا هو السيف والميدان والفرس * واليوم من أمسه الرجعي ينبجس
    والحكم بالغصــب رجعي نقاومه * حـــتى ولو لبس الحكام ما لبسوا.
    وقبل يومين من الموعد الذي حدد لنا فيه وصوله إلى خمر فجعنا بتلك المصيبة الدهماء إلا وهي نباء أستشهاد أبي الأحرار وقائدهم إلى الجنة القاضي محمد محمود الزبيري وقد حمل جثمانه الطاهر إلى العاصمة صنعاء لمواراته الثرى. أ. هـ
    هنا إضافة قيمة يتفرد الأستاذ زيد بن علي الوزير بروايتها في مذكراته التي يجري حالياً نشر حلقاتها في صحيفة الشورى نعرف منها أن الزبيري بعيد مؤتمر عمران ونكوص الحكومة في صنعاء عن تنفيذ مقررات المؤتمر خرج إلى حاشد ومنها إلى برط سنة 1963 م وجرى ما يفصله الأستاذ زيد في مذكراته صحيفة الشورى 6 / رجب / 1417هـ - 17/ نوفمبر/ 1996م.
    ( يقول الأخ قاسم عقب عودة الزبيري من عمران وقبل ذهاب الإرياني إلى تعز وعبد الله الأحمر إلى خمر مركز قيادته الحربية و القبلية كنا في اللجنة المركزية وكانت وجهة نظرنا قد أثبتت صحتها وقد وافقنا على الإجتماع في خمر لبحث إحياء مؤتمر عمران وذلك إستجابة للاستاذ الزبيري والقاضي الإرياني الذ ي إعترف بشجاعة بأنه أخطأ في إجتهاده وكان الأستاذ الزبيري متحمساً للخروج وأذكر أنه جاءنا مؤكداً وملحاً في اللحاق به في اليوم التالي إلى خمر وكان ذلك وقت المغرب فودعنا وأنصرف ولكنه مالبث أن عاد حزيناً مستفزاً شاعراً بخطورة الموقف ، وأخبرنا بأنه أرجع من باب الشقاديف بحجة عدم وجود تصريح للسيارة ولسلاح المرافقين فما كان من أخي إبراهيم إلا أن عرض عليه الخروج معه على سيارتنا وكان لدينا تصريح مطلق بالخروج بالسلاح أستحصل عليه الأخ طه قبل ذلك بفترة على أن أتأخر أنا إلى صباح اليوم التالي لأخرج مع الخال أمين و البقية من المشائخ و الشخصيات الأخرى وكذلك ركب الأستاذ الزبيري والأخ إبراهيم في سيارتنا وركب رفاق الأستاذ في سيارته وركب حوالي ستين مقاتلاً من ذو محمد على سيارة النقل التابعة للنقيب أمين الروسية الصنع وفي باب الشقاديف عرض عليهم الفك (التصريح) ففتحوا الباب ولحقت بهم سيارة الزبيرى بدون إعتراض إذ ظنوا أن الفك الأول يسمح ضمناً بسيارة الحرس وأنتظرنا الإخوان في ريده ، وفي اليوم التالي خرجنا مع مجموعة كبيرة ولحقنا بهم وعرج الخال أمين على جبال عيال سريح فقضى ليلة هناك وفي الصباح الباكر رأينا منظراً نادراً كان التلج يغطي قاع البون و الجبال المحيطة به بطبقة بيضاء، وكان سائقوا السيارات يحاولون جاهدين تشغيل محركات السيارات بدون جدوى لشدة البرد فيشعلون النار تحتها للتسخين وفيما كانوا يحاولون جاهدين تشغيل السيارات توجهنا جميعا إلى مقر القيادة المصرية حيث تناولنا طعام الإفطار ودار نقاش بينهم وبين الزبيري عن الأحوال.
    وكان الزبيري رحمه الله يتودد إليهم ولا يحب أن يأخذ موقفاً شفوياً يشتم منه أنه ضدهم بل كان برغم الخلاف يحاول البحث عن مخرج معهم من المأزق وبعد قليل وصل الخال أمين ومعه المشائخ الأمجاد آل راجح بن سعد أولئك الذين لم تقدر حتى الآن أدوارهم الباهره ، وبعد وصول النقيل توجهنا إلى خمر حيث لحق بنا في رأس نقيل الغولة المشائخ سنان أبو لحوم ثم نعمان بن قائد ووصلنا خمر حيث كان في إنتظارنا الشيخ عبد الله الأحمر وفي المساء عقدنا مؤتمراً حضره بالإضافة إلى المذكورين أعلاه المشائخ مجاهد أبو شوارب وعلي شويط وغالب الأحمر و القاضي عبد السلام صبره الذي لحق بنا إلى هناك وبعد أن شرح الزبيري ما تم على ضوء التجربة الفاشلة توصل الجميع على ضرورة التعاضد و التكافل وطلب الأستاذ الزبيري من الأخ إبراهيم أن يعاهد الجميع على المصحف الشريف فحلفوا فرداً فرداً بعد أن أكمل اليمين طلب القاضي عبد السلام الكلمة فقال: إنه بناء على ما قد توصلنا إليه أحب أن أخبركم بأن القاضي عبد الرحمن الإرياني قد بعث برسائل إلى المشير عامر و.. هنا قاطعه الشيخ غالب الأحمر وقال: ما هو ؟ ما هو يا قاضي؟ قال: قد بعثنا برسالة إلى المشير، قال الشيخ غالب بلهجته اليمنية الحاشدية اللطيفة: هيا والله ما ناش فيها مادمتوا بتفعلوا هكذا وعاد إحنا ما قد تميناش نحلف سوا ، أي أنا خارج من العهد ما دام وأنتم تتصرفون بهذه الطريقة ولما نكمل اليمين.
    ضرب الأستاذ الزبيري بيده على رأسه و ارتبك الأخ عبد السلام صبره وسادالوجوم لحظة وفجأة إنفجر الجميع بالضحك فأنفرج الموقف نسبياً.
    وكان الشيخ غالب محقاً في موقفه وبعيد النظر لأن ما سيترتب على رسائل القاضي الإرياني من مواقف ستلزم الموجودين بها مع أنهم أصلاً لم يشاورا فيما بعث فيه ويضيف الأخ قاسم: ( كان الأستاذ الزبيري يشعر بخطورة العودة إلى صنعاء ولم يحس أو يشعر بالحماس المطلوب من مضيفيه للبقاء فيها في هذا الوقت فعرضنا فكرة خروج الأستاذ الزبيري معنا إلى برط فلقيت ترحيباً من الجميع وكنا كما سبق أن قلت قد اتفقنا مع الخال أمين الذي رحب بذلك غاية الترحيب كما رحب بها وبحماس الشيخ عبد الله وقد كان ذلك حلاً له لكثرة ما قد واجه من المشاكل أو حتى لا يضيف على متاعبه متاعب جديدة.
    وغادرنا إلى حوث ونزلنا بدار الحكومة وكان في وداعنا الشيخان عبد الله
    الأحمر ومجاهد أبو شوارب، وسايرانا حتى وصلا إلى نقطة لا يمكن أدن يتجاوزاها نظراً لخلاف ثائر بين قبيلتي حاشد وسفيان، ومن هناك سرنا في منطقة سفيان حيث لاحظنا بوضوح ملموس مكانة النقيب أمين القبلية العفوية في قلوب الناس وأنها بالفعل في مكان رفيع وبينما ذهبنا إلى دار الحكومة توجه النقيب إلى المقهاية وقعد هناك وذهبت في الليل إليه فوجدت لديه مشائخ المنطقة محيطين به وهو يتحدث اليهم، وفي سفيان إلتقينا بالشيخ عبد الله ذيبان أحد كبارها وشرحنا له الموقف فأيد خطواتنا وتوجهنا من هناك إلى الخراب ومنه صعدنا الجبل إلى المقام فاستقبلنا ذو محمد بالمدافع والرشاشات استقبالاً رائعاً ورحبت بنا بزخات من الرصاص على الطريقة اليمنية وأعتلى الأستاذ ظهر حصان بينما علونا خيولنا وسرنا بين الجموع الحاشدة وبهذا الاستقبال أستعاد الزبيري معنوياته، وفي برط معقل النقيب أمين أبو رأس التي كانت تشكل قديماً عرين الأسد أنطلق الزبيري يلهب المشاعر ويتحدث عن ثورية ونضال بني الوزير وآل أبو رأس فيلهب بخطاباته الرائعة والمؤثرة قلوب الناس وفي الوقت نفسه كان حريصاً رغم التوتر على زيارة المصريين وتطمينهم ومحاولة وضع الخلاف في إطار يمني- يمني وحدث أن أغتيل أحد الجنود المصريين فخطب الزبيري فوق قبره خطبة بليغة شجب قتلته ولام قاتليه لوماً عنيفاً ومن برط إستمر إتصالهم بالشيخ عبد الله الاحمر- الذى كان يقوم بواجبه على أحسن وجه وكان القاضي عبد الرحمن الإرياني يكاتبهم باستمرار حول تردى الأوضاع ومرئيات الحلول وبعد فترة بدأت ملامح وضع تتخلق في الأفق عبر رسائل القاضي/ الإرياني التي بدأت بدورها تلح على عودة الزبيري فيرفض رفضاً باتاً.
    وأستمر الاخذ والرد بين الزبيري والارياني، وأخيراً وصل القاضي عبد السلام صبره ومعه رسائل من القاضي عبد الرحمن الإرياني تطلب دخول الأستاذ للتفاهم معه في صنعاء فرفض الزبيري الدخول بعد التشاور مع النقيب أمين و الأخوين إبراهيم وقاسم ولكن رسائل القاضي الارياني أستمرت تلح على دخوله لأمور هامة فوافق الزبيري على إقتراح باللقاء في خمر بدلاً من برط وعارض النقيب أمين ذلك المقترح معارضة شديدة وقال: إذا كان ولابد من اللقاء فهنا حيث سيكون الجو في صالحنا فنرفض مانريد ونملي ما نريد، لكن الزبيري أصر على سفره وعلى سفر الأخوين إبراهيم وقاسم معه فرفضا، وكان شديد الرغبة في أن يصحبه الأخ قاسم بوجه خاص، لكن النقيب أعترض على هذا أيضاً، وبإلحاح منه مستمر تقرر أن يصحبه الأخ قاسم حتى يكون التشاور الدائم عن قرب على ألا يتجاوز الاثنان خمر بأية حال، غادر برط مع حراسة مشددة وأوامر من الخال إلى المرافقين بمنع دخول الأخ قاسم صنعاء، لو إستجاب لاصرار الزبيري، حتى لو أدى إلى أن يمنعوه بالقوة فهو لايرغب أن يذمر القبيلة ويحملها عيباً أبدياً.
    وصلا إلى خمر حيث نزلا في بيت الشيخ عبد الله الأحمر ضيوفاً مكرمين، ومن هناك تبودلت البرقيات و الرسائل مع القاضي الإرياني وأخيراً وصلت برقية بأن طائرة تقل الفريق حسن العمري وقائد القوات المصرية و القاضي عبد الرحمن الإرياني في طريقها إلى خمر وتطلب خروج الأستاذ إلى المطار لعقد الإجتماع هناك ووافق الأستاذ لكن الشيخ عبد الله و الأخ قاسم رفضا ذلك بقوة ، وحدثني الأخ قاسم عن تفاصيل ما حدث فقال :
    الحقيقة أن موقف الشيخ عبد الله كان ثابتاً وشجاعاً وثورياً فقد قال للزبيري: لماذا المفاوضة في المطار؟ سأخرج أنا لأستقبالهم ثم أوصلهم إلى هنا للمحادثة وأنت و الأخ قاسم تنتظران هنا إلى أن أصل بهم وحين يصلوا نمسكهم حتى يعلنوا قبول كل المطالب الشعبية وأن هذه فرصة لن تعوض ، فوافق الأستاذ وعلى هذا الأساس توجه الشيخ إلى المطار وبقيت و الأستاذ في خمر ننتظر لكن الأستاذ الزبيري كان قلقاً مرتبكاً وفجأة قرر أن يلحق بالشيخ إلى المطار، ولما أخبرته بما وعدنا به الشيخ عبد الله الأحمر تعلل بخجل من القاضي عبد الرحمن الإرياني ووعدني أنه لن يقبل المحادثة في المطار ولا العودة معهم إلى صنعاء تحت أي ظرف ، ومن ثم فالخطة قائمة لكنه يحس خجلاً إلاّ يكون في إستقبال القاضي في المطار ولم تجد محاولاتي شيئاً أمام إصراره العجيب ، وذهب الزبيري ووجد القوم يركبون السيارات متجهين إلى خمر نزولاً عند رأي الشيخ عبد الله فلما رآه الشيخ عبد الله سقط في يده ، وبإختصار فقد إنتهى الموقف بركوب الأستاذ الزبيري معهم على الطائرة عائداً إلى صنعاء رغم معارضة الشيخ عبد الله الشديدة ومعارضة جماعته التي بلغت محاولة جذب الزبيري بالقوة وهو يحاول صعود الطائرة وعاد الشيخ عبد الله حزيناً وقال لي بمرارة بالغه: لقد ذهب الزبيري ، وتسلم الأخ قاسم مع أحد المرافقين الذين عادوا من المطار رسالة من الزبيري يقول فيها: أذهب ورأسي وديعة بين يديك مشيراً إلى أهمية استمرار المعارضة وبقائها قوية تمكنه من بحث القضايا بسرعة وتتيح له العودة ، ولكنه لم يعد إلا بعد حين وفي ظروف أخرى ).
    وكانت الوزارة التي شكلها اللواء حمود الجائفي إثرْ زيارة الرئيس جمال عبد الناصر هي التي زامنت تشكيل المكتب السياسي الذي كان من أعضائه الزبيري و الإرياني وصبره ، وكان يراد من ذلك المكتب إدارة تنظيم سياسي على غرار تنظيم الإتحاد الاشتراكي السائد يومها في مصر وهو المكتب الذي استقال منه الثلاثة وأعلنوا بيانهم الهام الذي عمم داخل اليمن وخارجها بعنوان : ] لماذا استقلنا [ ؟ وقد أوردت قطاعاً كبيراً منه وتعليقاً واسعاً عليه في كتابي عن النعمان ، وعلى إثر استقالة وزارة الجائفي عهد إلى العمري برئاسة الوزارة ونيابة رئيس الجمهورية وإعلان الحكم العسكري وإقامة محاكم عسكرية وغمر البلاد طوفان من الرعب فأتجه الزبيري مع تلامذته الثلاثة عبد الملك الطيب وعبد المجيد الزنداني ومحمد عبد الله الفسيل إلي ثلا ، ومنها إلى عمران غرة رمضان /1384هـ - يناير /1965 م وبلغوا برط وكان قبلها قد تعرض بيت الزبيري للغم وكذلك بيت عبد الملك الطيب كما تعرض الزبيري للإعتقإل حين استدعاه أنور القاضي ولم يحل بينه وبين الاعتقال غير الموقف الشجاع لمرافقيه من مراد ، وحاول العميد قاسم القائد المصري لمنطقة الحرف اعتقاله وحال بينه وبين ما شاء الموقف الصلب لرجال سفيان بقيادة عبد الله ذيبان ، وأصدر الفريق العمري أمره إلى ست عشرة مصفحة بالتحرك وراء الزبيري وإلقاء القبض عليه ، ولكن قائد مجموعة المصفحات المقدم عبد الله عبد السلام صبره صارح العمري بأن ذلك الإجراء غير شريف وأدار المصفحات إلى مرابضها في الثكنات ، ومن قمة برط الأشم وفي ضيافة ذو محمد بزعامة النقيب أمين أبو راس أعلن الزبيري قيام حزب الله وحدد في بيان ضافٍ صادق مؤثر حيثيات خروجه من صنعاء و إعلان قيام حزب الله بعنوان: ] خرجنا إلى الله في شهر الله [ .. ( هذه هي دعوتنا وهذا ما ندعو المسلمين إليه ) عن كتاب:] التاريخ يتكلم [ للأستاذ عبد الملك الطيب ص 21:
    ( أيها المواطنون أيها الأخوة الأحرار في أول يوم من أيام الشهر الكريم و الأحداث الدامية في أنحاء اليمن تهز ضمائرنا خرجنا من صنعاء متجهين إلى الله لائذين به أن يأخذ بأيدينا وأن ينقذ شعبنا من الظلم و الفوضى والرعب و الحرب و الدمار ، ما خرجنا من صنعاء لطلب وظيفة ولا منصب فإننا قد تركنا المناصب في صنعاء ورفضناها ولا خرجنا نطلب مالاً فنحن طول أعمارنا لم نكسب مالاً ولا متاعاً ولا خرجنا نبتغي جاهاً ولا شهرة ، نحن بحمد الله في غنى عن ذلك ، على أن الجاه لا يطلب في القرية وإنما يطلب في المدن الكبرى ولا خرجنا خائفين من بطش أو ظلم ، فنحن بفضل الله وفضل تأييد الشعب في منعه وحصانه أينما كنا ، ولا خرجنا لإثارة الحرب على الجمهورية فالجمهورية هي حياتنا وهي مصيرنا وهي الأمل الذي طالبنا به طول عمرنا ، ولا خرجنا نبحث عن الملكية في الجرف وقد حاربناها وهي في القصور ، وإنما خرجنا إلى الشعب ، إلى الكادحين و المزارعين و القبائل إلى المشائخ و العقال و الأمناء وأفراد الشعب المؤمنين الأحرار، إلى رعاة الغنم إلى الذين عاشوا ثلاثين شهراً في الجبال ووراء المتاريس يدافعون عن الجمهورية ويحرسونها بدمائهم ويفدونها بأرواحهم ، خرجنا إلى الله في شهر الله لنتصل بالشعب في القرى المحرومة ومنها نحاول إنقاذ البلاد من الإنهيار والدمار، خرجنا و اليمن كلها من أقصاها إلى أقصاها تفيض بالآلم و الدموع و الدماء وتموج بالفتن العمياء.. خرجنا والطرق الملغمة تقتل الأبرياء و البيوت تتهدم فوق النساء و الأطفال ، والقنابل المجرمة تنفجر في بيوت الله وتقتل المصلين الآمنين وهم خاشعون في صلاتهم خرجنا ونحن نشعر أن شعبنا وديننا وشرف اليمن كلها في خطر عظيم خرجنا ونحن نعلم أن أسرة واحدة أفسدت الدنيا والدين في الماضي هي التي تحاول الآن أن تدمر اليمن وتحرق الشعب وتفسد حياته كلها في سبيل أن تعود هذه الأسرة إلى حكم اليمن والتسلط على مقدرا ته وعلى رقاب الأحرار الشرفاء..
    خرجنا ونحن نعرف أن الجهاز الحكومي في صنعاء جهاز فاسد يجب إصلاحه وتطهيره فإن بقاء الجهاز الحكومي فاسداً يقوي الملكية ويزيد من الفتنة والظلم و الظلام والحرب و الخراب ولا سيما و أن شعبنا يرفض الحكم العسكري رفضاً حاسماً ومستميتاً خرجنا من صنعاء ونحن نعلم ونتذكر حديثاً نبوياً عظيماً رواه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:( أما أنها ستكون فتنة ) فقال علي بن أبي طالب قلت: فما المخرج منها يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: كتاب الله تعالى فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل ما تركه من جبار إلا قصمه الله تعالى، ومن أبتغى الهدى في غيره أضله الله تعالى وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم ، من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم ) .
    خرجنا لندعو رؤساء البلاد ومشائخها وعقالها وعلمائها وأهل الحل والعقد فيها للإجتماع في مؤتمر كبير نتشاور فيه وندبر ما يصلح شؤون ديننا ودنيانا على أن لا يكون الحكم في هذا المؤتمر إلا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ).
    فإذا تم لنا هذا فإننا على يقين بأننا سنجد المخرج لنا من كل محنه ومن كل فتنه، ونحن عندما ندعو الناس و الحكومة إلى هذا إنما ننفذ قول الله وهديه الذي جاءنا في كتاب الله ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ، ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدا ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) .. الأية.
    من أجل هذه الأهداف خرجنا إلى أبناء شعبنا وإلى قبائلنا الشجاعة الأبية..
    ومن أجل إعلاء كلمة الله دائماً أعلنا قيام حزب الله الذي سيدعو الناس إلى المؤتمر ويأتي بالعلماء العاملين ليحكموا بكتاب الله إلى جانب أهل الحل و العقد في البلاد و المشائخ و الزعماء و الذي سيحمل دائماً راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و الذي سيدعو المسلمين دائماً أن يحتكموا دائماً إلى كتاب الله في كل أمر من أمورهم الخاصة و العامة.
    (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك ، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، وإن كثيراً من الناس لفاسقون ، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ).
    هذه دعوتنا.. وإلى هذا ندعو الناس جميعاً.
    التوقيع:
    أمين حزب الله
    محمد محمود الزبيري

    وأقسم إن ذلك الشعاع الهادي لو تركه المتسلطون يسير في الأرض يهدي
    الضالين ويطفئ الحرائق لكفى الله به الشعب و البلاد كثيراً من الويلات التي أندلعت في الشمال و الجنوب ، ولقد كان خروجه من صنعاء بعد إتفاق مسبق بينه وبين الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر الذي كان مشغولاً بالجبهات جهة صعده وبين النقيب أمين أبو رأس الذي كان في إستقباله في برط ، وكان في مقدمة أعماله بعد إنقضاء رمضان إصدار صوت اليمن في شوال والدعوة إلى الوفقة وهي تعني التوفيق بين القبائل فأحتضنت وفقة حرف سفيان في شوال فصائل دهم مكونة من محمدي وحسيني ونوفي وبين سفيان وإلى جانب أولئك قبائل حاشد كلهم على يد في تنفيذ أهداف حزب الله وصون البلاد من الفتن وألغام الطرقات و التعإون في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، وبذلك دخلت في دعوة حزب الله ساحة عامرة بالقبائل الأبية من همدان بن زيد شرقاً من الجوف وغرباً إلى حرض وهذه توقيعات أصحاب الوجيه في هذه الوفقة :-
    يحى علي غلثان - عبد الله محسن حبيش و ابن ثوابة
    ناجي عبد العزيز الشايف - أمين حسن أبو رأس
    عبد الله بن حسين الأحمر- ناجي بن طالع
    حسين محمد كندوع - الشيخ مصلح بن صالح عراب .
    ويقول الأستاذ عبد الملك الطيب صاحب كتاب ( التاريخ يتكلم ) المتضمن وثائق المائة يوم المباركة أن سينية الزبيري السائرة ولدت في شوال من ذلك العام وهي مشهورة بأبياتها الإثنين والثلاثين رداً على إصدار السلال إعلان الطوارئ ، ولتوضيح أكثر المجريات يومها نورد نص الرسالتين من الزبيري إلى العمري ثم إلى السلال:

    رسالة الزبيري إلى اللواء حسن العمري

    ( 1 ) :
    سيادة الأخ الكريم . اللواء حسن العمري - رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية بعد التحية و الإحترام وصادق الأماني الطيبة
    أرى أنك أيها الصديق العزيز ستعجب من أني أكتب إليك هذه الرسالة
    الخاصة في هذه الظروف العاصفة و المشحونة بالتوتر، لا تعجب يا صديقي ولا تصدق ظنونك بأن صداقتنا قد أصيبت إصابة ، يائسه فالواقع أن هذه الصداقة أقوى وأعمق من كل عوامل النسف ونحن قادرين جميعاً على إنقاذها من كل ما ألم بها .
    وأحب قبل البدء في موضوع الرسالة أن أعتب إليكم لما بلغني من أن منشوراً وزع مجهول المصدر وتوهمتنا أو الإخوان في تعز بأننا مصدره .
    لا يا سيدي هذا نسيان لظروفنا وتجربتك معنا و الواقع أن منشوراتنا علنية ومنسوبة إلينا صراحة ولا يوجد ما يمنعنا أن نكتب ما نشاء ولا ينبغي لمن هو في ظروفنا أن يظهر خلاف ما يبطن وأعتقد أن في هذا التأكيد ما يكفي .
    وأكبر نفسي عن جزاء بغيبة * وكل أغتياب جهد من ماله جهد
    أيها الصديق العزيز: إنك لا تستطيع أن تـنكر الصداقة العميقة بيني وبينك ولا أستطيع أنا نكرانها ولكنا لا نستطيع أن ننكر أنه حدث خلاف بيننا في
    الرأي قد يعكرها ويمسها بالأذى ولكن ما نوع هذا الخلاف؟ هل هو خلاف يستحيل علاجه؟
    كلا.. إنه خلاف محدود وواضح . ومن الممكن علاجه وتجاوزه ، إنني أعرف جيداً إخلاصك وصراحتك وصرامتك وجرأتك ويمنيتك إلى جانب ماضيك الثوري ولكن الخلاف بينى وبينك في أسلوب التعامل مع المواطنين وفي وسائل أنباء الحرب و الغلب على فلول الملكية وفي حسن الثقة بالجماهير
    خلال الظروف الحربية الراهنة وهذا خلاف محدود كما أرى بظروف الحرب الراهنة تقريباً ، فإذا تجاوزناها أصبحنا قادرين على إستعادة الصداقة والتعاون في سبيل ثورتنا وبلادنا ، ولعلك تدرك الآن أن رفضنا للتعاون في حكم مشترك إنما سببه أننا لن نتفق على الحلول اللازمة لمشكلة الحرب فلا نحن متنازلين عن أسلوبنا ولا أنت كذلك فموقفنا متصلب وعنيد وأنت كذلك ، ولكن هل من المستحيل أن نتعاون ونتشاور في الشؤون اليمنية المصيرية الهامة ، أعتقد أن هذا واجبنا جميعاً.
    عزيزي نائب الرئيس : إن القدر هذه الأيام بالذات أتاح لك فرصة لأنبل تضحية وأعظم مجد في التاريخ.. فرصة ترفعك إلى السماء وتدخلك إلى أعز مكان في قلوب اليمنيين جميعاً وتضعك في مصاف علماء التاريخ غير منازع ، إنها فرصة لا تعرضك للأذى ولا للمتاعب ، ولا تكلفك جهداً ، بل إنها ستريح ضميرك وتسترد أصدقائك جميعاً وفي مقدمتهم النقيب أمين أبو رأس وهذه الفرصة يشرحها لك الأخ حامل هذه الرسالة فإن فعلت ما سينصحك فقد أنقذت اليمن من أخطاء كثيرة دون أن يضطرك ذلك إلى الخروج على قانون أو أي إعتبار نكتفي بهذا والله يرعاك.
    وسلام الله عليك..،
    من أخيك محمد محمود الزبيري
    28 / شوال /1384 هـ.

    ( 2 ) :
    رسالة محمد محمود الزبيري إلى رئيس الجمهوريه : -

    1 - إنتهكتم حرمة الميزانية العامة ، وخرجتم على قواعد النظام القديم والحديث وخلقتم الفوضى و الإرتباك في الشؤون المالية بسبب التصرفات و التحويلات بأموال الشعب طبقاً لرغباتكم الشخصية حتى كأن أموال الشعب إنما هي أموالكم الخاصة ورثتموها من الآباء و الأجداد على أن الوارث المسرف السيء التصرف يحجره الحاكم الشرعي ويمنعه من التصرف بماله الخاص ، وقد كان الإمام الطاغية يتستر بمثل هذه التصرفات ويحرص على المال العام ويصونه ولكن الشعب لم يكن راضياً عنه، وكان يلومه ويلعنه لأنه أحتفظ لنفسه بحق السيطرة على أموال الدولة.
    والآن أفلست الجمهورية - وتعطلت خزائنها - وأنتم المسؤولون لأنكم أنفقتم أموال الدولة بقصد الحصول على تأييد شعبي لشخصكم ومنصبكم وشراء الذمم و الضمائر لتبقى رئاسة الجمهورية حقاً أبدياً في ( آل السلال ) وقد كان من الممكن أن تبقى الرئاسة لكم أعواماً طويلة لو أنكم لم تطلبوها بمثل هذه الوسائل.
    2 - ومثل الإسراف بالأموال كان الإسراف بالأرواح و الدماء و الأعراض فالبئر الرهيبة ترمى فيها الضحايا أحياء و الأعدام الجزافي بلا محاكمات و الغدر بمن عاهدتموه أو عفوتم عنه وإختطاف المواطنين من الشو ارع ومهاجمة ،الآمنين في بيوتهم ، وقتل الناس بالسم بعد العفو عنهم وإعطاء العهود لهم ، و الزج بالمواطنين في السجون بصورة فوضوية وبغير عدل ولا حق ولا محاكمة ، وإطلاق السجناء كذلك بغير تدبر ولا تعقل وبصفة شخصية حتى كأن المواطنين ثروة أخرى تملكونها شخصياً كما تملكون خزانة الدولة ، فالقتل و العفو عن السجن و الإطلاق من السجن مثل التحويلات المالية حق شخصي لكم .
    3 - وأشد من ذلك كله وأنكى إعلان الحرب على القرى الآمنة نساء وأطفالاً و كباراً وصغاراً قبل البحث عن حالتهم وحقيقة أمرهم وإستخدام التفاهم أولاً قبل استخدام القوة فإن كثيراً من الحروب الطاحنة كان التفاهم يغني عنها وكثير من القبائل تمردت برغم أنفها ورغم إخلاصها للجمهورية وذلك لأنها تعرضت للاستفزاز و الهوان وسوء المعاملة حتى فضلت الموت بعد يأسها ، ولو أنكم جعلتم الأمر إلى من يثق الشعب بوجوههم من مشائخ القبائل و العلماء و الوجهاء وتركتم تدبير التفاهم إليهم وجعلتموهم واسطة التفاهم كما يقضي بذلك دستور مجلس الشيوخ الأعلى لما أحتاجت الجمهورية إلى إستخدام الحرب إلا في النادر القليل ، ولكنكم جعلتم الحق كله لكم ووزعتم المسؤوليات على من تريدون من الأفراد ثم ضاع الأمر كله من أيديكم وأيدينا جميعاً وأصبحنا ونحن في بلادنا لا نعرف من يعلن الحرب ومن يعلن السلم .
    4 - شجعتم المفسدين وأكرمتموهم ورفعتموهم فوق رؤوس المكافحين المجمهرين فأطلتم في عمر التمرد وقويتم المتمردين وأضعفتم عزيمة المجاهدين من المشائخ والأحرار.
    5 - رفضتم تكوين جيش دائم من القبائل المجمهرة يردع المتمردين ويمنع الحرب قبل وقوعها وذلك لأنكم لا تثقون بالشعب ورجاله ولا تريدون تكوين جيش شعبي من الأحرار القبائل خوفاً على منصبكم وبذلك أضعفتم الجمهورية وعرضتموها للحروب و الخراب الرهيب وسفك الدماء الغزيرة ولو كان للجمهورية جيش من أحرار القبائل لما أقدمت القبائل الأخرى على التمرد.
    6 - لم تقبلوا مطالب الشعب ولا نصائح المخلصين لا في عمران ولا في غير مؤتمر عمران. وكنا ننتظر وأنتم من الثوار ومن الشعب أن تستجيبوا لإرادة الشعب لا سيما وأن هذه الإرادة ظهرت في شكل منظم سلمي و اتفق عليها الشعب كله فرفضتم هذه الإرادة منفردين ، ووقفتم ضد حق الملايين وضد كل إصلاح حقيقي للجهاز الحكومي.
    7- خلفتم الارتباك والإضطراب في الجهاز الحكومي وذلك بالتناقض في الأوامر ذلك لأنكم تريدون أن يكون كل شي مستتراً بجرة قلمكم وأن تكونوا الكل في الكل
    8- أخلفتم الوعود حتى ضعفت ثقة الناس بوجه الجمهورية والأمثال كثيرة ونضرب لذلك مثلاً واحداً وهو وعودكم بالموافقة على إجابة مطالب عمران وبتحريركم الأوامر بتولية النواب ثم تحريركم الأوامر ألا يقبلوا أوامرهم.
    9- جعلعم التولية والعزل حقاً شخصياً لكم وكان ينبغي أن يكون التوظيف والعزل على قدر الإستحقاق ولن يكون ذلك إلا بوضع القوانين والإلتزام بها مع مشاورة أهل الرأي .
    10- الإذاعة لسان الثورة وملك الدولة . ولكنكم جعلتموها ملك شخصياً لكم ولهدف الدعاية الشخصية ثم لم تأمنوا على أحد من أبنا الشعب إلا على ولدكم يتصرف كأنه سيف من سيوف الإسلام ويسخر أموال الدولة واذاعة الدولة لمدح والده وهذا لا يليق برئيس جمهورية ثائر .
    11- منحكم الشعب هذا المنصب العظيم والشرف الكبير والأمانة العظمى
    بناءً على أنكم من الثوار الأحرار وأنكم ضد الفردية والإستبداد وكان المنتظر منكم أن تكتفوا بالرئاسة الرمزية وأن تبتعدوا عن الإحتكاك بالمشاكل و تتركوا الشعب يختار له على الأقل رئيساً للوزراء يتحمل المسئولية وأنتم مصونون عن النقد ولكنكم أخذتم الرئاسة والسيادة كلها ثم تدخلتم في كل صغيرة وكبيرة ودخلتم في خصومات شخصية ونفيتم من البلاد رجالاً صالحين وسجنتم أخرين وسرتم في الطريق الإمامي حتى كأن النظام الجمهوري لم يغير إلا الملابس والألفاظ.
    12- أبحتم لأنفسكم حق التهديد والوعيد لكل من تكرهونه بصفة شخصية وتوعدتم الشعب في كثير من خطبكم وقلتم إنكم ستملئون الميادين بالرؤوس وهذا هو أسلوب الإمام أحمد.
    13- أستخدمتم وسيلة التفريق بين المواطنين وأثرتم فتنة الفرقة الشافعية والزيدية بشكل صريح واضح ، وهذا ما لم يجرؤ الإمام أحمد أن يفعله ولم تكتفوا بذلك بل أخذتم تثيرون الخصومات بين كل الفئات بين المدنيين والعسكريين والقبائل ، وكلما أجتمعتم بفئة لعنتم أختها حتى أنكشف الأمر للجميع في مدة قصيرة :
    1- أهنتم شرف الشعب بتذللكم لأصغر المسئولين المصريين وتنازلتم عن حـــقوق الدولة لهم وشجعتموهم على حكم المناطق و السيطرة دون أن تشاوروا أحدا.
    2- سلمتم إليهم التسلط على الوزارات والتحكم في إقتصاديات البلاد حتى ركعت الجمهورية عاجزة ذليلة.
    3- تركتم لهم الإتصال بالقبائل و صرف الأموال بلا حساب ولا دراية أو حكمة .
    4 - تركتم لهم التصرف بكل شئون الحرب دون مشاركة اليمنيين فوقعوا في الأخطاء لجهلهم بالبلاد ، بذلك صار المتمردون يعتقدون أن اليمن لم تعد لأهلها بل وصار العالم كله يعرف أن اليمنيين لا وجود لهم وأن الجمهورية ليست إلا شخصاً إسمه السلال وحفنة من الرجال معه يعيشون جميعا في حماية الدبابات العربية ) أ. هـ .

    إغتيال الزبيري

    أما توضيح ملابسات إغتيال الزبيري و الذين دفعوا بالقتلة ففي النص التالي من إيضاحات الشيخ ما يضيء ذلك:-
    ( كان القتلة ثلاثة أذكر منهم (( درهم الفلاحي - محسن الشتوي - من ذو حسين برط . وقد أحاط يهم المشايخ آل الشايف في موقع الحادث ما بين مدينة رجوزة ومدينة العنان وجبل برط وساقوهم حتى أوصلوهم مدينة خمر أثناء إنعقاد المؤتمر و أودعوا سجن مهلهل المعروف وكان مسئول السجن والقلعة النقيب علي بن علي اليماني وهو ضابط الجيش التنظيمي الإمامي ومعه سرية من الجيش النظامي الإمامي ، وقد تم التحقيق معهم في السجن تحت إشراف لجنة من المؤتمرين برئاسة الأستاذ عبد الملك الطيب عن تلك الجريمة الشنعاء وأسبابها ومن وراءها فأعترفوا بارتكاب الجريمة وأوضحوأ أن الدافع لهم هو محمد بن الحسين حميد الدين والذي مول القتلة وأن القيادة المصرية كانت لديها الرغبة في التخلص من الزبيري غير أن محمد بن الحسين سبقهم إلى ذلك وقد وجد بحوزة القتلة رسالة بخط محمد بن الحسين يحثهم فيها على الإسراع في تنفيذ العملية وأرسل لهم أربعة الف ريال ووعدهم بالبقية والبنادق ، أما ما يتعلق بفرارهم من سجن مهلهل فقد تم بعد دخولنا مع المؤتمرين إلى صنعاء وفر مع القتلة ثمانية عشر سجيناً من أسرى الملكيين ، وقد أجريت التحقيقات والذي ظهر أن المساجين الفارين عملوا ثقباً من أحد غرف السجن إلى خارجه وفروا منه ورغم أنه لم يتأكد لنا أن هناك ثمة تآمر إلا أن إلقاء القبض على رسول من محمد بن الحسين ومعه رسالة إلى القتلة في السجن مع كمية من الذهب لمساعدتهم على الخروج أوجد الشك بأن الجنود قد تأمروا مع القتلة على الفرار والدليل على ذلك فرار بعض الحرس معهم وقد لقى القتلة بعد ذلك مصيراً أسوداً إذ أبتلى أحدهم بمرض الجذام ومات منه أما الثاني فقد قتل ثأراً بينه وبين أقربائه، أما بالنسبة لي فقد ظللت في خمر أحضر للمؤتمر الذي أعتبرته بعد تلك الفاجعة وصية واجبة التنفيذ ووفاء له فقعت بتحديد الموعد وتوجيه الدعوات إلى كل مناطق اليمن و كل ا لفئات الإجتماعية من مشايخ وعلماء ومثقفين وشباب وتجار وموظفين و عسكريين وقبيل إنعقاد المؤتمر بأيام وصل زملاء الشهيد من صنعاء وعلى رأسهم القاضي عبد الرحمن الإرياني والأستاذ عبد المجيد الزنداني وتوالت بعدهم الوفود من كل مناطق اليمن لحضور ذلك المؤتمر الذي جمع نخبة من أبناء الشعب اليمني حيث لم تتجمع مثل تلك النخبة ولم تلتئمم الجموع على مختلف إتجاهاتهم وأفكارهم مثلما جمعهم مؤتمر خمر وحلوا ضيوفاً علينا وعلى قبائل حاشد ، قد صدر عن المؤتمر العديد من القرارات التي نشرت في كتيبات خاصة وتداولها كل اليمنيين ، ومما صدر عن المؤتمر أول دستور للجمهورية العربية اليمنية والذي سمي بدستور خمر، وبعد إختتام المؤتمر أرتأى القاضي عبد الرحمن الإرياني و الأستاذ النعمان حل حزب الله ) أ. هـ
    ونعود إلى كتاب التاريخ يتكلم لصاحبه الأستاذ عبد الملك الطيب لنتابع بعضاً مما جرى
    برقية من النقيب أمين أبو رأس ( برط:12/18 بتاريخ 4/4/65م حكومي مستعجل جداً بشفرة اللاسلكي:
    الأخ الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر / خمر
    الوصف الكامل للحادث في الطريق مع أحد خبرة الشهيد و المسألة مسألة ملكية و قد وصل علي ناجي الشايف بمن معه إلى حدود رجوزة إتصلوا بالقيادة العربية لإنجادنا بما يلزم من سلاح خفيف وثقيل ومؤونه وأرسلوا النجدة ، والأخ درهم في الحرف. الرجاء التحرك ،والعجل العجل فالأمر يستلزم السرعة كما تعلمون أهمية برط بالنسبة لمن وراءه ).
    وكان الزبيري قبل إغتياله قد أبقى الشيخ عبد المجيد الزنداني لديه في برط
    وهو الذي كان بجانبه وقت مصرعه وأرسل عبد الملك الطيب و محمد بن عبد الله الفسيل إلى خمر لمساعدة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في ألإعداد للمؤتمر. وأصدر الأحمر نداءً إلى كل اليمن عن مقتل الشهيد ص236:-
    ( بقلب يملؤه الأسى والحزن أعزي كل أبناء اليمن ، بفقيدهم العظيم الذي عاش لهم ولليمن وقتل في سبيلهم وسبيل اليمن ، أعزي الآباء و الإخوان والأبناء في الرجل الذي كان قلبه الكبير معموراً بالحب لكل فرد منهم ومعموراً بالحب لكل سهل وجبل في أرض اليمن .
    أعزيهم في مثلنا الأعلى للإيمان بالله والشعب وفي مثلنا الأعلى في الثبات والتصميم وفي مثلنا الأعلى في الإستقامة والنزاهة والإخلاص أعزيهم في الأب الذي كان يضمنا ويجمعنا قلبه الحنون العطوف ونفسه الكبيرة ، وأعاهدكم الله والوطن على أني سأستمر في الخط الذي سرت فيمه مع فقيد الوطن وأقتنعت به ولن نحيد أو نميل أو نتغير حتى يتحقق لبلادنا عزها وأمنها واستقرارها والله المسؤول أن يعيننا ويجزي قدوتنا وفقيدنا العظيم محمد محمود الزبيري بأحسن ما جازى به عباده الصالحين.
    عبد الله بن حسين الأحمر
    2/4/1965م

    الجبهات الأربع

    والكتاب مكتظ بالرسائل المتبادلة بين الأحمر والسلال والعمري والسادات وعامر وأنور القاضي ، وأنشغلت حاشد و شيخها عبد الله بالإعداد للمؤتمرو ما كان هناك متسع من الزمن حيث أن المؤتمر سينعقد أول محرم 1385هـ مايو 1965م والإغتيال في الخامس من ذي الحجة 1384هـ / 31/ مارس 1965 م والعيد قريب وأيامه لدى القبائل حافلة والوفود القادمة من أنحاء اليمن وبعضها كما يقول الأستاذ عبد الملك الطيب يضم الوفد الواحد مئتين من الأفراد ، عن ذلك المشهد يواصل الأستاذ عبد الملك عرض موقف خمر وشيخها وسكانها في استقبال ذلك المؤتمر الفريد وقد أفرغوا المدينة للوفود طوال عشرة أيام ، وقد قاموا بواجبهم وحاجة مواشيهم .ص248:-
    ( خمر من أقدم المدن اليمنية تاريخاً وهي البلدة التي ولد فيها أسعد الكامل ، كان فيها موتور كهرباء صغير تستضيء منه بعض أجزاء المدينة لمدة أربع ساعات وأحياناً لا شيء و لم يكن ثم غاز ووسائل النقل : السيارات نادراً ما توجد سيارة تقل المسافرين ولا يوجد تلفزيون ولا تلفون لا في المدينة ولا غيرها ولا بينه وبين المدن الأخرى والطرق كلها ترابية من أبواب صنعاء وحتى خمر وصعده و برط و الشمال كله وإحتمال أن توجد الألغام في بعض المناطق وبعض الطرقات إحتمال قائم (( قتل الزبيري أحدث دوياً هائلاً في اليمن كلها فانخلعت لإجله قلوب و أنهزم به رجال وتوقفت المسيرة وسادت الحيرة ( و أرتبكت الأمور وفرح الأشرار وتنكست رؤوس الأخيار وإنطفاء المصباح و أنتشر الظلام وبدء الشك في المستقبل و تحرك المتآمرون ، وكان علينا في خمر أن لا ننشغل بجنارة الزبيرى ولا الضجة الإعلامية ولا بإحصاء عدد من سيشيعونها ولا بالبكاء عليه الوقت هام و المرحلة صعبة وعلينا أن نوقض الناس من الصدمة وأن نطمئنهم على أمالهم وأهدافهم وعلى مبادئ الزبيري وأهدافه وعلى المؤتمر وإنعقاده فأرسلنا البرقيات إلى جميع أنحاء اليمن وواصلنا المسيرة وشاركنا بقصيدة نادرة في تاريخ الاحدأث من الشعر القبائلي الحميني ونزلت في منشور وألقاها من الإذاعة الملازم علي فراص الجائفي رحمة الله وكان من أنبل شباب همدان وأخلصهم لعبد الله الأحمر، ثم واصلنا عمل الدعوة للمؤتمر فلإعداد له ، ولم نتخل عن جبهة الكفاح الفكري و السياسي في الجبهات الأربع :
    1- جبهة بيت حميد الدين ومن ورائهم المملكة العربية السعودية
    2- جبهة السلال وحكومته ، من ورائهم القيادة العربية بصنعاء والجمهورية العربية المتحدة.
    وعلاقتنا بالإخوة السياسيين الكبار برئاسة القاضي عبد الرحمن وتبادل الآراء لم تنقطع إلا في اللحظات الأخيرة التي سبقت المفاجأة بإعلان حكومة الأستاذ أحمد محمد نعمان قبل المؤتمر وقد ساعدنا في عملنا أن الشيخ عبد الله كان وزير الداخلية في الحكومة القائمة في صنعاء ( حكومة حسن العمري ) التي شكلت في القاهرة وأعلنت في حينها القوانين التي هاجمها الزبيري في سينيته وتحداها وكان ينتظر من حكومة العمري أن تكون غطاء أو تكون بنفسها أداة لتوجيه ضربة قاصمة لدعاة الإصلاح والسلام .
    وقد يستغرب المرء كيف يكون عبد الله بن حسين الاحمر عضواً في حكومة وهو يعارضها ؟ وتفسير هذا المفهوم كما يلي:-
    1- إن دعاة الإصلاح وهم غالبياً المشايخ وغالبية الأشخاص المعروفين علمياً وسياسياً وثقافيا وعسكرياً ، واجتماعياً ووطنياً ومنهم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر هؤلاء لا يعارضون حكومة بعينها ولا شخصاً بعينه ولكنهم يسعون لإيجاد الحكم الجـمهوري بالمفهوم والتطبيق الذي سقط من أجله الشهداء.
    2- حقن الدماء بوسيلة الدعوة إلى السلام طالما أن الجانب الآخر يستجيب لها فالحرب ضرورة إلا أنه لا يمكن إحراز النصر طالما أن الحكم الفاسد قائم وسياسته تملأ الاعداء بالحياة ومقومات البقاء.
    3- وعبد الله بن حسين الأحمر لم يرفض منصب وزير الداخلية ولم يدخل صنعاء أو يحضر أي جلسة من جلسات الحكومة ولا قابل رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء و قد ساعده هذا الموقف على الأمور التالية:-
    أ- خدمة الأهداف التي يعمل من أجلها.
    ب- حسن العلاقة مع الفريق حسن العمري ورئيس الوزراء والعمل على إستمالته أوتحييده بين السلال وزعماء الإصلاح.
    جـ- كان له حق ممارسة الأمور ومكانة وزير الداخلية فأستفاد من هذا دون أن يكلف نفسه أي موقف يحسب تراجعاً أو تراخياً عن أهدافه.
    د- لم يحس الجانب الآخر رئيس الحكومة ومن ورائه بأن الأخ عبد الله بن حسين الأحمر يرفض المنصب طالما هو لم يعلن الرفض حتى وإن لم يحضر أو يرتبط لمدة ساعة برئيس الوزراء وأكتفوا بالكسب المعنوي من بقاء إسمه عضواً في الحكومة لما له من ثقل شعبي وحزبي وسياسي.
    وكانت القاهرة وصنعاء تسعيان للحيلوله دون عقد المؤتمر و لإحتوائه فجاء قتل الزبيري فرصة لا مثيل لها:-
    1- لكسر حزام العزلة الذي كان الشعب قد أقامه بينه وبينهم نتيجة للسياسة الخاطئة.
    2- لشغل الشعب بالحادث وصرف الأذهان عن المؤتمر وأهدافه.
    3- لإظهار المحبة للزبيري و التنصل من تهمة المشاركة في إغتيالة.
    4- لتأليب الرأي العام وتعبئته ضد الجانب الملكي بوجه عام وبيت حميد الدين بوجه خاص.
    5- لإستغلال الموقف وانتزاع قيادة الشعب من الجهات التي تدعو إلى الإصلاح و السلام مع الزبيري وخمر والدعوة إلى الحرب بدلاً من السلام.
    وكانت الضربة الأولي الإعلان عن تشكيل حكومة برئاسة أحمد محمد نعمان بتاريخ20/4/1965م وكاد الانقسام أن يحدث ونتيجة لذلك تلقينا كثيراً من برقيات- ورسائل الاستنكار ولعدم وضوح الأمور عندنا بعثنا برقية إستفسار وقد سبقت الإشارة الى موقف القاضي عبد الرحمن و أحمد محمد نعمان وعبد السلام صبرة وخروجهم إلى خمر وسفرهم إلى برط وعودتهم بالشهيد إلى صنعاء رأساً ، وبعد فإن سوء ظني كان له ما يبرره فلم تمضي إلا أيام بعد عودتهم و استشهاد الزبيري حتى أعلنت الحكومة الجديدة برئاسة الأستاذ أحمد محمد نعمان وبدأت الإذاعة تشد وتدعو إلى مؤتمر خمر، وانهالت البرقيات والرسائل على عبد الله بن حسين تستنكر قبول المجموعة إياها لتشكيل الحكومة قبل انعقاد المؤتمر وقبل الاستجابة لجميع المطالب ، وعبد الله بن حسين أرسل برقية للقاضي والأستاذ يستفسر ويستنكر وجاءت الجوابات مطمئنه ولكني كنت أحس وأشهد أن الخديعة كائنة ولم يكن وزني بالذي يعدل الأخوة والأباء الذين قبلوا ما قبلوه على أنه نصف ما يريدون وأنهم من خلال المؤتمرو بالجماهير سيحصلون على الباقي وخاب ظنهم وقصر باعهم وشغلتهم الكراسي وشغلهم الذين وضعوهم على الكرسي بما لا طائل تحته ، وكان قرار الخروج إلى خارج البلاد وزيارة بعض البلدان العربية سبباً لمضاعفة غضب الرئيس عبد الناصر عليّ ثم أقترح الأخ محسن العيني واستجاب له القاضي عبد الرحمن إلغاء حزب الله ولم توضع جذور عميقة لحركة شعبية واسعة وأعظم مكسب هو مشروع الدستور الذي وافق عليه رئيس الدولة وأصدر قراراً بالعمل به ضم موافقته على قرارات المؤتمر كمرحلة من مراحل احتواء الموقف والإعداد لضربه وضرب المؤتمرين والحكومة ، و كانت نفسي وأفكاري في حالة غليان و كنت أقوم بإدارة شؤون المؤتمر الإعلامية والمراسلات مع بعض الإخوان وأنشغل الأخ عبد الله انشغالاً تاماً بالوفود والضيوف وبلغتني أفكار الإخوان الزعماء قادة العهد الجديد فلا كنت بمستوى الكفاءة لتنفيذها ولا لمواجهاتها ولا طاوعتني نفسي لإظهار شيء من أخطائها وأخطارها على أحد والمؤتمر كان حقاً مثالاً رائعاً للدعوة إلى السلام وأنه حقاً مثل اليمن بكاملها أحسن تمثيل لا يمكن أن يحصل مثله إلا في الفترات التاريخية النادرة وأنه أبان عن خلق عظيم وعادات كريمة تتخلق بها القبائل اليمنية في مسيرتها الكبيرة وفي تنظيمها وفي الإنفاق على رجالها ( التموين ) وفي معسكراتها ومواقع نزولها سواء في العراء أو في المعمور، وفي كرم الضيافة وإدارة الضيافة . مدينة فيها نحو ألفي أسرة تخرج من نصف مساكنها لتفرغها لضيوفها وتترك للضيف جميع ما في البيت وتنتقل إلى البيت الآخر لتصنع لضيوفها الطعام وكم يكون طعام نحو عشرة ألاف إنسان وما تحتاجه أليه سياراتهم وخيولهم وأبلهم وأنفسهم من الماء والمرعى والوقود ) أ. هـ
    ومعلوم أنه قبل انعقاد مؤتمر خمر كان انعقاد مؤتمر عمران في سبتمبر1963م وأصدر قراراته الشهيرة وكان موقف حكومة السلال منها ذات الموقف لمؤتمر خمر الذي تضمنت قراراته مطالب المرحلة وكانت الأساس الجامع للموقف الشعبي من يوم صدورها وحتى مجيء نوفمبر 1967م وهي كما عرضها الكتاب ص306 :-
    أولاً تشكيل هيئة دائمة للسلم الوطني وتتولى الاتصال بشتى الطرق والوسائل ببقية القبائل المغرر بها سواءً بالاتصال المباشر أو المراسلة للتواصل معهم إلى التفهم الأخوي التام الذي يؤدي إلى إقرار السلام والوئام ووحدة الكلمة كما تتولى تقديم الاقتراحات اللازمة إلى الحكومة للقيام بالإجراءات اللازمة لتساعدهم على نجاح مهمتهم وتتألف الهيئة من تسعة أعضاء خمسة من المشايخ وأربعة من العلماء.
    ثانياً : يمنح مؤتمر السلام اليمني الثقة للوزارة القائمة
    ثالثاً : يؤكد المؤتمر على رئيس الوزراء ، الالتزام بالبرنامج الذي أعلنه رئيس الوزراء مع الاهتمام بما يلي:-
    أ- العمل بمختلف السبل والوسائل لإنهاء حالة الحرب وإقرار السلام .
    ب- تنظيم يحدد مع الشقيقة الكبرى الجمهورية العربية المتحدة على هدى قرارات المؤتمر وروحه.
    جـ - السعي لإيقاف حالة التوتر في العلاقات مع الجيران .
    د- إنشاء الجيش الوطني ودعم قوى الأمن.
    هـ - تنمية ودعم الاقتصاد الوطني.
    و- العمل على تصحيح الأوضاع في جميع الأجهزة والدوائر الحكومية باختيار الأكفاء المخلصين ذوي النزاهة والاستقامة
    رابعاً : يؤكد المؤتمر ضرورة المبادرة بإرسال وفود إلى الدول العربية جميعاً من أجل التعاون على إنهاء حالة الحرب وإقرار السلام في اليمن.
    خامساً : قرر المؤتمر تنفيذ المطالب الأساسية التي وضعها شهيدنا العظيم أبو الأحرار الأستاذ محمد محمود الزبيري ورفاقه المستقيلين في 2/ ديسمبر 1964م وهذه هي المطالب الأساسية التي يجب أن تقوم الدولة على أساسها:-
    1- تعديل الدستور.
    2- إقامة مجلس جمهوري.
    3- تأليف مجلس الشورى.
    4- إعلان قيام تنظيم شعبي شامل.
    5- تكوين جيش وطني قوي.
    6- تأليف مجلس دفاع وطني .
    7- تشكيل محكمة شرعية عليا تتولى محاكمة العابثين بأموال الدولة ومقدرات الشعب.
    سادساً :- تكوين لجنة متابعة تنفيذ قرارات المؤتمر تتولى المهام الآتية:-
    أ- مراقبة الحكومة والتعاون معها لتنفيذ قرارات المؤتمر.
    ب- العمل على اتخاذ الخطوات الكفيلة بانتخاب مجلس الشورى في أسرع وقت ممكن في فترة لا تتعدى ثلاثة أشهر.
    ج- مزاولة اختصاصات مجلس الشورى المنصوص عليها في الدستور المعدل حتى يتم تشكيل المجلس.
    سابعاً : يحيي المؤتمر نضال الجنوب اليمني في سبيل الحرية والخلاص من أغلال الاستعمار ويهبب بالمنظمات الشعبية والقوى الوطنية بتوحيد كلمتها وضم صفوفها.
    ثامناً : يشكر المؤتمرون باسم الشعب اليمني الجمهورية العربية المتحدة على ما قدمته من عون للثورة اليمنية وشعب الجمهورية العربية اليمنية ويقدس الدماء الزكية وأرواح الشهداء الطاهرة التي حققت المعاني السامية للإخوة العربية .
    تاسعاً : يرحب المؤتمر بالقرار الأخوي الذي أصدره المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة وذلك بإقرار السلام في اليمن.
    عاشراً :- يناشد المؤتمر اليمنيين جميعا إنهاء أعمال العنف والتخريب و حل مشاكلهم بالسلم والإخاء والمحبة ويحتكمون إلى كتاب الله الذي يحرم سفك الدماء وينهى عن الشقاق والخلاف.
    حادي عشر: يستنكر المؤتمر حادثة الغدر والخيانة التي اغتالت شهيد اليمن أبا الأحرار وداعية السلام الأستاذ محمد محمود الزبيري ، والمؤتمرون مصممون على أخذ الثار من المتآمرين.
    ثاني عشر: يوجه المؤتمر الشكر الخالص للشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وقبيلة حاشد على كرم الضيافة التي لقيها المجتمعون أثناء انعقاد المؤتمر . وأنفض المؤتمر بعد أجماع شعبي منقطع النظير وأستمر الشيخ عبد الله بن حسين مع اللجنة الدائمة المنبثقة عن المؤتمر راعياً وملتزماً بمقررات وفقه سفيان وقرارات المؤتمر ودعوة حزب الله حتى وقد حاولت الحكومة إلغائها وإهالة التراب عليه فقد قامت بقايا الملكيين بقيادة محمد بن حسين بالهجوم على ذي محمد في برط انتقاما منهم ومن زعيمهم البطل النقيب أمين أبو رأس فسارعت حاشد بنجدته في حملة قادها درهم بن غالب بن ناصر الأحمر، وأرسل الشيخ عبد الله برقية إلى القيادة المصرية بالمسارعة في عون ذي محمد ص311: -
    برقية / السيد اللواء أحمد فتحي عبد الغني حياكم الله سبقت مني برقية مشتركة لكم وللسيد السفير أحمد شكري جانب منها يتعلق بالموافقة في برط و قد تلقيت برقية من السيد اللواء حسن العمري نائب رئيس الجمهورية تؤكد خطورة الموقف ، و ألفت نظركم إلى الجانب الموثوق به والذي لا يزال ثابتاً هو قبيلة ذو محمد بقيادة أمين أبو رأس.
    ولكن الإغراء من حولهم بالسلاح و الذهب جارٍ على أوسع نطاق ، ولم يصمد جبل برط في الماضي إلا لأن الجانب الذي تحتله ذو حسيل كان مأمون والهجوم كان يركز على ذو محمد والموقف يحتاج مداركه قبل أن يتطور ورأيي أن تمدوا أمين أبو رأس بسلاح و مال تقوية لموقفه ومقاومة للإغراءات
    وليس من المصلحة الوقوف حتى يتطور الموقف و يذهب أفراد القبيلة الملكية كما لآل دمينة والمعاطرة وأمين أبو رأس وإن اختلف مع الحكومة فهو ثابت عند مبدئه وبيده زعامة ذو محمد وبكيل هذا وقد أرسلت من لدي الأخ درهم بن غالب الأحمر مع ثمانين رجلاً من حاشد ووعدت بإرسال آخرين إذا اقتضى الأمر. أرجوا أن تعيروا هذا جل اهتمامكم قبل أن يتطور الموقف ولا تنسوا أن الهجوم الملكي استمر سنة ونصف مركزاً على جبل برط لأهمية بكيل ولا يستطيع غيره أن يحل محله وهو أحسن من يقضي على الانتفاضات الجديدة بقيادة علي بن ناجى الشايف وإهمالكم له سيؤدي إلى المتاعب التي يصعب حلها . والسلام عليكم
    أخوكم/ عبد الله بن حسين الأحمر
    2/4/1965م
    مثل ذلك موقفه بجانب أرحب لوقف قصف الطائرات المصرية لها ص 313 :-
    السيد الفريق أول أنور القاضي
    حياكم الله برقيتكم بتاريخ 1/5/1965م كانت غير واضحة ولعلكم تشيرون إلى ما سبق مني بشأن تأخير ضرب الطائرات على أرحب و أنا اكرر الطلب و لا يكون ذلك مستمراً وإنما حتى يعقد المؤتمر وإرادتنا أن نثبت لهم حسن النية وذلك لما وصل إلينا منهم و المدة قصيرة ، وأملنا كبير في أن نتوصل إلى حل المشاكل جميعها لصالح النظام الجمهوري .
    أخوكم / عبد الله الأحمر
    2/5/1965م
    أما النص التالي فإنه يتضمن موقف الأحمر الرافض لما أسموه بميثاق الطائف والمحتجة به على اتفاقية جدة بين الملك فيصل والرئيس جمال ، وقد كان هذا النص أيضا هو أساس الموقف الجمهوري في حرض وما تلاه ص 323 :
    (( سعادة الأخ الفريق أنور القاضي قائد القوات العربية في اليمن..
    سعادة الأخ أحمد شكري سفير الجمهورية العربية المتحدة..
    لكم أسمى وأحر تحياتنا ، لقد تعودنا خلال الثلاثة الأعوام الماضية أن تكون كل مواقفنا وآرائنا معكم صريحة كما هي عادتنا وطبيعتنا في بلد لم يتعود أسلوب المجاملة أو تغليف الآراء ضمن مجموعة من الثناء العاطر كالعادة التي توجد في الشعوب التي سبقتنا حضارة ولقد كنا في الماضي مخلصين لكم أشد الإخلاص أوفيا لكم أشد الوفاء وأصدقه في كل ما دار بيننا وبينكم من عمل أو حديث، في كل ما جرى أو دار في عمل أو حديث بحضوركم أو بغير حضوركم ومع إخلاصنا العميق وأيماننا بالوفاء لكم كإيماننا بأنفسنا ووطننا مع ذلك قد شعرنا بوجود ريبة في نفوسكم ناتجة عن عدم فهمكم لنا ونحن نعرف أن الذي أدى إلى ذلك هو عدم الاتفاق بين آرائنا و آرائكم في بعض الأمور واتخاذنا مواقف لا تتلائم مع الخطط الثابتة المرسومة لكم ولقد صعب علينا أن نقنعكم بأننا أوفياء لكم وأخلص من الذين كانوا سببا في أكثر الأحوال في كثير بن المواقف المختلفة وها نحن اليوم وقد بدأت في حياة اليمن صفحة جديدة على يد الرجل الذي آمنا به وآمنت به كل الشعوب العربية ، أحببناه كحبنا لأنفسنا وأهلينا وأولادنا و أموالنا ها نحن بعد أن أعلنت اتفاقية جدة وتقرر وتتحدد بموجبها مصير اليمن نمد أليكم يدنا بالإخلاص الذي كان في قلوبنا قبل الثورة وبعد الثورة وبالحب والتقدير والوفاء ا لذي أكدته الدماء الزكية التي رويت بها تربة اليمن عن شهدائكم الأبطال طوال ثلاثة أعوام لقد كانت كل نسمة من نسمات البرد وكل لذعة من حر الشمس وكل وخزه من عود أو حجر أصاب أولئك النبلاء الذين وقفوا على قمم الجبال وفي الطرقات يحرسون ثورتنا ويدافعون عنا كل ما حدث من ذلك كان يدخل إلى قلبنا حباً ووفاءً وتقديراً واعترافا بالجميل وعظيم التضحية التي تعتبر فوق مجهود البشر وأول عمل من نوعها في تاريخ الإنسان كما نعتقدها نحن بهذا الشعور والإحساس نمد إليكم يدنا إن صفحة الأعوام الماضية فقد نقلتها إلى الجانب المتروك اتفاقية جدة وكما أن الاتفافية وضعت حداً فاصلاً بين ماضي اليمن ومستقبلها فإنها كذلك تدل بوضوح إلى أن علاقتكم باليمن في المستقبل القريب و البعيد ستختلف عن علاقتكم بها في الماضي القريب والبعيد.
    وكما كنا صرحاء معكم في الماضي سنصر على أن نظل صرحاء معكم في المستقبل و الحاضر حتى نضطركم إلى فهمنا على حقيقتنا ونحن من هذه اللحظة نبدأ علاقة الحاضر والمستقبل بهذه الرسالة ونرجو أن يختلف فهمكم لنا عما كنتم تفهموننا عليه في الماضي وكما كنا بحاجة إليكم قبل الثورة و بعد الثورة نحن بحاجة إليكم في المستقبل ونرجو أن لا تعتقدوا أن الذي يدعونا إلى إبقاء علاقتنا وارتباطنا بكم هو مجرد الاحتياج إليكم لأن هذا الاعتقاد ظلم لنا وإنما الذي يدعونا الآن إلى إبقاء علاقتنا وارتباطاتنا معكم هو وفاؤنا وتقديرنا العظيم لتضحياتكم ، وعلى هذين الأساسين الصراحة الأمينة المخلصة والرغبة الأكيدة تقديراً لتضحياتكم ووفاء لها ولضمائرنا نحو كم على هذين الأساسين نحب أن نتحدث معكم عن ما يهمنا معا حاليا ومستقبلا الآن أحب أن أعود بكم إلى إتفاقية جدة لكي نقرر ما ينبغي أن نعمله مشتركين ونحدد معا ما هو من اختصاص أحدنا ونتفق معا على الصفحات التي نواجه بها المستقبل وتكون أساسا لعلاقتنا الأبدية..
    1- من ناحية ألغت الإتفاقية النظام الجمهوري من حياة اليمن وأبقت بينه وبين الشعب أمداً ضئيلا في المستقبل لن نصل إليه إلا بجهود عظيمة ربما كانت أمر علينا من الجهود العسكرية التي بذلت في الماضي.
    2- ومن ناحية كانت هذه الإتفاقية هي التي طلبتها السعودية من قبل ورغم أن الموافقة عليها جاءت بعد تضحيات كبيرة ورغم ذلك فلو قبلناها في بداية الثورة كان الاستفتاء على النظام الجمهوري والملكي سينتج بانتصار الجمهورية حتما ولكن في الظروف الحاضرة وبعد ما حدث من سوء التصرف والإساءة إلى المواطنين من المتولين للسلطة أصبح أكثر المواطنين ينظرون إلى الجمهورية على أنها السلال والسلال أسواء في نظر الشعب من بيت حميد الدين.
    3- وكان النظام الملكي قد إنمحى من ذاكرة الشعب وأصبح عودة إلى حياة اليمن بعيداً في أذهان بعض المواطنين ومستحيلاً لدى آخرين وإذا الإتقاقية تخلق له أملاً وبقدر ما يوجد الزمل سيتحرك الأنصار ولا بد أن يدب الذهب دبيب النمل.
    هذه هي الاتفاقية مع ملاحظاتنا عليها وفهمنا لها و مع أنه كان من المفروض أن يوضع الشعب اليمني في حساب الطرفين الموقعين على الاتفاقية ويؤخذ رأيه فيها قبل توزيعها بأنه أهمل وكأنه غير مسؤول عن قضية هو أمس الناس وأولاهم بمعالجتها ولكن لم يحدث هذا الإهمال أي أثر في نفوسنا لأنا من البداية ولثقتنا المطلقة بالرئيس عبد الناصر و زعماء العربية المتحد آثرنا البقاء إلى جانبكم وأندفعنا معكم في سياسة المهاجمة والمقاطعة وتوقفنا حيث أردتم لنا وحاربنا حيث أردتم لنا ورفضنا لرغبتكم قبول أي وساطة بيننا وبين السعودية لقد ربطنا مصيرنا بكم وكل ما اختلفنا عليه في الماضي معكم هو أننا كنا ننظر إلى أن تصرف بعض المسؤولين اليمنيين كان يمد الأعداء بالحياة وكانت الحرب نفسها تستمد وجودها ودوامها من وجودهم وتصرفاتهم تمسكاً بهم ودفاعاً عنهم وبقدر ما كانوا سبباً يساعد الأعداء على كسب أنصار جدد كل يوم كانوا كذلك سبباً لما ظهر في جميع الأوساط الجمهورية من تذمر أدى أخر الأمر إلى أن يكون تذمراً منكم بصفتكم القوة التي تحمي هذا الفساد وبدأت الأفكار في كل طبقة من الشعب تبحث عن وسيله ولم تأت دعوتنا إلى المؤتمرات إلا حرصاً على الحفاظ على الوحدة و إبقاء جميع العقول محصورة داخل الوطن تبحث عن حل من الداخل وتشعر بوجودها وقدرتها على أنها تستطيع أن تقرر مصيرها دون أن تعود إلى الماضي ويدفعها اليأس هرباً من مرارة الحاضر إلى أحضان بيت حميد الدين ،وكأن عدم فهمكم لنا هو الحائل الوحيد بين الشعب وبين تحقيق النصر المنشود ولذلك تطورت أمور إلى ما أصبحت عليه ، وإذا كنا في الماضي ننتظر ونأمل ونسعى إلى أن تنتهي القضية بنصر حاسم للنظام الجمهورى وهزيمة حاسمة للأسرة المطرودة ومن وراءها فإن ما حدث اليوم لم يكن بالحسبان قبل عدد من الشهور وحفاظاً على الوفاء لكم والوقوف معكم ولثقتنا العظيمة بالرئيس جمال عبد الناصر وزعماء الجمهورية العربية المتحدة كنا نقدر أنهم لا يمكن أن يضيعوا تضحيات الشعب المصري والشعب اليمني خلال ثلاثة أعوام ويتركوا مائة ألف من الزعماء والضباط الكبار والشهداء من الشعبين تذهب دون أن يحصل الشعب اليمني على آماله من الثورة وتعود الملكية إلى أرض اليمن لتحكم ويصبح في هذه البقعة من العالم أعداء له ولكم إلى الأبد ويدخل وراءها إلى الأرض التي أمتلات بشهدائكم وسقيت بدمائكم يدخل وراءها ومعها جل الأعداء الذين حاربوكم على أرض مصر وحاربوكم على أرض اليمن وسمائها وموانيها يتآمرون عليكم و يضايقونكم بكل الإمكانيات التي رصدوها لمحاربتكم داخل اليمن.
    هذا ما أحب أن يكون في علمكم ولا يمكن أن ننسى تضحياتكم ولكم في كل حين صادق وأطيب تحياتي.
    أخوكم / عبد الله بن حسين الأحمر
    وتسارعت الأحداث وتحول العمري من متعصب داعم للسلال إلى مصير لرجال خمر في التقاء تام معهم في كل مطالبهم وكاد الصدام بينه وبين السلال أن يتم لو لا حيلولة القوات المصرية ينهما ثم ارتحل العمري والإيرياني والنعمان وإبراهيم الحمدي في مجموعة كبرى بلغت ستة وستين عضواً من عسكريين ومدنيين أدخلوا السجن الحربي في القاهرة وصفا الجو للسلال و شكل حكومة برئاسته كان هو كل شيء فيها وعمد إلى إقامة تنظيم شعبي باسم الإتحاد الشعبي الثوري كان رئيسه السلال وأمينه العام يحيى بهران في اتجاه يساري صريح مما حفر الشائخ ورجال خمر إلى عقد مؤتمر في نهم أسموه مؤتمر سبأ ورغم يساريه الأستاذ سعيد الجناحي إلا أنه لم يستطع كتم أو تشويه ما جرى في كل تعليقاته وتلمحاته ، يقول الجناحي عن مؤتمر سبأ في كتابه ( الحركة الوطنية ص 335 )
    ( دعا المؤتمر القوى والهيئات الوطنية في الجنوب إلى توحيد الكلمة والصف أمام المخاطر و قدم الشيخ عبد الله الأحمر نيابة عن المؤتمر خمسة مطالب إلى القيادة العربية بهدف إفساح المجال أمام توحيد الصف الوطني وفق قرارات المؤتمر هي :
    1- تغيير الوزارة الحالية التي يرأسها المشير عبد الله السلال رئيس الجمهورية حينذاك - وإشراك العناصر الوطنية المعارضة في وزارة جديدة.
    2- سرعة إطلاق سراح الزعماء المعتقلين في القاهرة وإعادتهم إلى اليمن .
    3- السماح بعودة المنفيين الذين تأثروا بأحداث أغسطس سنة 1966م وإعادتهم إلى أعمالهم وصرف مرتباتهم.
    4- إطلاق سراح السجناء السياسيين الموجودين في سجون صنعاء وتعز والحديدة الذين اعتقلوا بعد أحداث أغسطس سنة 1966م.
    5- استمرار المساعدات العسكرية التي تقدمها القيادة العربية للقوات اليمنية المرابطة في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية ) .

    (2) مع الرئيس الإرياني:

    هو القاضي الرئيس عبد الرحمن بن يحيى الإرياني - المولود بهجرة إريان في الهضبة الوسطى ذات المناظر الآسرة والطبيعة السخية التي قالوا عنها لجمال موقعها إنها كشك اليمن وهي من أرص يحصب الجميرية ذات الآثار التاريخية الباقية التي أكثر أعشى بكر من التغني بها والثناء على مجد و كرم أصحابها وكان مولده غرة جمادى الأخرى سنة 1328 هـ في أسرة مشهورة بالعلم والأدب ، و قد استوعب علوم قطرة وثقافة عصره مبكراً وله حظ في الشعر والخطابة ، وهو قوي الفكر عميق النظر حتى إنك لتقرأ شعره فتحس بضخامة الفكر بارزاً في الصدور والأعجاز، أكثر ما يكون شعره حرارة وجزالة حين يتحدث مندداً بسياسة الإمام يحيى وبنيه خاصة الحسن منهم لوقوع أسرة الإرياني و مخلافهم تحت إدارته الشديدة ، وقالوا إنه حين بلغ الحسن بن الإمام
    يحيى أيلولة الرئاسة إلى القاضي عبد الرحمن بعد السلال قال: ( اليوم يئست من عودتنا إلى صنعاء ويكفيك شهادة بتمكنه العلمي أنه تولى الحاكمية بأمر الإمام يحيى وهو في السابعة والعشرين من عمره ، وقد تعرض للسجن و الإعدام مراراً وشارك في ثورات اليمن الثلاث بل كان بمنزلة الموجه والمستشار الذي يرجع إليه الجميع وقد مر بنا في الوقفات السابقة شيء من خبره فيما قبل الخامس من نوفمبر سنة 1967م و سنشير بإيجاز هنا إلى أهم متطلبات المرحلة التي قادها والأحداث التي تفجرت فيها والنتائج التي توصل إليها فأما المتطلبات فتتمثل في :
    إنهاء الحرب ، تحقيق المصالحة الداخلية ، تحسين العلاقة مع الجيران ، تكوين جيش قوي تحقيق إصلاح إداري ، وجود مؤسسة تشريعية ، وضع دستور دائم ، إقامة مشاريع خدمية وتنموية وأما أبرز أحداث تلك المرحلة فهي : قيام 5 نوفمبر وعن أهمية 5 نوفمبر سنة 1967م في السياق العام لتاريخ اليمن يوضح الشيخ في نصه التالي:
    ( حصلت نكسه حزيران سنة 1967م والمصريون في اليمن مسيطرين على النظام والدولة و ما السلال إلا أداة ينفذون باسمه ما يريدون فالسجون في صنعاء لا زالت مملوئة بالمعتقلين و أعضاء الحكومة اليمنية والزعماء الجمهوريين معتقلون في مصر ونحن ومن لدينا كما نحن في خمر والإرهاب يمارس بأبشع صورة في المناطق التي يسيطرون عليها و كان وقوع تلك الهزيمة العربية نقطة تحول بالنسبة للمصريين مع اليمن فقد تحركت بعد ذلك مباشرة من خمر مع من لدينا من ضباط الثورة والمثقفين والشباب يرافقنا قرابة خمسة ألف مقاتل من رجال حاشد الجمهوريين في طريقنا إلى صنعاء و أبرقنا للقيادة المصرية أننا قادمون لإعلان تأييدنا واستعدادنا للوقوف مع مصر في تلك المحنة كما بعثنا برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر طالبين فيها السماح لنا بالتوجه إلى مصر مع عشرة ألف مقاتل دفاعاً عن مصر و رداً للجميل.
    وقد وصلنا مع الجموع إلى القيادة و استقبلنا قائد القوات المصرية وضباط القيادة وقد تبودلت الكلمات من الجانبين حيث عبر قائد القوات المصرية عن ترحيبه الحار بنا ومن جانبنا عبرنا عن انزعاجنا لما حصل واستعدادنا للدفاع عن مصر.
    أما السلال فقد كان له موقف مغاير حيث ظهر قلقه وخوفه من دخولنا صنعاء وطلب من القائد المصري الوصول إليه لتطمينه وقد ذهبنا إلى السلال وسلمنا عليه وخرج إلى ساحة منزله و ألقى كلمة في الجموع ومن جانبنا ألقينا كلمة أكدنا فيها على ضرورة تماسك الجميع للدفاع عن الجمهورية ثم انصرفنا .
    و في نفس يوم وصولنا أبلغنا القائد المصري أنهم قد قرروا سحب وحداتهم العسكرية من حجه وطلبوا منا استلام مدينة حجه و مواقعها وتوفير الحماية لانسحابهم منها فكلفنا القائد البطل العميد مجاهد أبو شوارب بالتوجه إلى حجه مع خمسمائة مقاتل من رجال حاشد وقد أستلم المواقع في حجه ورتب خروج المصريين سالمين عن طريق جبل مسور مشياً على الأقدام ورافقهم مع مجموعة من رجاله حتى أوصلهم إلى ثلاء لأن الطريق إلى الحديدة كانت قد قطعت من المتمردين الذين سبق لهم أن تقطعوا لأول دفعه من الجيش المصري المنسحب من حجه إلى الحديدة قبل عدة أيام وحصل بهم ما حصل من القتل والسلب والنهب.
    وفي الأيام القليلة التي بقينا في صنعاء وجهنا دعوات للمشائخ الجمهوريين في الحدا وخولان ومراد و قيفه وأرحب ونهم وبني مطر وغيرها و عقدنا مع الجميع مؤتمراً في مدينة معبر تضامنا فيه على الدفاع على الثورة و الجمهورية والتعاون مع القوات المصرية وفور عودتنا من معبر إلى صنعاء خرجنا إلى خمر وما إليها من المناطق لتثبيت الدفاعات عن الثورة والاستعداد لمواجهة الهجمات المتوقعة و التي حصلت بالفعل بقيادة أمراء بيت حميد الدين ومن معهم من قادات الحرب ، ولما ضمنا حماية مناطق حاشد عدنا إلى العاصمة في سبتمبر سنة 1967م لحضور احتفالات العيد والمساهمة في القيام بالواجب الذي ينبغي القيام به لحماية الثورة والجمهورية.
    و بعد عيد سبتمبر و صلت إلى صنعاء لجنة السلام العربية الثلاثية المنبثقة عن مؤتمر الخرطوم والمكلفة من الجامعة العربية والمكونة من رئيس وزراء السودان محمد محجوب وعضوية كل من وزراء خارجية العراق و المغرب يصحبهم الفريق أول محمد فوزي – رئيس الأركان المصري وقد حصل ما حصل من المظاهرات التي نظمتها العناصر اليسارية ونجم عنها صدام دموي قتل فيه عدد من الضباط والجنود المصريين و من الطلاب المتظاهرين.
    وتأزم الموقف بين السلال و المصريين إثر تلك الحوادث مما اضطرنا إلى مناشدة الرئيس جمال عبد الناصر بالإفراج عن الزعماء الجمهوريين الموجودين في مصر وعودتهم للمساهمة في الدفاع عن الثورة لاسيما بعد أن قررت الحكومة المصرية الانسحاب من اليمن.
    وفعلاً تم الإفراج عنهم والسماح لهم بالعودة وقد استقبلناهم وأستقبلهم الشعب بالحفاوة والبشرى.
    على إثر تلك الأحداث سافر السلال إلى العراق في زيارة رسمية وعلى الفور قرر قادة اليمن من عسكريين ومدنيين القيام بحركة الخامس من نوفمبر التصحيحية لإن السلال لم يعد قادراً على تحمل المسئولية لاسيما وقد أصبحت الهوة بينه و بين الزعماء الجمهوريين عميقة بحيث لا يمكن معها استمرار التعاون للدفاع عن الثورة و الجمهورية.
    و لولا قيام تلك الحركة التصحيحية لما كتب البقاء للثورة والجمهورية حيث تولى القاضي عبد الرحمن الإرياني- رئاسة المجلس الجمهوري وبقياد ته ألتحم الصف الجمهوري الذي دافع عن الثورة و الجمهورية بعد انسحاب القوات المصرية وحافظ عليها أثناء حرب السبعين وقبله وبعده حتى انتهاء الحرب سنة 1969م وفي عهده تم تشكيل المجلس الوطني في أوائل سنة1969 م الذي رأسناه و كان من منجزاته إصدار الدستور الدائم وأستمر ذلك المجلس حتى انتخاب أول مجلس شورى سنة1971م و كان مجلس الشورى مكوناً من 151 عضواً يمثلون كل مناطق الجمهورية العربية اليمنية وشرفت أيضاً برئاسته) أ. هـ .
    وبذلك تم إنهاء حكم السلال ، وتوالت الأحداث من مثل كسب بعض القبائل المغرر بها - كسر حصار صنعاء من
    28 / نوفمبر/1967م إلى 8 / نوفمبر/1968م ، ظهور المقاومة الشعبية ، صدام مارس في الحديدة 1968م - أحداث أغسطس صنعاء 1968م ، وقد مر بنا خبرها ، تسريح مجاميع من الضباط ، تشكيل مجاميع العاصفة والاحتياط ، تشكيل المجلس الوطني 1969م ، أول وفد وزاري جنوبي يصل تعز سنة 1970م ، مجلس الشورى إبريل 1971م - اعتراف السعودية إبريل سنة1970م ، خروج الشامي والعمري من السلطة سنة 1971م ، مقتل الغادر وزملائه سنة 1972م ، مؤتمر حزيز مارس سنة 1972م ، وقد حضره الشيخ مع الكثير من رؤساء القبائل احتجاجا على مقتل الغادر وأصحابه وتضامنا مع خولان ، و عن ذلك يقول الشيخ :
    ( لقد كان موقفنا من حادثة نجد مرقد الشنيعة هو الموقف الذي تمليه علينا مسؤليتنا وعقيدتنا وقيمنا وأخلاقنا وكان ذلك موقف كل مسؤلي الدولة إزاء تلك الطريقة الإجرامية التي أستدرج بها الشيخ الغادر و مجموعة من المشائخ على أيدي الحزب الماركسي وقتلوهم وهم ضيوف مستغلين خلاف الغادر مع النظام في صنعاء وأيضا خلافه مع المملكة بسبب اعترافها بالجمهورية ) .
    و مؤتمر تعز يونيو سنة 1972م / مؤتمر الحصبة يوليو1972 م / مقررات إجتماع صنعاء يوليو 1973م والحرب بين اليمنيين و المفاوضات الوحدوية سنة 1972م - 1973م وزارة الحجري 29 / إبريل 1973م وأستقالته ديسمبر / سنة 1973م وزارة مكي مارس / سنة 1974 م .
    أما إنجازاته : فالخروج بالبلاد من نفق حرب الثماني سنوات وتحقيق إنتصار الجمهورية باندحار الحصار والعمل على إيجاد قوة مسلحة وأمن وإيجاد مؤسسة تشريعية بدء بالمجلس الوطني ووضع دستور دائم ثم إصدار قانون الإنتخابات وإجرائها وقيام مجلس الشورى و تحقيق المصالحة الداخلية خاصة مع القبائل المغرر بها وتطبيع العلاقة مع السعودية وإنشاء جامعة صنعاء وإحتواء الحرب بين الشطرين وتحويلها إلى محادثات و حدوية - وإيجاد بدايات في المجالين الخدمي والتنموي وعن تطبيع العلاقة اليمنية السعودية يفصل الشيخ في نصه التالي :
    ( كان المدخل الأول إلى المصالحة مع المملكة العربية السعودية والقوى الملكية المدعومة منها حينما مررت من بيروت أواخر سنة1969م في طريقي إلى العراق في زيارة رسمية على رأس وفد من المجلس الوطني فلقد ألتقيت في بيروت بعدد من كبار الشخصيات اليمنية من الجمهوريين والملكيين المتواجدين فيها أذكر منهم الأستاذ أحمد محمد نعمان وأحمد محمد الشامي وتحدثوا معي حول ضرورة المصالحة مع المملكة وأنهم لا يستطيعون طرح هذا الأمر على القيادة اليمنية ورتبوا لقاء بيني وبين العقيد علي الشاعر- الملحق العسكري السعودي في بيروت آنذاك والتقيت به واتفقنا على أن يبلغ هو الأمير سلطان بن عبد العزيز بالموضوع وفعلاً تم ذلك وبارك الأمير سلطان الفكرة وتحدد موعد للقاء يضم الجانبين الممثلين للجمهوريين و الملكيين خلال شهرين كما أتفق على إيقاف الحرب في المناطق التي كانت مسرحاً للقتال و عدت إلى اليمن وأبلغت القيادة السياسية بالأمر ووافق الجميع على المضي في هذا الطريق.
    وحيث أن الإرادة الإلهية قد قضت بخروج اليمن من محنته هياء الله أسباب اللقاء في أقل من شهرين تحت مظلة إسلامية إلا وهي انعقاد المؤتمر الإسلامي لوزراء خارجية الدول الإسلامية في جده.
    فبلغنا الجانب السعودي أن الجمهورية العربية اليمنية ستشارك في المؤتمر بوفد رسمي برئاسة الأستاذ محسن العيني رئيس الوزراء ووزير الخارجية وعضوية الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس المجلس الوطني فرحبوا بذلك و فعلاً حضرنا المؤتمر واستقبلونا إستقبالاً رسمياً ورفع العلم الجمهوري على سيارة رئيس الوفد وعوملنا تماماً مثل ما عوملت الدول الأخرى المشاركة ، وكانت ترتيبات بيروت المشار إليها هي أول إتصال بيني وبين الحكام في المملكة حيث لم أكن قد تعرفت على أحد منهم بل كنت من المواجهين للملكيين المدعومين من المملكة العربية السعودية في مختلف الجبهات .
    وفي جده وتحت المظلة الإسلامية تمت المحادثة بيننا وبين المسئولين في المملكة حول الإعتراف بالجمهورية وفتحت الإتصالات بيننا وبينهم بواسطة أجهزة اتصالات خاصة وتحددت المواعيد وأتفقنا على مشاركة بعض زعماء الجانب الملكي في السلطة بمختلف مؤسساتها وأستثني من تلك المشاركة بيت حميد الدين .
    كما أتفقنا على المناصب التي سيتولونها وعلى أن لا يتم الإعلان عن المناصب التي سيتولونها إلا يوم وصولهم اليمن وحينما ، وصلوا أعلنت المناصب المتفق عليها بالأسماء ، وبعد يومين من ذلك تم سفر وفد رسمي وشعبي كبير من اليمن إلى جده برئاسة الفريق حسن العمري- عضو المجلس الجمهوري والقائد العام للقوات المسلحة وعضوية السيد أحمد الشامي- عضو المجلس الجمهوري الجديد، ورئيس المجلس الوطني الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ورئيس الوزراء محسن العيني وعدد من الوزراء والضباط والمشايخ والعلماء والتجار، ويوم وصولنا جده أعلنت المملكة العربية السعودية إعترفها بالجمهورية العربية اليمنية.)
    ولكن القاضي أخفق في ما أخفق فيه السابقون له عبر القرون واللاحقون به حتى اليوم وذلك في عدم تمكنة من توحيد البيئة الثقافية للشعب وهذا هو المطلب الأساسي لتحقيق نهضة حقيقية شاملة وعادلة وفاضلة وكان في استمرار حزب الله لو دعموه ما ينهض بهذا والعجز عن إصلاح إداري و العجز عن تحسين أوضاع البلاد وله أعذاره التي يلحظها الدارس المنصف لصعوبة أوضاع اليمن الداخلية وتباين القوى المجاورة والبعيدة المؤثرة على الأوضاع.
    ويكفيك أن تعرف الأرقام التالية حتى تستبين شيئاً عن ملامح صعوبات تلك المرحلة منذ يونيو/ 1967م وحتى يوليو/ 1968م كان دخل الدولة يساوي ثلاثين مليون ريال وأن الصرفيات قدرت بواحد وسبعين مليون ريال خمسة وعشرون مليون منها نفقات عسكرية وأمنية وحين نقول له أعذاره فإننا لا نعيقه من كل ما حدث فالعصمة والكمال لله ، ويبدو أن أخلاده إلى صلاحيات منصب الرئاسة الواسعة والذي لم لبث فيه طويلاً كان مسئولاً عما شاب تصرفاته أحياناً من عوج والمعروف عنه أنه كان معجباً بشخصية السيدة بنت أحمد التي حكمت اليمن في سن الثمانين و أستطاعت رغم شيخوختها أن تطوح بالمناوئين وكذلك كان يفعل قاضينا الوقور مع رؤوساء الوزارات التي بلغت عشراً في سبع سنوات ومع زملائه في المجلس الجمهوري أضف إليه تأثيرات الأبناء والأحفاد من ذوي الميول المتعاطفة مع الماركسيين، وفي القرآن ( إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فأحذروهم ).
    أضف إليه أوزاع المندسين من أعداء تاريخ الأمة وتراثها والمتلفـّعين بالوطنية الذي ضحكوا من قبله على جمال كما ضحكوا من بعده على الحمدي.
    ونحن هنا في حديثنا عن القاضي الرئيس نكتفي بالإشارة إلى أن موضوع دراستنا هذا هو الشيخ عبد الله ولا تزال مجريات تعامله مع الرئاسة الإريانية غير مكتملة التسجيل وإنما هي معلومات موزعة وبعضها متوار وطالما أثار أعداء الحقيقة والأمة الغبار للتضليل والتشويه، ولكن المنقب الصبور لابد وأن يتوصل إلى معرفة الوقائع على حقيقتها في بطون المصادر لا الموالية فقط وإنما أيضاً التي يعد أصحابها من الخط الرأفض للشيخ عبد الله لأنه في نظرهم زعيم الإقطاع اليمني، فهاهي الباحثة الروسية ( جولوفكايا ) في كتابها ( التطور السياسي للجمهورية العربية اليمنية ) ( 1962 – 1985م ) ترجمة الأستاذ محمد علي عبد الله البحر ولعل المترجم كان مستعجلاً ولم يتحر في ترجمته القواعد الإعرابية في كثير من النصوص، هاهي تحدثنا عن موقف الشيخ عبد الله في الأيام القلائل بعد قيام حركة 5 نوفمبر وجهوده في أوساط القبائل المضللة بالدعايات الملكية ص 118:
    ( وهكذا تمكن الشيخ عبد الله الأحمر في مطلع مارس من إقناع مشائخ قبائل بني الحارث وأرحب وهمدان بالتوجه إلى صنعاء للتعبير عن ولائهم للجمهورية ) .
    وقد مر بنا في حديثنا عن حصار السبعين وفي سنوات الدفاع عن الجمهورية مواقف الشيخ وقبائل اليمن عامة، ونضيف إليها هنا شهادة المصدر السابق بإستمرار نضالهم إلى منتهى العقد الستيني ص 139:
    ( وفي النصف الثاني من عام 1969م ونتيجة للنجاحات الحربية التي حققها الجيش الجمهوري طهرت كل أراضي الجمهورية العربية اليمنية تقريباً من الملكيين وفي مطلع سبتمبر سنة 1969م تمكن الجيش والفرق القبلية من تحرير صعده والتي كانت واقعة في أيدي العدو منذ نوفمبر سنة 1967م و إبان تقدم القوات الجمهورية نحو الحدود السعودية تمكن من تحرير عدد من القرى و المراكز السكانية الكبيرة ولم يعد هناك سوى فرق صغيره للملكيين في المناطق الحدودية الجبلية ) أ. هـ.
    وضمن جهود العلماء والمشايخ وعقلاء الشعب كان التركيز على وجود مجلس شورى منتخب ووضع دستور دائم للبلاد وكان من اجتماعاتهم ذلك الذي كان في مارس سنة 1970م ووقع فيه الحضور على وثيقة بإسم الأساس العظيم للجمهورية والشورى أعطي الشيخ أحمد علي المطري صورة منه للباحثة الروسية السالفة، وقد نوهت به على طريقتها المعادية للتراثيين من علماء ومشايخ ص 144:
    ( وعلى الرغم من الخبرة المكتسبة المتصلة بتشكيل الجهاز التشريعي المؤقت للبلاد- المجلس الوطني- وتأديته لمهامه وصلاحياته، غير أن البلاد أصبحت تقف على أبواب إعداد الدستور الدائم والتحضير للإنتخابات التشريعية في مجلس الشورى، وبهدف التوصل إلى وجهة نظر موحدة حول نظام الدولة وتحديد دور ومهام الجهاز التشريعي الأعلى- مجلس الشورى – انعقد في مارس سنة 1970م مؤتمر العلماء بمشاركة وجهاء وأعيان الأقطاع القبلي والقضاة ، وفي هذا المؤتمر جرى وضع وثيقة أخرى تسمى ( الأساس العظيم للحفاظ على الجمهورية والشورى وأتخذ أصحاب هذه الوثيقة محاولة جديدة استهدفت ربط أرائهم وتصوراتهم عن الجمهورية بمبادئ الإسلام ، وجاء في مقدمة الوثيقة التأكيد على أن السير وفقاً لنهج القرآن يعتبر شرطاً ملزماً وواجباً للحفاظ على الجمهورية ومبدأ الشورى ، كما أن رفض تعاليم القرآن سيؤدي حتماً إلى ظهور نوعين من أنظمة الحكم ، الوراثي و الإغتصابي، و يظهر النوع الأول عندما تنتقل السلطة العليا بالوراثة ويسود الثاني عندما يستولي شخص أو مجموعة أشخاص على السلطة عن طريق القوة وتصف الوثيقه نظام الحكم المغتصب بأن السلطة فيه تسود ليس بالإقتناع واليقين وإنما باستخدام قوة السلاح والتنكيل القاسي بالمعارضين وبتأثير وسائل الحكم تلك تتدهور العلوم والثقافة، أما الشعب فيحيا حياة العبيد المتعطشين لشخص قوي ينقذهم من العبودية ، ولكن يطول انتظارهم لمثل هذا الشخص والتي سرعان ما تصبح هي نفسها أشد ظلماً وقسوة وفي ظل نظام الحكم المغتصب تتفتح الأمكانيات الواسعة أمام الدول الأجنبية ، وبمساعدة صنائعها تتمكن تلك الدول من بسط سيطرتها على الشعب ، ونتيجة لذلك تعاني البلاد من إنعدام الإستقرار السياسي والذي بدوره يعيق إنطلاقها وانبعاثها وتقدمها ، ويؤثر نظام الحكم المغتصب على وضع الجيش إذا يتوزع الجيش إلى مجموعات متنافسة وتسعى كل مجموعة إلى الإرتقاء والترفع على حساب القضاء على المجموعات الاخرى ويمكن أن يؤدي هذا التعارض والتنافس بين الفرق العسكرية والمعتمدة على قوة السلاح يمكن أن يؤدي إلى تغيير السلطة ولا يمكن له القضاء على القلق وعدم الإستقرار في البلاد، ويعتبر نظام الحكم المغتصب نظاماً قهرياً وتعسفياً ويحرم الشعب من حقه في قول وإبداء الرأي ويحرم الشعب من حقه في مراقبة حاكميه ويخلق الظروف المناسبة للحكم الإستبدادي المطلق، وتدين الشخصيات الموقعة على الأساس العظيم كلاً من نظام الحكم المغتصب ونظام الحكم الوراثي ويرون بأن الحكم الوحيد الملائم هو حكم الله لأن الله وحده هو القادر على تحقيق نهضة البلاد ، إن مجلس الشورى الممثل للشعب في مثل هذا النظام يعتبر وبحق ضماناً لديمومة الحكم بدون إراقة الدماء و الانقلابات ) أ. هـ.
    وفعلاً قام مجلس الشورى وتولى رئاسته الشيخ عبد الله بالإنتخاب الحر من أعضائه ووضح الدستور الدائم الذي ظل معمولاً به حتى أواخر الثمانينات ورغم إعزاز رئيس مجلس الشورى لشخصية القاضي الحجري الذي تولى رئاسة الوزراء من إبريل إلى ديسمبر/ 1973م فلقد كان يجاهر بأخطاء الواقع ويطلب من وزارته إصلاح الأوضاع نقلاً عن المصدر السابق ص 235:
    ( لقد كانت الأزمة السياسية في الجمهورية العربية اليمنية عميقة إلى الحد الذي كان فيه رئيس مجلس الشورى مجبراً على توجيه إتهام إلى حكومة الحجري بالرغم من الصداقة التي كانت تربط بينها وفي ديسمبر عام 1973م نشر برنامج العمل الوطني والإصلاح الإداري الموجه إلى قيادة الجمهورية وكل الشعب اليمني وجاء في البرنامج بأن الرشوة والمحسوبية والتفكك والترهل هي المسيطرة والسائدة في الجهاز الإداري ، ودفع المسؤولون بأصدقائهم وأقربائهم إلى أعلى درجات السلم الإداري غير مبالين بأن تصرفهم هذا يؤدي في نهاية المطاف إلى أعاقة التطور التاريخي للبلاد ويجب على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة إزاء خرق القوانين ) أ. هـ.
    وقد تصاعد الصراع بين رئيس المجلس الجمهوري ورئيس مجلس الشورى
    حول أكثر من قضية مما أدى إلى خروج الإرياني من صنعاء ومغادرة البلاد إلى سوريا مرة أخرى، ولقد لحق به في المرة الأولى كبار رجال اليمن ومنهم رئيس مجلس الشورى الشيخ عبد الله الأحمر و نائب القائد العام إبراهيم الحمدي مما أفاض في الحديث عنه الدكتور عبد الرحمن البيضاني في كتابه ] أزمة الأمة العربية وثورة اليمن[ وكان يوم 13/ يونيو 1974م هو اليوم الذي بلغ فيه الصراع ذروته و إلى الاستقالة الجماعية ، وقد أشارت جولوفكايا إلى ذلك في هامش كتابها السالف ( حول توتر العلاقات بين الإرياني و الأحمر تتحدث عدة مصادر وعلى وجه الخصوص جاء في الوثيقة الخاصة بإستقالة الإرياني والنعمان في 13 / يونيو / 1974م الرسالة الموجهة إلى الشيخ الأحمر بأنه أصبح معروفاً إتهامات الأحمر الموجهة إلى الأرياني وتهديد الأول بالاستيلاء على العاصمة وهذا ما أوردته الصحيفة الفرنسية ليمونددبلوماتيك و التي كتبت بأن الشيخ الأحمر طالب و بشكل حاد بإستقالة الإرياني و في حالة عدم الإستجابة هدد بتوجيه القبيلة نحو العاصمة ) أ.هـ.
    ويذكر القاضي إسماعيل الأكوع في كتابه ( هجر العلم و معاقله في اليمن ) ضمن ترجمته للشيخ عبد الله بن حسين في مادة ( حوث ) في ظل رئيس الدولة القاضي عبد الرحمن الإرياني كان لا بد أن تحدث أخطاء كثيرة في أعمال الدولة نتيجة التخلف المزمن فعزى أكثرها إلى رئيس الدولة وظهر شيء من التذمر في صفوف المشائخ وبعض الضباط من حكم القاضي عبد الرحمن وأخذ يستفحل التذمر و النقد في الجانب المعارض و كان على رأسه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر فنصحه بعض المخلصين الحريصين علي وحدة صفوف الجمهوريين كالأستاذ أحمد محمد نعمان الذي أرسل إليه رسالة أطلعني عليها الشيخ عبد الله يحذره من مغبة إستمراره لمعارضة القاضي عبد الرحمن الإرياني
    ولكن الشيخ عبد الله استمر في معارضته له وشدد هو ومن معه من المشائخ في الضغط عليه ليستقيل من رئاسة المجلس الجمهوري وأستقال وبعث باستقالته إلى الشيخ عبد الله الأحمر رئيس مجلس الشورى ).
    ويضيف في هامش نفس الصفحة : ( سألت الشيخ عبد الله عن سبب خلافه مع القاضي عبد الرحمن فقال: إنه يكن له كل تقدير ويحبه حباً جماً ولكنه أفسح المجال للقيادات البعثية والشيوعية لتتغلغل في البلاد تحت تأثير بعض أقاربه الذين لبعضهم ميول يسارية فأخذ هؤلاء في تنفيذ مخططاتهم الرهيبة بقتل بعض مشائخ البلاد وبعض الضباط ) أ. هـ .
    ونقدّم الآن إضاءات فريدة للوضع القلق بل والمتردي يومها من رسالة وجهها الأستاذ عبد الملك الطيب وهذا الرجل الصادق مع ربه وشعبه هو بقية مما ترك آل موسى فإنه من أبرز تلامذة أمين عام حزب الله المجاهد الشهيد الزبيري و الحافظ لتراثه كما قدمنا و المثابر مع زميله الشيخ الداعية عبد المجيد عزيز الزنداني على أداء رسالة حزب الله في الواقع اليمني وهي رسالة والحمد لله متواصلة حاملة الراية في التلال والجبال هادية للأجيال: ( ولو أن القاضي عبد الرحمن أتاح المجال لرجال حزب الله لكفوه الكثير من ويلات ما وقع وقد أصدرها الأستاذ عبد الملك كما يبدو من ثناياها في أشد أوقات حكم الإرياني حرجاً وذلك إبان صراعه مع المرحوم عبد الله الحجري رئيس مجلس وزرائه وزميله في المجلس الجمهوري أواخر سنة 1973م وأوائل سنة1974م بعد أن أشاع الإرياني إستقالته الأولى وذهب إلى اللاذقية في سوريا ثم لحق به من لحق وأعادوه إلى اليمن و كانت الفكرة السائدة يومها كما يشاء الإرياني هي تعديل الدستور وإلغاء المجلس الجمهوري وأنتخاب الإرياني رئيساً للجمهورية وهي ذات الفكرة التي نشهدها تطفو على السطح كلما أشتعل الواقع وتفجرت المشاكل المحتقرة إلى الحل الناجح و الدواء النافع للمواجع المزمنة التي تعانيها الساحة ونورد فقرات من تلك الرسالة الهامة والشاهدة على المرحلة وقادتها وهي بعنوان ( لا تخربوا بيوتكم ) نوردها كسراً للمهادنة السائدة يومها والصمت الهروبي من مواجهة حقائق المعاناة الشعبية والأمراض المزمنة التي تنتظر النطاسي الماهر والموفق لعلاجها ، ونوردها لا استفزازاً للذهنية المحلية وإنما تذكيراً بخطأ أسلوب ترحيل المشاكل ومحاولة تحنيطها بينما هي نار تستعر في القلوب بحثاً عن العدل والعدل الإسلامي هو الوحيد الذي يطفئها لقد كانت فترة إصدار تلك الرسالة من أشد سنوات اليمن الطبيعية معاناة و جحيمية ففي الجنوب كانت فضائع المسيرات الشعبية تنفيداً لقرارات التأميم والمصادرة الجائرة وما يصاحبها من جرائم إزهاق أرواح العلماء والعقلاء في البلد وهتك الأعراض وتبديد الثروات ، وفي الشمال كانت عمليات التخريب الشيطانية تحيل البلاد مجازر وحرائق لاتزال تعاني منها اليمن حتى اليوم ، و قد إبتدأ رسالته إلى القاضي الرئيس الإرياني هكذا : ص 3
    ( فخامة الرئيس هذه أراء وأفكار ومقترحات يمسك بعضها بعجز بعض في شكل مواضيع الهمني إياها فزعي من الواقع المؤلم وفزعي من النهاية قد أكون مبالغاً قد أكون متشائماً قد أكون مخطئاً في فهمي لبعض الأمور أو مخطئاً في هذا الأسلوب الذي أتبعته لا لفت إنتباهكم إلى هذا الواقع ولكن لم أكن مجانباً للحقيقه ولا يحمل قلبي وفكري وضميرى إلا الخير للوطن ولكم إن مصيري مرتبط بكم ومستقبلي مثل حاضري مرتبط بكم فأنا حيث عملت ما عملته إنما من باب النصيحة لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم .
    لقد ناضلنا جميعا بمثل عليا إستشعرناها من عقيدتنا ، وواقع بلادنا فهل تطاوعنا ضمائرنا اليوم أن نحل لأنفسنا ما حرمناه على من قبلنا وهل ستذهب عقولنا حتى نفقد التبصر ونقع في أخطاء من إستنكرنا أعمالهم وأخطائهم أو ننتظر كوارث ومحنا علينا وعلى بلادنا تحل بنا كما حلت على من مضى في ثورات متعاقبة.
    أريد لكم الوحدة فصارحتكم بحقيقة إنقساماتكم .
    أريد لكم النجاح فاستنكرت إختلافاتكم.
    أريد لكم التبصر والتصحيح فكشفت عن بعض سيئات الوقع ، وسكت عن محاسنه.
    إن العمل - أي عمل - إنما يكون دائماً من أجل الواقع و المستقبل الأفضل والذي يغرهم ما عملوا قليلاً أو كثيراً هم الذين يكتبون بأيديهم على أنفسهم الفشل ويجمدون على الواقع .
    مابين يديك هو إخلاص لله و الوطن وللزمرة التي كنت آمل وأنتظر أن تسعد بها اليمن فإن كان الله قد وفقني وكان ما عملته سيوقظ الأفئدة ويعين على التبصر ورؤية الطريق فذلك ما أردت وإلا فقد كانت راحة لضميرى وآمل أن لا تكون محسوبة علي ) أ. هـ.
    ثم يشير إلى تجاهل السلطة لمطالب المجلس والمؤتمرات الشعبية و القوات المسلحة ص7:
    (( وتلاشت تلك المطالب و النصائح والقرارات والحلول المقترحة سواء منها الفردية أو الجماعية مثل قرارات و توصيات المجلس الوطني و قرارات و توصيات مجلس الشورى في دورته الأولى أم قرارات وحلول ومطالب القوات المسلحة في عام 71م ما صدر من المؤتمرات والتجمعات الشعبية الصغيرة التي تعقد بينا آن و آخر هنا وهناك لتناقش سوء الأوضاع وإذا كان الأخوة والزملاء الذين بيدهم الآن قيادة البلاد من أعظم المجاهدين في سبيل الوطن بإنهم قد ساهموا سواء بإرادة أم بلا إرادة في هذا الواقع المؤلم ولن يعفوا من المسؤلية صحيح لقد كان لهم مواقف مشرفة عظمية ونضال عظيم وحققوا نجاحاً عظيماً في الماضي و لكن ذلك النجاح وتلك الخدمات لن تعفيكم من الواقع السيئ والنتيجة الخطيرة المحتملة اليوم أم غداً إذا لم تغيروا مواقفكم وأساليبكم أو تتغيروا )) أ. هـ.
    وفي النص التالي يعرض ما جرى من مناورة وأستقالة رئاسة المجلس الجمهوري تمريراً للاغراض الشخصية المتعلقة من و رائها ونوعية الوساطة الدائرة يومها ص 9 :
    (( قبل شهرين كان يدور همس واسع عن رغبة القاضي عبد الرحمن في الإستقالة و يدور همس أن القاضي عبد الرحمن متفق على أسلوب وخطة ما وغاية مع أشخاص و يعقب هذا الهمس وذاك سفر القاضي عبد الرحمن إلى تعز ثم إلى اللاذقية و من هناك أرسل الإستقالة ، والنقيب سنان يعلن عن إستقالته ويلحق بالرئيس و بعدهم تعقد الإجتماعات هنا و هناك ويتحرك المخلصون و المغرضون والإنتهازيون و المتقربون ويقررون السفر إلى الرئيس لإقناعه بالعدول ، رغم أن الإستقالة لم تعلن ولم تقبل ولم يسافروا على حساب أنفسهم كدليل للإخلاص للرئيس أو المصلحة العامة وإنما سافروا على طائرة الرئيس و أخذوا بدل سفر ووضعوا قرارات قد موها للرئيس في اللاذقية ، إستقالة القاضي عبد الرحمن غير مسببة ولم تطرح لمجلس الشورى فاللذين تبرعوا بهذه الإقترحات لابد أن يكونوا قد وضعوها على أحد أساسين أما نتيجة لعلم سابق عما يرغب فيه الرئيس وأما لإيجاد اختلاف وإنقسام وصراع لأنها حلول مناصبية بحتة ليس فيها دراسة للواقع و لا خطة أو منهج للحكم الجديد وبدون نظر إلى صوابها وخطئها فقد وأفقت هوى لدى القاضي عبد الرحمن وأصبحت وثيقة بيده يريد تحقيقها وخلاصة هذه الوثيقة هي ..
    1- أن يكون القاضي عبد الرحمن رئيساً للجمهورية ويلغى المجلس الجمهوري.
    2- ويقتضى هذا تعديل الدستور.
    3- وتصحيح التجربة الديمقراطية بالنسبة لمجلس الشورى.
    وقد أختلف واضعوا الوثيقة أنفسهم على تفسير هذه العبارة التي فهمها البعض أنها حل المجلسين وفهمها آخرون أنها تصفية المجلس وكيفما كان الهدف الحل أو التصفية فإنها ضد مجلس الشورى و بناء على ذلك طلب القاضي عبد الرحمن الإرياني والواقفون بجانبه في مقدمتهم النقيب سنان أبو لحوم تعديل الدستور وتنصب القاضي عبد الرحمن رئيساً للجمهورية ومجلس الشورى رفض التعديل ، فهدد القاضي عبد الرحمن بحل المجلس و طلب من رئيس المجلس الموافقة على الحل فرفض الشيخ عبد الله بن حسين الموافقة فطلب منه الرئيس أن يستقيل فرفض قائلاً للرئيس لا أستقيل ولا أوافق على حل المجلس فإذا لك صلاحيات دستورية فاعمل بها وافترقا متغاضبين ودخلت الوساطات لتأجيل الموضوع وأهم الوسطاء هم أهم العوامل في إثارة هذا الموضوع ، النقيب سنان أبو لحوم - وتأجل الموضوع إلى 15 أكتوبر ثم أعقبه تأجيل آخر بعد عيد الفطر ) أ. هـ .
    ثم تضيء الفقرات التالية الأغراض المستترة و راء تحويل المجلس الجمهوري بتشكيلته الجماعية إلى سلطة فردية متمثلة في منصب رئاسة الجمهورية ص 12:
    ( رئاسة جمهورية لكي نحول دون نجاح عضو معارض في المجلس الجمهوري لكي نسقط الحكومة ونضع بديلا لها ولا نغضب أحد لكي نحل مجلس الشورى أو نخرج منه المنتقدين لسياستنا لكي نجدد العهد بالرئاسة فقد بلي عهد المجلس الجمهوري.
    لكي يعود أحمد نعمان ومحمد نعمان فنسلم إثارتهما للطائفية ونشرهما لكتاب يهددان بنشره كما قيل..
    لكي يعود محسن العيني فنكسب الحزبيين ونعطي سنان نفوذاً أوسع في الدول كسبا لإخوته في القوات المسلحة.
    لكي.. لكي.. لكي.
    و هذه نقاط تتعلق بالسياسة الخارجية يترتب على نشرها إضرار بالمصلحة العامة ، لهذا أسكت عنها فأنتم تفهمونها ، ثم يناقش خطورة وعقم التركيز ضد مجلس الشورى ورئيسه الشيخ عبد الله و ما هي مبررات ذلك ص 15:
    (هل نقل عبد الله بن حسين الأحمر من رئيس لمجلس الشورى إلى نائب لرئيس الجمهورية ؟ وهل نقل أحمد نعمان من مستشار للمجلس الجمهوري إلى نائب لرئيس الجمهورية سيغير من الواقع شيئاً ؟ هل تنصيب القاضي
    عبد الرحمن رئيساً للجمهورية سيعطيه سلطة أكثر أم أنه الآن رئيس للجمهورية ورئيس للوزراء ووزير كل الوزارات؟.
    هل تجميد مجلس الشورى أو حله سيعطيكم فرصة جديدة ؟ هل منعكم من عمل ما ؟ هل في قدرتكم أن تتتكروا لكل نظالكم وجهادكم ومطالبكم في الحرية والحكم الشعبي الشوروي ؟ ألم تكونوا أنتم الذين اخترتم أو أثرتم في إختيار وإنتخاب أكثر أعضائه ؟ ألم يكونوا إما من الملتصقين بكم دائماً أو من أنصاركم حتى إذا ناقشوا الخطاء ومسكم ذلك النقاش تعمدون إلى محو التجربة وتشويهها وهم الذين انتخبوكم وفضلوكم على الناس أجمعين؟ )أ. هـ.
    والأستاذ عبد الملك يكن إحتراماً كبيراً للقاضي عبد الرحمن ويعده بمكانة أبية وهما معا من مخلاف واحد وقد جمعتهما أيام النضال قبل الثورة ضد الإمام وبعد الثورة في عهد السلال ولكنه يختلف معه لإصغاءه إلى أوزاغ الحزبية اللذي يحرصون على إرباك القيادة وتدمير القاعدة فيقول ص 23:
    (( ما بال معظمهم أنهم يصنعون الأصنام ثم يأكلون ، إنهم يصنعون من الحكام العادلين العقلاء حكاماً مستبدين ثم يقاومونهم إنكم تفتنون الصالحين في أنفسهم، كان عبد الرحمن الإرياني أبعد الناس عن أسلوب الحكم المستبد و نزعة الإنفراد بالسلطة، كان يخجل من أبهة الحكم ومظاهره والآن ماذا ؟ ووفودكم اليه داخله وخارجه تشد إليه الرحال فيه المنافق والدساس والغاش والمخرب وفي صغار وذلة ترددون : أنت كل شيىء لولاك ما أستقر النظام و لا بقيت الجمهورية ولا يمكن أن تصلح الأحوال إذا لم تمسك الأمور كلها بيدك، هكذا قيل للإمام وهكذا قيل للسلال ، لقد تراجعتم الآن وهو يلمس تراجعكم، تراجعتم لمجرد أنكم عرفتم أن لديه رغبة حقيقية في أن يكون رئيساً للجمهورية لقد تراجعتم ، وغداً ستقاومونه أنتم أنفسكم تستنكرون الآن رضاه و ميله إلى إقتراحكم وأنتم منذ اليوم تعدون سهامكم ضده إن هناك أماكن معينة ومحددة تضع المؤامرات وتنزل الإشاعات وتخطط وتنفذ للتمزق و التخريب والهدم ، و هم يستفيدون من الرغبات الشخصية لتنفيذ مآربهم وغاياتهم وهم اللذين أربكوا المسيرة ، وهم الذين أوجدوا الإختلاف الآن ليشغلوكم شعبا وقادة عن متابعة أعمال التخريب و المنظمين للتخريب والمخربين هم اللذين يمزقونكم ثم يصطادونكم واحداً واحدا ، لقد بدأوا بحسن العمري و ركزوا عليه وهو القائد الذي لا ينكر في أحلك الظروف ، ثم عادوا إلى محمد علي عثمان وهو السياسي المحنك و الهدف حاليا عبد الله بن حسين الأحمر، وأنتم الآن تمزقون أنفسكم و تمكنون أعدائكم من رقابكم وتبطلون أعمالكم وتخربون بلاد كم وتعطلون الأجهزة الإدارية و تصرفون جهودكم وأفكاركم في هواء وهباء في ما يعود عليكم بالضرر والخسر لقد فشلت حتى الآن الحروب أن تقضي عليكم وفشلت الاغتيالات وفشلت خطط كثيرة لإسقاط الوضع ولكن الآن حانت ساعة النهاية ، هكذا امضى وبيدك أنت ياقاضي عبد الرحمن أو بك أنت توضع النهاية ..
    ونحن لا نحرص عليكم أو على و حدتكم وأنتم على خطأ وإنما نحرص على وحدتكم أو وحدة أي جماعة غيركم إذا كانت وحدة ومحبة وتعاون في الله أو الوطن ، و لا نحرص على وحدة على خطأ ، ولا على تعاون على سلب ونهب أو تعاون على إعطني سلطات أوسع أعطك مناصب أكبر ومصالح أكثر ، إننا نقصد الوحدة والاتحاد والتآلف والوفاء والاخوة في سبيل الصالح العام التي لا تفرط في حق ولا تقصر في وأجب ولا تحابي ولا تجامل و لا تخل بدستور ولا نظام و لا تؤخر عملاً فإذا كانوا سيتحدون لصالح أنفسهم فقط أو ضد مصلحة عامة فليتمزقوا شر ممزق ) أ. هـ.
    ثم يعيد إلى ذهن الرئاسة لقطات من المشاهد البائسة و المفزعة في الساحة كنوع من التنبيه بغرز الإبر في الجسد المصاب ص 28:
    (( الأمن في كثير من المناطق مختل و أكثر سكان حريب لاجؤن في صنعاء وبلادهم خاضعة لنظام التأميم واللاجؤون من البيضاء ومخالف دمت وعمار والرياشية والحبيشة على أبوابكم يوميا و أكثرهم من بيوت شريفة عزيزة لا يحتملون ذلة التشرد ولكن السلطة عجزت عن تأمينهم وحمايتهم وسلامة ممتلكاتهم ومساكنهم بعد أن قاوموا وحاربوا أكثر من سنتين وثلث البلاد ليس فيه موظف و لا يخضع لسلطة الدولة زادت النفقات وتضاءل الدخل ولم يبرز مصدر جديد للدخل غير الجمارك ، إرتفعت الأسعار وضاعت هيبة الدولة وطالت الخصومات وتناقضت الأوامر والأحكام و القرارات بعض مناطقنا خاضعة لنفوذ غير نفوذنا ، الناس لا يذكرون ماضي المسؤولين إنما يذكرون الحاضر ، فإذا كنتم أيها القادة معتدين بذلك الرصيد فأفيقوا لم يبقي منه شيىء ) أ . هـ.
    و رداً على الحملة المغرضة ضد القبائل ليذكرهم بمواقف القبائل في حرب الإستقلال ضد الأتراك شمالاً وحرب الإستقلال ضد الإنجليز جنوبا ، وقد كانت بندقية الشيخ غالب راجح لبوزة أول بندقية واجهت المحتل في جبال ردفان وظلت مواقف القبائل الذائدة عن الحياظ تواصل دفاعها عن العقيدة والشعب في عملية التخريب ص34:
    (( هاهم في معارك قريبة العهد لم يمض عليها أكثر من ستة أشهر من الحشا إلى البيضاء ، فهل إذا صلحت الأحوال و أستقرت تنكرت الفئات المدنية وعدنا نمزق أنفسنا شيعاً وأحزاباً ويطرح مرضى النفوس كل ما يثير المشاكل عن طريق الهمس المنظم والدس والإشاعة ، أحيانا طائفية وأحيانا سلالية و أحيانا من هذا النوع المطروح هذه الفترة ، مشائخ وضباط وقبائل وعشائر أين قتل الشيخ علي شعلان وأين قتل الشيخ صالح أبو لحوم وأين قتل الشيخ حسين بن ناصر الأحمر وأين قتل عبد الرحمن الغولي وأين قتل المطري ، إن اليمن هي قبائلها إن الشعب هو مجموعة القبائل وقواتنا المسلحة هم من هذا الشعب وهذه القبائل ،و نحن نعتز كل الاعتزاز أن القبائل اليمنية قبائل متحضرة غير متحجرة وبالمعنى الصحيح الحضارة وهي التهذيب النفسي ، والخلق الكريم لم تقف ضد خطوة من خطوات التقدم حمت إستقلال اليمن بأبائها و جلدها وبطولة رجالها منذ القدم وعندما حاربت بعد الثورة لم تحارب الثورة نفسها و لا النظام الجمهوري لذأته وإنما حاربت الحكام الفاسدين والوضع الفاسد واقتنعت بكم أنتم ، أيها القادة لأنكم كنتم من خير ما عرفته اليمن عندما ألت الأمور اليكم في نوفمبر 1967م لقد حصل تنكر للقبائل والمشائخ وتنكر لما يصرف من مرتبات الأفراد منهم و العوائل بعض من شهدائكم وحصلت تصرفات من مسؤلين في الجرائد العربية والأجنبية حصل سكوت على نقد الصحفيين الأجانب للوضع القبائلي في اليمن واعتقادهم نتيجة لدعايات مغرضة جلها أن وجود القبائل مؤثر على سياسة الدولة الداخلية واقرت التصورات الخاطئة لديهم بينما كان من المستحسن إنصاف اليمن وشعبها وقبائلها ونحن نعرف حقيقة أن القبائل أنفسهم يضعون التطور و يطالبون به أبنائهم في المدارس في الداخل والخارج وهم الذين يشقون الطرقات ويساهمون في بناء المدارس ويطالبون من الإصلاح ما لم تستطع الدولة تحقيقه ولم يقفوا ضد أي مشروع إصلاحي قط وحتى الأفراد الذين تمر الطرقات العامة في أملاكهم يعارضون كأشخاص يفقدون مصدر قوتهم ثم لا يلبثون أن ينصاعوا ويعرف حقيقة أن الأمن بين القبائل هو السلام وصيانة الحقوق أقوم وأسلم و أن الحكومة لا تحتاج في نحو ثلثي البلاد إلى قوات من إن الفئات العاثشة في المدن مسكينة لا تعرف اليمن وبعض اللذين تلقوا دراساتهم خارج اليمن لا يعرفون اليمن وبعض الذين لانت تحتهم الكراسي وأطغتهم النعمة وترف العيش يتنكرون لأصولهم لحقيقتهم لمجدهم لواقعهم للذين أسدوا اليهم الجميل تأييداً أو دفاعاً وهناك أحوال إجتماعية عامة وشخصية غير سلمية على مستوى اليمن عموماً قبائل ومدن بحاجة إلى دراسة وتصحيح ولكن ليس بالهدم والنقد الموجع ولكن بالوسائل العلمية والطب الإجتماعي والإصلاح الثوري النظيف ) أ. هـ.
    وهو لايسأم تكرار الإلتفات إلى خطورة الإستبداد والانفراد بالسلطة
    ص 46:
    ( إن نيكسون مطلوب من الكونجرس الأمريكي للمحاكمة ، وعمر بن الخطاب توقفه امرأة على مشهد من الناس و تقول له: أخطأت يا عمر، وسلمان الفارسي يوقفه يوماً من خطبة الجمعة قائلاً : حتى تنصف الناس من نفسك ، ومحمد في عبد الله عليه الصلاة والسلام يجذبه أعرابي حتى يؤثر القميص في عنقه ..
    فهل عبد الرحمن الإرياني أولى بأن يأخذ سنة سلفه الصالح أم يعيد البلاد إلى الإمامة أو جمهورية السلال ويتمسك ست سنوات برئاسة المجلس الجمهوري ثم يسعى ليكون رئيساً للجمهورية وغداً سنقابله وقد أصبح شيئا أكبر وأعلى من ذلك ) أ. هـ.
    ويعاود العلاج بأسلوب غرز الإبر في الجسد الفاقد الإحساس شارحاً و مشرحا جثمان الساحة الشهيدة جراء عبث السادة وفساد الأوغاد ص50:
    ( هل تستطيعون أن تقبضوا على شخص خرج من صنعاء شرقا أو شمالا عشرة أميال؟ هل تستطيعون أن تتحصلوا الواجبات أو تمنعوا الحرب لو ثارت وراء جبل نقم ؟ بل لقد حدث فعلاً أن تحاربت قبيلتا بني نوف وذو حسين وأنتم ترون وتسمعون عن القتلى والجرحى وتستمر الحرب أكثر من عام ولا تتوقف إلا بوساطة من نجران .. هل تعلمون وأنتم تعلمون أنه لا يوجد لكم نفوذ أي نفوذ كان في ثلث مساحة اليمن من أقصى الجنوب الشرقي إلى أقصى الشمال الشرقي وأن حريب وناطع خاضعة لبيحان والحسن بن الحسين في الجوف يمهد لعودة أخرى لأسرته.. هل لكم نفوذ أو إدارة في خولان أو نهم أو أرحب؟ هل تخجلون؟ هل ضمائركم تؤنبكم ؟ هل أنتم تعلمون أن عبثا مالياً وضياعاً ورشوة وسرقات تجري في البلاد أمام سمعكم و بصركم ؟
    بلى أن بعضها أو جلها يجرى بأوامر و رعاية سمعية ؟ هل أنتم لا تعلمون بل أنتم تعلمون وتعرفون أن مئات الآلاف من الحبوب فد تلفت أو سرقت وأن نحو مليون من القرض الجزائري و أكثر المساعدات الليبية وخاصة من ألآلات قد تلفت ماذا عملتم ؟ ماذا عملتم ؟..
    هل أنتم تعرفون أن فوضى إدارية وسلبية وإهمالا عطلت وتعطل كل جهد لم يسبق لها مثيل هل تجهلون أن مناطق واسعة خاضعة للعصابات وأن أعمال القتل والكمائن مستمر و أنكم أصدرتم أمرا إلى المحكمة أن لا تحكم بإعدام أحد مخالفين بذلك شريعة الله وما تعارف عليه البشر من احترام الأنظمة والقوانين وحماية الدماء والأموال والأعراض والقضاء وجزاء المحاربين في كتاب الله وأن السجون أصبحت مواطن للتعذيب والسلب هل تعلمون وأنتم تعلمون وتعرفون أن سيادة البلاد واستقلالها في خطر لأن الدولة عائشة على الصدقات والمساعدات وأن بعض مرتبات موظفيكم منحة من دولة ما ؟ هل تحاسبون أنفسكم وضمائركم على الملايين التي تصرف للرحلات الخارجية ؟ أنتم الذين ترسلون الوفد بعد الوفد بحثا عن المال يجوبون البلاد العربية عاما بعد عام ألا تحاسبكم ضمائركم ؟ ألا تشعرون بالخجل والقلق ؟ ألا تذكرون ما يدور حولكم وما يبيت لكم و ما يدبر لبلادكم ألا تتنبهون للعقائد الدولية و هي تحد العدة لابتلاعكم وابتلاع بلادكم ، في مثل هذه الأيام من العام الماضي كنتم تملئون العالم ضجيجا عن مؤامرات لنصف منصة الاحتفالات في صنعاء و خطط ومؤامرات لاغتيالكم آخرها محمد علي عثمان رحمه الله ، والآن هل كل شيء كما يرام ؟ أم أن أبناء الشعب يقتلون بمختلف الوسائل وتنهب أموالهم وتهتك أعراضهم و أنتم صامتون وكأن الأمر لا يعنيكم إذا أستثنينا الحملات التي انتهى أثرها بعد انتهائها ، ألا تذكرون أن أموراً هامة وخطيرة هي أولى باهتمامكم وتفكيركم وجهودكم بدلا من الاختلاف التافه والتآمر المستمر لإسقاط فلان أو للحيلولة دون نجاح فلان أو للحصول على مزيد من السلطات أو حل المجلس الفلاني أو المجلس الفلاني لكي لا تسمعوا مشاركاً لكم في التفكير أو مناقشا لأعمالكم حتى بلغ الأمر أن توضع الرقابة على الجرائد و يمنع بعض الرجال من الخطابة ، ماذا تريدون ؟ أعملوا لكي تحترموا ، وأنتجوا لكي تحبوا وتجلوا فالقهر يولد الكراهية والغرور يولد العجز. أ هـ .
    ثم يلتفت إلى محنة الشتات الثقافي وما ينتج عنه وما يترتب عليه من أخطار.. ص 55:
    (( تذكرون أن نحو خمسة عشر إلى عشرين ألف يمني يهاجرون عن اليمن و طنهم كل شهر بحثاً عن العيش أو هرباً من الظلم وأن شباب وطنكم مقسم الفكر و الاتجاهات على نوع الثقافات التي حصل عليها في بلدان متعددة شرقية وغربية و أنه حائر تائه معرض للغزو الفكري والعقائدي في الداخل والخارج وأنهم في الخارج يتظاهرون ضدكم في مواقفكم الوطنية فكيف سيكون التعامل والتعاون بينكم، بينهم في طريق المستقبل ذلك لأنكم تركتموهم للضياع و أهملوا كما أهملت واجبات أخرى ) أ. هـ.
    ويضيف في نفس الاتجاه قائلا : ص 47 :
    (( وعندما ينظر الشعب إلى المتعلمين والعلماء و المثقفين والمهندسين و الفنيين وذوي الاختصاصات قد أصبحوا في واد يختلف عما عرفه وسمعه ونشا عليه من تقاليد إسلامية وعربية محمودة سيسري مرض التحلل من القيم في شعب مدجج بالسلاح ، وستحل بالبلاد كوارث كبرى ، ما نسمعه ونرا من أعمال نسف البيوت بمن فيها و على من فيها ووضع الألغام في المزارع لنسف البقر أثناء الحراثة ووضع المتفجرات في عرس النساء وقتل طبيب نشأ وتعلم في غير اليمن ، كل هذه ظواهر خطيرة من ظواهر التحلل من القيم والأخلاق ما كان مجتمعنا يطيق أن يسمع بها فكيف أن تمارس فعلاً نحن بحاجة إلى مثلنا العليا نحافظ عليها ونتطور من خلالها ) أ. هـ .
    هذا وللشيخ عبد الله نص جامع للأحداث من نتائج الحرب الأولى في السبعينيات إلى انعقاد إعادة الوحدة، سنورده في حديثنا عن الشيخ مع الرئيس علي عبد الله صالح.

    (3) * مع الرئيس الحمدي:

    يلحظ متابع جريان الأحداث في مساق التاريخ اليمني تعدد نقاط الإلتقاء بين الشيخ عبد الله وبين الرئيس المقدم إبراهيم محمد الحمدي - منذ كان الحمدي مديراً لمكتب القائد العام ورئيس الوزراء الفريق حسن العمري فقد دخل معه ضمن من دخلوا السجن الحربي بالقاهرة وهي المجموعة التي كان منطلقها مقررات خمر وتواصل الإلتقاء بعد العودة إلى صنعاء والاشتراك في كسر حصار السبعين وأستمرت وحدة موقف الشيخ والمقدم في أحداث أغسطس التي أتهم البرد وني المقدم الحمدي بتعقبه مخابئ القوميين إنطلاقاً من موقعه كوكيل لوزارة الداخلية ، و كان موقفهما واحداً حين تقدم الحمدي كنائب للقائد العام ببرنامج التصحيح المحدد من القوات المسلحة ، و لا يخفى مالعامل تقارب حمدة في عيال سريح من أراضي حاشد كما لا يخفى أن الحمدي بحكم السن من الوجوه السبتمبرية المتبلورة في أحضان الثورة وهو بذلك يصغر الشيخ بالكثير من السنين ويرعى من أجل ذلك للشيخ إلى جانب مكانته النضالية والقبلية فارق السن خلافاً لما كان عليه الإرياني والسلال من أقدميه النضال و ارتفاع السن فلا غرابة أن نرى الحمدي كما أوضحه الدكتور البيضاني في كتابه ] أزمة الأمة العربية وثورة اليمن [ و كما نشرته صحيفة الوحدوي الناصرية من حلقات مذكراتها عن الحمدي في خريف/ 1996م .
    يتوخى مواقف الشيخ ويصبح ويمسي ملازماً لمنزله قبل 13 / يونيو /1974 م وبعدها بشهور ومرافقته له في إفتتاح بعض المشاريع في أرحب و سنحان وفي زيارته لمصر ولم يبرز خلافهما إلا بعد سنة 1975 م لذات البواعث التي أثارت خلاف الشيخ مع السلال ومع الإرياني.
    وقد مر بنا في الوقفات السابقة عن ذلك ما يغني عن الإعادة ، ذلك أن خلاف الشيخ لم يكن مع ثلاثتهم راجعاً إلى عداء شخصي وإنما كان باعثه الأول والأخير التزام الشيخ بالموقف الشعبي المحافظ والحرص على إستمراريتة في وجه المتغيرات ، والمنصف حين يستعرض ما جرى يقدر للرجال ظروفهم باعتبارهم أدوات تاريخية عبرت باجتهادها الشخصي وإمكاناتها الذاتية عن المجرى التاريخي العام الذي يأخذ صرامة القدر وحتمية المكان والزمان الذي عاشه إنسان تلك الحقبة تاركاً الحكم للعلي القدير وكفى به حسيبا فقد جاء السلال مع تعاظم العنفوان الناصري إثر القرارات الاشتراكية الناصرية التي أغضبت العرب فكان انفصال سوريا وأغضبت الكرملين فعمل على الكيد لجمال من وراء قناع الصداقة الكاذبة التي كان يبديها لعبد الناصر وكانت إستراتجية السلال منصبة على كسب رضاء جمال و جاء الإرياني إثر نكسة حزيران التي همشت مكانة مصر وفتحت الباب لأعدائها ليمارسوا نفوذاً أكبر ولكنه فوجئ بالاتجاه الماركسي اللينيني الذي رقعته والتزمت به حكومة عدن في ظل غياب الشخصية المسيطرة التي كانت لجمال في الساحة وضاعف من ضراوتها كسبها لدعم القذافي الذي يعتبر نفسه الخليفة الشرعي لعبد الناصر ونتيجة لإنفلات الأمور في صنعاء جاء الجيش وعلى رأسه المقدم الحمدي ليصطدم بنتوءات الواقع و تضاريسه وخلال شهور تناقص مجلس القيادة من عشرة أعضاء لينحصر في ثلاثة عسكريين ومدني واحد وكان عليه أن يوائم بين القوتين الضاغطتين في الرياض وعدن حيث كانت الأخيرة تدفع بالتنظيمات المختلفة حيناً باسم الحزب الديمقراطي الثوري ، و حينة باسم الجبهة الوطنية الديمقراطية (حودي) وحيناً باسم الحركة الوطنية الشعبية ( حوشي ) وبغض النظر عن كتابات الكثيرين لأحداث تلك السنوات على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم فإن أنضجها وأدناها من حقيقة الواقع هي تلك التي كتبها الأستاذ خالد القاسمي في كتابه ] الوحدة اليمنية [ كمتابع من الخارج عربياً وما كتبه الدكتور عبد الولي الشميري في كتابه ] ألف ساعة حرب [ كمتابع لبواطن الوقائع في الداخل فإن نصاً عاماً للشيخ عن المجريات منذ عهد الرئيس الإرياني إلى تحقيق إعادة الوحدة تحت رئاسة الفريق علي عبد الله صالح مروراً بسنوات الحمدي الثلاث يفيض بإيراد حقائق لا يستطيع نكرانها أحد وقد رأينا إيراده بكامله في حديثنا عن الرئيس علي عبد الله صالح ، ويلخص الأستاذ نصر طه مصطفى نوعية العلاقة بين الصف الإصلاحي الذي يقوده الشيخ عبد الله وبين الرئيس الحمدي عن الصحوة الصادرة الخميس: 25 / رجب 1917هـ - 5 / ديسمبر 1996م:
    ( ورغم قيام حركة 13 / يونيو 1974 م التي جمدت الدستور ومجلس الشورى فإن الحركة الإصلاحية التي عاشت حالة مد وجزر مع الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي - إلا أنها ظلت علاقة متوازنة معه في الغالب بهدف العودة بالبلاد إلى الوضع الدستوري الديمقراطي وهذا لن يتأتى إلا من خلال إجراء المصالحة بين الحمدي وبقية القيادات الوطنية التي أختلف معها وللأسف فإن شيئاً من تلك المساعي لم يكتب لها النجاح إلى أن فوجئ الجميع باغتيال الحمدي ).
    ولأن كلامنا عن الرئيس الحمدي لا يتعدى ما كان بينه وبين الشيخ فإننا نكتفي بالإشارة إلى النقاط التي أثارتها الباحثة الروسية جولوفكايا في كتابها ] التطور السياسي في اليمن [ وهي:-
    1- تجدد الخلاف بينهما بعد إنتهاء العودة الثانية لمجلس الشورى سنة 1975م .
    2- وما ذكرته من حشد الشيخ لمائة ألف مقاتل والاستيلاء على صعده.
    3- الوساطة التي قام بها القاضي عبد الله الحجري - للمصالحة ثم وساطة الملك خالد بن عبد العزيز وتعيين الحمدي للشيخ نائباً لرئيس مجلس القيادة لشؤون القبائل وما أجاب به الشيخ على إستفسارنا عن تلك النقاط قائلاً :- ( كان تجميد مجلس الشورى بعد قيام حركة 13 / يونيو بناء على طلب من مجلس القيادة الذي رأسه الحمدي ولظروف طارئة خلال تلك الفترة أما إعادته فقد كان بقرار من رئيس مجلس القيادة و أستمر قي العمل لمدة سنة أو أكثر ، والحقيقة أن المناطق الشمالية والشرقية أثناء خلافنا مع الحمدي كانت تحت سيطرتنا سواء صعده أو غيرها وكل القبائل فيها كانوا متضامنين معنا من مأرب إلى خمر إلى صعده ، ولم نكن بحاجة لحشد ما ذكرته المراجع للإستيلاء على صعده ، وأما وساطة القاضي عبد الله الحجري فقد كانت ضمن الوساطات المتعددة للعديد من الشخصيات والوجهاء والمشائخ والتي كانت تبذل بين الحين والآخر لحل الخلاف، ولم يصدر قرار جمهوري بتعييني نائباً للرئيس الحمدي لشؤن القبائل.

    (4) مع الجمهورية الثالثة
    والرئيس علي عبد الله صالح

    كان أكبر ما أنجزه الرئيس الغشمي في مد ته القصيرة بين تربص للمشائخ والعلماء من جهة وتربص وعبث الحزبيين من جهة أخرى ، هو تشكيل مجلس الشعب التأسيسي والتحول من مجلس قيادة إلى رئاسة جمهورية وإيجاد قنوات تفاهم مع الآخرين داخل الساحة وخارجها ، وكان أصرخ أحداث تلك الثمانية الأشهر هو إنسحاب عبد الله عبد العالم من صنعاء إلى عدن و المجزرة الدامية التي أنزلها بأكابر تعز وأب اللذين حاولوا إعادته إلى موقعه والإصلاح بينه وبين الرئيس الغشمي فكان أن فتك بهم فتكته الشنعاء على حد ما فصلة الشيخ يحيى منصور في مذكراته وهو العارف بأقدارهم ومواهبهم ثم جاء مصرع الغشمي المروع في يونيو سنة 1978 م وعلى إثره جاء المصرع المدّوي للرئيس سالم ربيع علي في عدن وآلت السلطة إلى يد السفاح عبد الفتاح وكان من ضمن أسئلتي للشيخ سؤال عن علاقته بالرئيس الغشمي وأهم ما حدث بينهما فأجاب:-
    (فترة حكم الرئيس الغشمي كانت قصيرة ولم يتضح خلالها أي شيء عن سياسته وأسلوب حكمه وإدارته للدولة.
    أما علاقتي ومعرفتي به فقد كانت عادية ولم يحصل بيني وبينه تعاون لا قبل توليه الحكم ولا من بعده ، وقد أقمت طيلة فترة حكمه في خمر بعيداً عن صنعاء ولذلك لم أحتك به.) أ. هـ .
    وفي غمرة الأحداث جاء إلى منصة الرئاسة الملتهبة في صنعاء الرئيس المقدم علي عبد الله صالح - وشواهد الحال المنظورة تنذر بقصر مدة حكمه وارتفاع مد الأحداث عن قامته بينما كانت أنامل القدر غير المنظور ترتب الأمور وتمهد الطريق ، وكان أن فوجئ بعد مضي شهرين على رئاسته التي شهدت بدايتها ضحوة السابع عشر من يوليو/ 1978م فكان مفاجأة الانقلاب المتعجل في الحادي عشر من أكتوبر سنة 1978م على إثره بأربعة أشهر وعبر تسارع الأحداث واندفاعاتها غير المرتبة كان الصدام بين الشطرين فبراير سنة 1979م ، وحسب المراقبون وشك سقوط الرئاسة في صنعاء على حين كانت الأقدار تبدأ بها ومعها مشارف الانفراج وبواكير التمكين والاستقرار وكان اجتماع الرئيس علي وعبد الفتاح في الكويت مارس /1979م وخرجا باتفاق واسع وبينما كان المنتظر التقاء الرئيسين في الشريجة أكتوبر / 1979م إذا بالرئيس عبد الفتاح يتخلف ويأتي نائبه علي ناصر ويتم أول لقاء بين العليين ، وجاءت مطالع الثمانينات لتسجل للرئيس علي عبد الله صالح فتحاً مؤزراً ونجماً قامراً ففي إبريل 1980م انسحب عبد الفتاح عن المسرح في الجنوب وأضطر للترحيل إلى منفاه البعيد لدى أساتذته في موسكو وحل محله الرئيس الداهية علي ناصر محمد جامعاً المناصب الثلاثة:
    أمانة الحزب - ورئاسة الدولة- ورئاسة الوزراء.
    وبرز في ساحة اليمن الشمالي التجمع الإسلامي المتنامي من بذرة حزب الله مع الجيش لمواجهة عمليات التخريب و انشغلت الجزيرة العربية بالحدث الأكبر في الشرق حيث ظهر الخميني وقامت دولة العمائم السوداء واللحي الطويلة وأحسن الرئيس الفريق علي عبد الله صالح إقتناص الفرصة فشكل منذ أيامه الأولى لجنة الحوار ووضع مشروع الميثاق وأجرى الإستبيان عليه وأنعقد لأول مرة المؤتمر الشعبي أغسطس /1982 م وأجريت إنتحابات مجلس الشورى وبذلك تم للبلاد إستقرار وضعها السياسي ، وعلى محور آخر عمل الرئيس علي عبد الله على تنفيذ الخطة الخمسية الأولى وانجاز المشاريع الكبرى من مثل المحطة المركزية للطاقة واستخراج النفط وإعادة بناء سد مأرب وتنشيط الإنتاج الزراعي على محور ثالث وخلال كل ذلك كان يبذل أقصى الجهد لإعادة بناء القوات المسلحة وقوات الأمن وتزويدها بمختلف الأسلحة من أكثر من دولة وأبرزت مخاضات السنوات الستينية والسبعينية حقيقة الخطر المسؤول عن كل تلك الزعازع والزوابع - ليس التنافر القبلي ولا الضغط السعودي ولا التأمر الأمريكي.
    ولا تعاظم الوجود الروسي ولا الدسائس الإسرائيلية هي المسؤولة عما جرى ويجري قدر مسؤولية العلة الأساسية التي جعلت كل ذلك يؤثر ويبعثر إنها الفلسفات الإلحادية والتنظيمات الهادمة التي تدهشك بعدائها المستميت لتراثها وتاريخها الجاهلة له والنافرة منه وحماسها الغريب لتجارب الآخرين وحرفية تطبيقها دون علم بحقيقة سوء تلك الفلسفات وجنايتها المدمرة على أهل تلك البلاد حيث يتحكم الأسياد ، فَيَومَ كان القوميون العرب في اليمن يحسبون أنفسهم بلغوا منتهى الرقي العسكري والنضج السياسي والاستيعاب الثقافي فأعلنوا باعتبارهم الطليعة الواعية والراعية للشعب قيام حزبهم الاشتراكي من طراز جديد سنة 1976م معتبرين الإتحاد السوفيتي الممثل الأعلى للتجمعات البشرية الحريصة على الرقي و التقدم يومها كان المنشق السوفيتي ] أندريه مالريك [ يذيع على الدنيا تساؤله الاستقرائي الواعي لإيقاع التاريخ وتطور البشر:
    ] هل سيبقى الإتحاد السوفيتي حتى العام 1984م ؟ [ .
    ورغم أن أوروبا فغرت فاها لهذا التساؤل بان الأحداث كانت على ميعاد لتؤكد بداية السقوط بصعود المهندس ميخائيل جورباتشوف قمة الهرم وولدت البيروستريكا وتهاوت جنبات البناء الظالم المقيت الذي أقامه لينين بإنتهاب ثروات الجمهوريات الإسلامية في آسيا و إنتهاب ستالين لدول البلطيق ودول شرق أوروبا ثم إنتهاب خروشوف وبريجنيف ثروات أقاصي آسيا وأفريقيا قبل المنشق أندريه وتحديداً سنة 1956م عند انعقاد الحزب الشيوعي السوفيتي عرض سكرتير الحزب الشيوعي الإيطالي بشجاعة انتقاداته للأخطاء الكامنة في النظرية الاشتراكية والأخطاء الناتجة عن سوء الممارسات الحزبية خاصة في الحزب السوفيتي الرائد وترك وصيته لزوجته حين أحس بالذبحة الصدرية التي أودت بحياته وبقيت رسالته تلك التي نشرها الأستاذ هيكل في كتابه ] الغليان [ سراً قاتلاً تعمل الأحزاب الشيوعية على دفنه إبان ذلك وكشاهد على تخلفنا الفكري نحن العرب واكتفائنا من اللحم بعظم الرقبة كما قال الأول عن أم الحُليس.
    كان طليعة المثقفين اليمنيين كعبد الله باذيب يجند نفسه لنشر الفكر الماركسي بين الطلاب وفي الصحفيين وعلى امتداد الحقل والشارع ، وجاء من بعده سلطان أحمد عمر بجبهته ينشرها حمراء مدمرة مرة في وديان الشمال وطرقاته ومدنه و أشجاره وأحجاره ، وظلت طليعتنا الغبية تواصل تلمذتها البليدة الدهاقنة الحُمر حتى يوم إعلان الانفصال 21 / مايو 1994م فأعادوا رفع النجمة و المطرقة و المنجل وظل المكتب السياسي يتردد في قبول جريمة الانفصال حتى دفع بهم القنصل الروسي المشبوه المقيم في السفارة السوفيتية في عدن فأتبعوه وقبلوا بإعلان الانفصال وظلت الجبهة الوطنية الديمقراطية بأحزابها الخمسة التي حصروها في ( جودي ) ثم في ( حوشي )
    ( اختصار الحزب الوحدة الشعبية اليمنية ) تطعن اليمن في خاصرته وتبدد مواهبه وطاقاته لتغرس فيه كما غرست أثني عشر مليون لغم في أواسطه وجنباته لتفرض قسراً فكرتها الإلحادية المدمرة طوال اثني عشر سنة أو تزيد وحسبوا أنهم باختراقهم بعض البقاع في مناطق القبائل الشرقية الشمالية وأقاموا مؤتمراً في صعده أوائل الثمانينات حسبوا أنهم بذلك قد صعدوا القمر واكتشفوا المريخ ، كل ذلك لاقتناعهم الغبي بتقدمية الإلحادية الماركسية وجهلهم الخجل للوضع داخل الجمهوريات السوفيتية ولو أنهم قرأوا الدراسات المنقبة عن الحقيقة وفضاعة الأوضاع هناك من مثل الدراسة الموضوعية للباحثة الفرنسية هيلين كيلر دانكوس ترجمة إبراهيم العريسى بعنوان: ] نهاية الإمبراطورية السوفيتية [ ] مجد الأم [ عن فضائح الرفاق في أذربيجان وأوزبكستان وجورجيا وسائر جمهوريات الإتحاد السوفيتي أقول لو أنهم عرفوا شيئاً من ذلك لعرفوا سخف وكارثية ما يفعلونه بأبائهم وأبنائهم وإخوانهم في هذا الشعب مما فصلته بتوسع في كتابي ] ملامح اليمن والضمادات المطلوبة[ .
    مثل ذلك ما يفعله الحداثيون الآخرون من عشاق الليبرالية والعلمانية فارين من سمو العقيدة وتعاليم الشريعة الأخذة بتلابيب الإنسان من درك البهيمية إلى أفاق العدل والطهر والرحمة وهم يسمعون صباح مساء ما تردت فيه المجتمعات الغربية من سقوط مخيف أقربه وهو ما يذاع الآن عن مذابح الأطفال وعصابات اختطافهم في أوروبا وممارسة الشذوذ الجنسي معهم ثم قتلهم وقرأوا ما كتبه هاري فيجي وجير الدسوانسون في كتابهما ] سقوط أمريكا قادم عام 1995م فمن يوقفه [ ؟
    أقول لو أنهم انتبهوا لهذا لفرملوا وخففوا من اندفاعهم نحو تلك المجتمعات التالفة والموشكة على الخروج من الحضارة ومغادرة التاريخ. صحيح أن ساحتنا اليمنية تعاني مظالم وأخطاء ونتفق معهم في كل الطروحات النقدية ولكننا نختلف في البديل ، إن بديلنا هو القرآن والسنة الصحيحة النابعة منه والمفسرة له ، ومثلنا الأعلى هو محمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم الذي حقق واقعاً قائماً على هذه الأرض من العدل والطهر والرحمة وجمع حضارات شرقية وغربية وشمالية وجنوبية وصهرها جميعاً ليخرج بها خير أمة أخرجت للناس تتسامى بالروح وتنمو بالحسد وتكرم العلم وتقدس العمل وتحقق الحرية ، أما بديلهم فماركس ولينين وماوتسي وتراثهم الأحمر وفلسفتهم القائمة على الصرع والإبادة المنكرة لإشراقات الروح والمتضاربة مع حقائق العلم الداعية إلى الإيمان. هنا نصغي إلى استعراض مضيء لما كان عليه الحال في اليمن منذ رئاسة الإرياني مروراً بالحمدي وحتى السنوات الأولى من عهد الرئيس علي عبد الله صالح قدمه الشيخ ضمن المعلومات التي زود بها هذه الدراسة:-
    وما إن خرجت اليمن من محنتها وتنفست الصعداء بعد انتهاء الحرب بين الجمهوريين و المناؤين الملكيين حتى إبتليت اليمن بما هو أهم وأبشع وأدهى وأمر وهو المد الثوري الشيوعي الماركسي الذي كان يستهدف اليمن وعقيدتها ومقوماتها وقيمها وأخلاقها ورجالاتها والذي كان يتمثل في النظام ا لشاذ والنشاز الذي وجد في عدن وقد فرض نفوذه على المحافظات الجنوبية و الشرقية وأذاقها لباس الجوع والخوف وأهلك فيها الحرث و النسل ودمر فيها كل مقومات الحياة وأمات فيها كل المواهب التي منحها الله للإنسان كما أستأصل فيها كل عناصر الخير وصفى رجالاتها من مشائخ وعلماء ومثقفين ومفكرين وعسكريين وتجار أما بالقتل أو السحل أو السجن أو الإرهاب أو الطرد ولما ثبت أقدامه في هذه المحافظات ابتداء بتصدير الثورة الإلحادية الحمراء إلى المحافظات الشمالية في الجمهورية العربية اليمنية وانفجرت أول حرب عسكرية في أوائل عام 1972م في معظم مناطق الحدود بين الشمال والجنوب وساهما فيها بإعداد كبيرة من المقاتلين من رجال حاشد الذين كانوا هم قوام الجيش الشعبي للدفاع عن الثورة والجمهورية في المرحلة الأولى وللدفاع عن اليمن وعقيدته وأصالته في المرحلة الثانية ، وفي هذه المرحلة من الصرع مع الشيوعية تدخلت الجامعة العربية ووصلت وفود ولجان عسكرية من الجامعة ومن بعض الدول العربية وأوقفوا الحرس وأستدعي ممثلون من النظامين في صنعاء وعدن إلى مقر الجامعة العربية في القاهرة وأعلنت عن الجامعة تلك القرارات ووضعت الاتفاقية الأولى بين النظامين على قيام وحدة وهي ما سميت باتفاقية الوحدة ووقع عليها عن الجمهورية العربية اليمنية رئيس الوزراء آنذاك الأستاذ محسن العيني ولما عاد محسن العيني إلى تعز لأن رئيس الدولة والمسؤولون كانوا في تعز وكان لي موقف معارض لتلك الاتفاقية بصفتي رئيس مجلس الشورى حيث أن محسن العيني شرع بالتوقيع على الاتفاقية قبل الرجوع إلى مؤسسات الدولة السياسية والتشريعية ولأن فيها مواد تدعم النظام الماركسي ضد النظام في الشمال لأن تلك الحقبة من الزمن كان التعاطف مع التيار اليساري واضحاً في معظم دول العالم وكانت هذه الاتفاقية وكان التوقيف للحرب من العوامل التي أعطت النظام الشيوعي في عدن زخماً كبيراً ومتنفساً وفرصة عظيمة لبناء نفسه وتقوية جيشه كما أعطته فرصه للتغلغل السياسي والتخريبي و التنسيق مع عناصره في المحافظات الشمالية و لاسيما في المناطق الوسطى و المدن الرئيسية التي يوجد فيها خمائر من حملة الفكر الشيوعي الماركسي ، وبالفعل تم للنظام ومؤيديه ما يصبون إليه فقد نزل الإتحاد السوفيتي بكل ثقله لدعم هذا النظام مادياً وعسكرياً ومعنوياً ، وسلحه بأحدث الأسلحة لأنه كان يعتبره قاعدته وموضع قدمه للانطلاق إلى دول الجزيرة العربية ومنابع النفط ، أما نظامنا في صنعاء فقد كان نظاماً وطنياً مستقلاً غير خاضع ولا مستمد توجيهاته لا من الشرق ولا من الغرب معتمداً على مقوماته وقدراته الذاتية ولهذا فلم يتلقى أي دعم عسكري أو مادي من أي قوى خارجية ولهذه العوامل أصبح النظام في عدن في موقف المهاجم طيلة فترة الصراع ونحن ذي موقف المدافع لأننا أعطيناه الفرصة في البداية بموافقتنا على توقيف الحرب وعلى قبول تلك الخدعة المنطوية تحت شعار الوحدة.
    ومن المؤسف أن وجد من يتعاطف مع التيار اليساري في أوساطنا وحتى أجهزة الدولة وقد أدى هذا إلى خلاف مع بعض المسئولين الذين لم يكن لهم مواقف حازمة تجاه نشاط هذه العناصر ، وقد حاولنا كثيراً أن تكون الدولة في صنعاء إستراتيجية لاستئصال هذا السرطان الخطير المتمثل في النظام اليساري في عدن قبل أن يستفحل ولكننا لم نجد استجابة وظلت مواقف الدولة كما يقال ( ما بدا بدينا عليه ) وقد استشرى التغلغل في بعض المحافظات وأعلن التمرد في المحافظات الوسطى وغيرها وتمكنوا من السيطرة على مناطق كثيرة.
    وارتكبت العصابات الإلحادية جرائم القتل الجماعي في هذه المناطق حيث أقدموا على قتل المشائخ و العلماء و الوجهاء والتجار و القادة العسكريين في جبن ودمت و النادرة و قعطبة و شرعب و وصاب و القفر وريمه وغيرها ونسفوا البيوت بالألغام بمن فيها من السكان واستبيحت الأموال و المحرمات بأبشع صورها وأشكالها وانتشرت العصابات التخريبية حتى في المناطق التي لم يسيطروا عليها وزرعوا الألغام بالملايين في طرق السيارات لتفجيرها وفي الطرق الخاصة بالمارة وفي الحقول الزراعية وأماكن رعى الأغنام كما وضعوا المواد السامة القاتلة في آبار المياه الخاصة بالشرب ، وقد أدى هذا الوضع المتردي و الخطير إلى تصاعد الخلاف حتى وصل الأمر إلى قيام حركة 13 يونيو /1974م .
    وأثناء فترة الصرع الذي أستمر من أوائل عام 1972م وحتى عام1982 م حصلت عدة مواجهات عسكرية على الحدود بين الشطرين ، وللحق والأمانة فقد كان موقف الأخ الرئيس علي عبد الله صالح هو الموقف الحازم و الصادق والمحدد والواضح ، فهو الذي طهر المناطق التي نكبت وحصل فيها الصراع طهرها جميعها من عصابات التخريب والإجرام والإلحاد وهو ا لذي دحر جحافل النظام الإلحادي ولقنهم الدرس الذي أوقفهم عند حدودهم والذي جعل النظام في عدن يذعر ويسلم للأمر الواقع وبعدها لم تحصل منهم أي محاولة لأنهم عرفوا أن لا قدره لهم على الاستمرار في التخريب ومدوا أيديهم للتعايش و السلام مع الدولة في الجمهورية العربية اليمنية وأبدل الحرب بالحوار من خلال اللجان التي شكلت من أجل الوحدة حتى أذن الله بوحدة اليمن وتم إعلانها في شهر مايو عام 1990م..) أ. هـ
    ولقد كان الرئيس الفريق علي عبد الله صالح يتنقل مع كل سنة بل مع كل شهر من نجاح إلى نجاح أوسع ، وكلما تقدمت به الأيام خرج باليمن إلى مشارف الأمن و الاستقرار ، و كان من أبرز مستجدات الوضع يومها انتصارات التجمع الإسلامي المتلاحقة ضد الجبهة الوطنية حتى بلعت أوجها يونيو 1982م بينما كان الرئيس الفريق يوالي لقاءاته مع الرئيس علي ناصر في جلسات مغلقة ويجهزان بذلك على مصادر الشر القادمة من جهة عدوهما المشترك عبد الفتاح إسماعيل الذي كان حينذاك يتنقل من منفاه بين روسيا وبلغاريا ويواصل حث أنصاره في الحزب الإشراكي للضغط ضد الرئيس علي ناصر لاستقدامه من منفاه ، وفعلاً أمكن للمكتب السياسي الضغط لعودته وعاد في أكتوبر سنة 1984م إلى عدن ولكن الرئيسين العليين كانا قد أكملا ترتيبات الأمور، يقول الدكتور عبد الولي في كتابه ] ألف ساعة حرب [ ص107:
    (توج تلك اللقاءات و الاتفاقات لقاء كان شبه حاسم بين الدكتور عبد الكريم الإرياني رئيس مجلس الوزراء في شمال اليمن وبين عبد العني عبد القادر عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي سكرتير اللجنة المركزية في الشطر الجنوبي في يوم الخميس: 18 / 8 /1983م وكان ذلك الاتفاق آخر مسمار في نعش الجبهة الوطنية التخريبية التي انقطع عنها الدعم المالي والعسكري الخارجي واشتدت عليها الضربات العسكرية الموفقة في معاقلها فأصبحت في كل الجبال والوديان تعلن التوبة و الاستسلام معترفة بالهزيمة النكراء ويومئذ ودع اليمن إلى غير رجعة إن شاء الله التخريب العسكري في كل الأرياف و المدن وخاصة عندما وقع الرئيس علي ناصر محمد في صنعاء اتفاق لاحقاً مع الرئيس علي عبد الله صالح في 20 / 8 / 1983م في جو ساده التفاهم و الشعور بالخطر الداهم من العدو المشترك عبد الفتاح إسماعيل وعلي عنتر وكان الحسم المتفق عليه في قضية إغلاق ملف الجبهة الوطنية والعمل على تفكيكها وتصفية الحساب معها وإغلاق معسكراتها في الجنوب وتمزيقها في الشمال بشتى الطرق الممكنة ليبدأ حلف جديد ضد الجناح الفتاحي الأخطر، و الملفت أن اللقاءات المشتركة لما يسمى بالمجلس اليمني الأعلى برئاسة الرئيسين علي عبد الله صالح وعلي ناصر محمد الذي كان يعقد كل ستة أشهر مرة كاد يعقد تحت شعار العمل على إعادة تحقيق الوحدة اليمنية غير أن خطوة ما لم تتحقق في هذا المضمار، إلا أن الرجلين كانا يشتركان في مطبخ الإعداد والترتيب لإزاحة كابوس التيار الفتاحي المعتمد على قوة عسكرية متينة من جنـرالات مدينة لحج في ميلاد مبكر لحركة 13 / يناير 1986م صاحبه الفضل الكبير على الوحدة اليمنية ، وفيما أعتقد - والله أعلم أن لولاها لما توحد اليمن حتى الآن ). أ. هـ.
    وكان ما هو معروف من التفجيرات المدمرة داخل مبنى اللجنة المركزية في عدن ضحى الاثنين: 13 / يناير 1986م واشتعلت بقية الرؤوس الحمراء في إطلال الحزب الاشتراكي بثاراتها ضد أبناء محافظتي أبين و شبوه الذين كانت ألويتهم العسكرية وكوادرهم الفنية قد ارتحلت مع علي ناصر إلى الشمال وبدأت مصارع من كان رفاق عدن يسمونهم بالرفاق في المنظومة الاشتراكية ومع كل يوم و الدنيا تتناقل سقوطهم واحداً إثر آخر.
    وكان أفضع المصارع هو ذلك الذي حدث لديكتاتور رومانيا و تفكك الإتحاد السوفيتي وانقطعت مصادر دعم الرفاق في عدن وصار الحزب الاشتراكي يتخبط على أبواب الجيران وعند بوابات الغرب ممن كان يعدهم إلى الأمس القريب امبرياليين أعداء الشعوب وأندفع الرئيس علي عبد الله لاغتنام الفرصة المناسبة بقيام الوحدة وتلاحقت اتصالاته بعدن حتى تم ولكن بعد شروط مجحفة إعلان الوحدة يوم الثلاثاء 17 / شوال 1410هـ - 22 / مايو1990م ، وجاءت الفترة الانتقالية بأحداثها الانتقامية وأجريت الانتخابات لأول مجلس نواب وحدوي في إبريل 1993م رغم ما شاب تلك الانتخابات من خروقات وتجاوزات وغص الحزب الاشتراكي بحصيلته المتواضعة من المقاعد التي جعلته في الدرجة الثالثة رغم التغاضي الغريب عن استخدامه للقوة وإرهاب الناخبين، ومن هنا بدأ الكلام عن تعديل الدستور الذي تمت موافقة الاشتراكي عليه بعد خروج البيض للعلاج إلى أمريكا وموافقة الأمين العام المساعد سالم صالح والمكتب السياسي في أغسطس 1993م وكان أهم نقاط تلك التعديلات هي المادة الثالثة التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد لكل القوانين ، وتم انتخاب مجلس الرئاسة وكان الوافد الجديد إليه هو الشيخ الداعية عبد المجيد الزنداني أقرب تلامذة أمين عام حزب الله و الوارث لتراثه في أكتوبر/ 1993م وعاد البيض كما هو معلوم من أمريكا إلى عدن وأتخذ قراره بالانفصال مع خاصته من الحضارم العطاس ، حسيون ، السييلي ، وبسريه تامة عن الآخرين في 18 / سبتمبر / 1993م حتى أكمل استعداداته فأعلنها مع مكتبه السياسي بالرجوع عن الوحدة وإعلان جمهورية شطرية من جديد في عدن 21 / مايو / 1994 م .
    وبالمقابل وقف الرئيس علي عبد الله صالح في صنعاء موقفه المستميت إصراراً على انتصار الوحدة واستمراريتها ، وكان يوم ا لسابع و العشرين من إبريل 1994م يوماً دامياً بالمواجهة المروعة بين لوائين مدرعين في معسكر الثورة بعمران أحدهما انفصالي اشتراكي و الآخر وحدوي مؤتمري و بعد أيام كان الانفجار الثاني في معسكر با صهيب بمدينة ذمار وأنطلق الشعب من جباله
    وسهوله ومدنه وقراه يدفع بكتائب المتطوعين المنطلقين بحافز العقيدة الرافعين راية القرآن يتقدمون خطوط النار ويقتحمون حقول الألغام كطليعة للقوات المسلحة باتجاه عدن وباتجاه المكلا وجاءت من خلفهم قوافل العون الشعبي تحمل مختلف ألوان التموين والدعم وتعرضت صنعاء لقصف صاروخي مركز يدمر المنازل ويزهق الأرواح يقذف به شياطين الانفصال ، واستطاع اليمن المثقل بأوجاعه وصعوباته أن يواجه ذلك الطوفان المدعوم من مراكز القوة والثروة في الجزيرة و الخليج ومن ورائهم ، استطاع اليمن بعون المولى سبحانه أن يطرد رؤوس الافك وأئمة الكفر ويحقق الانتصار الوحدوي الرائع يوم الخميس 28 / محرم / 1415 هـ - 7 / يوليو 1994م وحق للفريق علي عبد الله صالح أن يمنحه التاريخ بجدارة وسام أبي الوحدة ولقب الرئيس التاريخي لليمن ومن نافلة القول التنبيه إلى المشاركة الفاعلة والمساجلة طوال هذا المشوار المجيد من جهة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر- رئيس التجمع اليمني للإصلاح ورئيس مجلس النواب ، ومع أنه لا يستطاع استقصاء يوميات هذه المشاركة فإنه من الممكن المرور بأبرز وقائعها فإنه وإن ظل مجافياً للرئيس الغشمي فقد أنهى قطيعته مع مقدم عهد الرئيس علي عبد الله صالح وأشترك هو والصف الإسلامي المنبثق عن الحركة النقية لحزب الله في مواجهة الحاضر المواجهة القوية و النازعة إلى الخروج بالبلاد من غمرات المخاطر التي تعشاها وتحيط بها إلى رحاب الخير والاستقامة و السلامة فكان أن عمل على إطفاء المواجهة الضارية بين أرحب وبين الحارث سنة 1980م كما تقر بذلك المصادر المعادية قبل الموالية وكانت الساحة تهتز في اغتباط خلال الأيام الأولى لإعلان الوحدة التي هي مأمول كل فئات الشعب ، غير أن الدستور كان موضع ملاحظة وتحفظ من جهة الحريصين على إسلامية الشعب وتواصل نهجه الكريم فكان ما ذكره الدكتور عبد الولي في كتابه السالف عن تلك المواقف بهامش ص 133 :
    ( الجدير بالذكر أن الشيخ عبد المجيد الزنداني الذي أصبح فيما بعد عضواً في مجلس الرئاسة أول من أعترض على ذلك الدستور، وهاجمه بشدة وتبنى معارضته إعلامياً وأصدر الفتاوى وسلسلة من الأشرطة من دار إقامته حينذاك في حي العزيزية بمكة المكرمة ، ومن خلاله حملة توعية لليمنيين المغتربين في السعودية و الطلاب في الجامعات حتى أقلق النظام في صنعاء أكثر مما أقلق نظام عدن مما دفع بالنظام إلى معاداته ومضايقته والكيد له ووصل إلى مرحلة التربص به ) أ. هـ.
    ولكن الحماس غير المستبصر لتحقيق إعادة الوحدة لم يتم بتصحيح الأساس و تأصيله فتدافعت اللجان وتم الإعلان وأستمر الصف الإسلامي بزعامة الشيح الأحمر وتوجيه الشيخ الزنداني حثاً للسلطة والجماهير إلى وجوب تنقية الدستور وترشيده يقول الدكتور عبد الولي عن أهم أحداث تلك الفترة ص 134 :
    ( وقد نشبت معركة إعلامية شرسة أطلق عليها معركة الدستور أستصدر تنظيم الإخوان المسلمين فتوى شرعية من أكتر من مائتين من علماء الدين الإسلامي بعد جواز القبول بنصوص ذلك الدستور وأنه يحارب الإسلام وقد أرفقوا بالفتوى مذ كرة تحمل الثغرات والمآخذ على الدستور وقد وزعت بشكل واسع في المدن والأرياف وأنحاز طلاب المعاهد العلمية إلى صف العلماء الذين أصدروا الفتوى كما كتبت الشعارات الرافضة للدستور على الجدران والملصقات في الريف و المدينة وتصدر الشيح عبد الله بن حسين الأحمر المعارضة للدستور باعتباره رئيساً للجنة التحضيرية للتجمع اليمني للإصلاح
    للتيار الإسلامي ، ومن ورائه زعماء التيار الذي كانوا في مرحلة السرية يحركون الموقف ويدفعون الخطط والجماهير ويتفاوضون بصورة معلنه على اعتبار التحفظ الحزبي ما زال قائماً ، وبرز الشيخ / عبد المجيد الزنداني في مقدمة الخائضين غمار معركة الدستور وقام بدور بطل القصة وهو الذي أم الجماهير المتظاهرة في ميدان السبعين لأداء صلاة الظهر بتيمم ، وهتف المتظاهرون وهم زهاء المليون بهتافات ناقمة على ما أسموه ديمقراطية القهر، منها هذا ا لنص:-
    رب نسألك يا إلهي مسألة
    * أهد الشيوعي وإلا أهلكه

    زيد الفوضى بأرض اليمن
    * يا ربي بأرض اليمن يا لله

    قالوا الخمرة بصيرة منجزات
    * وتصاريح الزنا للعاهرات

    شعبنا رافض ..
    * لا لا للدستور .. لا لا للخمور

    قل لمن دستورهم علمانيه
    * يسقط الإلحاد وحزب الشيوعيه

    شعبنا رافض ..
    * لا لا للدستور.. لا لا للخمور

    وعمد حزب المؤتمر إلى انتهاج حملة مضادة تركزت على استصدار فتوى بقضية من رئيس هيئة العلماء ونائبه وبعض العلماء البارزين اجتماعياً والصحفيين وتم استعداء كل أجهزة الأمن و الإعلام والصحافة لشن حملة هجومية شرسة تتهم المعارضين للدستور بالعداء للوحدة اليمنية مباشرة ، وكأن الوحدة هي الدستور.. والدستور هو الوحدة.. وهذا ما أصر عليه علي سالم البيض وأوفدت الوفود من وزارة الخارجية إلى المغتربين والطلاب اليمنيين في خارج اليمن لتوعيتهم بان الدستور إسلامي و لا غبار عليه وكانت المعركة تلك أول قضية يتلاحم فيها الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي ضد التيار الإسلامي) أ. هـ.
    وأضطر الجميع إلى الشرب على القذى والأغضاء ولو إلى حين وجاءت انتخابات إبريل 1993م وما صحبها من تعنت الاشتراكيين وإعتساف غيرهم وانعقد مجلس نواب اليمن الطبيعي الواحد وأنتخب في أغلبية راضية الشيح عبد الله بن حسين الأحمر رئيساً له وأعيد انتخاب مجلس الرئاسة من عضوين من المؤتمر أحدهما رئيس المجلس الفريق علي عبد الله صالح وعضوين من الاشتراكي أحدهما علي سالم البيض نائب الرئيس وعضو واحد من الإصلاح هو الشيخ عبد المجيد الزنداني علماً أن الكتلة البرلمانية الإصلاحية تفوق الكتلة البرلمانية الاشتراكية بعشرين مقعداً وأعيد إلى رئاسة مجلس الوزراء المهندس حيدر أبو بكر العطاس وتقدم ببيانه كما هو معتاد إلى مجلس النواب فكان من خبر ذلك ما قصة كتاب ] ألف ساعة حرب [ الذي نستقي منه معلومات تلك الفترة ولا نحتاج إلى تكرار ذكر العزو إليه ص210:
    ( وأما مجلس الرئاسة فقد انصرف لممارسة مهامه الدستورية وجميعه في صنعاء وكان كل حزب يعكف على تعديلاته الدستورية كل فيما يهمه حتى تقدمت الحكومة الائتلافية ببيانها الذي يعتبر برنامج عملها لمدة أربعة أعوام مقبلة إلى مجلس النواب في تاريخ :4 / 7 / 1993م وكان برنامجاً تتجلى فيه الظروف التي يعيشها الإطار الزمني لذلك البيان ، ففيه كل ما من شأنه أن يدفع مجلس النواب إلى حجب الثقة عن الحكومة فالغموض في التعبير و اللهجة الخطابية والوعود الغير محددة والركاكة الصياغية و القصور الواضح في تحديد المسئوليات كانت سمات ذلك البيان وكان لسان حال حيدر العطاس يقول للنواب : أتحدى من يرفض هذا البيان ، ولعلمه بأن رفض البيان سيكون بمثابة شماعة جديدة للحزب الاشتراكي يعلق عليها كافة أسباب تنصله من الوحدة وتبعاتها ويبرر له التراجع عن اتفاقيات 22 / مايو / 1990 م ومع ذلك فقد تلقى مجلس النواب ذلك البيان الساخر الهزيل بكل تكريم وغضب بعض النواب منه وتصبر آحرون ، وكان أكبر الصابرين عليه عبد الله بن حسين الأحمر رئيس المجلس الذي كان موقفه كمن يداري طفلاً أو يصلح بين قبيلتين همجيتين ويحاول إسترضاء الطرفين ولو على حساب نفسهه ومكانته ومنصبه ) . أ . هـ .
    ويشير ذات المصدر إلى أن البيض كان قد طرح شرطاً أساسياً لتحقيق إعادة الوحدة هو علمانية الدولة وعدم ارتباطها بالدين وأن إصراره على هذا الشرط هو المفسر لما كان يختلقه من مشاكل للدولة في الفترة الإنتقالية وبعد الإنتخابات ، وكان البيض يفتعل كل أسبوع سبباً جديداً لتوسيع الخلاف مما أضطر مجلس النواب إلى تكليف رئيسه ومعه رؤوساء اللجان للتوجه إلى عدن وإِستفسار البيض عن حقيقة الباعث لكل هذه الاشكالات.
    يقول المصدر السابق ص255:
    ( وبالأسلوب المعهود عن الشيح عبد الله بن حسين الأحمر- رئيس مجلس النواب وأعضاء اللجنة المشكلة من المجلس وهو المداراة والتصبر وابتلاع المواقف المنفرة توجهت اللجنة إلى عدن لتلتقي بعلي سالم البيض في يوم 5 / أكتوبر / 1993م لتخرج من عدن بعد سماع شريط كامل من الشكاوي و التبرم من معاملة الرئيس له ، ومن ضمنها: أنه يكلف عناصر رفيعة المستوى في الدولة للتجسس عليه ومضايقته حتى يوم كان في الولايات المتحدة الأمريكية ، وختم شكواه بأنه يطالب بالنقاط الثمان عشرة المطروحة سلفاً كشرط لأنهاء الإعتكاف في عدن.
    وعندما أصر الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر على طلب معرفة الموقف الصريح لعلي سالم البيض عما وراء النقاط المطروحة أجابه بقوله:
    ( ليس لدي ما أقوله للجنة حالياً وإن موقفه مرتبط بموقف الحزب الإشتراكي الذي سيعبر عنه لدى إنتهاء المكتب السياسي من إجتماعاته، وعاد الوفد البرلماني من عدن إلى صنعاء كما قيل في المثل ] بخفي حنين [ بينما أشتدت الحملة الإعلامية المهاجمة لطرفي الأزمة من الجانبين كل يذم شريكه الآخر. وقد وقف رئيس مجلس ا لنواب بعد عودته من عدن على منصة المجلس يعلن أن التعديلات الدستورية قد وصلت إلى باب مسدود وأن الدخول في إنتخابات رئاسية بات حتمياً ) أ. هـ .
    وجاءت لجنة الحوار بوثيقة العهد والإتفاق أواخر سنة 1993م وأوائل سنة 1994م وقد أمضت أشهراً في الأخذ والرد حتى كان توقيعها كما هو معروف في العاصمة الأردنية برعاية الملك / حسين 10 / رمضان1414هـ حيث وقعها الرئيس والبيض و الأحمر وكان توقيع الأحمر عن غير إقتناع بها وإنما لقطع الحلاف وسد الذريعة وأخيراً وقعت الواقعة وكانت المواجهة الضارية بمعسكر الثورة في عمران وصار الموقف دقيقاً قدر ما هو خطير، وأصبح لزاماً على القيادة أن تتخذ قرارها التاريخي رغم كل المخاطر والمحاذير.. و كان موقف التجمع اليمني للإصلاح ما عرضه المصدر السابق ص 494:
    ( فأما حزب التجمع اليمني للإصلاح فقد إنحاز إنحيازاً كلياً في الموقف السياسي والإعلامي إلى جانب الرئيس وحزب المؤتمر عدا قرار الحرب فقد كان تخوف حزب الإصلاح كبيراً ومحاذيره كثيرة ويذهب تفكيره بعيداً في تحليل أبعاد المعركة ونتائجها) أ. هـ.
    وفي اليوم الثاني لإندلاع الحرب 5 / 5 / 1994م كان مجلس النواب ينعقد ص (510 ) : (مجلس النواب ينعقد في ظل هدير الرصاص من الدفاعات الجوية وتحليق الطيران الحربي وبحضور غالبية أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي ويرأس الجلسة الشيح عبد الله بن حسين الأحمر ويسحب الثقة من حيدر أبو بكر العطاس) وفي اليوم الرابع لقيام الحرب مجلس النواب اليمني يجتمع في صنعاء ويصدر قراراً بإسقاط الشرعية عن علي سالم البيض ويطالب جميع الدول و التنظيمات بوقف التعامل والتواصل معه وفي 26 / 5 / 1994م وحرصاً على توضيح الموقف للجيران توجه الشيح عبد الله إلى أبو ظبي عاصمة الإمارات المتحدة للإلتقاء برئيسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لإزالة الغبش الذي كان قد أثاره الإعلام الإشراكي ، وبعد أيام أيام أذن المولى سبحانه لهذا الشعب الصابر أن تلتقي قواه وتتحد حقاً وفعلاً لا قولاً وهزلاً كل جنباته وأطرافه وبعد معارك ضارية سقطت فيها الكثير من الأجساد الكريمة و الأرواح الطاهرة والدماء الغزيرة في مكيراس و الضالع والعند و الشقعة وصبر غرباً وبروم في الجهة الشرقية دخلت القوات الوحدوية التي قادها بكفاءة قائدها الميداني المؤمن الحازم والمجاهد حقاً العقيد الركن علي محسن صالح الأحمر ورجال مخلصون أكفاء عملوا معه تحت رعاية وإشراف القائد الأعلى رئيس الجمهورية الفريق علي عبد الله صالح - وأستبان لأبناء الوطن وللصحفيين و المتابعين من الدول العربية وسائر دول العالم الواقع الفظيع الذي عانته عدن وأخواتها من حكم الرفاق الحمر المبلسين طوال ربع قرن فما أضافوا جديداً بل ولا أحسنوا المحافظة على ما تركه الإستعمار من منشأت كالميناء ومصفاة عدن الصغرى ] البريقا [ ودهش الناظرون لتشعث أحياء عدن وفقدان مبانيها وطرقاتها للصيانة و التجديد والتنظيف وشهدوا معهد النور بالشيخ عثمان الذي أقامه العلامة المصلح محمد بن سالم البيحاني ليكون محضن هدى وعرفان ومصدر خير وإحسان فأحاله الحكم الماركسي إلى مبنى من مباني الداخلية تتكدس فيه كتبهم الحمراء وممارساتهم المجرمة.
    وما كان هم أولئك الأشقياء إلا المحافظة على مصنع صيره للخمور و السوائل القذرة المدمرة وكانوا يصرون على إقتطاع ثلاثمائة مليون ريال من خزينة الشعب والوحدة كميزانية لا بد منها ولا تنازل عنها لاستمرار ذلك المصنع الرجيم وكان يوم الخميس : 28 / محرم / 1415هـ - 7 / يوليو / 1994 م يوماً أغر محجلاً في تاريخ اليمن الميمون حيث زامل فيه إنقاذ عدن في الجنوب و المكلا في الشرق وأستأنف مجلس النواب أعماله وكان مقدمتها إنجاز التعديلات الدستورية وفي جوّ حرّ مسئول أتفق نواب الشعب على إدخال التعديلات التي شملت الكثير من المواد بحيث أعيدت صياغة الدستور صياغة كاملة تعبر عن روح شعب الإيمان والقرآن والخير وتحول رأس الدولة من محلس رئاسة إلى رئاسة الجمهورية وتم إنتخاب الرئيس الفريق علي عبد الله صالح قائد النصر المظفر رئيساً للجمهورية وكان في مقدمة العاملين لذلك التحول هو الشيخ الداعية عبد المجيد الزنداني عضو مجلس الرئاسة الذي فضل إفساح المجال للرئيس و إعطائه صلاحياته الدستورية ليمارس مهامه في روية ومسئولية ، وخرج الزنداني ليرأس لجان الإغاثة ومساعدة منكوبي الحرب في المناطق الشمالية و الجنوبية والشرقية.
    وبدأت أوزاغ الشيطان تعاود نشاطها لإ شعال الحرب على الحدود مع الجيران في الشمال وتحرك الشيخ عبد الله الأحمر - رئيس مجلس النواب على رأس وفد كبير كان من أبرز أعضائه الأستاذ عبد القادر باجمال نائب رئيس الوزراء للتفاهم مع عاهل العربية السعودية وسائر الأمراء والوزراء المختصين وأمضى قرابة شهرين حتى تكللت مساعيه بالنجاح فكان صدور إتفاقية التفاهم حول العلاقات العامة بين الشعبين وترسيم الحدود في ليلة السابع والعشرين من رمضان 1415هـ وتشكلت اللجان العاملة وتواصلت الجهود وكان أحدثها في هذا المجال الزيارة التي قام بها الأربعاء14/ ربيع آخر /1417هـ - 28 / أغسطس / 1996 م نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع والطيران المفتش العام الأمير سلطان بن عبد العزيز وأخوه الأمير نايف وزير الداخلية ونزلا ضيفين عزيزين في صنعاء ثم زارا تعز وغادراها بعد أن جرى التبرع السخي لمشاريعها المفتقرة إلى الاكمال وإفتتاح مستشفى حجه الذي إعتمدت السعودية لإقامته ثلاثمائة مليون ريال سعو دي ، و توقيع إتفاقية تعاون إقتصادي تجاري إستثماري وأعتبر المراقبون هذه الزيارة دافعاً قوياً لإنجاح عمل اللجان المتعلقة بترسيم الحدود التي أنجزت أعمالها.
    كما أن إزالة الصعوبات المعوقة لإنضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي وتحسر العلاقة مع السعودية تعد ثالثة ثلاث قضايا كبرى تؤرق الحس العام اليمني ، أما الأخريات فأولاهما إستمرار إحتلال حنيش من ديسمبر سنة 1995م مع ما تجدد من التسلل الإرتيري إلى حنيش الصغرى عام 1996 م وبعد تدخلات دولية وضغوطات متعددة أصبحت القضية في إنتظار ما يسفر عنه التحكيم و المؤلم أن هناك من أبناء البيت العربي من يتخذ هذا الموضوع عامل إنتقام من موقف اليمن عند إحتلال العراق الكويت ومنهم من يتخذه عامل ضغط لتنازلات يلح على قبول اليمن بها في أطراف حدودية هي بدورها محل نزاع ، والأدهى في الأمر أن قوة عالمية كبرى تصر على أن تتخذ من إرتيريا في الجنوب الغربي من البحر الأحمر قاعدة إستراتيجية تماماً كإسرائيل في الشمال الشرقي لهذا البحر، والحرب الدائرة في السودان منذ رمضان 1417هـ / يناير /1997 م من قبل المثلث الصليبي : أثيوبيا- إرتيريا - أوغندا - تستهدف إسلامية السودان وثروة منابع النيل ومداخل البحر الأحمر وقد مولتها مجموعة كبرى من دول أوروبا والولايات المتحدة لإقامة دولة صليبية تمتد من جنوب السودان إلى شرق زئير، وقد أعتمدوا لها أكثر من ثلاثة مليار دولار وفي نيتهم أن يجمعوا لها أجزاء من الصومال وجيبوتي والسودان وأوغندا ، أما ثانيها فهي قضية الإنتخابات المقرر إجراؤها في إبريل 1997 م ويرتكز الخلاف حول اللجنة العليا للإنتخابات التي باشرت عملها بموجب قانون إنتخابات سنة 1993م وتصر المعارضة ومعها الإصلاح على إعادة تشكيلها طبقاً لقانون الإنتخابات المعدل والصادر في أغسطس 1996م كما تصر المعارضة على تصحيح قوائم القيد و التسجيل عملاً بقرارات صادرة عن محاكم شرعية في هذا الشأن.
    ونظراً لًتصلب المؤتمر في رفض هذين المطلبين فإن الإصلاح فتح حواراً مع الحزب الاشتراكي ومجلس تنسيق أحزاب المعارضة وتوصلوا إلى برنامج تنفيذي يحدد الخطوات التي يتخذونها من أجل تامين سلامة العملية الانتخابية ، وآخر ما صدر عن التجمع اليمني للإصلاح هو أن مجلس شوراه أوصى بعقد الدورة الثانية للمؤتمر الأول للتجمع اليمني للإصلاح وقد أنعقدت يومي الأربعاء والخميس رجب 1417هـ - 20 / 21 / نوفمبر1996م بمشاركة ثلاثة الآف من التجمع جاءوا من كل أرجاء الجمهورية وجرى الإنعقاد في قاعة 22 / مايو بمبنى الكلية الحربية بصنعاء ، وفي إحتفال الجمهورية بذكرى التاسعة و العشرين ليوم جلاء القوات البريطانية عن عدن أعلن الرئيس الفريق إغلاق ملف الحرب والعفو العام و السماح بعودة الجميع وصاحب ذلك قدوم الرئيس السابق علي ناصر محمد إلى عدن مشاركاً في إحتفالات الثلاثين من نوفمبر بعد غياب عن عدن دام عشر سنوات وصدر قرار بمنح أوسمه لثلاثين يمنياً منهم عبد الفتاح إسماعيل وعلي أحمد عنتر وصالح مصلح قاسم وسالم ربيع علي في ذات الوقت كان كثير من السلاطين كالفضلي والقعيطي قد عادوا إلى مناطقهم الأصلية كمواطنين.
    من كل هذا يبدو عزم عهد الرئيس الفريق علي عبد الله صالح على تساكن الجميع ودفن أخاديد الماضي وقيام يمن يرحب بكل أبنائه للمشاركة في بنائه ، بقي أن نرى تعزيز هذا الواقع اليومي من خلال القدرة الإدارية و التخطيط والتطبيق التنموي المحقق لثبوت وإستمرارية هذه البادرة النادرة في سائر الوطن العربي وكان من أكثر المستجدات إدهاشاً إنعقاد مجلس الوزراء يوم 4 / ديسمبر 1996م / 21 / رجب 1417هـ وإعلانهم عن دمج ميزانية المعاهد العلمية ضمن ميزانية وزارة التربية والتعليم وقد أنسحب من الجلسة الوزراء التابعون للإصلاح وواصل المجلس انعقاده وعلى إثر ذلك تحركت قيادة الإصلاح العليا وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله ونائبه الأستاذ ياسين عبد العزيز والأمين العام محمد عبد الله اليد ومي والأمين العام المساعد عبد الوهاب الآنسي، إلى عدن في للاجتماع برئيس الجمهورية وأشيع أنهم اتفقوا على وقف ذلك الدمج غير أن الميزانية العامة لسنة 1997م طرحت أمام مجلس النواب ديسمبر / 1996 م وعمل الشيح عبد الله على إكمال الإجراءات الدستورية لإقرارها رغم انسحاب الكتلة البرلمانية للإصلاح وموضوع المعاهد تلتف حوله عدة خيوط من جهات شتى من الحرص على محو التعليم الديني كلية ومنها حرص بعض المذهبيين على ديمومة مذهبهم ، و آخرون لهم أغراض وقد إستعرض الأستاذ نصر طه مصطفى في صحيفة ] المستقلة [ التي تصدر من لندن في عددها الصادر 26 / شعبان1417هـ - 6 / يناير 1997م قصة المعاهد منذ ما قبل إعادة الوحدة وأنه بعد قيام الوحدة رأت لجان الدمج رفع موضوع دمج المعاهد بوزارة التربية و التعليم إلى القيادة السياسية العليا لترى فيها رأيها ، وظل الموضوع مجمداً طوال عامين من سنوات الفترة الانتقالية ، وهنا نصغي قليلاً للأستاذ نصر، يتابع المجريات قائلا : ( فجاء الحزب الاشتراكي الأوساط السياسية بطرح مشروع قانون التعليم ثم إعداده من قبل بعض أعضاء لجنتي التربية و التعليم العالي بمجلس النواب الذي كان يرأسه آنذاك الدكتور ياسين سعيد نعمان عضو المكتب السياسي للحزب في حين تم تجاهل مشروع القانون الذي أعدته اللجان الوحدوية وسبق إدراجه ضمن أعمال المجلس وكانت تلك أول مخالفة دستورية يتم ارتكابها في هذا الأمر ذلك أن مشروع القانون الذي أعد ته لجان الوحدة قد تمت إحالته إلى مجلس النواب بعد إقراره في الاجتماع المشترك لمجلس وزراء الشطرين قبل الوحدة مباشرة وكانت النصوص الدستورية واللائحية الخاصة بالبرلمان تنص على ذلك بل وكانت هذه المواد القانونية تنص على أن أي مشروع قانون يتم إعداده من قبل لجنة من لجان المجلس فلا بد من عرضه على اللجنة الدستورية و القانونية بمجلس النواب قبل عرضه على الأعضاء وهذا الأمر لم يتوفر في مشروع القانون الذي أعده بعض الأعضاء سراً وكرد فعل على ذلك قام أعضاء آخرون في لجنتي التربية و التعليم العالي بإعداد مشروع قانون آخر بالتعاون مع عدد من المختصين التربويين وجرت محاولات لإقناع رئيس المجلس بعرض المشروعين على الأعضاء إلا أنه رفض وأصر على إنزال المشروع الذي أعده الموالون للحزب الاشتراكي ، وبحكم فرض أمر واقع كقد تم الحوار الموسع في إطار المجلس حول القانون في حين كانت تجري المفاوضات السياسية بين قيادات الأحزاب الكبيرة الثلاثة بالتحديد ، و كانت المشكلة حينذاك أن مشروع القانون ينص على إلغاء المعاهد العلمية تماماً في مراحلها الثلاث دون إستثناء المرحلة الثانوية على الأقل باعتبارها تخصصية واقتصرت المواجهة السياسية في حينها بين الإصلاح والإشتراكي في حين حاول المؤتمر أن يظل على الحياد ، فهو من ناحية يرغب في أن يتم إلغاء المعاهد إلا أنه كان في وضع صعب فعلاقته مع الاشتراكي في غاية السوء ولا يبدو أمامها أي مستقبل حقيقي فهي تخرج من أزمة لتدخل في أخرى وهو من ناحية ثانية يحتاج إلى الإصلاح في هذه المرحلة كطرف قوي وجاد يسانده سياسياً وشعبباً في خلافه مع الاشتراكي ، وهكذا توصل المؤتمر إلى الحل العبقري الذي تمثل في إستكمال مناقشة مشروع القانون في المجلس فذلك يوفر له تجاوز العقبة القانونية دون أن يتحمل هو مسؤوليتها ثم يتم تجميد العمل بالقانون فيما بعد كإرضاء للإصلاح ، وبالفعل فهذا الذي تم إلا أن الثغرة القانونية والدستورية الكبرى التي حدثت هو أن مشروع القانون قد تعثرت إجراءا ت تطبيقه أمام الحكمة العليا باعتبار أن الإجراءات الأولى لعرضه على المجلس كانت مخالفة للدستور ولوائح المجلس كما أوضحنا قبل قليل ثم باعتبار أن إجراءا ت التصويت عليه في الختام قد شابتها ثغرات دستورية وقانونية كون الجلسة التي تم التصويت فيها لم يتوفر لها النصاب القانوني إذ كان الحاضرون فيها (141) عضواً أي أقل من النصف وأنسحب منها حوالي ثلاثين عضواً قبل نهايتها ، ولم يصوت على المشروع إلا ما يزيد عن مائة عضو بقليل ، وبالتالي فقد أصبح من المؤكد بطلان كل الإجراءات المتعلقة به بداية ونهاية ، لكن الذي حدث أن المحكمة العليا تجاهلت البت في الأمر منذ ذلك الحين (صيف 1992 م ) وحتى الآن في حين أن المؤتمر أعطى الأمر صيغة قانونية ودستورية عندما سكت عما جرى ثم بادر من خلال شخص رئيس مجلس الرئاسة حينذاك إلى عدم إصدار القانون كما ينص الدستور ثم تجميد العمل به وعدم تطبيقه هو قرار سياسي ، وهكذا بقي الأمر على الرف حتى يتم توظيفه حال الاحتياج إليه وقد جاءت هذه اللحظة قبل موعد الإنتحابات النيابية القادمة بسته أشهر فقط ، ويرى مراقبون سياسيون أن إستخدام هذه الورقة من قبل المؤتمر الآن هو نوع من الرد على موقف الإصلاح التي أنفتح فيها على أحزاب المعارضة وأجرى معها حوارات أوصلته وإياها إلى برنامج تنفيذي لضمان نزاهة الإنتخابات القادمة لكن الحقيقة تكمن في أن حوارات ثنائية بين حربي الإئتلاف تجري منذ أكثر من عام تضمنت فيما تضمنته مسألة دمج المعاهد العلمية ضمن وزارة التربية وتؤكد مصادر مطلعة أن الإصلاح لم يعد متشدداً في هذا الموضوع كما كان في السابق لكنه كان يحث المؤتمر الشعبي على إبعاد المسألة التربوية و التعليمية عن المكايدات السياسية ودفعها باتجاه تربويين متخصصين ومحايدين للنظر في الموضوع و البت فيه بأسلوب علمي موضوعي يجنب القضية أي حساسيات حزبية أو سياسية .
    كما أن الإصلاح كان يحث على أن تأخذ المسالة فيما بعد مسارها الدستوري و القانوني الصحيح باعتبار أن مطاعن كثيرة قد صاحبت عملية إقرار مشروع القانون الحالي لكن الأمور وصلت إلى طريق مسدود حتى تفجرت فجأة في الآونة الأخيرة وخاصة بعد عقد الإصلاح للدورة الثانية لمؤتمره العام الأول ، ورغم أن الرئيس علي عبد الله صالح قد وجه بتنفيذ القانون لكنه أعلن في أحد خطاباته أن على الحكومة أن تقوم بمراجعة القانون واقتراح التعديلات اللازمة له إذا كان الأمر يتطلب ذلك وكانت هذه البادرة من الرئيس خطوة إيجابية بهدف تخفيف التوتر والخروج بماء الوجه لطرفي الإئتلاف حيث يصبح قيام الحكومة بإعادة النظر في القانون ثم إحالته إلى مجلس النواب خروجاً من مأزق الطعن الدستوري والقانوني المقدم ضده وفي هذا حفاظ على ماء الوجه بالنسبة للمؤتمر كذلك فإنه بالنسبة للإصلاح يصبح مدخلاً لمناقشة موضوعية تربوية تخصصية تيسر سبل معالجة وضع المعاهد العلمية بأسلوب صحيح يخرجه من الحرج السياسي وفي ذلك حفاظ على حفظ ماء وجهه هو الآخر، إلا أنه كما يبدو هناك أطراف لم يسرها خروج الحليفين باتفاق ودي حول الموضوع فدفعت بإجراءات غريبة في مجلس الوزراء تتنافى مع توجيهات الرئيس ثم دفعت باتجاه فتح جبهة إعلامية تكون نتيجتها وصول طرفي الإئتلاف إلى طريق مسدود في حوارهما الهادئ حول هذا الأمر . إن كل المؤشرات تؤكد أن الإصلاح يرغب في معالجة هادئه لهذه المسألة ، وأنه كحزب كبير أصبحت له قاعدته الشعبية الراسخة لم يعد مصيره معلقاً ببضع معاهد دراسية لم تعد الدولة من خلال موازنتها تفيها بأدنى متطلبات سيرها التربوي والتعليمي سواء فيما يخص الباب الثاني في الموازنة وهو الخاص بالتشغيل أو فيما يخص البابين الرابع و الخامس اللذين يتعلقان بالمشاريع والمباني وغير ذلك ، إذ أن أكثر من 90% من موازنة المعاهد العلمية أصبحت مخصصة للباب الأول الخاص برواتب الموظفين و المدرسين وهو الأمر الذي لا تستطيع الحكومة أن تتضل منه بإعتبار هؤلاء الموظفين مواطنين يمنيين لهم من الحقوق مثلما هو لبقية الموظفين في سائر أجهزة الدولة . ) أ. هـ
    وقد تصاعدت تلك الدوامة للدفع بالبلاد إلى صرع و اسع ولكن حكمة الأخ الرئيس و العقلاء في المؤتمر إلى جانب إخلاص قيادة الإصلاح واتزانها ، كل ذلك و الحمد لله أثمر إتفاقاً بين الحزبين الحليفين المؤتمر و الإصلاح جرى توقيعه يوم السبت 19 / رمضان / 1471هـ - 15 / يناير/ 1997م وضع فيه الحزبان الحلول المتفق عليها من موضوع الانتخابات الجاري الإعداد لها ولما بعد إكمال الإنتخابات والمرحلة التالية لها وقبل توقيع هذه الإتفاقية بيوم وقف الأخ الرئيس الفريق علي عبد الله صالح يعلن أمام المصلين من فوق منبر الجامع الكبير بصنعاء الجمعة : 15 / رمضان / 1417 هـ - 14 / يناير / 1997م إلتقاء قيادات الشعب وإنهاء كل محاولات التمزيق و التفريق ودعى الخطباء لتناول قضايا الشعب تناولاً سليماً يضع الحلول ويعمق الوحدة ، كما وقف الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بعد يومين غداة ذكرى بدر الكبرى الأحد :
    17 / رمضان / 1417هـ - 26 / يناير / 1997م يعلن في إفتتاح ا لاحتفال السنوي للجمعية الخيرية لتعليم القرآن يعلن تبرع الأخ رئيس الجمهورية للجمعية بعشرة ملايين ريال وتبرعه هو لها بمليون ريال دعماً لدورها في تعميم القرآن الكريم في سائر محافظات الجمهورية.

    (5)* مع التجمع اليمني للإصلاح:

    لعلنا في غنى عن تكرار التذكير بالارتباط الناتج عن القناعات المتأصلة لدى كل من المجاهد الشهيد أمين عام حزب الله محمد محمود الزبيري ولدى شرائح الشعب اليمني كافة والقبائل منهم خاصة وفي مقدمتهم حاشد وشيخها عبد الله فقد مر بنا من تفاصيل ذلك وحقائقه ما يكفي ، فقط نعود هنا لتأكيد التقائهم على خط الله المنبثق عنه مسار اليمن الإسلامي عقيدة وشريعة وأخلاقاً وأعرافاً وهو الذي إلتقى عليه الرجل القادم من القاهرة ثاني أيام الثورة السبتمبرية بعد منفى طويل والقادم في ذات اليوم إلى صنعاء من المحابشة بعد إعتقال دام ثلاثة وثلاثين شهراً ، وما كان إلا أن التقيا ولأول مرة حتى أحسا أنهما متعارفان منذ رمن طويل ، إن إلتقاء العقول الراجحة و القلوب النقية والأرواح الطاهرة التي هي جنود مجندة ما تعارف منها إئتلف وقد تعارفا على الأصلين المعصومين: الكتاب والسنه وانطلقاً مع كل اليمن على النهج القويم ، وكانت خلاصة جهود الشيخ في حط اليمن الإسلامي كما هو معروف وكما حدثتنا الصفحات السالفة من هذه الدراسة شعبياً طريق المؤتمرات ورسمياً من خلال مواقعه التي شغلها ، وحهادياً من خلال مشاركته وقبائله وغيره من فئات الشعب المختلفة والواسعة على امتداد الساحة في التصدي لحملات التخريب وعبث الأشقياء ، وعلى نطاق العطاء البناء ما أمكن للخط الإسلامي بالتعاون مع الدولة من نشر المعاهد العلمية التي أصبحت والحمد الله تتوج هامات المدن والأرياف و الجبال والتلال والثغور، ومدارس تحفيظ القرآن ونشر الجمعيات الخيرية و المشاركة في حل الإشكالات المعارضة للأفراد و الجماعات وذلك في الداخل ، أما على نطاق الخارج فالتبني لقضايا العالم الإسلامي ومن ورائها القضايا الإنسانية العامة باعتبار الإسلام دين الله الخالد الكامل الشامل بالرعاية والتوجيه لكل أبناء الإنسان فكانت المساهمة بحسب الإمكانات المتاحة في قضية فلسطين وزيارات خطوط النار في الجهاد الأفغاني ضد الغزو الروسي الغاشم والتعاطف مع قضية البوسنة و الهرسك دعماً بالمستطاع ، وقد تجاوب الشعب اليمني رجالاً ونساء أفضل صور التجاوب وأجمل مظاهر التعاون الأخوي الإسلامي، ولما قامت الوحدة و أعلنت السلطة التعددية الحزبية وجد الخط الإسلامي نفسه ملزماً بمواجهة الواقع و الضرورة التي لا محيص عنها فكاد قيام التجمع اليمني للإصلاح في 13 / سبتمبر / 1990م الذي استغرق وقتاً للتحضير والإعداد برئاسة الشيخ و العلماء العاملين و المثقفين الجادين والتجار الطيبين ومشائخ القبائل الغيورين حتى كاد تحقيق النصر المكين للوحدة بعد حوادث الإنفصال المؤسفة وشهدت صنعاء صباح الثلاثاء:
    15/ ربيع آخر / 1415 هـ -20 / 9 / 1994م إجتماع محافظات اليمن ومدنها وأريافها تشارك في أعمال المؤتمر اليمني الأول للإصلاح ، و كان أن شرفني ذلك المؤتمر الجامع والمهيع الرائع بإلقاء أول قصيدة في إحتفالاته حرصت أن تكون صادقة التعبير عما هو قائم وعما هو منتظر أوردها هنا كاملة لدقتها التعبيرية وتوفيقها الإستعراضي و التوجيهي ألقاها عني أخي ا لشقيق العزيز وكنت من المشاركين في الحضور:
    * جئت شوقاً إلى إعتناق الحقيقة:
    من حمى الأعذبين نحل ونخل
    * ذا ترى ذوبه وهذا عذوقه

    وربى الأبيضين قطن وفل
    * أفعم الجو بالمجاني الرشيقه

    جئت شوقاً الى اعتناق الحقيقه
    * وإحتفاء بالهيئه المرموقه

    ملء روعي إيقاع مرحلة كبرى
    * تهز المدى وتجلو شروقه

    ملء وعيي إصداء نصر فريد
    * فجر الحق رعده وبروقه

    منهياً وصمة السكوت المداري
    * كاشفاً للفضائح الموهوقه

    فإذا الساحة الشتيتة تبدي
    * وثب موتورة ونجوى مشوقه

    سندستها الغيوم وأستنبتتها
    * بعد غاب الغيلان روضا أنيقة

    فأستعادت كثبانها والشواطئ
    * رحلة حرة ودنيا طليقة

    وبرغم الأحزان والتيه عادت
    * تهتدي فجرها وتدري طريقه

    دارنا يا أحباب قاومت النوم
    * وأعيت إغماءه وخفوقه

    واصلت صحوها نجوم توالت
    * في الذرى والربى قروناً عتيقة

    منذ كان الصليب يعبث بالشام
    * وكان التتار يذكي حريقه

    فارس في شعاف يفرس يسمو
    * برؤى شعبه ويحمي حقوقه

    وإمام كإبن حمزة يحيى
    * مفرد في إحتفائه بالخليقة

    والوزير المفضال من ذا يباري
    * سطح تياره ويبلو عميقه

    والأمير العظيم والعدل والإصلاح
    * كانا صديقيه ورفيقه

    ثم شيخ الشيوخ شوكاني الميزان
    * أرانا للعدل أزهى حديقة

    والزبيري نصف قرن عطاء
    * عبأً الدار ثورة صديقه

    كل أصواتهم هنا تتراءى
    * كتلة حية ومسكاً فتيقة

    فأجعلوا من تراثهم ومن التحديث

    * قواماً لبعث ذات عريقة

    إن فهم اللسان والدين والعصر
    * منار الرؤى ورشد الطريقة

    سارعوا في توحيد تثقيفه الشعب
    * تقم وحدة البلاد الوثيقة

    آن أن تلتقي البلاد على النبع
    * وتنهي كل البلايا المعيقة

    إن خط التثقيف والعدل والإنماء
    * هو خط موحد في الحقيقة

    إن ثقل القرون يرقب فيكم
    * من يجلي مرجانه وعقيقه

    إن للحاضر المهيض نداءً
    * أن تطبوا جراحه وحروقه

    إن للمقبل المهل ضغوطاً
    * تترجى التخطيط لا التعليقة

    إن هذا اللقاء أخرى اللقاءات
    * بوضع النتائج المصدوقة

    وخرج المؤتمر بتشكيلته النابعة من إختيار حر وبعد بحث دقيق ومسؤول في كل أدبيات المؤتمر. وقد إنتخب المؤتمرون هيئتهم العليا برئاسة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ونائبه العلامة الداعية ياسين عبد العزيز، ومجلس شوراهم برئاسة العلامة الداعية عبد المجيد الزنداني وعهدوا بالأمانة العامة إلى الأستاذ محمد عبد الله اليدومي وأقرت كل أسس وبرامج العمل وتتابعت إفتتاحات فروع المؤتمر من المهرة شرقاً إلى الحديدة غرباً ومن عدن جنوباً إلى صعده شمالاً ، وكان الشيخ يرأس أغلب وأهم تلك الافتتاحات ونشطت فعاليات المؤتمر تقدم عطاءها الخير المتنوع للساحة ، فإلى جانب المعاهد العلمية أنتشرت مدارس تحفيظ القرآن و كان أحدث إحتفالاتها بالخريجين رمضان : 1416هـ كان على رأس الإحتفال السنوي الأخ الرئيس الفريق علي عبد الله صالح الذي أعلن عن تبرعه دعماً لمدارس تحفيظ القرآن بعشرة ملايين ريال كمساهمة من الميزانية العامة في هذا المجال وكان الشيخ عبد الله رئيس التجمع اليمني للإصلاح في مقدمة الحضور و الراعي الفعلي لهذا النشاط وقد أعلن عن تبرعه بمليون ريال أما نشاط جمعية الإصلاح الخيرية برئاسة الدكتور طارق سنان أبو لحوم في مجال إفطار الصائمين وتوزيع كسوة عيد الفطر في نفس الشهر إلى جانب ما تقدمه من عون خيري كريم فتفصله صحيفة الصحوة الصادرة 19 / رمضان 1416هـ:
    ( تستعد جمعية الإصلاح الإجتماعي الخيرية لتقديم كسوة العيد في المحافظات المختلفة حيث يستفيد منها 4200 يتيم بتكلفة تقدر بستة ملايين ريال و15ألف طفل من أطفال الأسر المحتاجة حيث تقدر التكلفة الإجمالية للمشروع بـ 27 مليون ريال وتواصلت خلال الأسبوع الثاني من رمضان الأنشطة الخيرية للجمعية حيث بلغ عدد المستفيدين من مشروع الإفطار عشرين ألف شخص، كما وزعت وجبات الأفطار على منازل 600 أسرة فقيرة في كل من مأرب وحضرموت وأبين وتوزع اللحوم لـ (255) أسرة في عدن يومياً كما وزعت اللحوم خلال الأسبوع الفائت على ألف أسرة بأمانة العاصمة ، فيما قدم فرع الجمعية في سيئون مساعدات نقدية لـ ( 175 ) أسرة بواقع ألفين ريال لكل منها وتم كفالة 230 يتيماً جديداً في كل من المهرة وتعز و الحديدة ووزعت ثلاجات المياه على المساجد وأقسام المدارس الداخلية والمستشفيات في محافظة المهرة فيما تواصلت خلال الأسبوع الثاني من رمضان تقديم المواد الغذائية ( القمح- الدقيق- السكر) على المحتاجين في محافظات الجمهورية المختلفة.
    وشارك فرع الإصلاح في عدن بإحياء ذكرى غزوة بدر الكبرى بإحتفال إسلامي متنوع الفعاليات إفتتحه رئيس المكتب التنفيذي هناك المهندس سالم بن صالح حليس ومعه كوكبة من العلماء والمثقفين وجمع غفير من المواطنين ويعرض ذات العدد من الصحوة خلاصة موقف مجلس النواب من أزمة حنيش التي فاجأها الإرتيريون بالإحتلال في ديسمبر / 1995م تقول الصحوة :
    ( من خلال إستقراء مواقف مجلس النواب في تجاه الإحتلال الإرتيرى تبين لنا الآتي:-
    1- أعتبر المجلس الخطوة العدوانية للحكومة الإرتيرية بمثابة تهديد صريح لحركة الملاحة الدولية ويعرضها
    للخطر وإفتعال للخلافات بين الدول المطلة على البحر الأحمر وخلق للذرائع والمبررات المختلفة للأطماع
    الخارجية في تمكينها وضع أقدامها بقوة في منطقة حيوية من العالم كالبحر الأحمر وباب المندب.
    2- تأكيده الصارم على إلتزام الحكومة اليمنية بالنصوص الدستورية التي تلزمها المحافظة على السيادة الوطنية وسلامة التراب اليمني من أي إنتقاص أو إعتداء و الدفاع عنه وتحميلها مسئولية التقصير و التهاون أو التفريط بأي جزء من الأرض اليمنية تحت أي ذريعة كانت وإلزام الحكومة بالتمسك بالحقوق التاريخية و القانونية لبلادنا في الجزيرة المحتلة.
    3- مطالبته الحكومة باعتبارها السلطة التنفيذية بإتخاذ التدابير الجادة بحماية الجزر و المياه الإقليمية اليمنية ورفضه المطلق الربط بين إنهاء آثار العدوان في الجزيرة اليمنية المحتلة وبين الخطوات و التدابير الدفاعية التي تتخذها الحكومة في أي جزيرة أخرى من الجزر اليمنية لأن السيادة الوطنية لا تتجزأ البتة.
    4- توجيهه الحكومة بضرورة تحديد سقف زمني للجهود المبذولة لإزالة آثار العدوان بالطرق السلمية حتى لا يتم فرض سياسة الأمر الواقع على الجزيرة المحتلة.
    5- مطالبته الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق حول أسباب وملابسات سقوط الجزيرة اليمنية في قبضة الإحتلال وتحديد المسؤولين عن التقصير لإتخاذ الإجراءات القانونية بشأنهم وتقديم تقرير حول الموضوع خلال عشرة أيام من 31 / 2 / 1995م حتى لا تتكرر مثل هذه الأخطاء و الخطايا التي تمس الكرامة و السيادة الوطنية في الصميم.
    6- رفضه لأي شكل من أشكال إنتقاص السيادة اليمنية على أراضيها وجزرها ومياهها الإقليمية ومعارضته الشديدة لأي توجه نحو تدويل إحتلال الجزيرة اليمنية) أ. هـ.
    وفي ربيع الأول 1417هـ أقيم في صنعاء حفل زواج جماعي لمجموعة صالحة من فتيان وفتيات اليمن الميمون من ضمنهم بعض أبناء الشيخ عبد الله رئيس التجمع وتعرض الصحوة 3 / ربيع أول 1417هـ نشاط جمعية الإصلاح الخيرية برئاسة الدكتور طاق سنان أبو لحوم في هذا المجال: ( تقيم جمعية الإصلاح الخيرية هذا اليوم حفل الزفاف الجماعي الثالث بأمانة العاصمة صنعاء ، والثاني عشر على مستوى الجمهورية وذلك في مدينة الثورة الرياضية لـ ( 200 ) عريس وعروس ، صرح بذلك د. طارق سنان أبو لحوم رئيس الجمعية الذي أشار إلى أن هذا المشروع ليس الأول من نوعه وإنما سبقته حفلات زفاف أخرى في مختلف محافظات الجمهورية حيث أستفاد من المشروع أكثر من (1436) عريساً وعروساً إبتداء من عام 1993 م ونوه إلى أن هذا المشروع الخيري الرائد يمثل صورة حضارية مشرقة لهذا البلد لتعميق أواصر الروابط و العلاقات بين أبناء المجتمع اليمني الأصل من خلال هذه التظاهرات الإجتماعية التي تحارب البذخ و الإسراف والمغالاة في المهور وغيرها من العقبات التي تقف عائقاً أمام الشباب الذين يسعون لإكمال نصف دينهم ويحقق بذلك سعادة المجتمع.
    ويذكر أن الجمعية تتكفل بنفقات العرس والغذاء كاملة إضافة لتقديم مساعدات مالية لكل عريس).
    ويتواصل نشاط جمعية الإصلاح في مجال خدمة القرآن وحضر الشيخ عبد الله في ربيع أول / 1417هـ حفلاً شارك فيه متحدثاً بإسم الجمعية رئيسها عبد الحق القاضي حيث جرى تخرج الدورة الأولى من معلمي القرآن الكريم وكان تعدادهم مائتين وخمسين معلماً ودخول معلمي الدورة الثانية في المركز السادس لتحفيظ القرآن وعلومه بعدد مساوٍ ، وفي نفس الوقت كانت تجرى ندوة إصلاحية تتمحور المشاركة في عملية الإصلاح الإداري إحدى قضايا اليمن الكبرى وقد شارك فيها مختصون و أدارها وأعد لها وأشرف عليها رئيس المركز اليمني للبحوث و الدراسات الثقافية و الإستراتيجية الأستاذ نصر طه مصطفى وفي نفس الشهر كان فرع الجمعية في المكلا بحضرموت برئاسة علي محسن باصرة يرعى مدارس تحفيظ القرآن في كافة حضرموت ويمدها بالدعم وتعرض صحيفة الصحوة 24 / ربيع أول الجهود الإصلاحية في محافظة أبين لمساعدة المنكوبين جراء السيول حيث تفصل الصحوة:
    ( قام الأخ عبد الله سعيد عشال رئيس المكتب التنفيذي للإصلاح بأبين مرافقة الأخ د. محمد الدهمشي رئيس فرع جمعية الإصلاح الإجتماعي بالمحافظة والأخ سالم عمر با هرمز رئيس محكمة الإستئناف بالمحافظة قام بزيارة ميدانية للمناطق المتضررة من كارثة الأمطار والسيول في أبين الأسبوع الماضي .
    وذلك لتفقد أحوال المواطنين ومعرفة حجم الأضرار الناجمة عن الأمطار و السيول عن كثب ، وكذا تقديم الدعم المادي للمتضررين من المبالغ التي خصصت لأبين من المجهود الشعبي الذي دعا إليه الشيخ عبد المجيد عزيز الزنداني، و كانت الزيارة لمديرية أحور ومنطقة مرامس ومنطقة جيشان وتم إعتماد مليوني ريال لمديرية جيشان، مليون ريال لمديرية أحور ولمنطقة مرامس خمسمائة ألف ريال وسيتم توزيعها على مستحقيها في تلك المناطق ، و الجدير ذكره أن فرع جمعية الإصلاح الإجتماعي الخيرية بأبين قد سير ثلاث قوافل إلى تلك المناطق تحمل الأغذية وبعض الأدوية والخيام للمتضررين)
    كما تعرض الصحوة 8 / ربيع الثاني 1417هـ النشاط الإصلاحي في مجال المساعدة لتجاوز أضرار السيول بمحافظة حضرموت:
    ( قامت جمعية الإصلاح الإجتماعي الخيرية ] المكلا [ في بداية يوليو الماضي
    بتسيير أربع قوافل غذائية وطبية في إطار الجهود الشعبية المبذولة لمواجهة الآثار السلبية للأمطار و السيول جاء ذلك في تصريح الأستاذ عبد العزيز محمد بن حروم أمين عام فرع الجمعية خص به الصحوة.
    وذكر الأخ عبد العزيز أن القوافل الأربعة زارت مناطق متعددة في مديرية الشحر و المكلا وبلغ عدد الأسر المستفيدة من خدمات القوافل الغذائية ستمائة أسرة فيما بلغ عدد المرضى المعالجين 780 مريضاً تم إجراء الفحوصات اللازمة لهم وصرف الأدوية مجاناً وقد تكلفت هذه القوافل أربعة ملايين ريال كما ذكر أمين عام الجمعية في حضرموت أن قافلتين أخريين تم تسييرهما في النصف الثاني من أغسطس الجاري إلى المناطق المتضررة من السيول والأمطار، وأضاف الأخ عبد العزيز أن الجمعية تواصل العمل لإصلاح قنوات الري في مديرية حجر حيث بلغت التكاليف المالية مليون ونصف المليون ريال).
    ويعرض نفس العدد من الصحوة النشاط الإصلاحي في حضرموت في نطاق خدمة حفظة القرآن الكريم
    ( أختتمت يوم الثامن من أغسطس الجاري الدورة التأهيلية الثانية لمعلمي القرآن الكريم ، ومدرسي التربية الإسلامية بوادي حضرموت حيث تم تأسيس الجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم فرع سيئون بمعهد أبي بكر الصديق بمنطقة المشهد وقد شارك في الدورة مائتا معلم ومدرس وخلالها تلقوا دروساً في التجويد والتلقين وعلوم القرآن ودروس في العقيدة ومصطلح الحديث وطرق تدريس القرآن ومواد تربوية كما أفتتحت السبت قبل الماضي 10 / 8 /1996م الدورة التأهيلية الثانية لمعلمات القرآن الكريم بمدينة تريم تحت رعاية الجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم بوادي حضرموت هذا ويشارك في الدورة ثمانون دارسة ومن المقرر أن تستمر أربعين يوماً).
    ويتناول الإصلاح بإهتمامه كل قضايا الشعب ومن أبرزها حالياً في صنعاء قضية جمعية الحتارش السكنية المتعلقة بستة ألاف مواطن بأيديهم سندات الدفع من البنك مرت عليها عشر سنوات وهم وأطفالهم ونساؤهم ينتظرون الحل لهذه القضية وقد وجدت الإهتمام الكافي بها وتوفير الحل العادل لها من قبل رئيس مجلس النواب كما فصلته الصحوة 4 / صفر / 1417هـ :
    ( أكد الأخ محسن راجح أبو لحوم - عضو مجلس النواب أن الإجتماعات و المداولات المستمرة والتي أجريت مع جميع الأطراف المعنية بقضية الحتارش قد تكللت بالنجاح وتم التوصل إلى حل نهائي لهذه القضية المستعصية منذ عشر سنوات و الذي بمقتضاه سيعاد الحق لآلآف الموظفين من ذوي الدخل المحدود ممن دفعوا قيمة هذه الأرض من مرتباتهم الشهرية وأقتطعوها من قوت أسرهم ولشار في تصريح خاص للصحوة أن مما ساعد على معالجتها هو تدخل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب و الذي أشرف شخصياً على خطوات حل القضية ووقع الإتفاق بمنزله بالإضافة إلى رغبة أصحاب الأرض حل المشكلة ، الجدير ذكره أن الإتفاق يقضي بإلتزام الطرف الأول بتسليم الأرض للطرف الثاني خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخا 12 / 6 وأن يتم التسليم على ثلاث مراحل تبدأ بمرحلة إستلام الأرض وتنتهي بتسليم البصائر للمستفيدين حسب المخططات.
    هذا ومن المتفق عليه أن تقوم الجهات الأمنية بضبط من تمنع عن تسليم ما باع من الأرض عملاً بتوجيهات الأخ الفريق / علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية بهذا الصد د) أ. هـ.
    أما أهم ما شهدته الساحة من منجزات الإصلاح إقتصادياً في عام 1996م فهو قيام ثلاثة بنوك إسلامية مباشرة عملها في خدمة الشعب إقتصادياً وتنموياً بعد جهد طويل ودؤوب لوضع قانون البنوك الإسلامية ، من جهة أخرى ونتيجة لجهود مخلصة ومتواصلة بذلها الشيخ عبد المجيد الزنداني ومعه لفيف صالح من ذوي الخبرة و المقدرة المالية قامت شركة الموارد المائية و الإسثمارات البحرية برأسمال يزيد على الثمانية مليار ريال يمني شاركت فيه كل الإمكانات الشعبية وشركات أجنبية منها شركة تركية.
    ولأننا لم نتمكن حالياً من إحصائية للمعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن في عامنا الجاري 1996م فقد أكتفينا بالإحصائية المتوفرة لعام 1994 م ومنها نعرف أن عدد المعاهد العلمية في اليمن الطبيعي الموحد هو ألف وأربعة وأربعون معهداً وأن عدد مدارس- تحفيظ القران هو خمسمائة وثلاثة وتسعون مدرسة ، هذا ومن أهم أحداث عام 1996م هو إنعقاد الدورة الثانية للمؤتمر العام للتجمع اليمني للإصلاح ، وكان مجلس شورى الإصلاح قد عقد دورته الخامسة وقد وقف المجلس أمام الكثير من المواضيع الهامة وأتخذ أزاءها الآتي:-
    أولاً : في المجال التنظيمي أشاد المجلس بجهود الهيئة العليا وأقر الباب الخاص بعضوية الإصلاح.
    ثانيا : في مجال الأوضاع العامة أكد المجلس على ضرورة الإلتزام بالدستور و القانون وترسيخ وتنمية النهج الديمقراطي كما أبدى المجلس إرتياحاً للحوارات التي يجريها الإصلاح مع مختلف الأحزاب و التنظيمات السياسية من أجل ترسيخ النهج الديمقراطي الشوروي وأكد على أهمية تحسن مستوى الخدمات بما يلبي الحد الضروري من إحتياجات المواطنين ، وأكد على حيادية أجهزة الإعلام وتسخيرها لجهة ضد جهة أخرى.
    ثالثا : في مجال الإنتخابات أكد على أهمية توفير الضمانات الكفيلة لقيام إنتخابات حرة ونزيهة وتأسيس مشروعية سليمة للجنة العليا وكافة اللجان المنبثقة عنها وفقاً للقانون رقم 27 لسنة 1996م أجراء الإنتخابات النيابية في موعدها الدستوري ويحذر من المخاطر الجسام التي تترتب على القيام بأي عمل من شأنه إعاقة السير في هذا الإتجاه.
    رابعا : في مجال العلاقة مع المؤتمر الشعبي العام يدعو حكومة الإئتلاف إلى أن تعي مسؤوليتها الكبيرة في الوطن كما يدعو قواعد الإصلاح والمؤتمر إلى وعي المخاطر التي تترتب على الشقاق والخلاف والإنتباه لدسائس المندسين والمتأمرين و الحاقدين ، كما أكد على ضرورة إبتعاد وسائل الإعلام للتنظيمين عن المهاترات والتنابز ويثمن الدور الذي يقوم به رئيس الجمهورية في حل الخلافات وتمتين عرى الوحدة الوطنية.
    خامسا : في المجال الخارجي : يدعو الجهات المختصة أن تطرح الحقائق والمعلومات عن سير التحكيم بشأن جزيرة حنيش الكبرى ونتائجه لأبناء الشعب أولاً بأول ، وأكد على رفضه القاطع لكل الممارسات التي ترتكب في أرض الإسراء والمعراج ويذكر الدول الإسلامية بواجبها المقدس كما دعا القادة العرب إلى إعادة التضامن وإحياء دور الجامعة العربية) أ. هـ.
    وعلى إثره إنعقدت الدورة الثانية للمؤتمر رجب 1417هـ - 20 – 21 / نوفمبر / 1996م وألقى الشيخ / عبد الله رئيس التجمع خطاب الإفتتاح بقاعة 22 / مايو في الكلية الحربية وكان من فقرات خطابه :
    ( إن التجمع اليمني للإصلاح وهو يدرك الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها المواطنون و الغلاء الفاحش في الأسعار الذي أرهق محدودي الدخل ليناشد الحكومة و المسؤولين الوقوف بحزم تجاه هذه القضايا ووضع المعالجات السليمة لها و التي تضمن عدم إستمرارها حتى تتحول الأمال و الأحلام إلى حقائق ملموسة في حياة الناس وتخفف عنهم وطأة غلاء الأسعار وهذا لن يتحقق إلا من خلال وضع الخطط العلمية و البرامج السليمة و المدروسة و الإلتزام الصارم بتنفيذها بعيداً عن المجاملات والحسابات الشخصية الضيقة التي لا يجوز أن تكون عائقاً تجاه التغيير نحو الأفضل.
    وفي هذا الإتجاه يؤكد التجمع اليمني للإصلاح على ضرورة مواصلة الجهود من أجل إنجاح برنامج الإصلاح المالي و الإداري بشقيه وتطهير كافة أجهزة الدولة من الفساد و المفسدين ومالم يركز برنامج الإصلاحات على الجانب الإداري بإعتباره الجانب الأهم وتتوافر النوايا الصادقة و الجادة لتنفيذه فإن النتائج ستكون مخيبة للآمال وسوف يصعب تصحيح الإختلالات ، ونحن نقول هذا الكلام براءة للذمة وإلتزاماً بالنصيحة الواجبة ، وندعو إلى تطبيق مبدأ الثواب و العقاب ).
    وبعد جلسة الإفتتاح باشرت الدور ة عملها حسب الجدول الموضوع والمتضمن تقرير رئيس الهيئة وإقرار اللائحة العامة ، وقد أقرت بعد نقاش وصدر البيان الختامي للدورة وفي ضوء المستجدات المتلاحقة و التي نرجو أن يلهم المولى سبحانه القادة إلى تجنيب البلاد كل المخاطر والشرور أجد مناسباً إيراد المقتطفات التالية للشاعر أحمد مطر:
    قطفوا الزهرة قالت : من ورائي برعم سوف يثور
    قطفوا البرعم قالت : غيره ينبض في رحم الجذور
    قلعوا الجذر عن التربة قالت: إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور.
    كامن ثأري بأعماق الثرى ، وغداً سوف يرى كل الورى
    كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور
    تبرد الشمس و لا تبرد ثارات الزهور
    وحقاً فإن الأحداث حينئذ كانت تشهد توتراً مع مطلع كل شمس بدءاً من إستفزازات مخالفات القيد والتسجيل المدانة بأحكام قضائية ومضاعفات الصدام بين المواطنين في منطقة المليكي التابعة للعدين وبين الشيخ صادق باشا بشأن المعهد وقوات الأمن إلى جانب إلتقاء الإصلاح بأحزاب مجلس التنسيق المعارضين وانعقاد الدورة الثانية لقواعد الإصلاح وصدور الإنذارات من المؤتمر والإصلاح ثم قرار مجلس الوزراء في ديسمبر- رجب كما أسلفنا بدمج المعاهد في وزارة التربية وطرح الميزانية على ذلك الشكل أمام مجلس النواب وكان المتربصون يتوقعون إنفجار الموقف نظراً لتنازع وضع الشيخ كرئيس للإصلاح المستهدف من تلك الميزانية وكرئيس لمجلس النواب المختص بإكمال الإجراءات وكان من توفيق المولى سبحانه للشيخ أن قام بأداء واجبه الدستوري على أكمل وجه مما أحدث إنطباعاً حسناً في نفسية الأخ رئيس الجمهورية الذي وقف يعلن في حفل ضخم بمدينة إب ثناءه على موقف الشيخ الأحمر وإعجابه به ، وعلى إثر ذلك شهدت المحافظات اليمنية موكب الرئيس وإلى جانبه الشيخ وقدم رمضان المبارك وتضافرت جهود المصلحين من أبناء هذا الشعب وكان الإتفاق بين المؤتمر والإصلاح 16 / رمضان / 1417هـ - 25 / يناير 1997م بشأن وضع اللجنة العليا للإنتخابات طبقاً للقانون الصادر في أغسطس / 1996م وتعيين أربعة مستشارين للأخ الرئيس في موضوع الإنتخابات وعلى أن يكون للمؤتمر مائة وسبعون دائرة وللإصلاح ثمانون دائرة وبقية الدوائر مفتوحة لبقية الأحزاب ومجالاً لتنافس الجميع كما شملت الإتفاقية ترتيب الأوضاع بين الحزبين الحليفين بعد إنتهاء الإنتخابات بما يرسخ الإستقرار ويخدم الصالح العام وما كان لكل ذلك أن يكون لولا لطف المولى سبحانه ثم إخلاص الشيخ وخيريته وحنكة الرجال المصلحين العاملين وصدق قول المولى ( وإن تتقوا وتصبروا لا يضركم كيدهم شيئا ) وقوله: ( إن ا لله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور).
    وصعق المتربصون حين أذيعت تفاصيل ذلك الإتفاق وحين سمعوا الشيخ عبد الله غداة ذكرى بدر الكبرى 17 / رمضان 1417هـ وهو يكرم خريجي مدارس تحفيظ القرآن بجهود الجمعية الخيرية الراعية لمدارس التحفيظ في أرجاء الجمهورية ، ويعلن تبرع الأخ رئيس الجمهورية بعشرة ملايين ريال دعماً للجمعية الخيرية وتبرع الشيخ بمليون ريال.
    في ذات الشهر كانت الجمعية الخيرية تحتفل في عدن بتكريم أربعة عشر حافطاً للقرآن الكريم.

    * ثلاث وثائق.. وتوضيحات عنها

    أفردنا هذا الملحق للوثائق الثلاث التي نرتبها بحسب تاريخها.
    أولاهن: للشهيد حميد بن حسين الأحمر إلى الشيخ علي عبد الله عنان تاريخها : 24 / محرم / 1379هـ
    ثانيتهن: للشهيد حسين بن ناصر الأحمر إلى ولده الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر تأريخها: 29 / ربيع ثاني / 1379هـ
    ثالثتهن: من القاضي عبد الملك العمري سكرتير الإمام إلى الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر تأريخها: 10 / رجب / 1379هـ .
    برغم تكاثر المراجع التي سجلت أحداث 1378هـ - 1379هـ في اليمن فإن حظ مؤلفيها يتفاوت قرباً وبعداً فمنها الشاهد المشارك ومنها المتابع المتنطس ومنها الراجم بالظن المتخرص.
    ولهذا فنكتفي بثلاثة مراجع منها شهد أصحابها الأحداث وشاركوا فيها أولهم هو القاضي عبد الله عبد الوهاب المجاهد في كتابه ] اليمن الحضارة و الإنسان [ ثانيهم هو القاضي إسماعيل بن علي الأكوع في كتابه ] الهجر والمعاقل [ ثالثهم هو الدكتور عبد الرحمن البيضاني في كتابه ] أزمة الأمة العربية وثورة اليمن.
    [
    * الإطار الزمني العام للوثائق:​


    في شوال 1378هـ غادر الإمام أحمد تعز للعلاج ورافقه لفيف كبير من رجال حاشيته وممن كان يحرص على أقصائهم عن الداخل متوجهاً إلى روما عاصمة إيطاليا للعلاج ، وفي غيابه وقعت أحداث شغب كان أهمها ما حدث في تعز من قتل القاضيين علي وأحمد الجبري ثم ما تلاه في صنعاء من نهب وإحراق منزل عامل صنعاء القاضي يحى العمري وكان في نية المشاغبين في الجيش التوجه إلى منازل أخرى لولا مسارعة البدر ولي العهد بإرضاء الجيش وإعلانه عن تشكيل مجلس نيابي برئاسة القاضي أحمد السياغي نائب الإمام و إستدعائه الشيخ حسين بن ناصر من تعز إلى صنعاء ليتعاون مع ولده حميد المقيم أصلاً في بلاط البدر بصنعاء لتهدئة القبائل وكسب ولائهم للبدر ضد عمه الحسن وبينما كانت اليمن تتوقع وفاة الإمام أحمد إذا بالجميع يفاجأون بعودته بحراً ومروره من السويس بعد إلتقائه بالرئيس جمال عبد الناصر في الباخرة سبتمبر 1959م وعاد أحمد إلى الحديدة صفر 1379هـ وهناك ألقى خطابه الشهير ضد كل المقاومين لحكمه وهي الخطبة التي أسماها الزبيري (خطبة الموت) ووضع أطول قصائده الشعرية رداً عليها تنديداً بالإمام وتحديداً لنهج الثورة و الثوار وقد فصلنا الكلام عنها في كتابنا عن الزبيري ، وتصاعدت الأحداث بين الإمام وبين القبائل خاصة حاشد وبعض بكيل وقبيلة خولان مما أشرنا إليه في ثنايا هذا الكتاب ، وقد كان للشيخ سنان أبو لحوم دور هام في الحصول على دعم مالي من وزير مواصلات الإمام القاضي عبد الله الحجري لصالح التحرك القبلي ضد الإمام كما أمكن له تضخيم مخاوف السياغي من الإمام إلى حد إقناعه بالخروج من قيامه بالنيابة عن الإمام في إدارة أعمال محافظتي إب وتعز واللجوء إلى السلطان العبدلي في لحج ، وللقاضي المجاهد في كتابه السالف نص عن أحداث سنتي سنة 1378هـ ، سنة 1379هـ تعوزه الدقة في العرض حيث عقد مؤتمر سري ( ) بصنعاء من أعضائه القاضي عبد السلام صبره و القاضي عبد الله محمد الإرياني و الشيخ حميد بن حسين الأحمر وعبد اللطيف بن قايد وسنان أبو لحوم وعبد الله الضبي وعبد الله السلال ومحمود الجايفي وصالح الرعبي ، قرر فيه المجتمعون وجوب التخلص من الإمام أحمد ووضعت لذلك عمليتان مزدوجتان هما إغتيال الإمام أحمد بالسخنه وقيام ثورة تبتدئ بحركة تمرد حاشد وبكيل يمهد لها بالتفاهم بين رجالات حاشد وبكيل لجمع صفوفهم في وحدة تكلل بالنجاح ، ويندمج فيها الموثوق بهم من الشخصيات المدنية و المثقفة والعلماء وقادات الجيش النظامي وبعد التفاهم تعلن حاشد وبكيل تمردها على الحكومة بطرد موظفي الحكومة وإحتلال المراكز الحكومية بخمر و حوث وريده وذيبين وبرط والجوف ومأرب وصراوح و جحانة وغيرها ، وتعينت في هذا الاجتماع بصنعاء الشخصيات المسندة إليها الأعمال في الجهات.
    فكلف الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر والنقيب علي أبو لحوم ومحمد أبولحوم والنقيب عبد الولي القيري وعلي ناصر طريق و الشيخ جار الله القردعي و الأستاذ سعيد أبليس الحجري لإغتيال الإمام أحمد وكلف النقيب سنان أبو لحوم و الشيخ أحمد الزايدي وغيرهما بالعمل في خولان من صرواح والنقيب حمود بن محمد بن ناجي أبو رأس والشيخ عبد الله دارس و الشيخ زيد مهفل وغيرهم ببرط و النقيب علي بن ناجي الشايف وغيره بالجوف و الشيخ حسين بن ناصر الأحمر وإبنه حميد في حاشد على أن يقوما بتجميع رجالات حاشد عذري وعصيمي وخارفي وصريمي إلى خمر ومن هناك توجه رسائل إلى جميع القبل و الجيش و العلماء يشرح فيها الموضع المتردي ويطالب بجمع الكلمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تكون كلمة الله ومصالح الشعب وكراماته فوق تسلط الإمام وتحكمه وقد صيغت هذه الرسائل بصنعاء وحررت منها نسخ كثيرة ، وفي صنعاء قام عبد السلام وعبد الله الإرياني وغيرهما بالاتصالات مع قادات الجيش وغيرهم ، وبجمع التبرعات وقد قام كل بالعمل الذي كلف به وإبتدأت الحركة عام ثمانية وسبعين هجرياً فعقد حسين بن ناصر الأحمر وإبنه حميد مؤتمراً بحاشد ( ) وأرسلت من المؤتمر الرسائل إلى كل القبل وصنعاء و الجيش وغيرهم ، وبالطبع فإن الإمام عرف التحركات بحاشد وبكيل ( ) ولما كان دارساً لأحوال اليمن وقبائلها عارفاً أمورها وإتجاهاتها تظاهر بالهدوء وبدأ يستعد ووجه جل إهتمامه إلى حاشد فأرسل إلى حسين الأحمر برقية لينه يعاتبه ويطامنه كما أرسل من يثق به إلى حاشد لإثارة الأشخاص و الأسر التي يعرف منافستها للشيخ حسين الأحمر و لإستمالة غيرها بالمال وغيره كما إستخدم بعض الشخصيات الحاشدية وغيرها في تخدير حسين الأحمر عن مواصلة إستعداده وعن تعجيل حركته وترغيبه في نيل مطالبه ومطالب حاشد وبكيل و اليمن بطريق التفاهم مع الإمام وإبنه ولي العهد وقد نجح أحمد في ذلك ، وأبرق إلى إبنه ولي العهد بإن يقبض في صنعاء على سنان أبو لحوم ورفاقه فأعلمنا سنان بما يبيت له فخرج مع رفاقه إلى خولان وأتصل بقبيلة جهم التي قامت بقيادة الشيخ أحمد الزايدي وتوجيه النقيب سنان عام ثمانية وسبعين بإحتلال صرواح وطرد موظفي الحكومة ثم دعوة خولان إلى ثورة شاملة فأمر الإمام محافظ لواء البيضاء والقاضي محمد الشامي بإخماد التمرد وجرت معارك إنتهت بتغلب الشامي وفرار سنان والزايدي والقيري وغيرهم وكان عبد السلام صبرة قد وثق الصلات بين الشيخ حسين الأحمر وبين الموثوق بهم من قادات الجيش النظامي بأنه عند أن تثبت حاشد وجودها في أرضها فإن الجيش يؤدي واجبه وإذا أرسل إلى حاشد فإنه بأدنى مقاومة من حاشد سينضم إلى حاشد وبقية القبائل في الزحف على صنعاء وتنشط مجموعة من الضباط في التأثير على الجيش، ويمثل هذه المجموعة من الضباط عبد الله جزيلان الذي كان يعقد إجتماعات ببيت الملازم عبد الله الجرموزي ويتصل بعبد السلام و السلال وتأتي سنة تسعة وسبعين وقد فرغ الإمام أحمد من تفتيت الجبهة الحاشدية من داخلها كما سبق وفرغ من إستعداده للزحف على حاشد ثم برط والجوف ونهم وخولان ذلك الزحف الذي قد مهد له بشق الوحدة الحاشدية ، فقد جمع جيوشاً جرارة من عذر والعصيمات والشرفين وحجور ووشحه وقارة والأهنوم وسميان والحمريين وغيرهم حشدها أمير لواء حجة السيد عبد الملك وتولى قيادتها عامل حوث السيد محمد ساري الذي زحف بها على معاقل آل الأحمر بالخمري وغيرها ، وعلى خمر وبني صريم وخارف كما خرج من صنعاء الجيش الدفاعي بقيادة السيد عبد القادر أبو طالب والجيش النظامي بقيادة الشريف محمد الضمين ، وتوجه الجيشان مع من أنضم إليهما من الجيوش القبلية إلى ريده ، وقد وقف الشيخ حسين الأحمر وإبنه حميد في وجه هذا الطوفان وقفة صادقة فأحتلا بعض المراكز الحكومية بخمر وغيرها وتقدما نحو ريده وجرت معركة خاضاها في بسالة وبينما هما في قلب المعركة إذ بعملاء الإمام ينسحبون من المعركة ومنهم من أنقلب على الأحمر ولم يبق بجانب الأحمر إلا نفر قليل لا يغنون فتيلا فعرض على الأحمر الأمان على أن يذهب إلى الإمام بالسخنه فأستجاب والى السخنه ذهب فأعتقل بها أما إبنه حميد فعن مخطط سابق ذهب مع بعض رجالات من ذو حسين الى الجوف ونزل مدينة الحزم وهناك أجتمع مع النقيب علي بن ناجي الشايف وكان عبد القادر أبو طالب قد وصل مع الجيش إلى الجوف فجرت بينه وبين الأحمر و الشايف معركة جرح بها الشايف وتفرق عنهما أصحابهما ونفذ ما عندهما من مال وذخيرة فقبض على الشايف وأنسحب حميد إلى الزهرا مدينة الأشراف ونزل دار الشريف علي الضمين وهناك قبض عليه وأرسل هو و الشايف الى السخنه ومن السخنه أرسل ا لثلاثة الشايف وحميد وأبوه حسين إلى سجن حجة وأرسل بعدهم إلى حجة النقيب عبد اللطيف بن قايد بن راجح وهناك أعدم حسين الأحمر و إبنه حميد و النقيب عبد اللطيف رحمهم ا لله وأستمر النقيب علي الشايف في السجن ، وفي عام تسعة وسبعين خلال الحركة الحاشدية حاول الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ورفاقه اغتيال الإمام بالسخنه وأنتدب لذلك الأستاذ سعيد ولما كاد ينفذ العملية قبض عليه وهو يحمل القنابل وعذب ليبين بمن هو متصل ومتآمر فلم يبح بأية معلومات فأعدم كما أعتقل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ثم أرسل إلى سجن المحابشة بالشرق) أ. هـ. ))
    ويبدو من نص رسالة الشيخ حسين بن ناصر التالية غياب بعض التفاصيل عن ذهن القاضي المجاهد في نصه السابق كما يبدو من رواية البيضاني في كتابه ( أزمة الأمة العربية وثورة اليمن ) عن ذات الأحداث في ذات السنة غياب معلومة أن الشيخ حميد كان ملازماً بلاط البدر ومستشاره في شؤون القبائل ، فذهب البيضاني إلى أن الشيخ حميد قدم بعشرين ألفاً من القبائل إلى صنعاء أدخل منهم خمسمائة إلى العاصمة وأبقى الآخرين موزعين في القرى المجاورة لمبادرة منه غير أن الواقع هو أن الشيخ حميد كان بذلك مستجيباً لطلب البدر ويقول البيضاني إنهم كانوا يطالبون البدر بالإصلاحات التي منها إلغاء الإمتيازات العنصرية و المساواة بين أبناء الشعب وسنعود إلى هذه النقطة بشيء من التفصيل عند حديثنا عن الوثيقة الأولى التي بخط الشهيد حميد ، وقد إتخذ الإمام أحمد من المبالغ المالية و الأسلحة التي وزعها البدر على القبائل سبباً لإلقاء القبض على كبار المشايخ كالشيخ حسين بن ناصر وولديه حميد وعبد الله و الشيخ سنان أبو لحوم ولما أستعصى وصول حسين بن ناصر إليه لتسرب الأخبار برغبة الإمام في إعتقاله بالقلعة جهز عدة حملات من عدة جهات للفتك بكبير مشايخ اليمن زعيم قبيلة حاشد ظاناً أنه بذلك يقضي على أكبر عقبة تعترض إستمرارية نظام حكمه وولده من بعده ، ولم يعلم إنة إنما كان يضع المسمار الأخير في نعش الإمامة مما كان أكبر عامل لإنجاح ثورة سبتمبر وترسيخ النظام الجمهوري ، وقد لمح الزبيري في التفجرات القبلية بحاشد وبكيل وخولان إيذاناً أكيداً بمطلع الفجر الذي أنتظره وسائر رجال وأجيال الشعب فقال مستبشراً و مبشراً:
    الملايين العطاش المشرئبة * بدأت تقتلع ا لطاغي وصحبه.
    وأنطلق الطوفان وأدى أمر الله أمر الله مفعولا
    لسنا الألى أيقظوها من مراقدها * الله أيقظها والسخط والألم.

    * نص الوثيقة الأولى:
    سيدي الوالد الجمالي الشيخ الهمام المحترم علي عبد الله عنان
    حفظكم الله وتولاكم وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..
    وأيد الله مولانا الإمام وولي عهده البدر الهمام صدرت إليكم من المقام
    الشريف بصنعاء ونحن و الأخ الفخري في أتم الصحة و العافية ، نرجو أن تكونوا كذلك و الوالد الشرفي حفظه الله مستقر في البيت وهو في خير و الأمور بحمد الله صالحة.
    مولانا أمير المؤمنين قد توجهوا من روما على طائرة فلما بعدوا عن روما أثر على صحتهم الجو فعادوا من الطريق و الأمل على أنهم سيغادروا روما كما يشاع خلال هذا الأسبوع على باخرة.
    وولي العهد أمورة ناجحة وقد أوكل أكثر الأعمال على المجلس الذي يرأسه نائبكم القاضي الصفي السياغي وأحوال القبايل وصولهم صنعاء حسب الطلب ألوفاً مؤلفة ، وقد أكرمهم ولي العهد ، و لا تزال الوفود من كل قبيلة متتابعة وقد بدأ الملل منهم من قبل الحكومة لكثرة التحويل و القبايل عادوا للدعوات و العصبيات الجاهلية العمياء بتشويق بعض الأذناب و الجهال من القبائل وعسى أن ينصر الله العقلاء يقضوا على الفكرة في أولها ، وأحوال البلاد الشدة حاصلة لغلاء الأسعار وعدم الطعام وموت ا لقراش و الحاجة الماسة وعدم الأسباب ولاسيما في جهات عذري و عصيمي ومن على شاكلتهم في عدم الشقا في الحجاز والتسبب بالبيع والشراء وغيره و الآن قد من الله بالامطار على أكثر البلاد وأكثرها مطرت في هذا الشهر فقط نرجو من الله أن يتدارك عباده بلطفه.
    هذا ولا ندري كيف أحوالكم وأموركم لإنقطاع الرسائل منكم كما هو منا أيضاً ، نرجو الله أن تكونوا دائماً في خير وأن لا يسمعنا عنكم إلا ما يسرّ ، هذا أما الأفكار و العقول فهي مختلفة مضطربة ليس لها قرار و الناس دائماً في هرج ومرج وتوقع وتسمّع لم تستقر أفكارهم ولم يهدأ بالهم ولا ندري ما ما في الغد و ما يأتي به والليالي من الزمان حبالي والله يسمعنا خير ويصلح كل شأن ويوفق الجميع إلى ما فيه الخير و الصلاح وبلسن حامل هذا الأخ الجمالي علي ناصر شويط تمام الإيضاح من جميع الأمور ونحن ربما يتم عزمنا قريباً ويبقى هنا الأخ عبد الله ، فإني ما وصلت من البيت( ) إلا مع مشايخ سحار بن مناخ ومن إليهم ، والنية على العود معهم بعد نجاز أمورهم وترتيب أمور الأخ عبد الله ومن معه فإن مولانا أمروا بقبض جماعة من قبايلنا بمقامهم وقد جمعت أربعمائة نفر من حاشد وبينهم نحو ستين نفر خلوط وكان إجراء صرفهم ولا يزالوا في المدينة لم يتعين محلهم و لا تحول بسلاحهم ولا تقرر مصيرهم في المعاش وغيره ولا ندري ما تنتهي به مسألتهم فإن ثمة مزاحمين وحاسدين كثير وولي العهد أيدهم الله سليم النية ويريد أرضاء كل إنسان والله الميسر والمعين وأزمة الأمور بيده ولا نريد إلا ما يريده ويرضاه ولي العهد وما يراه في صالحه وختاماً تقبلوا تحياتنا وتحيات الأخ عبد الله ومن لدينا من أولاد العم علي غالب وأخويه محسن و مبخوت وأكثر مشايخ حاشد.
    هذا وكل متجدد مرفوع من الطرفين إن شاء الله.
    والله يرعاكم وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..
    24 / محرم / سنة 1379هـ
    ولدكم / حميد بن حسين الأحمر

    * إضاءة:
    هذا هو نص رسالة إبن الثلاثين عاماً الشهيد الشيخ حميد بن حسين بن ناصر الأحمر كتبها بنضج ابن الستين ممتلئة علماً وإيماناً ولا عجب فإن كاتبها أكتوى بنيران الأحداث وهو دون العاشرة من عمره حين وقع عليه الدور وما كاد يبلغ الثامنة عشرة حتى تقاذفت به السجون في حجة ومسور ثم أضطر للإقامة في تعز بمقام الإمام أحمد وتحت رقابته ثم لدى البدر قبل رحيل الإمام إلى روما وحتى تفجرت المواجهة التي فرضها الإمام أحمد ضد القبائل ، ونرى النص تناول أكثر من قضية هامة بعد الديباجة التقليدية إلى الشيخ علي عبد الله عنان الذي كانت تربطه بالشيخ حميد علاقة خاصة إلى جانب علاقة القبيلة ا لكبرى حاشد فإن عنان من أكابر رجالها وهو يقيم بالسحول شمالي مدينة إب في قرية يقال لها العراهد ، وقد كان لعنان دور أيام الإمام أحمد وأختلف مع نائبه السياغي ودخل بسببه السجن ثلاث سنوات وشارك مع رجاله عند قيام الثورة في الدفاع عنها بالجبهة الشمالية الغربية وشارك في الدفاع عن صنعاء وعند حدوث إشتباكات أغسطس سنة 1968م لقي مصرعه في حده كما أوضحه الشيخ عبد الله ثم يخلص من الديباجة إلى الدعاء للإمام وولي عهده موضحاً صدورها من محل إقامته بقصر ولي العهد
    الذي كان وقتها ينزل فيه مع أخيه عبد الله بينما والدهما قد عاد إلى حاشد و تفرغ لأعمال مزارعة ثم يخبره بتوجه الإمام من روما إلى اليمن عائداً بالطائرة ثم عدوله عن ذلك إلى الباخرة كما يخبره بتمكين البدر للسياغي رئيس المجلس النيابي من إدارة شؤون البلاد و الجديد هنا إشارته إلى رئاسة عنان للمجلس النيابي ، وقيام السياغي بالنيابة عنه في ذلك وأن القبائل دخلوا صنعاء ألوفاً مؤلفة عن طلب البدر وأنهم قد ملّوا البقاء وظهرت فيهم الدعوات والعصبيات الجاهلية العمياء ، وهو يدعو للعقلاء بالنصر لإطفاء تلك الدسائس في أولها ، ثم يستعرض معاناة الأهلين بسبب الجفاف والغلاء ثم يعود إلى ذكر إضطرابات الأفكار و العقول و الأحوال وكثرة التوقعات ويشعره بأمور مكتوبة بلسان على ناصر شويط وأنه ( الضمير يعود إلى حميد ) يعتزم العودة إلى البلاد وإبقاء أخيه عبد الله في صنعاء موضحاً أنه لم يدخل صنعاء إلا إستجابة لطلب القبائل ومنهم مشايخ سحار كإبن منّاع وغيره.
    وفي هذا ما يوضح خلو بال الرجل من التفكير أو الإعداد لأية مواجهة ضد الدولة وإنما هو متعاطف مع البدر على تهدئة الأحوال واستقرار الوضع وإبقاء ما يقارب خمسمائة رجل من قبائله ومن غيرهم في العاصمة تحت إشراف أخيه الشيخ عبد الله تضامناً مع البدر و الذي يهم القارئ من كل هذا ماهية الدعوات الجاهلية وتصارع الأفكار و العقول المسيطرة على الساحة فبديهي أن ذلك هو أكبر من التنافس القبلي التقليدي بين مختلف الفروع القبلية ولإعطاء الموضوع شيئاً من الإضاءة نضع في ذهن القارئ أن ذلك العام 1370هـ - 1959م هو عام دخول النشاط الحزبي إلى اليمن بمختلف المسميات القومية من بعثيين وقوميين عرب وناصريين بل وتغلغل الفكر الشيوعي الذي بلغ مقام البدر نفسه كما ذكرته المراجع المطلعة وإلى جانبها كانت تتنامى فكرة الصرع الهاشمي القحطاني وما أسخفه من صرع وما أعقمه ولكنها النفوس الخبيثة لا تجد صيدها إلا في المياه العكرة وقد أورد القاضي إسماعيل الأكوع مجاهرة بعض الرجال المقربين من الإمام بذلك في ترجمته للقاضي الشهيد عبد الله الحجري بمعرض حديثه عما جرى من حوار بين الحجري وبين الوشلي نائب الإمام على مسمع الشيخ حميد الأحمر وكلهم في الطائرة المصاحبة موكب الإمام في زيارته لمدينة جدة رمضان / 1375هـ حيث دار الحوار كما فصله في المجلد الثاني من كتابه ( هجر العلم ومعاقله ) ص 685:
    ( كان المترجم له من أعضاء الوفد وقد ركب هو وحمود بن عبد الله الوشلي ومحمد بن أحمد بن عبد الرحمن الشامي و الشيخ حميد بن حسين الأحمر وآخرون معهم في طائرة غير الطائرة التي تحمل الإمام أحمد فلما أخذت هذه الطائرة تحلق فوق مدينة جدة كان حمود الوشلي ينظر إليها من نافذة الطائرة بإعجاب ويستغرب من سعة العمران وتطوره و إتساع الشوارع المستقيمة و كثرة السيارات وكان يلفت نظر من معه في الطائرة إلى مشاركته في الرؤية ، وهذا رأس النوب ( النحل ) معكم يشير إلى الإمام أحمد ، أتركوا لنا بلادنا التي لم ترق لكم فأجاب حمود الوشلي قائلا : والله ما هذا الكلام صادراً من اللسان وإنما هو من القلب يا قاضي عبد الله وإنك جاد في كلامك غير مازح فأجاب عليه بقوله فسره كما يحلو لك ) أ. هـ.
    وما كان للحجري وهو العالم الرصين أن يجهر بهذا لولا أن النفوس قد أمتلأت من مرارة التعالي الذي كان يمارسه الإمام ومن هم على شاكلته حيث يستنكر الإمام إطلاق كلمة ( أخ ) من هاشمي على أخيه القحطاني وهم أبناء العقيدة الواحدة الرادعة والزاجرة عن المفاخرة بالعنصر ، فإنها دعوة جاهلية منتنة وكان لا يرى صحة زوج العربي من شريفة وقد عرفت قاضياً أزهرياً هو الشيخ المرحوم سالم قايد الحطامي وقد فر من الإمام إلى الجنوب خشية أن يرغمه الإمام على طلاق زوجته الشريفة ويكفيك أن الإمام تمثل حين بلغه ما أصاب القضاة من بني الجبري و العمري :-
    ولو أني بليت بهاشمــي * خؤولته بنو عبد الـــــمـدان
    لهان عليَّ ما ألقى ولكن * تعالوا وأنظروا بمن أبتلاني
    وإذا كان لكل فعل رد فعل مساو في القوة ومعاكس له في الإتجاه فقد جاءت تلك النعرة إنتقاماً من رافعيها وناشريها ، و الذي ينبغي لفت النظر إليه في نص رسالة الشهيد حميد هو أمران أولهما : تكذيب مانشره الشهاري في كتابه ( اليمن ثورة في الجنوب وإنتكاسة في الشمال ) من أنهم عثروا على وثائق في أوراق حميد تدعو إلى قتل وإجلاء الهاشميين عن البلاد فإن الشهيد حميد هو أول من أدان ذلك المسلك الجاهلي وندد به وتبرأ منه ودعا إلى أطفائه في ساعاته الأولى ، ثانيهما: موقفه المخلص مع الدولة وخاصة البدر لاستقرار الأوضاع بينما كان موقف البدر عند محنة حميد وأبيه وأخيه وقبائلهم موقفاً هروبياً مخجلاً كما فصله الدكتور البيضاني في كتابه السالف ص 132:-
    ( كان الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر شقيق الشيخ حميد يقيم في الغرفة المجاورة لغرفتي في دار الضيافة في السخنة وكان يحاول إستعطاف الإمام لإنقاذ أخيه ووالده الشيخ حسين الأحمر وبالرغم من أن اليأس من البدر كان قد بدأ يراود عقلي فقد وعدت الشيخ عبد الله بأن أحاول إقناع البدر بالشفاعة لهما ولغيرهما عند الإمام ، وكان البدر قد عاد من صنعاء ونزل في دار البون في الحديدة وفي الصباح غافلت سيارة الإمام التي كان من المقرر أن تأخذني إلى الحديدة تنفيذاً لأمره وأستخدمت سيارة أحد الأصدقاء ووصلت إلى الحديدة وإلتقيت بالبدر كان لقاء حاراً ، أقسم البدر أنه يصر على تنفيذ نواياه الإصلاحية لكنه لا يستطيع أن يعصي الإمام أمراً أو يرد له طلباً كما لا يقدر أن يشفع عنده لأحد ، وقال إن ما جرى في اليمن في غياب الإمام يؤكد نيته في الإصلاح ، أما ردود فعل الإمام فهي قدر من الله الذي إذا كان في علمه أن يموت الشيخ حميد ووالده الشيخ حسين بسيف الإمام فهذا قدرهما لا يقدر على رده أحد وليكونا شهيدين من شهداء اليمن الذين إمتلأت بهم صفحات التاريخ ، لم يكن في خاطري أن أتحدث مع البدر في تلك الساعة عن الإصلاح ، بينما كان سيف الإمام يحيط برؤوس الرجال من أبطال اليمن ويتحفز لقتلي في الطريق من وراء أشجار الخبت كما قتل غيري في تلك الأيام ، وكان عدد قتلاه بهذه الطريقة قد تجاوز الأربعين رجلاً وكان حديثي كله مع البدر محصوراً في كيفية إنقاذ الذين وقفوا معه وشدّوا من أزره ، وكان الشيخ حميد وأصحابه لا يزالون في سجن الحديدة على مقربة من البدر، وكان بعض الأعوام على إستعداد لتهريبهما إلى خارج اليمن ، سال العرق على وجه البدر وأنهى الحديث معي حتى لا يسمعه أحد فينقله إلى الإمام الذي كانت أعصابه قد بلغت ذورة الهياج ) أ. هـ.
    وللمجاهد الشهيد الزبيري( ) إلتفاتة قيّمة في هذا حيث أورد مشهداً للحسين بن ناصر وولده حميد بين يدي ، الإمام علي بن أبي طالب وولده السبط الشهيد الحسين وهما يتبرأأن من تلك الفرية ويستمسكان بوحدة الشعب كل الشعب تحت راية الإسلام وإنني من أحرص الناس على دفن مثل هذه الدعوات الباطلة و السخيفة .
    وما أرغمني على الحديث عنها إلا تداعيات إستعراض نص رسالة الشهيد حميد ونقاء موقفه من ذلك الإدعاء المكذوب .

    * نص الوثيقة الثانية :
    الولد الفخري عبد الله بن حسين الأحمر حرسكم الله تعالى و السلام عليكم ورحمته وبركاته ، صدورها بالسلام من حبور ولا علم إلا خير إن شاء الله وقد سبق إليكم محرراً وأوضحنا لكم بما لدينا وحنا متأثرين نسأل من الله اللطف والولد حميد في البطنة وهم على تمام صراب الحب الثمر والثمرة لا بأس بها، ما كان عرق صيف قدمي و العشه اضعفها كثر الماء والوديان هنا ناهيه ، و الناس في حال الخبيط و الحب باقي في الوديان و العلف كمثل مطيفر ومديونين بديون علينا وبنظرنا و الناس غارقين في الديون مع متابعة الأخلاف و الله يحسن المخرج ، وزبارة شغلني أسلاك نصل صنعاء نطلع على الأمر الشريف وأجبنا عليه بمرضنا وشغلتنا وأن ولدنا بمقام الإمام و ارسلنا من ينوب عنا لإستماع الأمر الشريف وحررنا له كتاب بعد حوالي تلغرافين ولم يعرض الأمر الشريف ولا يوضح ما معناه ، ورفع لمولانا بما جوبنا له و الخبر شاع وذاع في صنعاء ورددوها أنهم طلبونا من صنعاء لطلوعنا القلعة بموجب أمر الإمام ، ما نعلم كيف ا لواقع هل إشاعات أهل ا لأغراض و المبغضين من خارج لافارح أم قد تغلبوا على فاكرة مولانا الإمام أهل الأغراض أعداؤنا وأعداؤه وأعداء ولي العهد والحسّادين و المنافقين الذين لا يريدوا إلا الخراب وينفذوا خططهم السيئة ونحن على ثقة من مولانا الإمام ومن ولي العهد أن يستمعوا فينا أهل الأحن و الأغراض ونحن محبين مخلصين مصدقين قايمين بكل جهودنا نحن و اولادنا في خدمتهم وفي صالحهم إينما كنا في السر و العلن ، شاكرين ذاكرين لهم بكل خير حافظين صاينين ساعين في الخير والصلاح قطعنا وقتنا في الغربة من أهلنا وبيوتنا وأموالنا في رضاهم وليس المأمول في مولانا الإمام يشافي بنا أعداءنا وحسادنا وأهل الأحن و الأغراض بل أعداؤه وأعداء ولي العهد ويرضى بهتك أعراضنا وضياعنا وهلاكنا لإرضاء أهل الأغراض والمقاصد وما هو الذي قد جاء منا وأي جريمة قد أرتكبناها وأي ذنب قد أذنبناه يوجب إلى هذا الحد ومن الواجب عليك تبحث الحقيقة وتجد في المراجعة لدى الإمام وولي العهد وأوضح لهم إن الحاسدين لنا والأعداء والمبغضين والمغرضين كثيرين بزيادة من عالم البياض الذين لا نزال ضدهم في جميع مساعيهم الفاسدة التي يسعون فيها ضد الإمام وضد ولي العهد من قبل الحادثة التي قام بها السيف عبد الله و الثلايا وحزبهم إلى التاريخ
    واحنا قايمين بجد واجتهاد وصراحة ولا مداهنة ولا مجاملة ولا استرنا نفعل مثل غيرنا لصالح نفوسنا هنا وهناك و ا لآن لاحت لهم الفرصة يشفو غليلهم على يد الإمام ونسير عبره فقد مرادنا بالموت أهون وأعز وأشرف .
    والسلام عليكم .
    وبعد ما بلغنا هذا الحديث زادنا فوق المرض مرض .
    29 / ربيع الثاني/ 1379هـ
    والدكم / حسين بن ناصر الأحمر

    إضاءة
    لعلك تذكر ما قدمته صفحات هذا الكتاب من تفاصيل الصرع المزمن بين آل الأحمر وبين الإمام يحى وإبنه أحمد منذ سنة 1337هـ ومواجهة العشر سنوات التي تلتها حتى مصالحة سنة 1347هـ وما أعقبها من ملازمة الشيخ حسين بن ناصر و إبنه حميد وعبد الله لمقام الإمام حتى نشوب القتال بينهم وبين الإمام سنة 1379هـ واستشهاد الأب و الإبن ومصادرة الممتلكات وتدمير المنازل ، ولعلك تذكر أيضاً تمحور الخلاف داخل الأسرة الحاكمة منذ سنة 1374هـ بشأن ولاية العهد وقيام الإنقلاب سنة 1375هـ بقيادة السيف عبد الله ضد أخيه أحمد الذي إنحاز إلى إبنه وآثره بولاية العهد وما كان من قتل عبد الله و العباس وقيام أخيهم الحسن بعدهما بأمر ذلك الصرع إذ قاد صفاً داخل الأسرة وقابله على الجانب الآخر صف مماثل يقوده البدر وكان أن وقف رجال ثورة 1948م الخارجون من سجن حجة ومنهم حميد ومعه كل آل الأحمر إلى جانب البدر ، وقد مر بك قريباً نص رسالة الشهيد حميد وما حوته من تضامن وتعاطف مع البدر وقد جاء ذلك بعد رحلة الإمام إلى روما سنة 1378هـ للعلاج ومن وراء العلاج كان يهدف إلى وضع إبنه البدر في إختبار عملي لمقدرته على حكم البلاد في حين كان المنافس الآخر الحسن يقف مشرفاً على علاج أخيه في روما بينما يتابع أنصاره في صنعاء ضغوطاتهم على البدر وتعكير الأمور عليه ويرصدون نشاط الشيخ حسين بن ناصر وإبنه حميد مركزين عليهما كأقوى أنصار البدر ومن أجل ذلك فإنهم بالغوا في نقل الصورة إلى الإمام المريض في روما مستثيرين رصيده المخزون حقداً على آل الأحمر وكانت الثمرة المره اصراره على الفتك بآل الأحمر وهو ما يزال بعد طريح الفراش في روما ، أقول كل هذا تمهيداً بين يدي نص رسالة الشيخ حسين بن ناصر إلى إبنه عبد الله في ربيع الثاني سنة 1379هـ وقد مرت على عودة الإمام إلى اليمن ثلاثة أشهر ونعرف من مطلعها إنصراف الشيخ حسين إبن الستين عاماً أو يزيد إلى شؤون مزارعه وإلى جانبه إبنه حميد وقد غادر صنعاء إلى مزارعهما في البطنة جمعاً لحاصلات الأرض في حين كان عبد الله لدى الإمام في السخنة أداء للواجب المعهود في ملازمة المقام إثباتاً للولاء وتسكيناً لخواطر الإمام ونرى الأب وهو يحرر رسالته من حبور إلى إبنه في السخنة يؤكد بادئ ذي بدء مسألتين: الأولى إنصرافه إلى الزراعة والثانية ما يتعرض له من أمراض لا يزال يشكوها منذ عودته إلى البلاد ثم يخلص إلى موضوع زبارة وهو علي بن علي زبارة نائب الإمام في صنعاء وقد عرفته شخصياً أيام دراستي بصنعاء سنة 1379هـ وكانت وفاته سنة 1396هـ
    ويستفاد من رسالة الشيخ حسين بن ناصر أن زبارة هذا طلبه إلى صنعاء ليبلغه أمر الإمام وكانت الإشاعات قد أنتشرت برغبة الإمام في إعتقال الشيخ حسين بن ناصر بالقلعة واعتذار الشيخ حسين عن الوصول بسبب المرض الذي لازمه أسابيع وأن ولده عبد الله موجود لدى الإمام بالسخنة وفوق ذلك فإن الشيخ حسين بعث إلى زبارة من ينوب عنه لمعرفة أمر الإمام وحرر إليه رسالة بعد أن سحب تلغرافاً معتذراً وموضحاً أسباب بقائه في البلاد ورغم كل ذلك فإن زبارة لم يبلغهم فحوى أمر الإمام وبعد ذلك فإنه يذهب في رسالته إلى تأكيد ولائه للإمام ولولي العهد ويحذرهم من الحساد الذين أطلق عليهم لقب عالم البياض ويعني بهم أصحاب الحسن الذين لا يزالون يحقدون عليه وعلى أولاده منذ إنقلاب الثلايا سنة 1955م حين وقع إشتباك بين الشهيد حميد الموالي يومها للإمام أحمد وبين الثلايا قائد الإنقلاب ولم يحسمه بينهما غير تدخل القاضي عبد الرحمن الإرياني كما يذكرهم بأنه وأولاده قطعوا الأعمار في الغربة بتعز وصنعاء و الحديدة ملازمين الإمام بعيداً عن منازلهم وأهلهم وممتلكاتهم ، ويختتم رسالته بأنه صار يفضل الموت بسبب ما يلقاه من جهة الإمام من ملاحقة وإيذاء ضاعفت من الأمراض التي يعانيها وخلاصة ما يخرج به القارئ من هذه الرسالة أنه أمام رجل عركته المحن وأتعبته السنون وأرهقته الأمراض فصار كل إهتمامه في متابعة مزارعه واسترواح منازله التي أمضى شبيبته وشيبته بعيداً عنها فهل يجوز لإمام يعلن أنه حارس الشريعة وحامي حمى الإسلام أن يسجن فضلاً عن أن يسفك دم شيخ موادع كهذا ، إنه يعلن الطاعة و الإخلاص فما هو بالباغي الخارج على الدولة ولا يستطيع الإمام أن يأتي بنص من القرآن أو السنة يبيح له ما فعل وهو العارف جيداً بالأحكام الشرعية المرعَّية في أمر البغاة التي تنهى عن تذفيف جراح الجريح فكيف بقتل السليم الصحيح.
    ولقد كان معاصره الملك عبد العزيز آل سعود أرأف بأعدائه وأرعى لمواقفهم السابقة معه فقد خرج عليه فيصل الدويش مرتين حاملاً السلاح معلناً الحرب وأسفرت المعارك بينهما عن إزهاق الكثير من الأروح وسفك الغزير من الدماء ، ومع ذلك فلم يزد حين ظفر به على أن سجنه ولما أحس بدنو أجله حمله إلى أهله معززاً بالتكريم و العون فأي الرجلين كان أهدى سبيلا ، ولقد كانت هذه آخر رسالة من الشيخ إلى إبنه كتبها أواخر ربيع الثاني وفي جمادى أنطلقت جيوش الإمام وكان ما كان من القتل و الهدم و المصادرة وستبقى هذه الرسالة المكتوبة بلغة الفطرة وخفقات القلب لسان صدق للشيخ حسين بن ناصر الأحمر وشاهد حق ضد عنجهية الإمام و دمويته التي لا مساغ لها من عقل ولا سناد لها من دين وصدق الله العظيم .
    ( ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) .
    وإلى جانب الأرواح المعصومة التي أزهقت هناك مأساة الديار التي دُمرت و الأشجار التي أقتلعت و الحاصلات التي صودرت في أكثر من جبل وواد ، والكل يعرف أن الإمام أحمد بعث إلى اصحاب الجوف سنة 1367هـ - سنة 1948م رسالته التحذيرية من أن يمسوا الغرارة التبن لواحده من مزارع أخيه الحسن قائلاً :
    ( يا جوف قل لبني نوف ، الغرارة الواحده حق زين العابدين برِجَّال ) . فأين حرمة دماء المسلمين وأموالهم التي هو راعيها وكل راع مسؤول عن رعيته فيستبيحها ويبيحها للجموع المجندة ويجعلها أثراً بعد عين .
    (3) نص الوثيقة الثالثة :
    أخي العزيز الشيخ الفخري عبد الله بن حسين بن ناصر الأحمر حفظكم الله.
    أفضلوا بوصولكم إلى أخيكم للكلام معكم .
    10/ رجب/ 1379هـ.
    أخوكم / عبد الملك العمري.
    هذه الرسالة القصيرة من سكرتير الإمام القاضي عبد الملك العمري إلى الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر المقيم يومها في السخنة .
    ما الذي نفهمه منها؟ لقد كتبها بإيعاز الإمام أحمد بعد أن وصل الشيخ حميد بالطائرة من الجوف إلى السخنة حيث كان ينزل الإمام أحمد وهناك إلتقى أخاه عبد الله ثم نقل بأمر الإمام إلى سجن خاص بالحديدة ولما أصر الإمام على قتله كان يتحسب ردود الأفعال وفي مقدمة ذلك موقف أخيه عبد الله المرابط لدى الإمام بالسخنة فأصدر أمره بنقل حميد إلى حجة ، وفي ذات الوقت الدفع بعبد الله عن طريق هذه الرسالة ليتوجه من السخنة إلى الحديدة مشتاقاً للإلتقاء بأخيه فإذا به يلتقي السجن و السجان وليتم إعدام حميد في اليوم التالي بحجة وليبقى عبد الله في سجن الحديدة أياماً حتى يتضح للإمام الموقف العام في حاشد وغيرها وليحدد المكان المناسب لإقامة عبد الله في سجن حصين مضمون وقد وقع الاختيار على نقله من الحديدة ليستقر سجيناً في سجن المحابشة سنوات كما أسلفنا في مكانه من هذا الكتاب .

    * مرا جع الكتاب :

    1. نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف – تأليف / محمد بن محمد زبارة .
    2. نيل الوطر في تراجم أعيان القرن الثالث عشر- تأليف / محمد بن محمد زبارة.
    3. نزهة النظر في تراجم أعيان القرن الرابع عشر- تأليف / محمد بن محمد زبارة.
    4. إئمة اليمن- تأليف / محمد بن محمد زبارة.
    5. مجموع بلدان اليمن وقبائلها- تأليف / محمد بن أحمد الحجري.
    6. هجر العلم ومعاقله في اليمن- تأليف / إسماعيل بن علي الأكوع.
    7. التاريخ يتكلم - تأليف / عبد الملك الطيب.
    8. لا تخربوا بيوتكم – تأليف / عبد الملك الطيب.
    9. تكوين اليمن الحديث- تأليف / سيد مصطفى سالم .
    10. وثائق يمنيه- تأليف / سيد مصطفى سالم .
    11. اليمن الحضارة والإنسان- تأليف / عبد الله عبد الوهاب المجاهد .
    12. المقتطف- تأليف / عبد الله عبد الكريم الجرافي.
    13. تاريخ اليمن العام - تأليف / محمد بن يحيى الحداد .
    14. بلوغ المراع في شرح مسك الختام فيمن تولى ملك اليمن من ملك وإمام تأليف / حسين بن أحمد العرشي.
    15. اليمن الكبرى - تأليف / الحسين بن علي الويسي .
    16. أزمة الأمة العربية و ثورة اليمن- تأليف / الدكتور / عبد الرحمن البيضاني .
    17. لهذا نرفض الماركسية - تأليف / الد كتور / عبد الرحمن البيضاني.
    18. البيضاني يرد على البيضاني- تأليف / أحمد جابر عفيف.
    19. الحركة الوطنية في اليمن- تأليف / أحمد جابر عفيف.
    20. رياح التغيير في اليمن- تأليف / أحمد محمد الشامي.
    21. قصة الأدب في اليمن- تأليف / أحمد محمد الشامي.
    22. ديوان محمد بن حمير- تحقيق القاضي / محمد بن علي الأكوع.
    23. ديوان ترجيع الأطيار بمرقص الأشعار- لعبد الرحمن الآنسي تحقيق / الإرياني و الأغبري.
    24. حوليات يمنية- تأليف / الحرازي - تحقيق / عبد الله محمد الحبشي.
    25. الحركة الوطنية في اليمن- تأليف / سعيد الجناحي.
    26. تاريخ اليمن العسكري- تأليف/ سلطان ناجي.
    27. سنوات الغليان- تأليف / محمد حسنين هيكل.
    28. الإنفجار- تأليف / محمد حسنين هيكل.
    29. حرب الخليج أوهام القوة والنصر- تأليف / محمد حسنين هيكل.
    30. مصادر الفكر و الأدب الإسلامي في اليمن- تأليف / عبد الله محمد الحبشي.
    31. التطور السياسي في اليمن من سنة 1962م إلى سنة1985م - تأليف الباحثة الروسية : جولوبوفسكايا.
    32. موسوعة العفيف - الموسوعة اليمنية.
    33. الجبهة القومية- تأليف / فيتالي ناؤومكين.
    34. نهاية الإمبراطورية السوفيتية مجد الأمم - تأليف / هيلن كيلردانكوس.
    35. رسائلي إلى الشهيد الحمدي – تأليف / محمد علي الشهاري.
    36. ألف ساعة حرب - تأليف الدكتور / عبد الولي الشميري.
    37. الوحدة اليمنية حاضراً ومستقبلاً - تأليف / عبد الله البردوني.
    38. رجال فى خنادق الدفاع عن الثورة - تأليف / أحمد فرج.
    39. اليمن الجمهوري - تأليف / عبد الله البردوني.
    40. من الأنين إلى الثورة - تأليف / د.عبد العزيز المقالح .
    41. الشهيد الشيخ / علي ناصر القردعي- تأليف / أحمد شبرين القردعي + مقبل أحمد العمري .
    42. وثائق أولى عن الثورة اليمنية - مركز الدراسات والبحوث اليمني.
    43. الرعيني وطنياً وثائراً- تأليف / محمد الزرقة.
    44. مصلح اليمن محمد بن إسماعيل الأمير- تأليف / عبد الرحمن طيب بعكر.
    45. المجاهد الشهيد / محمد محمود الزبيري - تأليف / عبد الرحمن طيب بعكر.
    46. ثمانون عاماً من حياة النعمان – تأليف / عبد الرحمن طيب بعكر .
    47. مأساة واق الواق - تأليف / الشهيد محمد محمود الزبيري.
    48. الإمامة وخطرها على اليمن- تأليف / الشهيد محمد محمود الزبيري .
    49. الأنة الأولى - تأليف / أحمد محمد نعمان .
    50. حقيقة الثورة وأسرارها - تأليف / عبد القادر الخطري.
    51. حول الوحدة اليمنية و الإنتهازية اليسارية والحزب الإشتراكي اليمني - تأليف الدكتور/ محمد علي الشهاري .
    52. نظرة في تطور المجتمع اليمني- تأليف / سلطان أحمد عمر.
    53. تغريب التراث العربي - تأليف / الدكتور محمد عيسى صالحية.
    54. ما رأيت وما سمعت- تأليف / أحمد محمد الوزير.
    (وهناك في عشرات المجلات والصحف والرسائل نصصنا عليها في أماكنها من الكتاب).

    * الفــهـــرس *

    المسلسل الموضوع
    الصفحة
    1 - شئ من قصة هذا الكتاب .
    2 - الشيخ في لوحة قلمية .
    3 - أولها التقوى والتواضع .
    4 - الصبر والاحتمال .
    5 - الوفاء وحب الخير .
    6 - الشجاعة والكرم .
    7 - الوقفة الاولى ( الوحدة اليمنية – الائمة – القبائل ) .
    8 - الوحدة اليمنية .
    9 - الأئمة .
    10 - القبائل .
    11 - الوقفة الثانية ( أسرة .. وثلاثة قرون من المجد ) .
    12 - بطاقة عصر .
    13 - بطاقة قبليه .
    14 - الجد المؤسس ( علي قاسم الأحمر ) .
    15 - ناشر علي يحيى الأحمر
    16 - الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر .
    17 - الوقفة الثالثة ] الثلاثة الذين جمهروا الصخور المتشيعة [ .
    18 - ناصر بن ناصر الأحمر .
    19 - الشيخ حسين بن ناصر الأحمر وولداه حميد وعبد الله .
    20 - الشيخ عبد الله يروي قصة الإعتقال والإعدام
    21 - الشيخ عبد الله والإمام والسجن .
    22 - إضافة قيمة للأستاذ عبد الملك الطيب .
    23 - الوقفة الرابعه ] مع سبتمبر من الصفوح إلى القمم [
    24 - الرجل الذي أحبه الحرم والهرم .
    25 - لقطات ميدانيه .. دفاعاً عن الجمهوريه .
    26 - إنما يحمل اللواء النجوم .
    27 - الجمهوريه الثانيه . حصار السبعين . أحداث أغسطس .
    28 - المناصب التي تقلدها الشيخ .
    29 - الوقفة الخامسة ] بطل الجمهورية وراعي حزب الله [ .
    30 - مع أمين عام حزب الله .. الزبيري .
    31 - رسالة محمد محمود الزبيري إلى رئيس الجمهورية .
    32 - مع الرئيس الإرياني .
    33 - مع الرئيس الحمدي .
    34 - مع الجمهورية الثالثة والرئيس علي عبدالله صالح .
    35 - مع التجمع اليمني للإصلاح .
    36 - ثلاث وثائق .. وتوضيحات عنها .
    37 - الإطار الزمني العام للوثائق .
    38 - نص الوثيقة الأولى .
    39 - إضاءة .
    40 - نص الوثيقة الثانيه .
    41 - إضاءة .
    42 - نص الوثيقة الثالثة .
    43 - ملحق .
    44 - مراجع الكتاب .
    45 - الفهرس .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-01-31
  7. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004

    الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر
    الرجل الذي أحبه الحرم والهرم

    تأليف الأستاذ عبدالرحمن طيب بعكر الحضرمي

    مقدمة الطبعة الثانية

    حمداً لك اللهم وصلاة وسلاماً على المثل الأعلى للبشرية محمد الذي من
    اتبعه اهتدى ونجى ومن خالفه ضل وهلك ، وبعد فقد أعطتنا الطبعة الأولى من هذا الكتاب عرضا حقيقيا لما يعتمل في النفوس اليمنية من شغف بالإطلاع على الصفحات المطوية من تاريخنا المعاصر، فتسابقت المدن و الأرياف لاقتناء هذا الكتاب الذي بين يديك عن أهم شخصية يمنية حية في صياغة النضال الوطني وتاريخ اليمن المعاصر الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وسرعان ما نفدت الطبعة الأولى قبل اكتمال عام على صدورها ، مما أوجب المسارعة بإخراج
    الكتاب في طبعته الثانية التي يأتي الشروع فيها متزامناً مع إهلال شهر الصوم المبارك . وتماثل الشيخ عبد الله للشفاء من العملية الجراحية التي أجريت له في القلب بالولايات المتحدة الأمريكية منذ أسابيع ، ومع اكتمال الأربعين عاما من عمره النضالي ذي الطابع التحولي المنفرد ، فكان بمثابة الجسر الشامخ المتين لأهم التحولات التاريخية الكبرى في تاريخ هذا الشعب . ومن حسن الطالع أن يأتي كل ذلك و اليمن الكبير الموحد يتهيئ لاستقبال الذكرى الخمسين لثورته البكر ربيع الآخر 1367 هـ فبراير 1948م فكان إصدار هذه الطبعة من أطيب التحايا وأنسبها لتلك الذكرى الخالدة ، فعلى بركة الله.ِ

    الثلاثاء
    8 رمضان 1418 هـ
    6 يناير 1998 م
    عبد الرحمن طيب بعكر الحضرمي

    مقدمة الطبعة الأولى​


    اللهم إياك نعبد وإياك نستعين
    اللهم صل على سيدنا محمد وسائر الأنبياء و المرسلين وآله والصحابة والتابعين. اللهم لا سهل إلا ما سهلته
    من حسن حظ البشرية أنها تعيش اليوم إجماعاً إنسانياً ناضجاً ضد الغيلان الثلاثة التي طوحت بالمسيرة الإنسانية عبر القرون و الأجيال الإلحاد، الإستبداد، التعصب.
    و الحق أن بداية الفتح العالمي و الكوني جاء مع إنبعاث الرسالة الخاتمة على
    يد المثل الأعلى للبشرية محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه القرآن الذي جاء بعد أن كان يبعث الأنبياء والمرسلون إلى أقوامهم فجاء هو بالدعوة لكل الإنسانية في عصره وحتى آخر يوم من حياة الإنسان فوق هذا الكوكب ، وتواصلت مع النضج البشري مسيرة الأجيال حتى بلغت أوجها في هذا الظرف الزمني الذي نحياه بتكاثر الباحثين عن الحقيقة مهما أصر الملحدون والمستبدون والمتعصبون في كل القارات ، وسمعنا باحثاً إنسانياً إستوعب تاريخ عالمه هو الأستاذ الأمريكي ( مايكل هارت ) صاحب كتاب (المائة الخالدين) يضع محمداً بدعوته الإسلامية والإنسانية على رأس القائمة ، ومع سقوط الهرم الشيوعي تزايدت فرص الإنفتاح والتواصل بفعل التقدم الهائل ، للوسائل والمواصلاتيه و الإتصالاتيه المتعددة التي وإن كان لها جانبها السلبي الهدآم فإنها تكفر عنه بما يقدمه جانبها الإيجابي من دعم للمسيرة الإنسانية الناضجة إيماناً ضد الإلحاد وحرية ضد الإستبداد وتسامحاً ضد التعصب لكن ما علاقة كل هذا بموضوع هذا الكتاب ؟
    إن العلاقة التي شدت إلى تلك التوطئه هي ما أنطبع به تاريخنا سواءً
    القديم منه و الحديث من جناية التعصب المحلي أوالمذهبي أو الطبقي على حقيقة الوقائع وعطاءات الأفراد ، ذلك أنك حين تتصفح ماكتبه أغلب مؤرخينا الأقدمين تراه في أغلبه ينضح بشميم التعصب المقيت الذي كان دافعه القديم تعدد الفرق وإختلافهم في الأصول والفروع فبسبب تلك الطائفية الأصولية و الفروعية رأيت مثلاً هذا الذي يعنى بالمعتزلة على حساب أصحاب السنه وإستدام ذلك الضيق الفكري و النفسي و العلمي حتى اليوم ؟ وأضاف اليه العصر إضافته المريضة بدافع من المحلية الصنعانية أو الزبيدية أو التعزيه أو الحضرمية أو الطبقية الحزبية أو الطبقية السلالية.
    فرأينا في اليمن حتى في صفوف الأكاديميين من يمارس ذلك التعصب إنغلاقاً في وجه الآخر أياً كان ، والأمثلة في المساحة كثيرة ولا أطلب منك العودة إلى ما كتبه الأقدمون عن طبقات الشافعية أو طبقات الزيدية أو طبقات الأحناف ولكني أدعوك لتنظر في عطاءات المراكز ذات الوجه الـتقدمي وما يصم إنتاجها من تعصب فيندر مثالاً بل ينعدم في دراسات مركز البحوث في صنعاء من يعطي القبائل وما قدموه من تضحيات ذات دور أساسي في قيام الثورة ورسوخ الجمهورية مايستحقونه حتىإن ما يجيء على ألسنتهم وأقلامهم عن هذا الصنف من المجتمع لا يعدو الغمز و اللمز و التجريح وحتى أن كتابة الأجانب تكون في الغالب أكثر أنصافاً منهم و إستيعاباً فإن أنت في تجاوزت مركز الدراسات إلى إنتاج الأفراد أدهشك ما تنضح به كتاباتهم من تجن وبخس الناس أشياءهم ، مثالاً عليه كتاب الحركة الوطنية للأستاذ سعيد الجناحي - فتراه لا يذكر الأحمر مثلاً وهو وأبوه وأخوه أوائل البانين لصـرح الجمهوريه بجماجمهم وأرواحهم فلا يذكره إلا في آخر القائمة وببروده وإهمال و الحق إن مثل هذا التعصب والإهمال ليس بالظاهرة المحصورة في اليمن أو كل بلاد العروبة وبلاد الإسلام ولكنه داء بشري عام تلمسه وتلاقيه في كل الأوطان والقوميات والديانات بسبب من كون التعصب داء بشرياً عريقاً ضارباً في الأعماق.
    وإذا كان الفقهاء كتبوا عن بعضهم ومثلهم الشعراء و النحاة و الأطباء والحزبيون فإن أهم شرائح الواقع اليمني (القبائل) ظلوا محل الإهمال والتجاهل فندرت بسبب ذلك الكتابة عنهم و التاريخ لهم ولم أجد إستثناء لهذه القاعدة الظالمة إلا ما كتبه رجل منصف كالقاضي إسماعيل الأكوع في كتابه (هجر العلم ومعاقله في اليمن) فأنفتح بدافع من سنيته المنصفه ودينه المتين وعلمه المكين وخلقه الرصين على رؤساء القبائل الذين عايشوه وشاركوه معاناة المسيرة منذ ثلاثينيات هذا القرن العشرين حتى اليوم وكان في كتابات المؤرخين الشعبيين كحوليات الحرازي جهد متفرد في هذا المضمار، ومنذ حين وأنا أرى أن أمثل طريقة لفهم تاريخنا هو دراسة كبريات محطاته ومنعطفاته عن طريق التوقف عند كبار أعلام كل مرحلة ، وعلى هذا جاءت دراستي المسلسلة لكبار أعلام الإصلاح في اليمن بدءاً بأحمد بن علوان في القرن السابع الهجري ومروراً بيحيى بن حمزة ومحمد بن إبراهيم الوزير و الحسن بن أحمد الجلال وصالح بن مهدي المقبلي ومحمد بن إسماعيل الأمير ومحمد بن علي الشوكاني ثم المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري وأستاذ اليمن الأول أحمد محمد نعمان وكان لا بد لي من أجل إتمام هذا المسلسل الوقوف عند شخصية الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر - ودوره المتميز في هذا الظرف الذي شهد تحولاً غير مسبوق وغير عادى في تاريخ اليمن بإعتباره رئيس التجمع اليمني للإصلاح وإلى جانب هذا هناك إعتبارات أخرى جعلت التوقف لديه والإلمام بمعطياته في سائر الساحة اليمنية أمراً حتمياً من مثل اعتباره الوجه اليمني الاول شعبيا وقبليا من حيث كونه اكبر مشائخ اليمن ، والوجه اليمني الاول من حيث كونه محور المؤتمرات الشعبية الكبرى التي فتحت وأصلت المشاركة الجماهيرية في تصحيح المسار الرسمي وتحقيق الرقابة الشعبية على ما يجري كما حدث في عمران وخمر وما تلاهما و الوجه اليمني الاول من حيث كونه مؤسس العمل البرلماني من اول تجربه ديمقراطية للمجلس الوطني سنه 1969م وحتى قيام مجلس ا لنواب في اليمن الموحد نتيجة عملية انتخابية صنعها الشعب ونفذها سنه 1993م بعيدا عن ا لتقديس فلا عصمه الا الله ولكتابه ورسوله وبعيدا عن الإطراء المتملق اذ انه ما دل على الفضل الكاذب مثل الثناء الكاذب ، والرجل غني عن ذلك بواقع انجازاته ودوره وبحسبه نجاحه المدهش و الرائع في مقدرته على الانطلاق الموفق من مضارب القبيلة ليتجسد الشخصية اليمنية الموحدة التي احسن تمثيلها في الافق القومي و الاسلامي و ا لعالمي.

    * شيء من قصة الكتاب *​


    ولقد كان هذا الكتاب اكثر كتبي اجهاداً لي وإلزاماً بالمتابعة الموصولة طوال
    سنوات ثلاث ذلك لأني وانا الضرير المقيم في اقصى الجنوب الغربي من تهامه ، الحريص على إنجاز هذه الدراسة الجادة و الصادقة و المستوعبة و الحكيمة في الإيراد و العرض و التعليل و التحليل كيف لي بمعايشة هذه الشخصية المشغولة سائر الوقت و المتنقلة كثيراً داخل اليمن وخارجه مما جعلني اضطر الى اختيار شخصية قريبة منه تكون كالواسطة فوقع الاختيار على الأخ الفاضل عبد الرحمن العماد رئيس الكتلة البرلمانية للاصلاح فبعثت اليه رسالة مطولة مرفقه بأهم وقفات الكتاب ليتقدم بها الى الشيخ عبد الله ويحصل منه على الاجوبه المطلوبة وصادف يومها غياب الاخ العماد في الولايات المتحدة وبعد شهور من الإنتظار لم يعد الرد من الا ستاذ عبد الرحمن العماد ، عندها أحسست بالصعوبة البالغة ففوضت الأمر إلى المولى سبحانه ولزمت الصمت حتى جاء الفتح بإتصال تلفوني من الشيخ عبدالله ودعوة كريمه للإلتقاء وزرته في منزله بالحصبه في صنعاء عصر الاءثنين 25 ذو الحجه 1416 هـ - 13 مايو996ام وقلت له : ( إن كتابة التاريخ العربي المعاصر مغامرة مرهوبة قل من يجرؤ على إقتحامها وقل من يوفق في الحوار معها والتعرف عليها وحسن تقديمها للآخرين.
    ذلك لأن الخارطة العربية عموماً وليس اليمنية فقط فكرياً وسياسياً وإجتماعياً لا تزال ملأى بالنتوءات و الأخاديد و المنحنيات ولم يزل يفصلها عن مرحلة التمهيد و التعبيد حتى تصبح سالكة ظرف زمني غير محدود ، ولأني من الجيل الذي عودته الإمامة على إحتمال مشاق الإرتحال بالجمال ضرباً في الصحراء أو صعوداً في الجبال فقد رأيت أن أفضل وأكمل إستجلاء للتاريخ اليمني العام هو الذهاب معه إلى الجذور ) .
    وكانت جلسة ممتعه أوقفتني على كثير من الجوانب الرائعه من شخصية الشيخ عبدالله فصلتها في مكانها من هذا الكتاب.
    ووعدني الشيخ بإرسال المعلومات المطلوبة وقام بالمتابعة حينذاك الأخ الشيخ العلامة محمد علي عجلان - نائب رئيس مجلس شورى الإصلاح وعضو مجلس النواب فحصل على بضع صفحات من الشيخ ثم قام بالدور وبصوره موسعه وبمتابعه حثيثه وودوده الأخ الأستاذ الفاضل / عبد القوي القيسي - مدير مكتب الشيخ الذي نجح جزاه الله عني وعن هذه ا لدراسة خيراً في الحصول على المعلومات الواسعة و الهامة التي تحفل بها الكثير من صفحات هذه الدراسة فلهما أسجل شكرى و إمتناني .

    وبعد :
    فإن هذا الكتاب يقدم مع توأميه عن الزبيري والنعمان تغطية أمينه ومستوفاه قدرا الإمكان عن مسيرة اليمن طوال هذا ا لقرن العشرين الميلادي ويضيف إلى المكتبة اليمنية المعاصرة مرجعاً جديراً بالثقه به والإفادة منه و الإجابه على التساؤلات الملحه عن أبرز الشخصيات اليمنية المعاصرة رسمياً وشعبياًُ والأحداث التحويلية الكبرى يمنياً أقدمه أداءً لواجبي نحو شعبي وتقديراً وتنويهاً بالشيخ عبدالله وهو يدخل بعد عام من هذا التاريخ إكتمال الأربعين من عمره النضالي والسياسي بدءاً من سنه 1985م حتى العام القادم سنه 1998م و الشاهدة بجدارته الحقه لأن يعرفه مواطنوه و الآخرون بأنه :

    ( بطل الجمهورية وراعي حزب الله )
    والله المعين


    ضحى الأحد : 29 / ديسمبر1996م
    19 / شعبان 1417هـ
    عبد الرحمن طيب بعكر الحضرمي


    الشيخ في لوحة قلمية​


    *الشيخ في لوحة قلمية :
    رأيتك أمس أنبل ( حميري ) * وأنت اليوم خير منك أمس
    وأنت غداً تزيد الخير ضعفاً * كذلك سادة مــن عبد شمس
    العتابي
    كنا في آخريات سنة 1968 م بعد إنقشاع حصار صنعاء وإنطواء أحداث أغسطس نستقبل القائد العام رئيس ا لوزراء الفريق حسن العمري - تدشيناً لبعض المنشأت في الطريق العام - ا لحديدة - تعز- وكانت الجمهوريه لا تزال تعيش بقايا غبارالحرب التي كانت يومها مشغولة بمتابعة تصفية جيوبها المتبقية جهة حجه وصعده ، وكان ذلك الجو يعكس نفسه على المشاعر و الأفكار فإن الفريق حسن العمري - حين مر بالجسر السطحي من شرجة حيس علق على إمتداده الذي يقارب اثنين كيلو رأى أنه صالح لإستعماله مطاراً سرياً في ظروف الحرب. وإنتقلنا معه إلى أقصى أطراف الخط جنوباً وتحديدآ عند الجسر المعلق بوادي رسيان ا لذي أتعب المهندسين الروس لرخاوة أرضيته حتى أعتبروا فراغهم منه إنجازاً هندسياً رائعاً ينبغي أن يفتتحه رئيس الوزراء وبينما كانت قاعة الحفل على الجانب الغربي من الطريق وفي ظل أشجار نخيل رسيان وعلى مقربة من مياهه الجارية والوقت هو عصر ذلك اليوم وبينما يبداء الإحتفال بتلك المناسبة شهدنا سيارة فارهة تحمل لافتة سفارة ألمانيا الإتحادية وأتضح أن السفير الألماني هوا لذي كان يقودها وأنفتح الباب وخرج منه نبيلٌ يمني يلبس ملابس كبار مشائخ القبائل ويتشح برداءٍ هو أدلى إلى ا لطول على جانب من الوسامه وإكتمال الصحة واستواء الجسد وعلى عينيه نظارة وفي يديه عصاة عجراء ما إن كاد يقترب من ساحة الحفل حتى هبَّ الجميع وقوفاً له وترحيباً به وأتضح أنه شيخ مشايخ اليمن عبدالله بن حسين الأحمر - وعلى حين أخذ مقعده كان رفيق آخر عظيم البدانه ثقيل الحركة يحاول الخروج من باب السيارة بصعوبة بالغه متقدم السن يتهادى ابين أشخاص يسندونه أتضح أنه الشيخ هادي عيطان ، وكنت على مقربة من الشيخ عبد الله أتفحصه بغاية الاهتمام ، وفي ذهني تطوف مشاهد من مأساة واق الواق عن الشهيدين والده و أخيه حميد والإنجازات الرائعة للشيخ عبدالله في سنوات الدفاع عن الجمهورية وبطولات فك الحصار عن صنعاء وفي فمي بيتا إبن هانئ ا الأزدري :
    كانت مساءلة الركبان تخبرني * عن جعفر بن فلاح أحسن الخبر
    حتى ألتقينا فلا والله ما سمـعت * أذني بأكثر مما قد رأى بصري
    كان ذلك هو إلتقائي الأول بالشيخ ، أما إلتقائي الثاني به فكان في منزله بالحصبه كما أسلفت مايو 1996م في ديوانه ا لأنيق الواسع فأكرمني بالجلوس في المقعد المجاور له ، وبحكم جلسة القات المفتوحه على الجميع وبطابع نقاشها المرتجل وحديثها المتنقل مع هذا وذاك وما أكثر المتعلقين بالشيخ وأغراضهم المتعدده لديه وأستمتعت رغم كل ذلك بحديثه مجيباً على أسئلة كنت أثيرها عنه وعن أبيه وأخيه وشيء من الذكريات عن الثورة غير أنه أضطر لإستقبال العجولين من ذوي الحاجات وفيهم من حضرموت ومن حجه ومن مأرب ومن سنحان بعضهم قبائل وبعضهم عسكريون ولفت نظري معرفة الشيخ لجميعهم ومناقشته لهم عن بعض الغائبين من قرابتهم ومعرفته الدقيقة للاماكن وإحاطته الواسعة بالأنساب فعرفت أنها موهبه الزعامة الحقه التي يمتاز بها أفذاذ الرجال وأستبان لي فيما بعد أن ا لرجل مولع بالتاريخ وجغرافية البلدان وبرغم المدة القصيرة التي قضاها في المحافظات الشرقية والجنوبية فقد كان يتخاطب معهم مخاطبة الخبير العليم بالمكان والإنسان ، وأخبرني عارفوه أنه على إطلاع واسع بجغرافية البلدان العربية والإسلامية وليس اليمن والجزيرة وحدهما، وكثيراً ما يناقش الضيوف و السفراء مناقشة المعايش المطلع وقد قادني هذا إلى معرفة هواياته الحبيبة إلى نفسه فعرفت أنها السباحة والرماية والزراعة والأسفار فهو من الذين يصيبون الهدف في الطلقة الأولى غالباً ورغم مشاغله فإدن أسعد أوقاته هي التي يقضيها في تفقد حقول مزارعه إن كان في الريف أو بستان منزله إن كان بصنعاء وما فيه من أشجار وما يضم من أبقار وهو فيما علمت بستان واسع أما الأسفار فإن ظروف نشأته قبل الثورة وبحكم طبيعته القبلية وموقع أسرته في ذؤابة حاشد وتباعد أملاكهم وإحتياجه وأسرته للإتصال المستمر بالإمام يحيى في صنعاء ثم ولده أحمد في تعز وحجه و الحديدة كل ذلك أعطاه معرفة عميقة بأحوال خمس محافظات عند قيام الثورة وسنوات الدفاع عن الجمهورية وموقعه المتقدم شعبياً ورسمياً جعله يوسع خبرته حتى شمل اليمن الشمالي بأجمعه وكذلك كان الحال بعد إعادة تحقيق الوحدة وله أسفاره الخارجيه في مهمات رسمية أو زيارات خاصة بحيث أمكن له التنقل في المعمورة من أقصاها شرقاً إلى أقصاها غرباً فقد زار كما تحدث عن نفسه في المعلومات التي أمدني بها :
    ا- فقد زرت أمريكا سنة 1973م وأنا رئيس مجلس الشورى زيارة رسميه.
    2- زرت الاتحاد السوفيتي سنه 1973م على رأس وفد من مجلس الشورى.
    3- زرت العراق في أواخر سنه 1969م على رأس وفد كبير وكنت حينها رئيس المجلس الوطني.
    4- زرت ليبيا سنة1969م وأنا رئيس للمجلس الوطني للمشاركة في إحتفالات الذكرى الأولى للفاتح من سبتمبر.
    5- زرت الصين سنه 1974م على رأس وفد من مجلس الشورى.
    6- زرت ا لكويت سنه 1971م بدعوة وأنا رئيس مجلس الشورى.
    7- زرت ألمانيا سنة1970م سبتمبر على رأس وفد كبير من مجلس الشورى.
    8- زرت كوريا الشمالية سنة 1974م بعد زيارتي للصين مباشرة وعلى رأس نفس الوفد الذي رأسته إلى الصين.
    9- زرت تركيا على رأس وفد برلماني في أكتوبر سنة 1994م.
    10- زرت ألمانيا على رأس وفد برلماني في مارس 1995م.
    11- زرت مصر على رأس وفد برلماني في إبريل 1995م .
    12- زرت فرنسا على رأس وفد برلماني في سبتمبر 1996م.
    13- زرت روسيا على رأس وفد برلماني في ديسمبر 1996م.
    14- زرت سلطنة عمان على رأس وفد برلماني في فبراير 1997م.
    وكل الزيارات السابقة كانت بدعوات رسمية.

    * أما الزيارات التي رافقت فيها الروساء :
    1- زرت المغرب سنة 1969 م كعضو في وفد مؤتمر القمة الإسلامي الأول مع القاضي الإرياني.
    2- زرت الجزائر سنة 1970م لحضور مؤتمر القمة العربي مع القاضي الإرياني.
    3- زرت السعودية سنة 1970 لحضور مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في جده وقد راس الوفد محسن العيني.
    4- زرت المغرب سنة 1985م لحضور مؤتمر القمة العربي مع الرئيس علي عبد الله صالح .
    5- زرت كلاً من مصر و الأردن و العراق سنة 1980 م وبتكليف من القيادة السياسية من أجل موضوع الحرب بين الشمال و الجنوب .
    6- زرت غمان و الإمارات وقطر و البحرين في مهمات وبتكليف من ا لدولة كما زرت سوريا وليبيا في نفس الإتجاه .
    7- زرت الجزائر ممثلاً لرئيس الدولة في أوائل الثمانينات.
    8- زرت الصومال سنة 1983م ممثلاً لرئيس الدولة .
    9- زرت كوريا الشمالية سنة 1984 م ممتلاً لرئيس الدولة.
    10- زرت السودان وتنزانيا وباكستان في وفود رسمية وشعبيه لحضور مؤتمرات إسلامية.
    11- زرت مصر أكثر من مرة مع الرئيس السلال.
    12- أما زياراتي إلى المملكة العربية السعودية فكثيرة ومتعددة في مهمات رسمية ووطنية في خدمة بلدي وهي بتكليف من رؤساء الدولة الإرياني ، الحمدي ، علي عبد الله صالح .
    ونظراً لأهمية القدوة في السلوك فإنه وهو المسلم الحنيف الذي يستلهم قيمه ومثله الأعلى من صاحب الدعوة المنقذ العظيم محمد صلى الله عليه وسلم ودينه القويم :
    ولا ازيدك بالإسلام معرفة * كل كل المروءات في الإسلام والأدب
    وله بعد ذلك الشخصيات التي أعجب بها وتأثر بها وفي مقدمتهم قبلياً أبوه الشهيد حسين و النقيب سنان ابولحوم و الشيخ علي بن ناجي القوسي و المرحوم الشيخ نعمان بن قايد بن راجح وفي مقدمة أصفياء الشيخ يأتي أبو جبران العميد البطل مجاهد يحى أبو شوارب الذي يقول عنه الشيخ ( هو من كبار مشائخ قبيلة خارف والده الشيخ يحيى بن هادي أبو شوارب كان كريماً شجاعاً وقد كان قائداً للمقاتلين إبان الحرب بين الامام والملك عبد العزيز بن سعود في المعارك التي دارت في نجران وجبل شيحاط وتوفي سنة 1952 م وولده مجاهد إبن عشر سنوات وقد لازم الأخ الشهيد حميد وهو في السابعة عشر من العمر وقد زج به في سجن القلعة عندما ألقي القبض على الاخ حميد وبقي في السجن قرابة ثلاث سنوا ت حتى توفي الإمام أحمد ، وتعلم الشيخ مجاهد في السجن ويوم قيام الثورة حشد حوالي مائتي مقاتل من خارف وتوجه لمطاردة الإمام البدر في مناطق حجه والمحابشة ووشحه وطارده حتى منطقة الملاحيط على الحدود السعودية وأشتبك مع البدر ومن معه في وادي تعشر وسقط من أصحابه من خارف بضعة قتلى منهم الشيخ محمد حميد نجاد - شيخ مدينة ناعط التاريخية وأستمر في القتال في الأسبوع الأول للثورة حتى نهاية الحرب سنة، 1970م حيت خاض آخر معركة مع قبائل حجور الشام بعد إعتراف المملكة العربية السعودية ثم قاد معارك الدفاع ضد الشيوعيين في مناطق الراهدة و قعطبة وله ملاحم تشبه الأساطير اذكر منها :
    الأولى :- في جبال بني علي أرحب سنة1963م حينما أنهزم أصحابه وبقي لوحده وأحاط به الاعداء وطلبوا منه تسليم بندقه فمد بها وهبوا لتناولها فقبض على الزناد ورش كل المحيطين به وأفلت منهم ونجى.
    والثانية :- في منطقة كدم وايله - لواء صعده حيث توجه من صعده لتفقد المواقع التي تتبع جيش الجمهورية فوصل إلى منطقة كدم بسيارته وقد أنسحب أصحابه وحل محلهم الملكيون في وايله فأحاطوا بسيارته في مضيق فخرج ومن معه من السيارة وأشتبكوا وهم مختلطين فانبطح على الأرض ورش المقتربين منه وفلت وبعض الذين معه راجلين وتركوا السيارة .
    والثالثة :- في حوادث أغسطس سنة 1968م حينما تمردت الصاعقة والمظالات ومن معهم في العرضي فقفز ومن معه من رجال حاشد من فوق داير صنعاء القريب من باب ا ليمن وأقتحم العرضي و الدم ينزف من رأسه إثر طلقة نارية أصابته إصابة غير قاتلة وأجهز ومن معه على المتمردين ا لعساكر وقتل من قتل من الجانبين وألقى القبض على من في العرضي من المتمردين ضباط وجنود وتم أخذ سلاحهم) أ . هـ .
    أما أهم الشخصيات العلمية لديه فالمجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري،
    و القاضي الرئيس عبدالرحمن ا لإرياني ، و أما سياسياً فأستاذ اليمن أحمد محمد نعمان ونجله محمد و الأستاذ عبد الملك الطيب ، وعلى الصعيد العربي فإنه معجب بالمرحومين الراحلين الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود و الرئيس جمال عبد الناصر وقد كانت له معهما إتصالات ومواقف وهو يتوجع من ا لاخير لموقفه من الإخوان المسلمين ويتوجع له وحين يتحسس الشيخ شريط ذكرياته يجد أن أصعب الظروف ا لتي مر بها قبل الثورة هي تلك التي كانت أيام محنته بأبيه وأخيه وأيام سجنه أسابيع في الحديدة قبل أن يعرف مصيرهما و كان الإمام قد أمر بإعدامهما وبتخريب البيوت ونهب الممتلكات وقلع الأشجار وترويع النساء الأطفال، أما أصعب ظرف مر به بعد الثورة فهو ذلك الذي وقع له بين نقيل يسلح وحزيز بداية إلتفاف الملكيين لمحاصرة صنعاء وسنمر بتفاصيل كل ذلك في مواقعها من هذا الكتاب ويتجلى للمتابع الكثير من الخصائص النفسية التي أنطبع بها نسيج حياته وجعلته مهوى الأفئدة ومحل إعجاب الأبصار و البصائر.

    * أولها التقوى والتواضع :​


    فالرجل من المصاحبين لكتاب الله في سفر وحضر وفي أوقات الرخاء والشدة ولعله من أكثر مشائخ اليمن إلتزاماً بالصلاة في أوقاتها فيؤدي الصلاة الوسطى (العصر) قبل أن يباشر تخزين القات فإذا جاء المغرب رأيت ديوانه الغاص بالمخزنين وقد تحول إلى قاعة صلاة حيث يؤديها الجميع جماعة بعدها يدخل الشيخ غرفته الخاصة لإستئناف القات فإذا فرغ منه صلى العشاء وما كتب له من صلاة وتفرغ لبعض شؤونه وهو يسهر عادة إلى الثانية بعد نصف الليل ثم يغفو حتى مطلع الفجر، وبعد أدائها يعود إلى النوم حتى الثامنه ذلك ما سمعته منه عن برنامجه اليومي و المعروف عنه بين الأدنين و الأبعدين محافظته الكاملة على النهج بعيداً عن كل الهنات الأخلاقية و السقطات المخلة بالدين والشرف ، ويمكنك في يسر أن تلمح تواضعه حين يتحاشى ذكر مبراته وقرباته تكتماً عليها وحرصاً على خلوص النيه فيها وكان من الصعب أن يفوه الشيخ بتفاصيل مشاركته في الجهاد الأفغاني ولا يسمح لك بأن تعرف عن هذا أكثر من أنه قضى عشرين يوماً في بيشاور الباكستانيه وقد كنت من الملايين اليمنية التي تابعت إنعقاد مؤتمر خمر في أكبر حشد جماهيري والقلوب تغلي حزناً على إغتيال الشهيد الزبيري وأجمع المؤتمرون أن يرأس الشيخ عبد الله ذلك المؤتمر ولكنه تواضعاً وتوقيراً دعا القاضي عبد الرحمن الإرياني ليرأس المؤتمر بدلاً منه.

    * الصبر والإحتمال :​


    واذا كان الصبر من الإيمان بمثابة الرأس من الجسد فإن الشيخ واسمع الحلم طويل الأناة بعيد إستثارة سورة الغضب ومواقفه في هذا كثيرة ويكفيه أنه هو الذي أحتمل ما أحتمل من عنجهية الإمام أحمد وقسوته ضد أسرته وقبيلته دون أن يجأر بشكوى أو يستخذي وقد تجلت إبان الفترة الإنتقالية واثر رئاسته مجلس النواب والدخول في مواجهة تحركات الإنفصاليين وفيهم رئيس الوزراء حيدر العطاس وستمر بنا تفاصيل ذلك في مكانها ويذ كر الذاكرون إحتماله لغمزات ولمزات المرحوم الأستاذ عبدالحبيب سالم مقبل، وقد كانت موجعة وطروحات الأخ عبدالرحمن أحمد نعمان اللاذعة بصدر رحب يذكرك بالأحنف بن قيس وكلمة الأول : ( حلمي أصم وأذني غير صماء) كل ذلك إبقاء على سلامة القلوب وجبر الخواطر وكم نشعر بالإعجاب البالغ بالرجل وهو يتحمل ما يتحمل في تعرضه لإصلاح شأن مواطنيه وإطفاء الحرائق بين فئات القبائل وجماعات المدنيين ، وبهذا الموقف الحكيم تفادى إدخال قبيلته في صراعات مع الآخرين ، وربما عرفنا شواهد هذا من صفحات هذا الكتاب.

    * الوفاء وحب الخير:​


    ومواقف الرجل الشاهدة بوفائه من الكثرة بحيث يصعب حصرها في هذه الصفحات ومن أشهر مواقف وفائه ذلك الموقف من الشهيد الزبيري بعد إستشهاده أن رعى إبنه عمران وحاطه بكفالته حتى بلغ أشده فزوجه ببنته ووفر له ما يحتاج إليه ولاتزال ذاكرته واعية مقادير الرجال الذين زاملوه أيام الشدة والنكبة فما إن يسمع بمصرع أحدهم حتى يسارع بنفسه بالمشاركة في العزاء والمؤاساة رأينا ذلك في تعز وهو يقدم معزياً الشيخ أمين عبدالواسع في وفاة أحد أبنائه ثم معزياً أحمد أمين في وفاة والده الشيخ أمين عبد الواسع ورأيناه في تهامة وهو يتحمل في يوم صائف صعوبة المكان معزياً عند وفاة شيخ الزرانيق الشيخ محمد يحى منصر وقيام إبنه بالمشيخ بعده وقرأناه في وفائه لمصر حين تعرضت ضفاف القناة للإحتلال الإسرائيلي وأصبح وضع الرئس جمال صعباً وعرض عليه تجنيد الألاف من قبائله رداً لجميل مصر و كذلك عند وفاة جمال حضر جنازته وهو من أسرع الناس مبادرة لإصلاح الشأن وحب الخير ولعل ذلك عمل دائم من أعماله اليومية في نطاق قبائله ولدى الأخرين وكان من أقربها إلى الذهن زيارته الأخيرة للمشائخ من آل السعيدي وللمشائخ من آل باشا بالعدين إصلاحاً للشأن بينهم وبين مواطنيهم وإهتمامه الشخصي بقضية الحتارش السكنية ا لتي شغلت الآف الأسر بصنعاء ولا تزال ، وأحسب أفراد هذا البيت مطبوعين على فعل الخير مع من يعرفون ومن لا يعرفون فقد كنا ذات يوم مع محافظ الحديدة يومها النقيب سنان أبو لحوم وكان يصاحبه في زيارته لمدينة حيس يحيى بن حسين الاحمر وحدث أن النقيب سنان غضب على بعض الموظفين إعتباطاً وأقسم على نقله من عمله إلى منطقة نائية من المحافظة وكان ذلك الموظف في سن متقدمه ومثقلاً بعائلة كبيرة فنهض الشيخ يحيى بن حسين الأحمر وهو الغريب الذي لم يسبق أن زار بلد يتلطف بالشيخ سنان حتى أذعن له وصفح عن الموظف المسكين وسحب أمر النقل .

    * الشجاعة والكرم :​


    وهذه الخليقة لا يحتاج دليلاً لإثباتها على بطل مارس حمل السلاح منذ الخامسة عشرة من عمره وخاض المواجهة ضد الامام أحمد وكلفه عارفوه بالمشاركة مع جماعة موكله بأغتيال أحمد بالسخنه وخاض لهب المعارك منذ أول قيام الثورة وطوال ثماني سنوا ت وكان من الأحداث التي لا ينساها أنه وهو سجين في المحابشة ، وتقوم الثورة ويستدعيه الرئيس السلال للخروج من السجن و المسارعة إلى صنعاء فيأنس إعتراضاً من مدير السجن ( لشاويش ) وتحايلاً لإحتجازه من أجل إرساله إلى البدر ويهمس في إذنه صاحباٌ له وهما في السجن ليلتئذ وهما يسمعان راديو لندن يذيع إستعدادات البدر وعمه الحسن يهمس في أذنه للخروج في منتصف الليل قبل أن يحجزهم السجان فيأبى الشيخ إلا أن ينام ملء جفنه حتى إذ ا جاء الفجرهب للصلاة ثم إنطلق مع بعض أصحابه العزل لمواجهة ما يعده الأعداء دون وجل وينطلق في طريقه إلى صنعاء وسيمر بنا في مكانه إعتزامه إعتقال كبار القادة وفيهم من فيهم حتى يذعنوا لموقف الشعب لولا حيلولة الزبيري دون ذلك كما فصله الأستاذ زيد بن علي الوزير في ذكرياته ولا يحتاج رجل تعود هو وأسرته وقومه على إستضافة المؤتمرات العامة أياماً إلى من ينوه أو يستشهد بشواهد عن خليقة الكرم فيه وهو الذي قام لديه في خمر أيام الأزمة مع السلال و المصريين منتصف الستينيات الآف اليمنيين من عسكريين وعلماء ومدنيين وأقام معهم جمهورية اليمن الحرة في خمر حتى دعته صعوبات الوضع فهب بهم إلى صنعاء لإستلام المواقع من المصريين وشهدت اليمن تلك المسيرة الشعبية الضخمة أولها في داخل صنعاء وأخرها في قاع البون إلا يذكرك هذا ببيتي حسان الخالدين في غسان :
    بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شم الأنوف من الطراز الأول
    يغشــون حــتى ماتهرّ كلابـهم * لا يسئلون عن الخميس المقبل
    هذه إلماحة عن الرجل المولود في شعبان سنة 1351هـ والذي يبلغ اليوم
    السادسة والستين من عمره المديد المبارك بإذن الله و الذي أستطاع أن يجسد في شخصيته وحدة اليمن وتقاليده وأخلاقه وكان بحق وجهه الأول ومثاله الجامع ، وإذا شئت مزيداً من الشهادة فإليك أسماء بنيه وقد جمع فيها كبريات قبائل اليمن وفصائله:
    (صادق - حمير - حميد - حسين - حاشد - هاشم - بكيل - مذ حج – همدان – قحطان ) .
    إن رجلاً هؤلاء أبنائه لهو بحق أبو ا ليمن وإن بيتاً يضمهم في أضلاعه لهو بحق بيت اليمن .


    الوقفة الأولى
    الوحدة اليمنية – الأئمة - القبائل


    ( لو توفر للدولة التركية طابور من هؤلاء المقاتلين اليمنيين لا نتصرنا على أوروبا )
    القائد الألباني المسلم
    الفريق أحمد عزت باشا
    رئيس أركان حرب الجيش التركي
    سنة 1323هـ - سنة1910م​

    حين قال الاحنف بن قيس لبني أمية إن كذبنا خفنا الله وإن صدقنا خفناكم فماذا نعمل ، كان بتلك المقوله يلخص أمراض الأمة التي تفاقمت حتى أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم من العلل والخلل و اذا كانت أمراضها الراهنة تبلغ العشرات فإن شفاءها علاج واحد غائب لو أمكن لها إستعادته و العودة اليه لشفاها بإذن الله ، ذلكم هو الصدق الذي حث عليه القران ونوه به وأثنى على أصحابه ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ) وكان أمره صريحا ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين ) وفي سورة الحجرات يحدد صفات الصادقين : (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموا لهم وإنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ). ومع إنتهاء العهدين النبوي و الراشدي وتحول الحكم من حق للعباد ينعقد ببيعتهم ويخضع لرقابة شوراهم إلى إستبداد يفرض إنجرافاته بالقوة عادت أمراض العرب الأولى تجرجر بأرجلهم إلى الضعه والهوان والفرقة وبد لاً من أخلاقية القرآن القائمة على إدانة النفس وإتهامها وتربيتها ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) جاءت الأخلاق الإبليسية إعتزازاً زائدآ بالنفس و تضخيماً للذات وتجاوزاً لحقوق الآخرين ومنطلقها مقالة الشيطان الرجيم ( أنا خير منه ) وأصبح المجتمع الإسلامي أواخر القرن الأول محكوماً لا بوصايا لقمان لابنه وإنما بجعجعة إبن أم كلثوم .
    لنا الدنيا ومن أمسى عليها ، ونبطش حين نبطش قادرينا وحين يغيب الدين الحق يسوء الحال كله وتسقم الدنيا وأهلها سواء منهم ساكنوا المدن أو المقيمون في الأرياف من القبائل ويتمادى بهم السوء حتى يصبحوا مجتمع ذئب وضئان ولا سبيل إلى علاج المجتمعات حينئذ إلا بالعودة الراشدة إلى الدين ، من أجل ذلك قال إبن خلدون :
    ( إن العرب لا يستقيم أمرهم إلا بالدين ) وها نحن نشهد في سائر الساحة الإسلامية قيام ظاهرة الذئاب والضئان في كل مكان نظراً لغياب وازع الدين ومن ثم إنعدام الصدق وقمع التواصي بالحق والصبر فكان هذا الخسران الذي نراه و الذئاب تتنوع بحسب أدوار المجتمعات حيناً بجفاء القبيلة وحلول بدائلها كالحزب الحاكم المتسلط على الرقاب أو الجيش المسيطر بالقوة وسيستمر الوضع العليل حتى تعم العودة الحقه إلى دين الله لا بالشعارات والمظاهر وإنما بالحقائق و الضمائر وسنبقى متعبين في مجتمعات المساكين الثلاتة المفترى بأسمهم على الملايين : الدين - الدستور- القانون ، بينما ممارستنا الواقعة إسلامياً مذبذبة فلا ديناً أقيم و لا دستوراً طبق و لا قانوناً حقق خلافاً لما عليه الآخرون الذين وإن كانوا قد أبعدوا الدين عن واقعهم إلا أنهم صدقوا الديمقراطية وحققوا رشداً سياسياً ورعاية حقيقية لحقوق الإنسان و تبرأوا من داء مداراة العيوب والأمراض و الانقياد للسلطة حين تخرج عن النظام ولم يتحرجوا من الاعتراف بأخطائهم و التعاون على إيجاد مقومات العوج و الإنحرافات وهذه ا لدراسة تلتزم ما استطاعت جانب الصدق والإستيعاب في عرض الوقائع دون تجن على أحد أو محاولة تجريح أو تشهير، ولربما غضب البعض من طروحاتها واستعراضاتها فليثق أنها تفعل ماتفعل بقلب أبيض وفهم مفتوح نظيف غايته الوقوف على الحق و المصداقية ا لتي نحن في إفتقار شديد إليها و الله المستعان .

    * الوحدة اليمنية :​


    تشيع في كل الشعوب دورات يتفاوت فيها النشاط ا لإنساني بين التجدد والجمود ومن ثم ينعكس على المظاهر الكبرى لوجوده من توحد أو صراعات وانقسام ، و تعد وحدة الشعب أي شعب ذروة عالية من إكتمال الشعور العام وإنعقاد التوجه الكلي للمجتمع لاستعادة دوره الحيوي في تاريخه العام ، وتشغل الطبيعة الجغرافية للمكان مساحة هامة في كتابة تاريخ الإنسان القاطن فيها والمتعإمل معها من حيث وعورة الجبال اليمنية وإمتداد السواحل ثلاثة آلاف كم ، وترامي الصحراء التي تشكل في الجغرافيا اليمنية قطاعاً واسعاً في المحافظات الشرقية أضف إلى كل ذلك ما أرتكز عليه نظام الإمامة من نظرة عنصرية فوقيه وما ساد لدى الحاكمين وغيرهم من ملوك وسلطنات ومشيخات وإمارات من غلبة المزاجية الفردية على أسلوب الحكم وإنعدام أية بقية من بقايا الشورى ونظام الجماعة اللهم إلا على النطاق القبلي المحدود في جزء من المناطق الشمالية ، وما كان لإطماع الدول الاجنبية وتدخلاتها عبر قرابة ثلاثة قرون ما يتفرد به الواقع اليمني في جزيرة الذهب ككيان فقير يمتلك الأيدي وتشح ظروفه عن تقديم الموارد المطلوبة والكافية لتحقيق أمن غذائي وتقدم تنموي حقيقي مما يجعله شبه مبعد عن نطاق الثريا الذهبية بقتضى توجهات الحاكمين في الجزيرة والخليج ومما يجعله ملتقى ممارسات يمليها الآخرون لمختلف مشاربهم واتجاهاتهم وطوال الأحقاب فإن بدائية المواصلات جعلت المظهر الوحدوي نادراً ل ايكاد يراه الرائي إلا لسنوات معدودة ثم يختفي باختفاء البطل الوحدوي ويكفيك أن اليمن في عهده الإسلامي وقد قطع منه مايقارب خمسة عشر قرناً لم يشهد غير خمسة من أعلامه ساءهم تشرذمه وتمزق أشلائه بين دويلات وإمارات فعملوا على تجديد وحدته وترميم كيانه العام ، وبالطبع كان الإسلام هو الروح العام الذي نفخ في أوصال الشعب الممزق ليستعيد تلاحمه ويستأنف دوره الرائد ، وكان ماكان من عطائه المتميز منذ العهد النبوي من فتح البلاد وحسن بلاء في الجهاد وإسهام رائع واسع في كتابة معلمة الأمة الثقافية من شرعية ولغوية وأدبية وعلمية مما تفيض به الأسفار وكان بعد إنتهاء النفوذ المركزي بدار الخلافة في دمشق الأمويين وبغداد العباسيين أن أستقل بالحكم رجال كبار جددوا الوحدة ولموا الشعث أولهم : محمد بن إبراهيم بن عبيد الله بن زياد أوائل القرن الثالث الهجري وقد تصدعت في عهد أخلافه وعلى إمتداد الحكم النجاحي واليعفري ثم جاء المجدد الوحدوي الثاني علي بن محمد الصليحي في القرن الخامس الهجري ، ومهما يكن من أمر أسماعيليته فإنه من أبناء اليمن الأفذاذ وأفرادها القلائل الذين أسدا لوحدة اليمن خدمات جُلى ، ثم جاء بعد إنتشار التصدع العاهل الرسولي الكبير المظفر يوسف بن عمر بن رسول في القرن السابع الهجري ولعله أبرز عاهل عالم عادل تبوأ أريكة السلطة في هذا الشعب وعادت عوامل الشتات دواليك حتى كان ظهور الإمام الراشد المؤيد محمد بن القاسم في القرن الحادي عشر فأعاد وحدة اليمن بجهود أخيه الحسن وأبنه أحمد بن الحسن من حضرموت حتى الخلاف السليماني وعمل الزمن عمله فتمزق اليمن من جديد بين أئمة وأشراف وأتراك وإنجليز وأذن المولى سبحانه بقيام الجمهورية ، وبعد مضي ما يقارب ثلاثين عاماً عادت الوحدة عن إجماع شعبي وتفجر روح تأريخي وحدوي فتحققت الدورة الوحدوية الكبرى على يد الرئيس الفريق علي عبدالله صالح - ومن ورائه ومعه كل القوى الشعبية الخيرة التي اكدت البنيان الوحدوي بإنتصارات السابع من يوليو 1994م الثامن والعشرين من محرم 1415هـ وستبقى ثوابت العمل الوحدوي وضمانات إستمراريته لا بالجيوش المتكاثرة ولا بالسلطة المسيطرة وإنما بتأصيل وتعميم الإيمان والعلم والعدل وعنها يصدر وعليها يقوم النظام والأمن والنماء ، لقد أصبح ضرورياً أن يعي الأعلون قبل الأدنين أن ثوابت السلوك الإنساني هي تلك الثلاث التي ذكرناها وأن مقر التحولات العامة في كل الحضارات والأمم والشعوب هي القلوب محل نظر الرب مصدر التغيير الدائم ، والواقع ملئ بالشواهد ومتخم بالعظات ولنعلم جميعاً أن التجارب المستعارة والمفروضة من الآخرين كالتي يسمونها التعددية الحزبية والممارسة الديمقراطية وأمثالها ما لم تكن نابعه عن قناعة ذاتية ومحكومة بممارسة حقيقية فإنها لا تعدو أن تكون ضرباً من إثارة الدخان للتضليل عن النهج والله المستعان .

    * الأئمة :​


    أول أئمة اليمن كما هو معلوم الهادي يحى بن الحسين وولده أحمد الناصر وأخرهم هو المتوكل يحى حميد الدين وولده أحمد الناصر من سنة 282هـ إلى سنة 1382هـ فبلغ تعدادهم عبر هذا المشوار الزمني الطويل سبعين إمام إنحصر حكم أغلبهم داخل سياج السراة ولم يحكم اليمن الطبيعية منهم غير أربعة هم :
    المؤيد محمد بن القاسم صاحب شهارة وأخوه المتوكل إسماعيل بن القاسم صاحب ضوران وإبنه المؤيد محمد بن إسماعيل صاحب معبر وابن أخيه أحمد
    بن الحسن صاحب الغراس وكلهم من أعلام القرن الحادي عشر الهجري ومع أنهم كلهم لقبوا أنفس بأئمة الزيدية فإن حقيقه الأمر أنهم هادوية نسباً في أغلبهم لإنحدارهم من جدهم الأعلى يحى بن الحسين وهادوية فكراً ومذهباً
    لمتابعتهم له في ما أخذه من الأصول عن شيخه المعتزلي أبي القاسم البلخي ووقفهم على اجتهاداته الفروعية في فقه العبادات والأحكام وكان الخطاء الفادح الذي أصاب أولئك الرجال الكبار هو موقفهم الرافض لصحاح السنه التي إحتضنت بحق تراث النبوة وكانت ولا زالت وستبقى مدونة الأمة الجامعة لكل مذاهبها فعزلوا بذلك أنفسهم وإنتاجهم وحالوا بين مواطنيهم وبين خير كثير، ويحدثنا في هذا الصدد القاضي إسماعيل الأكوع في رسالته اللطيفة و الهامة عن الزيدية فيقول ص 28 : وقد إعتمد الهادي يحيى بن الحسين في فقهه الذي إجتهد فيه وأختاره مذهباً له على أدلة مروية عن أسلافه فقط منها ما هو مرسل ومنها ما هو موقوف ولم يلتفت إلى الادلة المروية عند اهل السنه فيستنبط منها أحكام فقهه كما فعل أئمة المذاهب الأربعة الشافعي و الحنفي و المالكي و الحنبلي المعروفون ولكنه يتجاهلها بل وأنكر صحتها كما روى عنه الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى في كتابه الغايات في ذكر المخالف حيث قال : ولهم أي - لأهل السنه - كتابان يسمونهما بالصحيحين صحيح البخاري وصحيح مسلم - ولعمري أنهما عن الصحة لخلّيان.
    وعقب المهدي على كلام الهادي بقوله : ولعمري إنه - أي الهادي – لا يقول ذلك على غير بصيرة أو كما قال ، وهذا ما أكده المهدي بقوله نفسه :
    إذا شئت أن تختر لنفسك مذهباً * ينجيك يوم الحشر مـــن لــهب الـنار
    فدع عنك قول الشافعي ومالك * وحنبل و المروي عــن كـــعب أخبار
    وخذ من أناس قولهم ورواتهـم * روى جدهم عن جبرئيل عن الباري ويواصل القاضي / إسماعيل استعراض أقوالهم في نفس المعنى ص 29 : (فإن أحمد سمعد الدين المسوري المتوفى (1079 هـ - المو ا فق1668م) وهو من كبار علماء الهادوية أعلن في رسالته المسماه ( ا لرسالة المنقذة من الغواية).
    [ أن كل مافي الأمهات الست لا يحتج به وأنه كذب ] وذلك لان الهادي ومن سار على دربه من الأئمة وأتباع مذهبه لا يعتدون بها في شيء لأن رواتها لم يكونوا من الشيعه).
    ورغم ما أتيح لهم من الظرف الزمني الواسع ليصلحوا أمور الناس ويخففوا معاناة العباد فإنهم إنشغلوا أيام الحرب بالقتال وأيام السلم بالجدال وإنعدم في تاريخهم الإصلاح العملي في كل المرافق اللهم إلا بضعة مساجد وصرت تلحظ تخلفهم وقصورهم عما قدمه العبد الزيادي الصالح الحسين بن سلامه من إصلاح المرافق العامة وإنشاء المناهل والحانات لإيواء المسافرين فضلا عن أن نذهب في المقارنة بينهم وبين مساعي ومآثر الدولة الرسولية الرائعة والواسعة وكان من أهم رجالهم علمياً واصلاحياً ورفقاً بالعباد وإهتماماً بإطفاء الفتن والحروب الإمام يحيى بن حمزة الذي يعد في الذروة منهم ولم يكن هادوى النسب فإنه حسيني قد قدم أبوه من العراق وقد أستفاد يحيى بن حمزة خيرية في نفسه وسعة في المعرفة من جده لأمة الإمام السراجي الذي تربى في احضان السنه وأخذ عن الولي المصلح أحمد بن موسى العجيل في تهامه وكان إلى جانب المؤيد يحيى بن حمزه هذا في خيريته وحسن قيامه بأمور الناس مؤيدان فاضلان هما : المؤيد محمد بن القاسم والمؤيد محمد بن إسماعيل ، وعلى جانب آخر يتفرد ثلاثة بالدموية المسرفة أولهم المطهر بن شرف الدين ، ثانيهم محمد بن أحمد صاحب المواهب وثالتهم أحمد بن يحيى حميد الدين ، أما المع عسكري قدمه تاريخ الأئمة فهو الحسن بن القاسم الذي لم يكتف بإجلاء الأتراك وإعادة توحيد البلاد حتى أضاف إلى ذلك الإهتمام بتحسين الجزر اليمنية من زيلع إلى فرسان ودهلك وهذه لفته ذكية منه وددنا لو أن سائر الدول التي حكمت اليمن سبقته إليها أو لحقت به فإن اليمن طوال تاريخها قبل مجيء الإسلام لم تتعرض لغزو قاتل إلا عن طريق البحر ولأمر ما رأينا بريطانيا تحرص منذ القرن ا لسابع عشر الميلادي على التفرد بالسيادة البحرية في سائر بحار ومحيطات الدنيا مما أتاح لها إذلال قائد عسكري في مقدمة القادة العالميين هو ( نابليون بونابرت ) وملاحقته في مصر وإحراق إسطوله في أبي قير ثم محاصرته في بلاده فرنسا حتى أسقطوه ولم يخل تاريخ الأئمة من رجال ربانيين خرجوا عليهم فكرياً وقارعوهم علمياً وأقربهم إلى الذهن ساعة إملاء هذا هو العلامة المجاهد المجتهد يحيى محمد لطف شاكر الذي رفع لواء السنه وخرج على مقررات المذهب وسعى لإصلاح أحوال الناس وتخفيف معاناتهم ، ولو أن اليمن رزق رجالاً من طراز شاكر يقفون في وجه التعصب المذهبي و التعالي العنصري لأستقام العوج وأنعدل الميل ومن أخباره مع الإمام يحى ما أورده القاضي إسماعيل الأكوع في كتابه ( الهجر و المعاقل ) ص 2088 المجلد ا لرابع : (إجتهد في طلب العلم وتحصيله حتى فاق أقرانه وزاحم شيوخه فتخطاهم ولما عرف أن العمل بكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم وحدهما هو الحق الذي يجب أن يتبع نبذ التقليد وأنقطع لدراسة علوم الكتاب و السنه حتى صار مجتهداً مطلقاً وأخذ يدعو إلى ترك التقليد كما نعى على علماء عصره تمسكهم به وأنكر على الإمام يحيى حميد الدين أموراً يعملها على أنها من الدين وهي ليست من الدين في شيء كما قال وذلك في رسالة وجهها إليه وعد بعض تلك الأمور فأستشاظ الإمام يحيى منه غيضاً وأستدعاه إلى صنعاء وكلف أحمد بن عبد الله الكبسي وأحمد بن علي الكحلاني وعبد الله بن محمد السرحي ومحمد بن محمد زبارة بالإطلاع على تلك الرسالة الموجهه إلى الإمام ومناظرته و الرد عليه وقد إجتمعوا به بحضور محمد بن حسن الوادعي وعبد الرحمن بن حسين الشامي لمراجعته للعدول عن رأيه ولكنه أصر على تمسكه بماجاء في رسالته وعززها برسالة إلى أولئك العلماء هذا نصها : ( الحمد لله وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ، حفظكم الله تعالى وعافاكم وكفاكم مهمات الدارين آمين .
    لم أرد مما ذكرته في الرسالة من الشرك والكفر إلا ما أراده الله ورسوله فأنا غير مخطأ ولا أثم بذكرهما يقيناً لا أشك فيه ، وقد أشتهر أن الإمام حفظه الله منصف وسيظهر صدق ذلك من كذبه الآن فأقول : لإ يمكن إزالة ما ذكرته من الشرك والكفر إلا بعد حصول ثلاثة أمور: أحدها إزالة جميع المنكرات والبدع الموجودة الآن من قبب ( قباب جمع قبه ) ومشاهد ( شواهد القبور) ومكوس جمع مكس ما يأخذ من التجار من ضرائب مقدار عشرة في المائة ، وإسبال (عدم ضم اليدين في الصلاة ) وجمع بين الصلاتين ( الظهر والعصر و المغرب والعشاء ) وتكفير أهل السنه وإيثار قراءة غير الكتاب والسنه وما يوصل إليهما فإذا أزيلت هذه الأمور وأمر الإمام بالمعروف ونهى عن كل منكر وبدعه تحت وطأته بادرت بإزالة ما في الرسالة من شرك وكفر وإن كان حقاً فإن زعم عدم قدرته على إزالة ما ذكر فهو كاذب يكذبه كل عاقل .
    ثانيا أن تعرض الرسالة على جميع العلماء الذين هم تحت وطأة الامام فإذا
    اجمعوا على أن ذكر الشرك والكفر مخالف لامر الله ولأمر رسوله ولمراد الله ولمراد رسوله ولمحبة الله ولمحبة رسوله قلت لهم : تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين أنا أو هم .
    تالثاً : أنهم إذا تابوا عن المباهلة رقم كل واحد منهم شهادته على بطلان ما ذكرته وأن الإمام مصيب في كل ما فعله ولفظ الشهادة التي يرقمونها : نشهد لله أن ما ذكره فلان من الشرك والكفر في رسالته باطل وأنه مخالف لأمر الله
    ولأمر رسوله ولمراد ا لله ولمراد رسوله ولمحبة ا لله ولمحبة رسوله ونشهد لله أنه لا يلزم الإمام شيء من المكوس التي يأخذها على المسلمين ولايلزمه هدم القبب و المشاهد ولا نهي الناس عن التسريج عليها وقبول النذر لها ولا يلزمه إزالة بدعة من هذه البدع الموجوده الآن من ا لإسبال في الصلاة والجمع بين الصلاتين تقديماً وتكفير أهل السنه وإيثار غير أهل الكتاب و السنه عليهما ولا يلزمه شيء من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فمتى رقموا هذه الشهادة وكتب كل عالم من علماء دولة الإمام وسلمت إلي محوت الشرك والكفر وأحرقت الرسالة بالكلية فإن أبوا عن الشهادة للإمام بأنه لا يلزمه شيء الى أخر فليرقموا شهادتهم عليه بأن يلزمه ما ذكر من إزالة المكوس وغيرها فإن لم يحصل شيء مما ذكر البته وكذا إذا إختار الامام أحد الثلاثة الأمور وأخل بشعبة من شعب ذلك الأمر الذي أختاره فلا يمكن فإن إدعى أنه لايمكنه إزالتها دفعه بل على التدريج فليفعلها على التدريج ومتى أكملها فعلت المشار إليه وإلا فلا يمكن محوها البته لو فعلوا بي ما فعلوا فإني من ديني على بصيرة فلا قلق من شيئ البته لو أجتمع علي أهل الأرض ما باليت بهم في ذات الله لأني أعلم من نفسي أن هواي مع الله ورسوله لا مع نفسي ولا مع أحد من المخلوقين كما هو ديدن أهل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
    حرر آخر محرم 1357هـ
    من يحيى بن محمد ابن لطف – لطف الله به آمين
    فلما قرأ هؤلاء العلماء هذه الرساله صاروا في أمر مريج فهم لم يكونوا من الشجاعة في قول الحق مما يجعلهم يقفون الى جانب صاحب الترجمه ولا هم من ضعف الإيمان بالدرجة التي تجعلهم ينكرون على صاحب الترجمه ما جاء في رسالته جملة وتفصيلا ، وقد انتهى الأمر بأن أبلغ العلماء الإمام بموقف صاحب الترجمه وإصراره على عقيدته في الإيمان فما كان منه إلا أن أذن له بالعودة إلى معمرة ليبعده عن صنعاء فعاد بعد أن أدا ما أوجب الله عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكنه بقي في نفس الإمام عليه من الكره والحقد والألم مالا تستطيع السنون محوه ولهذا فإنه ما كاد الخلاف بين صاحب الترجمة وبعض علماء معمرة المتعصبين لمذهبهم الزيدي الهدوي يستطير لإعلانه وجوب التمسك بالعمل بالكتاب وصحيح السنه كالآذان بالتربيع وحذف حي على خير العمل والرفع والضم والتأمين في الصلاة حتى تصدى له حسين بن محمد الشرفي ومنعه من الاذان في المسجد فكان يؤذن من سطح داره أذان أهل السنه وكان إذا قال في الصلاة آمين ومد بها صوته عارضه حسين الشرفي بقوله طاعون مما حمله بعد أن لاقى من المتاعب في سبيل نشر السنه ما لاقى ان وصف شرح الأزهار كما أخبرني أخوه القاضي لطف بن محمد بن لطف بن محمد شاكر بإنه طاغوت الزيدية وذلك لما يوجد فيه من مسائل مخالفة لنصوص الكتاب والسنه فقد يذكر في المسائل الخلافية الأدلة في الكتاب والسنه أو كليهما فإذا لم يأخذ المذهب بها أتباعه يقولون: والمذهب بخلافه أي أن الواجب العمل بالمذاهب وليس بالادلة النقلية هذا وقد إغتنم الإمام يحيى فرصة الخلاف بينه وبين بعض العلماء المقلدين الذي يقال إنه هو الذي أذكى أواره فأرسل جنوداً من عنده من صنعاء إلى معمرة لإحضاره إليه وحضر فني الوقت نفسه مناوئوه ليقوموا عليه دعاويهم فلما مثلوا بين يدي الإمام خاطبه الإمام بقوله : مالذي بينك وبين هؤلاء العلماء فأجاب عليه بأنه ليس بينه وبينهم إلا ما يقع عادة بين العلماء ولا يريد لهم إلا الخير ثم قال للإمام ولكنك غريم الخاص والعام والغني والفقير لأنك ترسل جنودك على الناس من أجل نفر ذره من زكاة الفطر إذا تأخر تسليمها إليك أو إلى عمالك مع أن الله أمر على لسان رسوله أن تدفع تلك الزكاة إلى الفقراء قبل صلاة العيد طهوراً للصائم فأمر الأمام بأن يبقى في صنعاء كمعتقل ولا يسمح له بالخروج منها فأستأذن المؤرخ محمد بن أحمد الحجري أن ينزل عنده في بيته .. فوافق الإمام ).ا.هـ
    وواضح أن شاكر عني كعالم بالقضايا الإعتقادية والعبادية مع أن الواقع
    يطفح طوال العهد الإمامي بالمظالم ا لجائرة و المزمنه سواء في أخذ الزكاة غير مأخذها ومصرفها الشرعي كالخطاط والرسامة وصرف التنافيذ والرهائن والضرائب و التقصير في إقامة العدل القضائي وتحقيقه.
    وكان من أجهر أصوات الإستنكار المبكرة لإدارة الإمام يحيى أوضاع البلاد
    بعد إستقلاله بحكم ا ليمن هو صوت العلامة يحيى بن محمد الإرياني - مستنكراً هجوم جيش الإمام على يريم وما أحدثه من نهب وأجتراء على المواطنين مما عرضه في قصيدته إلى الإمام يحى بما وقع فما كان جواب الإمام غير أن يعرض على الإرياني تعويض ما فقده فأبى الإرياني إلا أن يكون حاله كسائر أهل يريم وقد دفع الفريق أحمد عزت - الوالي التركي يومها تعويضاً للمدينة ستمائه ليرة ذهبية يقول الإرياني :
    على رسلكم أهل المـحابر والقلم * بـــذا خــــبروا فليــنقل الرقــم من نظم
    قفوا ريثما أملي عليكم رســــالة * لهــــا الصدق خالٌ وإبن خالٍ لهـا وعم
    منزهة عن ذكر ليـــلى وزيــنب * ومشغولة عن وصف سلمى وذي سـلم
    بما كان حقاً في يريم وماجرى * من القوم مما أوقع الطـــــفل في الـهرم
    فلم يتركوا للمسلمين جميعهـــم * من المـــــــــال مايجدي ببيع ولاســـلم
    فقد أخذوها من محب ومبغض * ومافرقوا بين الصحيح وذي الـــــــسقم
    فكم من ضعيف قد أذيق بظلمهم * عذاب من التنكيل والـــــــــهتك للحرم
    وقطعهموا أذن الشريفة واقــــعٌ * لقرط **** لا يُـــــــــــــقوَّم بالقـيــــم

    * القبائل :​


    و اضح أن القبيلة في عمراننا البشري تمثل النهر المتدفق الجريان المتواصل
    العطاء يصب في المدينة فيجري في شرايينها ويحقق دورها ويجدد حيويتها واذا
    كان دورالقبيلة في الجانب الإنتاجي والتسويقي والعمراني غني عن البيان فكذلك دورها في الجانب المعرفي تربوياً وعلمياً وأدبياً وفي حالة مدينة كصنعاء مثلاً يمكنك أن تلقي نظرة على بيوتها أو تراجم رجالاتها حتى تقف على الكثير من الأسر ذات التفوق العلمي والأدبي والسياسي وكلهم من شوكان أو عمران آنس أو الحداء أو ا لحيمة وهذا سهل متاح قراءته من كتاب الواقع المشهود.
    أما ما ينبغي التلبث عنده فهو الدور السياسي والعسكري للقبيلة في تاريخ اليمن الإسلامي وبداية ننبه إلى المكونات الذاتيه والخصائص التي تفرزها البيئة والتاريخ طويل ومتعاقب مما يمكن إجماله في حصانة مرابضهم المسيجه بالجبال
    الصعبة و المفاوز المقفرة و لكهوف الموحشه وكلها موانع طبيعية تمنح مواطنيها حصانة دائمة ثم الكثافة العددية إذ تشغل مواقع القبائل ا لهمدانية و القضاعية أربع محافظات هي: الشطر الشمالي من محافظة صنعاء وفي الشرق الجوف وشمالاً صعده وغرباً حجه وقد قرأنا عن الإمام يحيى حميد الدين أنه فور توقيع صلح دعان 1911م، أبرق إلى الباب العالي بالآستانه يعرض بأسم اليمن تقديم مائة ألف فرد مزودين بالأسلحة وذوي مراس طويل في القتال دعماً لتركيا في حربها ضد أوروبا، كما علمت من الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر مشافهة أنه عرض على الرئيس جمال عبد الناصر تجنيد خمسه وعشرين ألف مقاتل من القبائل لحماية القاهرة ثم الضراوة القتالية لتربيتهم على القتال وحمل السلاح من السنوات الباكرة من حياتهم ثم جدب المكان الذي تعيش فيه الكثير من القبائل وخاصة المناطق الشرقية من الجوف إلى قيفه جوار رداع، أضف إلى كل ذلك إضطراب الدويلات وصرع ا لإئمة وتلاحق موجات الغزو من الخارج ولقد ذاقت اليمن بعد إنتهاء العهدين النبوي والراشدي مرارات لا تتوقف إلا لتتجدد بدءاً من العهد الأموي ثم العلوي كرد فعل ثم العباسي ولما إستقلت اليمن بأمرها في القرن الثالث كانت الصراعات اكثر هيجاناً وأشد ضراوة طوال عهود الزياديين و اليعفريين والنجاحيين و الصليحيين والأيوبيين والرسوليين والطاهريين وأشراف المخلاف السليماني و الأتراك و الإئمة.
    وما منهم إلا من يضطر إلى كسب القبائل لصالحه بحق أو باطل. ولهذا أصبح القتال حرفه مستديمه ومجال رزق مشروع لا حرج عليهم فيه.
    ويكفيك مثلاً ا ن تراجع كيف أستطاع الوالي الزيادي في مخلاف جعفر
    ( المذيخرة ) بالإغراء أن ينغص حياة اليعفريين في صنعاء و المشيخات المجاورة كآل الروّيه في السر، و آل الضحاك في حاشد، و آل الدعام في ارحب، إلى آخر قائمة المشيخات في سائر اليمن التي اربت يومها على عشرين إمارة ومشيخه، وتتفرد علاقة القبائل بالإئمة وعلاقة الإئمة بالقبائل أنها قائمة على تعاليم الدين ومقررات العقيدة ذلك شأنها في الأصل.
    ولكن أخطاء الكبار وانحرافات ممارسات القادة جعلها تأخذ مجرى العلاقة
    النفعية المتغيرة بتغيرات الرياح وحين نصوب النظر الى ممارسة بعض الإئمة مع القبائل خاصة من القرن العاشر الهجري فما بعده نشهد المطهر بن شرف الدين في مقدمة المسرفين في سفك الدماء وازهاق الأرواح الى الحد الذي جعل والده يضج من فعائله.
    وقد إمتاز الصدرالأول للدولة القاسمية بإخلاص القبائل لهم والتفافهم حولهم وحسن التعامل بينهم ، حتي إذا ما انقضى القرن الحادي عشر وبداء العام الأول من القرن الثاني عشر الهجري نجمت ناجمة الفتنة الأهلية التي أخذت في التوسع وإغراق البلاد طوال القرنين الثاني عشر والثالث عشر حتى قيام مؤسس الدولة القاسمية الثانية المنصور محمد بن يحيى حميد الدين سنة 1307هـ وكانت البداية حين حاول أمراء بني هرهرة الإنفراد بأمر يافع سنة 1101هـ فجهز عليهم صاحب المواهب حملات كثيرة متتابعة جعل على رأسها كبير همدان جابر بن خليل الذي يبدو أنه أخفق في إخضاع يافع وتقاعس في الحرب ضدها إنتقاماً من وزير الإمام محسن الحبيشي.
    وعاد خليل إلى بلاده دون ان ينجز مهمته ففتك الإمام بوزيره الحبيشي وبعث من جاءه بجابر بن خليل فاحتز رأسه وكانت تلك الفعلة هي الشرارة التي أشعلت قلوب القبائل بنار الإنتقام من الإمام وتتابعت الأفعال وردود الأفعال حتى إستطال مسلسل العنف بين الفريقين فإنه لما هبت قبائل حاشد وبكيل غاضبة لمقتل خليل بعث إليهم صاحب المواهب قائده الشجاع ابن أخيه قاسم بن الحسين الذي اصبح فيما بعد إماما ولقب نفسه بالمتوكل وما إن وصل القاسم بن الحسين الى خمر والتقى الروساء البكيليين والحاشديين حتى عاجل صالح بن هادي بن حبيشى كبير بكيل بالقتل داخل قصر الخمري سنة 1120هـ فاستفز القبائل الموتورة التي تألبت تحت قيادة علي قاسم الأحمر، وقد عمد الأحمر تحقيقا لمأربه الانتقامي الى مصادقة الحسين القاسم الذي اصبح بعد سنوات عاملا على عمران وفيما بعد إماما ملقبا بالمنصور فدفع به الأحمر أيام عمالته لأبيه على عمران أن يخرج على والده خروجا مسلحا ، ولكن جهود مصلح اليمن محمد بن إسماعيل الأمير اطفأت الفتنة بين الأب والابن وعاد الحسين الى عمران ولما توفي والده سنة1140هـ دخل في نزاع مع محمد بن إسحاق على الإمامة ووصل الأحمر وناصر بن أحمد جزيلان إلى سفح عصر معسكرا بقبائله ضد الحسين بن القاسم فاحتال الإمام لمعاجلة الأحمر بالفتك ولم تستسلم القبائل وانما إنتقموا بقتل الوزير الحيمي وواصلوا دعمهم لمحمد بن اسحاق واستمر المسلسل في عهد الإئمة اللاحقين فقتل المهدي عبد الله كبير بكيل في عصره على عبد الله الشايف ، وخرجت بكيل تنتقم له فعاثت في صنعاء ، وجاء من بعده إمام آخر فتك برأس زعيم بكيلي آخر هو أحمد بن صالح ثوابه إلى آخر المسلسل الدامي والإنتقامي الذي رأيناه يتواصل حتى آخر إمام بقيام الجمهورية ، فكان حسين بن ناصر الأحمر وولده حميد وعبداللطيف بن راجح الخولاني خاتمة ذلك المسلسل الدامي ، وعلى الصعيد الآخر شهدنا الكثير من الأئمة يقضون نحبهم في وقت قصير بعد إضطلاعهم بالأمر كالإمام السراجي الذي قتل في الصف والإمام الويسي الذي قيل أنه قتل مسموماً والإمام الناصر عبد الله بن الحسن الذي قتلته همدان في طريقه الى صنعاء ، وآخرين كثيرين ذاقوا نفس الكأس مما جعل القلوب تغلي والثارات من الجانبين تتواصل وكان طبيعيا في غمرة تلك ا لأهوال وتضاعف الإشتعال من عقد الى عقد مضافا الى ما استجد من معاودة الأتراك الدخول الى البلاد سنة 1289هـ وما تفننوا فيه من إيذاء الناس بتوسيع الضرائب فكان منطقيا ان تهمل الزراعة وتقل المحاصيل وتنتشر المجاعة وتغرق البلاد عامة وصنعاء خاصة في أهوال ما أحسب مدينة في الجزيرة مثلها ، والنص التالي من كتاب: ( حوليات ) للحرازي يعرض فضاعة الواقع بلغته العفوية الموجعة ص193:
    ( ومن هنا قد بنيت على الإختصار مما وجدت لأنها أمور طويلة من تغلب أهل الفساد على الدولة في كل بلاد وترسبت الأمور وقطعت الطرق ولم زد بقي دخل للامام إنما تارة يدؤر ماعاد في الخزائن وتارة يخرج من ملكه دفعا على عرضه من كل باغي من القبائل الخارجين والتوابع الداخلين لا رحم الله كل من بغى وتعدى فما أظن ما نحن فيه (45) سنة إلا بسبب البغاة ثمانية وعشرين سنة في كل سنة إمام وكل واحد ينهب ما عاد بقي من بيت المال و الآخرين خربوا الدور والقبائل اتغلبوا على ما خلف السور و آخرها عقال ومشائخ وطاغوت ، وتسعة وعشرين سنة ترك طاغوت أحمر وقانون على خلاف الشريعة ومنكرات ظاهرات وكل حركات الرجل بفلوس للدولة إن قام سلم وان قعد سلم وان رقد سلم وإن أكل سلم وإن شرب سلم وان سافر سلم وان عمر بيت أو رفعه سلم ، وان دخله شيىء من ماله وضابطه ما بقي من غير تسليم سوى النوم وما أظن الا قد يسلم حق النور وهي الغرفة المسماة ( بلور كين ) و أما الكيري فعرفناه
    ( والميري ) سلمناه وما كان ا لا مثل ما قال : كيري ميري وصلناه نستغفر الله من الذنوب والخطايا و الأوزار آناء الليل وأطراف النهار). إ . هـ .
    ذلك هو الناتج الأول المشؤوم لذلك التطاحن الأهلي الذي عانته البلاد
    طوال القرنين ناتج آخر هو ما حدث من ثلاثينيات القرن الحادي عشر أيام صراع المنصور حسين بن القاسم مع أخيه أحمد بن المتوكل المستولي على تعز، وان كان البدر الأمير قد أصلح بينهما مرتين إلا أن حملات الجند إستمرت من صنعاء جهة إب وتعز مما جعل القبائل المجدبة ا لمحرورة تتطلع إلى إمتلاك جنبات واسعه من البلاد الخضراء في إب وتعز وحدث مايماثلها في جهات أخرى مما يقصه المؤرخ الثقه العرشي في كتابه ( بلوغ المرام ) ص75 :-
    ( إعلم أنه لما ضعفت الدولة القاسمية تغلبت القبائل وتطاولت الدول إلى اليمن وتغلب أهل البلاد النائية وأنتشر في البلاد أهل الفساد فتغلب ذو محمد وذو حسين على كثير من بلاد لاعه كالعربلان وبني الشايف وعلى جزيل من اليمن الأسفل بل صاروا ملوكاً كبني ( أبو رأس ) و آل صلاح والبحور وغيرهم وتغلبت أحياء خولان العاليه على بعض منه وأحسانهم ومرهبة على بعض وتغلبت الحداء على بعض من أسفل جهران وتغلبت حاشد كالحمران وبني ناشر وغيرهم من الخارفيين والصريميين والعصيميين على جزيل من بلاد حجه ولاعه ، وتغلب بعض من أرحب على بعض من ذلك وتعاظم الشطط وكث اللفظ وأغار الناس بعضهم على بعض ) .
    ناتج ثالث هو تفكك أطراف البلاد وانهيار وحدتها فأستبد الكثيري والقعيطي بحضرموت والعبدلي بلحج وعدن ، وأصلهم من أرحب وأستبد الفضلي بأبين
    واصله من آنس مثل ذلك حدث في إنفراد أشراف المخلاف السليماني بأمور البلاد وانفصالها عن الوطن الأم.
    وكان الناتج الرابع لتفاقم تلك الأهوال أن طمع الإنجليز في إحتلال المخا أولاً
    قبل إحتلال عدن كرد فعل لاحتلال الفرنسيين مصر فأستولى الانجليز على ميون وقدموا مطالبهم إلى عامل المخاء مما يعرضه الاستاذ حمزه لقمان في كتابه ( تاريخ عدن وجنوب الجزيرة العربية ) قال: ص 126 ( في سنة 1232هـ سنة 1817م وقع اعتداء على المقيم البريطاني في المخاء وقام حوالي ثلائمائة عسكري يمني بإغتصاب المصنع البريطاني ولم يذكر نوع الصناعة فيه ، وضرب بعض البحارة الهنود وكان الملازم ] دميسي[ ربان السفينة برنس أوف ويلز مريضاً بالحمى في الدار حينما هاجمه عدد من الجنود وسحبوه في الشارع وضربوه وبصقوا عليه ثم ساقوه إلى دار الحاكم الشيخ فتح - الذي أمر بحبسه ، وفي سنة 1234هـ] 1819م[ طلبت حكومة بومباي من الإمام أن يعاقب حاكم المخا على تصرفاته و الإهانات التي ألحقها برعايا بريطانيا ولكن الإمام المهدي عبد الله لم يهتم بذلك الطلب وعندئذ جهز الحاكم العام للهند فرقة من الجنود للإبحار إلى اليمن وإجبار الإمام على تنفيذ مطلب حكومة الهند التي كان من ضمنها التوقيع على معاهدة تتضمن الاحترام للرعايا وللمقيم البريطاني في المخا ، والمعاهدة تحتوي على البنود الآتية :-
    اولاً : - أن على المقيم أن يكون لديه حرس شبيه بالحرس ا لذي للمقيم البريطاني في البصرة وبغداد لضمان إحترام شخصه .
    ثانيا : - ان جميع خدم المصنع يستمتعون بالحماية البريطانية ويخضعون للقضاءا لذي يعرضه القانون .
    ثالثا : - ان جميع التجار الهنود سيكونون تحت حماية الراية البريطانية وأن جميع المنازعات التي تقع بينهم ستكون من إختصاص المقيم و اذا حصل تزاع بين أحدهم و الرعايا فإن المقيم سيقضي بينهما بالإشتراك مع مندوب من حاكم المخا .
    رابعا: - أن المقيم سيكون معفياً من جميع ما يعتبر تحقيراً وأنه سيكون حراً في ركوب الخيل متى وحينما شاء ، وستكون له حرية الدخول و الحروج من أبواب المخا بما في ذلك باب الشيخ / الشاذلي ، الذي كان الأوروبيون ممنوعين من إستعماله ، وكانت مدينة المخا مسوره في ذلك التاريخ .
    خامسا : - إن قيمة الضريبة على الصادرات من البضائع البريطانية ستخفض من ثلاثة ونصف في المائة إلى إثنين وربع في المائة وهي القيمة ا لتي كان الإمام والفرنسيون قد إتفقوا عليها منذ قصف الفرنسيين للمخا قبل قرن من ذلك التاريخ .
    سادسا : - أن تخصص بقعة من الأرض لتكون مقبرة لرعايا بريطانيا وألا يسمح سب أي رعوي بريطاني بسبب الديانة التي يعتنقها.
    سابعا : - أن تكون للمقيم البريطاني حرية السفر إلى صنعاء ليتصل بالإمام حينما يرى ذلك ضرورياً ويلزم على حاكم المخا أن يهيئ حرساً للمقيم في تلك المناسبات ) أ. هـ.
    ثم إستولى الإنجليز على عدن كما هو معروف سنة 1839 م سنة 1255 هـ ويبدو أن مواجع القبائل الكامنة ضد الإئمة جعلتهم يتطلعون إلى إتصال ما بالانجليز ويشير صاحب حوليات في حوادث سنة 1287 هـ ص 308 إلى أن مجاميع من قبائل ذو محمد البكيليين دخلوا لحجاً وعدناً وكانت لهم إتصالات بالإنجليز، ولما عادوا بعث إليهم الإنجليز رسائلهم الجوابية وكانت ملغومة ما إن فتحوها حتى تفجرت فيهم ، تدفعنا بعد كل هذا الإستعراض معطيات المشهد للتساؤل عن فاعلية التشيع المعروف في النفسية القبلية للامامة والإئمة ، هل إنتهت يومها ؟ أم ماذا ؟ وواضح ما يحدثه القدوه الحسنة في نفسية الانسان أي إنسان من حب لصاحبها وتعلق بكريم خصاله ورفيع خلاله وذلك هو التشيع النقي الذي رأينا اليمن عامة و همدان خاصة تحتفظ به للإمام علي ثم للائمة الصادقين الصالحين بعده وهم قلائل وهو شعور فياض إستمر رغم كل شيء في الطوايا لا يغيب عنها وكثيراً ما تكشف الأحداث عن تأصله في النفوس وفاعليته الباقية مع الأيام ، ومن أمتلثه القريبة ما حدث أوائل النصف الأخير من القرن الثالث عشر من إنتقام أرحب لمقتل الإمام الناصر عبدالله بن الحسن - حيث لم تهدأ ثائرتهم حتى قتلوا من همدان صنعاء مائة وخمسين رجلاً ، والحوادث الشاهدة بتأصل التشيع النقي كثيرة غير أن الغالب نظراً لتدني أخلاق السيد والمسود هو التشيع النفعي الذي عم حتى خم وما أكثر حوادثه وأقبح وقائعه ، من ذلك أن المتوكل محمد بن يحيى المقتول 1265 هـ دخل في حرب مع الشريف علي بن حيدر بين القطيع و باجل وكان قد أسر الشريف وهو جريح فأودعه الإمام جماعة من القبائل المشتركة في جنده على أن يحفظوه ولكنهم ما إن آنسوا إنشغال الإمام بأحوال المخا حتى إتفقوا مع الشريف على إخلاء سبيله مقابل مبلغ مالي ضخم أخذوه منه ولم يكتفب الشريف بخلاص نفسه وإنما طلب منهم إعتقال الإمام مقابل جعل مالي وأحس الإمام بفعلتهم فأجتاز إلى حيس ومنها أخذ طريقه إلى الجبال ، وما إن وصل بلاد إب حتى سارع بقطع رأس كبيرهم أحمد بن صالح ثوابه ، وجاء إمام آخر ليستهل عهده بقطع رأس كبير خولان أبي حليقه ومن المفيد في تجوالنا هذا أن نتعرف على شيء من شجاعتهم وذكائهم ووفائهم إتماماً للتعرف عليهم ، أما الشجاعة فيكفيك أن ما فقدته تركيا من خيرة شبابها وشباب الشام الذين يجاوزون عشرات بل مئات الألوف والذين لقوا مصارعهم جهلاً من الحاكم والمحكوم هنا في اليمن طوال ثلاثة قرون ، ويكفيك أن القبائل كانت تقاتل تلك الجيوش الحسنة التدريب والتسليح تقنياً بأسلحتهما التقليدية وأستطاعت أن تأخذ من أسلحة الجيوش العثمانية عتاداً ضخماً حتى قال قائل يومها: (إن الأسلحة التي صناعتها في أوروبا تباع في اليمن بأرخص من محل صناعتها). ونكاية في العثمانيين كانت كبار الدول الأوربية تمد القبائل المقاتلة بأسلحة كما صنعت فرنسا عن طريق ميناء ميدي بإمداد جبال الشرف ببندقية السك وكما صنعت بريطانيا عن طريق الادريسي بإمدادهم ببندقية الصابة ولعل الشيخ البطل علي ناصر القردعي هو أبرز نماذج البطولة الفردية للقبيلي اليمني بإقتنائه مع أمير الوحش النمر وجهاً لوجه وبمواجهته قبيلة خولان التي أرادت تسليمه للإمام فواجهها ببندقيته ثم بسلاحه
    الأبيض حتى فاضت روحه دون أن يفكر بإستسلام أو هزيمة من أنجح نماذج البطولة الجماعية لقبائل اليمن هو ذلك المشهد الذي رأه الفريق أحمد عزت باشا عند قرية متنه وهو داخل إلى صنعاء سنة 1328 هـ قبيل صلح دعان فرأي من ضراوة المقاومة بالأسلحة النارية أولاً ثم إلتحاماً بالسلاح الأبيض ما جعله يقول :
    ( لو توفر لدولة تركيا طابور من هؤلاء المقاتلين لأنتصرنا على أوروبا ) أما ذكاؤهم فإن من يشاهدهم عن بعد يتوهم بلاده في عقولهم وضعفاً في فهوههم غير أن الحقيقة ليست كذلك فلديهم من الذكاء ما استطاعوا به مثلاً توفير تموينهم طوال سنوات المقاومة من عتاد الجيوش العثمانية التي كانوا يعرفون كيف يضللونها ويستولون على أرزاقها ، ومن شواهد ذكائهم أنهم لما رأوا العودة العثمانية الثانية إلى صنعاء سنة 1289 هـ أجمعوا أمرهم على وضع خطة عسكرية تمتص كل الحملات العثمانية ضد بعضهم وإليك هذه الحادثة التي تعرض مقدرتهم البارعة على مواجهة المفاجأت الحربية وسرعة وضع الخطة المحققة للنصر يرويها شارحاً ديوان الآنسي الذي أضاء بنصوصه الشعرية الحمينية كثيراً من أحداث عصره : ص 156 :
    ( وسبب هذه الحرب حرب الشرم من بلاد عتمه 1231 هـ أن الإمام المهدي عبدالله ولي الشاعر الأنسي منصب القضاء في ناحية عتمه وكان رئيس هذه الناحية الفقية محمد علي معوضه مسلطاً جباراً فأرسل جماعة من أعوانه لإستقبال الحاكم المذكور وإلقاء القبض عليه وعند وصوله أودعه الحبس وبعد أخذ ورد بين المهدي وإبن معوضه أطلق الحاكم على أن يعود إلى العاصمة صنعاء فعاد وعمل على تحريض المهدي على الانتقام من إبن معوضه وكانت الحكومة القاسمية إذ ذاك قد بدأت بالتدهور وضعف السلطة فأرسل المهدي حملة من الجند على رأس الشيخ أحمد شريان - أحد روؤساء ذو غيلان وكادت الحملة أن تفشل لولا أن قائدها إهتدى إلى خدعة حربية وذلك أن إبن معوضه كا ن يعتمد في الدفاع عنه على قبيلتي بني ضبيان وبني جبر من خولان العالية التي تسمى الآن خولان الطيال فزور شريان ورقة تتضمن إلتمام بينه وبين روؤساء بني جبر وبني ضبيان على تسليم إبن معوضه أسيراً إلى حكومة المهدي في مقابل تعهدات تعهد بها شريان فيها مصالح لأنصار إبن معوضه ووقع على هذه الورقة ختوماً مزورة ورماها بسوق الخميس فألتقطت وسلمت إلى إبن معوضه فلم يشك في كونها خيانه من أصحابه الذين يعتمد عليهم في الدفاع عن نفسه فأمرهم بالإنصراف عنه وطردهم ، ولما خلت الحصون والقرى عن الحامية هجم شريان وقومه عليها حتى صاروا على مقربة من الحصن واقتحامه فكان بنو جبر قد إنتهوا إلى قرية ماريه من قرى مخلاف عنس من قضاء ذمار في الجهة الغربية منها فراوا لمعان الطلقات النارية حول الحصن فعرفوا أن الحصار على إبن معوضه شديد فعادوا وهجموا على شريان و أصحابه من الخلف وفكوا الحصار عن إبن معوضه فعرف إخلاصهم ووفاءهم وعرفوا جميعاً أن الورقة التي وجدت في سوق الخميس مزوره ) أ. هـ.
    أما وفاؤهم خاصة لبعضهم وللمبادئ التي يعتقدونها فلا يأتي عليها حصر
    ، وسيمر بنا إن شاء الله في مكانه من هذا الكتاب موقف ( أبي شوصا ) أحد مشائخ حاشد في وجه الإمام أحمد حين أخبره بقتل الشيخ ناصر الأحمر، ولقد عرفت فيمن عرفت من ذؤابة قبائلنا المناضل البطل فيصل بن عوفان من آل دمينة برط وهو يتحمل مهمة الإلتقاء بزعماء اليمن من كبار القبائل إستعداداً للحركة التي قام بها رجال حاشد وبكيل بقيادة حسين بن ناصر الأحمر وولده حميد .
    وأشهد أني ما ألتقيت شمماً وإعتزازاً وتحملاً وإستهانة بالموت مثل ذلك الذي رأيته لدى ذلك البطل رغم الضائقه المالية التي كان فيها و الرعب الإمامي الذي كان يملأ الارجاء وقد سجن مع من سجن بحجه وإذن له البدر بزيارة أمه وبعدها قامت الثورة وكان من أوائل المدافعين عن الجمهورية حتى سقط شهيداً هو ورفيق له من بني مهفل وكانوا في طريقهم إلى صعده و أغتبطت لموته وهو ساجد يصلي ورددت قول الأول :
    فإن كريه الموت عذب مــذاقه * إذا ما مزجناه بآي مـــــــــــن الذكر
    وما رزق الإنسان مثل مــــنيته * أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر
    ومن ذا الذي يجهل موقف قبائل برط عند إغتيال المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري فطاردوا القتلة وأشتركت في المطاردة كل أذواء بكيل وقبضوا عليهم خزايا صاغرين إلى سجن المهلهل في خمر.
    بعد هذا التطواف مع قبائلنا في مسيرتهم عبر الأحقاب والأجيال ينبغي الإلتفات للمستجدات من أحوالهم بعد قيام الثورة السبتمبرية سنة 1962م ورسوخ النظام الجمهوري وقد أصبحوا فيه قادة ومحافظين ووزراء بل روؤساء وكان لكل ذلك إنعكاسه القوي على كل شؤونهم ومختلف أوضاع حياتهم وأبرز إنماطاً مغايرة للمألوف السالف وسلوكيات هي نبات طبيعي لمعطيات الواقع الجديد وكان من أجدر القائمين بدراسة هذا الجانب هو شاب نبت في التربة القبلية فكان أكثر معرفة لواقعه وأقدر على رصد الجديد والأجد ذلكم هو الأستاذ فضل علي أحمد أبوغانم في رسالته التي نال بها الماجستير ( البنية القبلية في اليمن بين الإستمرار والتغيير) ومع أنه أشبعها بصب محصلته العلمية الأبحاثية أكثر من المعلومات الميدانية التي يتلهف القارئ إلى معرفتها إلا أنه قدم ما يستعان به على الرؤية الكافية لما أحدثته أدبيات الثورة وتطورات العصر من إشتراك الجميع في الفرص المهيأة أمام كل الفئات العليا منها والدنيا وأتيح للشريحة الهضومة أن تتبوأ مواقع عليا وتحقق تفوقاً تجارياً مشهوداً وينبه الباحث أبو غانم إلى ما صار لشجرة القات ذات الربح السريع والمرتفع من مكانة مفضلة فوق كل المحاصيل الزراعية نصغي إليه قليلاً وهو يقضّ عن مقدرة الواقع الجديد على التخلي عن الكثير من المواصفات العرفية غير الجديرة بالبقاء فيقول:
    ص 322 :
    ( كذلك الإتجاه نحو مزاولة بعض الأعمال الحرفية والمهنية التي كانوا يحتقرونها ويرفضون القيام بمزاولتها خاصة بعد أن وجدت الأوضاع والمناشط الإقتصادية الحديثة أو الصور الحديثة للانتاج مصطلحات وأساليب والآت حديثه تختلف عن الصور التقليدية للانتاج وعن المصطلحات والأساليب والألآت التقليدية التي كانت تستخدم في مثل تلك الأعمال الحرفية والمهنية أيضاً وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن رجل القبيلة في الوقت الحاضر يحاول تجنب نقد أفراد قبيلته وسخريتهم له عند قيامه بفتح ورشة ( حداده ) أو نجارة وما شابه ذلك بإطلاق أسم مصنع عليها بدلاً من إسم ورشة وبإستخدام معدات وأدوات حديثه فيها لأن حدة النقد والسخرية ومفهوم العيب الإجتماعي القبلي الذي يواجهه رجل القبيلة نتيجة قيامه بأعمال الحدادة أو النجارة أو الصناعة والدباغة يختفي إلى حد كبير في حالة قيامه بإستخدام مصطلح أو إسم جديد وحديث وأساليب وأدوات إنتاج جديدة في المنشأة التي يمتلكها ويعمل بها وهذا يعني أن الإهتمام والمفاهيم القيمية لأفراد المجتمع هي الأخرى مختلفة ، وهكذا بالنسبة لبقية الأعمال الحرفية والمهنية الأخرى مثل أعمال الخياطة وصناعة النسيج والأحذيه والفخار والمعدن وكذا العمل في المطاعم والمقاهي والفنادق والنقل والمواصلات فالفرد في القبيلة يقبل لنفسه ولغيره مثلاً إمتلاك فندق والقيام بإدارته ولكنه يرفض أن يكون مالكاً ومديراً لمقهايه ، كما يقبل أيضاً أن يقوم بنقل البضائع و الأعشاب بواسطة السيارة المخصصة لذلك ، ولكنه يرفض نقلها بالأجرة على ظهور الجمال والحمير مثلاً وكل هذا يعني أن الشخص يصبح مطمئناً لعدم تعرضه للسخرية والنقد من قبل الأخرين ) أ.هـ.
    مثل ذلك ما أستجد في نمط التحكيم وهو ما يسمى بالعدل تبعاً لتحسن الأحوال وتكاثر الأموال . يقول ص 139 :
    ( يعتبر نظام الرهائن من الأنظمة القبلية القديمة في اليمن و التي لا تزال قائمة حتى اليوم وهذا النظام يتمثل في قيام الوحدات القبلية أثناء النزاعات و الحروب فيما بينها تقوم الهيئات التي تقوم بالتوسط بينها ولعقد إتفاقيات الصلح بأخذ عدد من الأشخاص من الأطراف المتنازعة كضمان للتقيد بالصلح المبرم بينها و الإلتزام بتنفيذه ، وفي الوقت الحاضر وبعد تحسن الحياة الإقتصادية لرجال القبائل نجدهم يقدمون عدداً من السيارات وعدداً من البنادق الآلية عند حدوث المنازعات و الحروب بين قبيلة وأخرى يطلق عليها كلمة (عدال) وأحياناً يكون العدال المطلوب نقوداً قد يصل إلى مئات ا لألوف من ا لريالات) ا . هـ .
    ولأن الواقع اليمني منذ كان وحتى الآن قبلي في مجمله فقد توفرت مكتبة عامرة قديماً وحديثاً في مختلف الدراسات عنه أنسابياً وجغرافياً وتاريخياً كما تراه في كتابات الهمداني و الحجري و الأكوع و الحبشي و الشامي و الإرياني وغيرهم مما لا أحسبه متوفراً لغير مجتمعنا اليمني في سائر البلاد العربية من الإستقصاء والتوثيق.
    أما وقد بلغ بنا المشوار في حديثنا هذا إلى حيث نحن فإن خاطرة ظلت تطل على الذهن وتلح على النفس طوال هذا المشوار رأيت أن أختتم بها وقفتنا هذه ذلك هو ما تعرضت له المقدرة البلاغية لدى قبائلنا من تناقص وخفوت إلى حد الموت فحين تقارن مثلاً بين ما سجلته يراعة شعرائنا الأقدمين و كانوا في أغلبهم من كبار رؤساء لقبائل وزعماء البلاد كعمرو بن معد يكرب وعبد يغوث ومحمد بن أبان وعبد الخالق بن أبي الطلح إلي آخر ما تفيض به كتب الأقدمين كإكليل الهمداني و الصفة ومفيد عمارة ، وبين ما تدنى إليه الحال من فقدان المقدرة على الأداء التعبيري الراقي نأسف للإنحطاط الذي أصاب الإنسان العربي عامة وليس اليمني خاصة في هذا الجانب الهام .
    وأني لأدهش حين اتذكر أن وفود اليمن المؤمنة قدمت على المنقذ العظيم محمد صلى الله عليه وسلم تأخذ عنه قرآنه وتعاليمه فكانت تتلقى عنه ما تتلقى في مقدرة عالية من الفهم و الإستيعاب ، ولم نسمع أن أحداً منهم كائناً ما كان حاله من الضعف و الأعرابية طلب من يفسر له آية أو يشرح له حديثاً ، وإنما سمعنا راجزهم كذي المشعار الهمداني يلتقي النبي في منقلبه من تبوك وهو يرتجز بمثل هذا الرجز العالي:-
    إليك جاوزنا سواد الريف
    * في هبوات الصيف و الخريف

    مخطمات بخطام الليف
    وسمعنا فيما بعد أربعة قرون من العهد ا لنبوي شاعرأ زبيدياً يخاطب أميرا صليحياً- و الصليحيون كما هو معلوم قبائل خرجوا من حراز يصف مقدرة ممدوحة الصليحي البلاغية العالية:

    ولما مدحت الهزبري بن أحمد
    * أجاز وكافاني على المدح بالمدح

    أجاز على شعري بشعر وزادني
    * عطاءً فهذا رأس مالي وذا ربحي

    شققت إليه الناس حتى رأيته
    * فكنت كمن شق الظلام إلى الصبح


    ونسمع في القرن السادس الهجري شاعراً مصرياً هو الرشيد بن ا لزبير الغساني يشيد بذائقه ممدوحه الهمداني البلاغية:-
    لئن جهلت حقي زعانق خندف
    * فقد عرفت فضلي غطاريف همدان


    وجاء إبن حمير في القرن السابع- ولا تزال للقبيل اليمني مكانته السامية
    في ديوان الأدب وميدان الفصاحة و البلاغة، هو ذا يثني على القائدين


    * الوقفة الثانية:
    أسرة .. وثلاثة قرون من المجد​


    ( وخرجوا إلى مطرح الأتراك في السنتين ووقع حرب وقتل ما وقع مثله
    و أكثر القتلى من الأتراك لأن حاشد لم كان يباشرونهم إلا بالقفزات والطعن من اليد وذلك الذي هو سمّ الأتراك ) الحرازي في كتابه ( حوليات يمانية ).​

    * بطاقة عصر: ( من سنة 1101هـ إلى سنة 1337هـ ) ​


    منذ إستتباب الأمر للإمام المنصور القاسم بن محمد المتوفى بشهارة سنه 1029هـ بالصلح وإلى دخول الإمام يحيى بن محمد حميد الدين صنعاء إماماً مستقلاً بأمر اليمن بعد جلاء الأتراك سنة 1337هـ تعاقب على حكم اليمن من الإئمة طوال ثلاثة قرون ما يزيد على ثلاثين إماماً إستقر في الحكم منهم وشمل نفوذهم أكثر مقاطعات البلاد قليلون وعموماً فإن الإئمة الأربعة الأول من الدولة القاسمية الأولى تمتعوا بمكانة كريمة في النفوس وطاعة مخلصة من القبائل وإجماع شعبي على إمامتهم.
    وكانت سنه 1097هـ التي شهدت وفاة الإمام المؤيد محمد بن إسماعيل- صاحب معبر في السنه الفاصلة بين عهد الإستقرار و الوحدة الذي سبقها وبين عهود الإنشقاق وانتقاض الأطراف وظهور التمردات طوال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين و التدخل الأجنبي.
    وقد ظل ا غلب أولئك الإئمة بعيدين عن العاصمة صنعاء وإن كانوا يحكمونها فأحتفظ القاسم بن محمد المؤسس بموقعه في شهارة وكان يحرص حتى قبل الإستقلال وخلال المصالحة بينه وبين الأتراك على الإحتفاظ بالمواقع
    الحاشدية ( القفله و العصيمات ووادعه و الأهنوم ) بإعتبار ذلك مركز شيعته ومعقل دولته وكذلك الشأن مع ولده المؤيد محمد كما إستقر ولده ا لثاني المتوكل إسماعيل في ضوران واستقر حفيده أحمد بن الحسن في الغراس ثم صاحب المواهب في عاصمته التي إختطها شرقي ذمار وكان القاسم بن الحسين بن احمد بن الحسن أول إمام قاسمي دخل صنعاء واستقر فيها وتوفي بها وتابعه في ذلك أولاده وأحفاده حتى المهدي عبد الله المتوفى سنه 1252هـ ورغم ما ساد من هرج ومرج فإن العلوم كانت مزدهرة وأسواقها عامرة منتشرة ، وفاضت ساحة اليمن الطبيعية بأكابر العلماء فكان في حضرموت مثلاً عمر عبد الرحمن المحضار المتوفى ساجداً ، وعمر العيدروس الحبشي ومفتي أبي عريش يوسف بن مبارك ومحسن بن محمد السبيعي ناقل علوم اليمن إلى الهند وكان من تلامذته ملك بهوبال صديق حسن خان وكبير علماء بيت الأهدل السيد محمد أحمد عبد الباري الأهدل صاحب المؤلفات العديدة وعلي عبد الله الشامي الحديدي وكان متفنناً في كل العلوم ومتقدماً في علم الحديث له حاشية على البخاري تبلغ ثمانية مجلدات ومن تلامذته أحمد بن قاسم حميد الدين ، كذلك مفتي مدينة الزيدية وقاضيها عبد الرحمن بن عبدالله القديمي الذي خلع نفسه من القضاء نفوراً من الضرائب التي فرضها الأتراك على البلاد ، أما في صقع صنعاء وما جاورها فقد شهدت تلك الحقبة بروز أكابر علماء اليمن بل كبار مجتهدي العالم الإسلامي على الإطلاق أمثال : مصلح اليمن محمد بن إسماعيل الأمير وشيخ السنه محمد بن علي الشوكاني ثم إبنه العلامة الورع المجتهد أحمد بن محمد الشوكاني وقد فارق صنعاء عند شيوع الفتن إلى الروضة ثم مفتي صنعاء محي الدين العراسي وفي ترجمته تجد كبار علماء ذلك الصقع بين شيوخ له وتلاميذ ورئيس العلماء احمد بن محمد الكبسي وعالم ذمار الرباني يحى بن محمد العنسي الذي كان يتهرب من منصب القضاء ولما علم بإتجاه أحمد فيضي بجيش إلى ذمار خرج لإستقباله خارج البلاد ولما أصر عليه فيضي بقبول القضاء وافقه إتقاء لشره ورغبة في صرف الجيش عن دخول المدينة فأظهر القبول ولكنه عزل نفسه عن القضاء حين أطمئن على أمن البلاد وكبير علماء صعده إبراهيم بن عبدالله الغالبي الداعي إلى الله بين قبائل فيفاء وبني مالك وكانوا في جهالة عمياء فهداهم الله به أما ولاة الأتراك فكثيرون كان أولهم أحمد مختار باشا الذي دخل صنعاء سنة 1289 هـ وكان أخرهم وأفضلهم الفريق الألباني المسلم البطل أحمد عزت محقق صلح دعان مع الإمام يحى سنة 1319 هـ وقد غادر البلاد إثر إبرام الصلح وأبقى محمود نديم مشرفاً على إدارة الأعمال وهو الذي تولى بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى سنة 1918 م أستدعاءالإمام لدخول صنعاء والاستقلال بأمر اليمن بينما كان الفريق البطل علي سعيد باشا يرابط بقواته على أبواب عدن بعد إستعادة لحج وكثير من البقاع من قبضة الانجليز والذي إستسلم راغماً لشروط وقف الحرب بين الدولة المنتصرة بريطانيا وحلفائها وبين الدولة المنهزمة تركيا وحلفائها.
    وقد تفاوت حظ الولاة العثمانيين في علاقتهم مع اليمنيين بين إقتراب واختلاط بهم وتودد إليهم حتى إن بعضهم كانت ثيابه تتلطخ بالنيله السوداء التي كانت تصطبغ بها ثياب القبائل من كثرة إختلاطه بهم وإصغائه لهم ، وبين فظ غليظ لا يأبه بأحد ولا يتعامل مع الناس إلا بالقوة واختلاس الأموال ، ولعل أحسنهم إدارة هو الوالي حسين حلمي الذي كان على جانب كبير من الكياسه وتحف به مجموعة من فضلاء تركيا فيهم العلماء الحريصون على إقتناء الكتب والباحثون لإصلاح أوضاع البلاد وقد قام فعلاً بإصلاحات إدارية ومالية فأبعد الفاسدين وأدب العابثين ومنع الرشوة وأحسن إلى المستحقين بالمال وتألف قلوب القبائل وخاصة حاشد ولبس العمامة هو وكبار مرافقيه وأسس المدارس الكثيرة وعمل على مد الخط الحديدي وشق الطرقات وأرسل البعثات التعليمية إلى الإستانه ، وهو الذي قال حين غادر صنعاء إنه عرف الداء وعرف الدواء وبقي أن يبحث عن الطبيب وقد وجده حين آلت إليه رئاسة وزارة الدولة العثمانية فكان الإختيار الموفق لأحمد عزت بعقد الصلح واراحة الدولة و اليمن من ذلك النزيف الهائل .
    وسنرى في النقطة التالية مع القبائل كثيراً من المجريات مع الولاة العثمانيين
    بين مخلصين لهم متعاونين معهم وبين محاربين صادقين قبضوا على الجمر حتى لقوا الله و آخرين بين بين وخلال ذلك العصر المستغرق قرنين كاملين ونيفاً عرفت اليمن عامة وصنعاء خاصة حوادث موجعة ونكبات متتابعة جراء ضعف الإئمة وتمرد القبائل وأطماع الجند وتكاثر المتدخلين في أمر اليمن حيناً بإنفراد الإشراف في أبي عريش وأمير أبها محمد بن عايض وجماعات النجود من الوهابيين بأمر تهامه من شمالها وحتى المخا وتارة إغارة الحملات المصرية والتركية وتعرض السواحل أولاً للقصف البرتغالي في القرن الحادي عشر كما حدث لميناء المخا ثم القصف ا لايطالي والإنجليزي كما حدث في القرنين الثالث عشر والرابع عشر قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها وخلالها ، أما الجنوب فقد إنفردت به السلطنات و المشيخات وأبتلع الإنجليز عدن رغم إستبسال المجاهدين المدافعين عنها و العاملين على إستنقاذها كما صنع المجاهد الشريف إسماعيل المغربي ولم أجد في غير حوليات يمنيه شيئاً من خبره وأصبحت أرض الجنوب منفذاً لقراصنة التراث المستغلين فقر أبناء البلد وأميتهم فتسببوا في تهريب ما يزيد على مائة حمل من المنحوتات و الكتابات الرخامية من أراضي شبوة وبيحان ومأرب كما فصله الدكتور محمد عيسى صالحية في كتابه ( تغريب التراث العربي ) وتفردت صنعاء بوضع مأساوي لا تحسد عليه من تقصير الأئمة وعبث الأتراك ونهب القبائل حتى إضطرت إلى عسكرة نفسها وحمل السلاح من قبل كل إبنائها وإقامة مشايخ خاصين بها كان أبرزهم أحمد بن أحمد الحيمي ثم محسن معيض وقد سجل صاحب حوليات الكثير الغريب من وقائعهم وتأرجحت الأسعار بين رخص بالغ وبين غلاء فاحش من سنه إلى سنه تبعاً لنسبة هطول الأمطار واستقرار الأمن أو إضطرابه ومن وراء كل هذا الخليط الهائج المائج النفر الغريب وفيهم المصلح الصوفي كسعيد بن ياسين الهتار القائم بالدنوه من جبل حبيش من سنه 1256هـ إلى سنه 1258هـ و آخرون الله اعلم بشأنهم كالمحطوري وأبي علامة ومن سارعلى شاكلتهم .
    وقد أطلنا الكلام عنهم وعن ظاهرتهم الجديرة بالتفسير في كتابنا عن (مصلح اليمن. محمد بن إسماعيل الأمير).
    أما لعملة وتلاعب اليهود بها فخبرها طويل ، والحوليات هي اوفى المراجع عنها.

    * بطاقه قبلية :

    كان لقبائل اليمن الهمدانية عموماً من دولة القاسم بن محمد أوائل القرن الحادي عشر حتى أخر إمام قاسمي ثلاثة مواقف او ادوار :
    اولها : قتالهم مع الإئمة لإجلاء الأتراك في غزوهم الأول وبعد جلائهم لإعادة تحقيق الوحدة ويمكن إستمرار هذا الدور حتى اصيل القرن الحادي عشر.
    الدور الثاني : الإشتغال بصراعات الإئمة فيما بينهم حتى غرقت البلاد في حرب أهليه جعلت بعمق الإئمة كالمهدي عبدالله والمتوكل محمد بن يحى يطلبون النجدة من مصر ومن الاستانه ، وقد إستغرق ذلك الدور قرنين كاملين هما أفظع ما مرت به اليمن سياسيأ و أمنيأ ومن المفارقات أن يكون ذانك القرنان هما أنشط القرون علمياً وأدبياً.
    الدور الثالث : موقفهم ضد الأتراك في دخولهم الثاني إلى اليمن سنة 1289هـ وحتى توقيع صلح دعان سنة 1329هـ وقد إستغرقت تلك الحقبة التي لا تعدو اربعين عاماًعهود اربعة إئمة هم : المحسن بن احمد الشهاري سنة 1295 هـ وشرف الدين عشيش المتوفى سنة 1307هـ وقد كان لآل حميد الدين صله وثيقه بهذين الإمامين ومن سبقهما من الإئمة إذ كان يحى حميد الدين الاول من انصار عبد الله بن الحسن الذي قتلته همدان فأنحاز يحى حميد الدين إلى ارحب وحرضهم على الثأر للإمام القتيل وثأروا له فعلاً كما مر، وجاء بعده إبنه محمد يحى حميد الدين كأوثق أنصار محسن الشهاري وكان ممن إعتقلهم ا لأتراك سنة 1293 هـ بصنعاء ثم الحديدة حتى سعى العلامة العثماني الصالح محمد عارف المارديني في إطلاقهم فأطلقوا على يد الوالي الصالح إسماعيل حقي سنة 1296هـ اما الإمامان المتبقيان تمام الأربعة فهما : هذا المنصور محمد بن يحى حميد الدين القائم بعد عشيش سنة 1307هـ ثم إبنه يحيى القائم بعد وفاة أبيه سنة 1322هـ وعلى كثرة معارك الأتراك ضد القبائل شرقاً وشمالاً وغرباً فإن مواقع محددة كانت هي مركز إهتماهم ومحور المواجهات الكبرى وهي : الشرف وهو سلسلة جبال شمال غربي حجه وحصن الظفير أحد المواقع الهامة للإئمة جهة حجه وشهارة وهي مركزهم الروحي وقفله عذر وتأتي أهميتها من إستقرار محمد بن يحى حميد الدين وولده يحى فيها ، ثم جبل برط وقد غزاه أحمد فيضي إستعراضاً لقوته وتيئيساً للإمام من وجود معقل يحميه وستمر بنا طائفه من اخبار هذه المواقع و اماكنها وتصويراً لإشتداد الإلتحام بين الأتراك و القبائل طوال أربعين عاماً نورد هذا النص من حوليات ص 353 :
    ( وأما أخبار الوقائع التي وقعت في اليمن والحروب فلا تعد ولاثم فسحه لرقمها عن كل وقعه لأنها تكاثرت فإن هي أرحب فخمس ست وقعات وان هي خولان فمثلها وان الحداء فكذلك من إبتداء التشكيل وإن هي آنس وضوران فمرارىً وكل بلدة يستنصروا فيها الترك إلا بلاد حاشد فما قد حد فعل كفعلهم حتى إنهم منعوا على نفوسهم وأول الأمر قبل ما يختبروا بقتالهم كان سلموا عشور عامل عليهم في خمر يحده إلى عند عاصم فما أحد وصل إلى أقصاها إلا هو في تلك المدة المذكوره حق البطنه مرة على المتوكل ومرة على الهادي شرف الدين وتغلق باب القبله ورفع العامل ومنعوا على تسليم العشور وطلبوا الزيادة من الدولة حتى إنهم جعلوا لهم معاشات في كل شهر ومتى قطعوها الدولة دوروا لهم أدنى شغله وهولوا بحركة أو مخرج إمام ويستلموا مالهم من منكسر ومثله .
    وأما ما غنموا من الأتراك فقد أكثر بلاد حاشد متسلحين شاشخان ولم عاد فيهم يتسلح البنادق الاصلية إلا القليل وهو عندهم كالناقص بينهم واذا خرجوا دوره أو ملقى أو عيد أو سوق فلا ترى فيهم إلا كلهم بما ذكر وذلك بمرآي وقد به في أرحب ولكن ما هم مثلهم أما حاشد فلله درهم ) أ. هـ .
    ولم ينفرد الإئمة بولاء كل القبائل في كل الأوقات وإنما كان الأتراك يكسبون الكثيرين من وجهائهم بإغراء السلطة وبإغراء المال وكان أبرز أعوانهم كبير عيال سريح عبدالله أحمد الضلعي وقد بلغ به الولاء لهم أن طرح لباسه القبلي التقليدي ولبس الطربوش والبدلة العسكرية التركية وتلقب بالباشا ، وكبير خولان محمد البليلي وأخوه علي وقد توليا بلدية صنعاء ومقبل أبو فارع من كبار حاشد وكبير بني الحارث صالح دغيش ، وسنعرف شيئاً من خدماته العسكرية للأتراك وكبير بني حشيش مبخوت بن علي سعد الحشيشي ، الذي يقص زبارة شيئاً من خبره في المجلد الأول من أئمة اليمن :
    ص 198 :
    ( في سنة 1314هـ مات الشيخ مبخوت بن علي سعد شيخ مشايخ بني حشيش وكان من أعوان العجم المضرين بالناس ، وكان الإمام قد جعل لمن يقتله ويريح الناس منه جعلاً فعاجله الله وظن أنه مسموم فأستعار فصاً يذهب السم فأزدرده ومات ودفن ثم نبش قبره وشق بطنه وأستخرجوا منه ذلك الفص عن طلب مالكه من بيت الحسيني أهل رجام ) .
    وقد أكتشف القبائل في غمرة التطاحن الأهلي حاجتهم إلى ترتيب أمورهم فعمدت سنحان وخولان ونهم وحاشد للتصالح سنة 1274هـ وسعو بذلك إلى بقية القبائل ويبدو أن العبث كان يتسلل من كل منفذ لتعدد مصادر الفساد ومن مصادره الجديدة حينئذ دور الإنجليز للدس و الوقيعة بين الإئمة والقبائل فبعثوا أحد صنائعهم وأطلقوا عليه أنه عبد وأسموه فيروز وأستقر لدى امير الحديدة ثم توصل إلى الدخول في بلاط الإمام في صنعاء فأستولى على مشاعره وتفرد بتصريف شئون العباد و البلاد وكان في منتهى الخبث و الكره للمسلمين حتى إنه كان يحرص على القبض على أمير تعز البطل الماس الذي أذاق الإنجليز الأمرين بحملاته عليهم ، وفي الأخير عهد فيروز إلى تزيين فكرة زيارته للانجليز في عدن والتقريب بينهم وبين الإمام فأخذ نفائس بيت المال وأرتحل بها إلى جهة عدن وأخذ من الإمام أوراقاً معمده ومختومة بإسمه وبخاتمه ليحرر فيها ما شاء فأنتبه لذلك أحد أذكياء القبائل أحمد الرويشان فدخل ضمن جماعة الحراسة المرافقة له وكان من خبرهما ما قصه صاحب الحوليات ص 110 :
    (وتبعه النقيب أحمد الرويشان ونفر معه من بني ضبيان وكان النقيب احمد من المعينين معه في سفره فلما باتوا تلك الليلة إلى أثناء الليل وصل من بني ضبيان وخولان بحق ثلاثين نفر ولم يزالوا يكرروا الرماية بالبنادق ويجلسوا ساعة ويعشروا وهلم جرا وكأنهم قوم بيصالوا في محبة العبد الخبيث فلاحظ الرويشان الطمع بما رأى من الحلي و الحلل والصناديق المقفلة و الخيل المسومة فكان الرويشان يدخل يوافق العبد ويبارزه بأشياء بوارد وفي خلال ذلك كان يراسل للصناديق وفي آخر مواقفه للعبد بعد العشاء ارسله إلى البيت وقبض عليه وحده وأرسل بتلك الأشياء إلى بلاده في بطن الليل مع أقاربه وأهل بلده وعشيرته وأصحابه و العبد ما يعلم بشيء وإنما كأنه سامر عند النقيب للأشوار و المدابرة بينهم ومراسلة الرويشان لذلك و العبد عنده وكأنه العبد يرا سل لهم فلما تيقن الرويشان أن قد إستكمل ما يريد وما بقي إلا أشياء مهمله مثل الخيل وآلة المكان حق الأكل والشرب و المتاع أمر النقيب أحمد أصحابه بالصياح والعوايق والرمي بالبنادق وقد كتب الكتب إلى من حوله من خولان يخبرهم بالغنيمة ويحثهم على الوصول في بطن الليل فأقبلوا كالنسور الغاورة فلما وصلوا قبض على العبد اللئيم وحمله على بعيرإلى محله ووقع بين أصحاب العبد التوابع وبين خولان حرب عظيمةوانحازوا إلى السماسر فصعدت خولان إلى الصدوح وهموا بهجمها عليهم ومن هرب أوهم بالهرب احاطته خولان وأخذوا سلبه وآل الأمر إلى المصالحة في اليوم الثاني على أن التوابع يخرجون سالمين بأسلحتهم ويتركوا ما في المطرح من بيت المال وقد سار العال العال وكان هذا إهلاك العبد و أنقضى عهده بسبب ظلمه بسرعة ) ا. هـ .
    كان ذلك سنة 1259هـ وقد أستفاد الرويشان من جملة ما إستفاد الأوراق المختومة فحرر فيها لنفسه وجماعته مخلافاً خصباً من آنس كما فصله صاحب
    حوليات هذا وقد عملت عوامل الزمن على إنضاج وعي القبائل بالمردود الحسن لإتحادهم وكان من أهم تلك العوامل ما حدث بعد رحيل الأتراك واستبداد الإمام يحيى بالحكم فشملت المعاناة المرة كل الشعب مدنه وقبائله ولم يقم النظام الجمهوري إلا وقد عمل سيف الإمام أحمد وسجونه على تجميع كبار القبائل ضد الإمـامة وجاء نظام الجمهورية بمتغيراته الجذرية في كل المجالات وظهرت ظاهرة المؤتمرات الشعبية بدءاً من عمران لتستمر إلى ما بعد العقد الثمانيين من هذا القرن العشرين وتعددت مصادر العمل والكسب الحلال وتكاثرت المدارس وفاضت الثروات وصار أبناء القبائل اليوم في طليعة الصفوف وعلى ذروة الهرم الإجتماعي القائم .
    أما تقسيمات اليمن قبلياً فمعروف انها تتمحور أربعة أنهر هي :
    كل ابناء اليمن قبلياً ومدنياً ويعد في مقدمتها همدان بن زيد بقسميه الكبيرين حاشد وبكيل ومن حاشد قبيلة يام كما ذكره الحجري والهمداني وهي معروفة ذلك هو النهر الأول يليه نهر مذحج بكثرته العددية وهو يشمل ما هو شرقي ذمار ومحافظتي مأرب والبيضاء وشطراً من تعز وأغلب المحافظات الجنوبية والشرقية ونهر حمير وهو من يريم وكل محافظة إب و الأشاعر في تهامه ، ونهر قضاعة وإليه تنسب خولان صعده وما جاورها من القبائل .

    * الجد المؤسس ( علي قاسم الأحمر) :​


    تنقسم حاشد إلى أربعة أقسام : بنو صريم ومدينتهم خمر - خارف ومدينتهم ذيبين عذر ومدينتهم القفله - العصيمات ومدينتهم حوث ، ومن العصيمات آل الأحمر من ذي ناصر بن مسعود وأشهر شخصياتهم التي توقفت عندها الأحداث كثيراً هو الجد المؤسس الشيخ علي بن قاسم الأحمر وسلسلة النسب بينه وبين الشيخ عبدالله - هي كما ذكرها في معلوماته التي إعتمدتها هذه الدراسة :
    (عبد الله بن حسين بن ناصر بن مبخوت بن صالح بن مصلح بن قاسم بن علي بن قاسم الاحمر) وقد إستفسرت من الشيخ عبدالله عن علاقتهم بحيط الحمران غربي ذيبين فأجاب :
    الصحيح أن هذه القرية إسمها قرية الحيط من قبيلة بني جبر خارف المعروفة إلى الآن والواقعة في جبل ذورة غرب ذيبين .
    أما علاقة آل الأحمر بهذه القرية فعلاقتهم بها مثل علاقتهم بحاشد الشرق وحاشد الغرب حيث لا تخلو منطقة إلا ولهم فيها أثر مندثر أو اثر ظاهر فلهم حصون واثار معروفه في بلاد الشرفين قضاء الحابشه وفي مناطق قضاء حجه ومناطق كحلان عفار وهي معروفة إلى الآن وقد ظهر إسم الشيخ علي بارزاً في مسرح الأحداث في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري .
    و المعلومات المتعلقة بالشيخ علي قاسم - غير كافية وهي علي قلتها متفرقة تبرضناها من أحواضها المتباعدة تبرضاً ، وحاولنا أن نستخلص منها ما يعين على رؤية أوضح لذلك الزعيم وأول ما يقع على الأسماع من خبره هو عند فتك القاسم بن حسين بمدينة خمر بكبير سفيان صالح بن هادي بن حبيش سنة 1120هـ حيث إنحاز علي قاسم الأحمر وبقية رؤساء بكيل للانتقام منه ،
    المرة الثانية : يطالعنا إسم علي الأحمر سنة 1128هـ حين بعث المنصور صاحب شهارة جيشاً مكوناً من قسمين قسم بقيادة علي بن قاسم الأحمر وناصر أحمد جزيلان وقسم بقيادة علي بن هادي بن حبيسق ضد القاسم بن حسين حين خرج على الإمام المنصور الشهاري وأخذ البيعة لنفسه فأتخذ الجيشان إتجاهين مختلفين فأتجه إبن حبيش جهة تهامه وفيها قتل واتجه الأحمر وجزيلان جهة حراز والحيمه ، المرة الرابعة : التي نلتقي فيها بإسم الشيخ علي مشاركاً في الأحداث هي عند إتصاله بعامل عمران الحسين بن القاسم بن الحسين الذي خرج على أبيه إلى صنعاء أواخر أيام أبيه المتوكل ، وأصلح بينهما البدر الأمير.
    المرة الخامسة : وهي تلك التي حدثت في سفح عصر حين عسكر علي قاسم الأحمر وناصر أحمد جزيلان بجيشهما نصرة للإمام محمد بن إسحاق ضد الإمام المنصور الحسين بن القاسم بن حسين سنة1140هـ وفيها كان مقتل علي بن قاسم الأحمر غيله كما فصلته المراجع ، ونهضت بعده قبائل حاشد وبكيل ثأراً له فنصروا الإمام الناصر محمد بن إسحاق وأضطر المنصور للتنازل له ومبايعته بشروط ثم إنتقض عليه وبطش به وبأهله ، وأورد زبارة في المجلد الأول من نشر العرف ص 539 تفاصيل مصرع الشيخ علي بن قاسم الأحمر قال : ( النقيب علي بن قاسم الاحمر من أكابر روساء حاشد كان بينه وبين المنصور الحسين بن المتوكل قاسم بن الحسين كمال الصداقة في أيام المتوكل ولما كانت دعوة الإمام الناصر محمد بن إسحاق بن المهدي عقيب وفاة المتوكل القاسم بن الحسين أظهر إبن الأحمر المتابعة له و الإنحراف عن المنصور ووصل في جموع من القبائل إلى قرية عصر غربي صنعاء ومعه من روساء قبائل بكيل إبن جزيلان وأحمد بن محمد حبيش وغيرهم وكان المنصور يحسن الظن بإبن الأحمر فأرسل إليه بالضيافة الفاخرة وتابع الرسل إليه لتذكيره ما مضى من صنائعه إليه فأغلظ إبن الأحمر في الجواب وقال : إنما نريد الإتفاق والمراجعة فيما نعينه له من البلاد فعند ذلك أضمر الحسين قتله وأمر بنصب خيام الإجتماع في مصبانة عصر وأمر الأمير ذا الفقار وثلاثة من العبيد بقتل الأحمر فلبسوا الدروع من تحت الثياب وكذلك المنصور الحسين وخرجوا ولما أستقر المنصور بخيمته وصل إليه إبن الأحمر وإبن جزيلان وخاضوا معه ثم تلفع المنصور في الخيمه بردائه إستلقى وترك إبن جزيلان وغيره يخوصون مع إبن الأحمر فلم يرعو لهم وكان تأخير الكلام والمراجعة إلى اليوم الثاني وهو عاشر المحرم وفيه طلب المنصور الحسين إبن الأحمر إلى خيمة كان قد أعدها لقتله ولما وصل هو وابن حبيش وغيره من الشجعان خرج المنصور عن الخيمة وحينما اراد إبن الأحمر الخروج منها إنتهره الأمير ذو الفقار وقبض على وفرته وطعنه في نحره فخر صريعاً ولما راى ذلك إبن حبيش فر من الخيمة ثم رجع المنصور إلى الخيمه فوجد إبن الأحمر يخور في دمه فأمر لأمير سليمان بقطع راسه و لرصاص يدفع من جموع القبائل إلى المنصور وأصحابه ثم تناول المنصور الحسين رأس إبن الأحمر ووضعه بسنان حربته وأشار إلى تلك الجموع الحاشدية بقوله : هذا رأس صنمكم ، فكانت هيعة ومنعت رصاص بنادق القبائل المرور من الطريق المحجة وكان الوزير الحسين الحيمي قد تأخر يسيراً في الخيمه بعد قتل الأحمر فحمل عليه رجل من قبيلة بني جبر من حاشد فطعنه ومات لحينه وعاد المنصور الحسين إلى صنعاء في موكب عظيم ورأس الأحمر على رأس رمح أمام المنصور وحملت قبائل حاشد جسد إبن الأحمر إلى اهله) ا. هـ .
    ونعرف من كتاب ] هجر العلم ومعاقله في اليمن [ ، للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع ان الشيخ علي بن قاسم الأحمر هو الذي إنتقل بأهله من العصيمات إلى حبور من ظليمه وهي خارفية حاشديه فعمر حصنها وأتخذوه مسكناً لهم وكانت زكاة ظليمة تساق إليه وكان يتولى حكم سوق حبور وتبعه في ذلك اولاده وأحفاده .

    * ناشر علي يحيى الأحمر:​


    طبيعي أن نشهد بعد المصرع المروع للشيخ علي قاسم الأحمر صمتاً شمل الكثير من أولاده وأحفاده لإنشغالهم بترتيب اوضاعهم و العناية بشؤون أسرتهم وكانت الشخصية النابهة بعده من احفاده هي شخصية الشيخ ناصر بن مبخوت الذي لمع نجمه وظهر إسمه مشاركاً في الأحداث بعد وفاة الإمام ا لهادي عشيش وقيام المنصور محمد بن يحى حميد الدين سنة 1307هـ وفي مدار فلك الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر ظهر إبن اخته الشيخ ناشر بن علي بن يحى الأحمر كأحد قادة الجيوش في وجه الأتراك وقد أوردنا ذكره هنا متقدماً على حديثنا عن خاله الشيخ ناصر أولاً لتقدم سنة تاريخ وفاته التي كانت سنة 1318هـ وثانياً لأن حديثنا عن الشيخ ناصر بن مبخوت طويل متشعب فظهر إسم ناشر علي الأحمر مدافعاً عن كوكبان كخط دفاعي متقدم عن أملاكهم في حجه فخرج في ستين نفر من رجاله سنة 1318هـ لدخول كوكبان فما أمكن لهم الدخول ليلاً فباتوا في حصن بكر وأحس بهم الأتراك فهاجموهم ودارت معركة حامية كما فصله زبارة في ( إئمة اليمن ) ثبت فيها النقيب ناشر علي الأحمر وقتل بسيفه سبعة من الأتراك ثم قبضوا عليه وعلى من تبقى من رجاله و أقتادوهم أسارى إلى صنعاء ، وهناك بعد تعريضهم للتعذيب قتلوا النقيب ناشرا ونفرين وسجنوا الآخرين .

    * الشيخ/ ناصر مبخوت الأحمر:​


    نلتقي هنا بالشخصية البارزة في رأس القرن الرابع عشر الهجري وذات الدور الهام في دولة الإمام المنصور محمد بن يحيى حميد الدين القائم سنة 1307هـ ثم ولده يحيى من بعده طوال سنوات المقاومة حتى إكتمال الإستقلال ودخول الإمام يحى صنعاء سنة 1337هـ وهذه الشخصية المؤثرة هو كبير حاشد في عصره والمجدد الثاني لدور أسرة آل الأحمر قبلياً ويمنياً الشيخ ناصر مبخوت الأحمر والمؤسف ان رجلاً كهذا في ضخامة دوره لم يجد من يسجل كل أعماله التي قام بها طوال حياته وأن ما دونه مؤرخو ذلك العصر عنه كان يرد عرضاً ضمن حديثهم عن الإمام وكبار قادته من الهاشميين بينما كان ناصر مبخوت كبير العصيمات وزعيم حاشد هو المؤثر فيمن حوله وعلى ضيافته وفي قبيلته الحاشدية كان نزول الإمام حتى الاستقلال سواء وهو في القفله أو في حوث أو في خمر فكلها تابعة له وتحت قيادته ومما يدل على ضياع الكثير من وقائعه البطولية ضد الأتراك أننا لم نجد في كتب المؤرخين الرسميين كزبارة في مجلديه عن إئمة اليمن إلا النزر اليسير في حين يورد مؤرخ شعبي كالحرازي في حولياته نصوصاً شديدة الإضاءة لحياة ذلك الشيخ المقدام ولقد كان مولد الشيخ ناصر بحصن العائلة من حبور سنة 1280هـ وهي من السنوات العصيبة التي عاشتها اليمن في تلك الحقبة غارقة في صراعات الإئمة وأضطراب أمن البلاد وقد لمع إسمه مع مطلع قيام الإمام المنصور محمد بن يحى حميد الدين سنة 1307هـ فظهرإسمه على مسرح الأحداث كمقاوم جرئ ضد الأتراك بإستهلال سنة 1308هـ ولعل إقامة الامام محمد بن يحى حميد الدين في بلاد حاشد خلافاً للامام عشيش الذي كان يقيم في بلاد صعده هي التي جعلته أوثق إتصالاً بالمقاومة ويحدثنا صاحب حوليات عن حماقة القائد التركي بمنطقة حجه ورعونته محمد عارف وما صنعه ببعض مشائخ حجه من تصرف سيء وعبث غير لائق ، الأمر الذي جعل موقف كبار المشائخ منه موقف عداء ومواجهة يقول صاحب حوليات ص 410: ( في سنة 1308 هـ في ربيع آخر وصل رجل فلان الأخشر من ئلا ومزوج الآن من ثلا من بيت الريص سادن الجامع حق ثلا ولنا به معرفة ووصوله من المغرب من بني العوام والعريف وأخبرنا بما صار في الرعايا في تلك البلاد مما قضاه الله على جميع العباد في تولية المائلين عن الرشاد والمتولي في ذلك التاريخ تركي يسمى محمد عارف و الكل منهم للشرع والرسول صارف فمما رأى في تلك الحضرة أن هذا المتولي خرج على الشيخ يحى صالح صاحب جبل نمر من بني العوام وربطه في زنده بحبل شده وخلا جزار من جزارين حجه يصيح به في السوق بين الناس كما يفعلوا في أسواقهم ويسموه بالحرج يحرج به يا شاري الحمار يا شاري الكبش من يعطي ثمن هذا المشار فيهرب المشائخ الكبار ويستقيم الفجار ويعطوا فيه ثمن قرش ويضحك من ذلك الهمج الرعاع وخرج على شيخ آخر يسمى صالح القحمي أصله مشرقي مستوطن العريف فخرج عليه إلى بيته ليلاً على حين غفلة فدهمه بغتة فبهته ومعه أربعين نفر من الاتراك فقبض عليه وذبحوا غنمه عشاءً لمن معه ومن لحق وكفل جميع المشائخ وتهددهم بالقتل فأيقنوا به حيث لم يجدوا معيناً ولا ناصراً فأخذ منهم نحو عشرة الآلف ريال لنفسه وأستخلص بقبضهم الحقوق الذى عند الرعايا في جميع البلاد ومثليها نحو مائة وأربعين ألف غير العشرة حقه الذي في سلامتهم من الموت وهذا من التسليط وإلا فليس له قدرة وقبض الميرى حق أسواق حجه بنحو سبعين ألف ريال هذا كله في شهر زمان) وإذا عرفنا أن الشيخ ناصر مبخوت هو كبير الملاك بمغارب حجه من بني العوام وغيرها وعرفنا أنه كبير مشائخ حاشد وزعيم تلك الجهة بأكملها أتضح أن المرجع لأولئك المشائخ الذين أصابهم الهوان و الإختلاس هو الشيخ ناصر ومن ثم فإنه هو الهدف المقصود و الرجل المأمول لمواجهة ذلك الطاغي العابث ولم يكتف محمد عارف كلا صنع وإنما أتجه إلى منزل الشيخ ناصر مبخوت ليلاً فهدمه وأحرق ما فيه وربما كان يقصد مباغته الشيخ ناصر و القبض عليه أو قتله ولكن الشيخ كان سباقاً في الإفلات منه و الرد عليه ولم يحدد النص التالي القرية أو الجهة التي كان يقيم فيها الشيخ ناصر ليلتئذ يقول النص : ( حوليات ص 412 )
    ( ومنها في حجه غزا محمد عارف قائم مقام على الحمران يريد إبن الأحمر بن مبخوت الأحمر المناصر لسيدي القائم المنصور بالله محمد بن يحى حميد الدين ولعله أخرب بيته وأخذ عليه طعاماً جماً وناصر مبخوت لما أحس أن لا طاقه له به في تلك الساعة شرد مختفياً وأصطحب له جماعة من أصحابه وغزا إلى حجه مكافأة لقائم مقام فوصلها ليلاً بعد أن هدأت العيون وعشر إلى العرضي هو وجميع من معه فوقعت الهيعه والفزعة التي لا مزيد عليها حتى ظن من فيها أن قد أخذت وبقيت الفتنة إلى قرب الفجر وشرودا ولم أحد لحق له على أثر ولعله راح فيها نفوس نحو ثمانيه من الاتراك وقيل أكثر وقيل أقل ولكنها لم تظهر أمور العجم على العرب وهذا الذي في هذا الصفح في شهر جمادي آخر سنة 1308هـ) أ. هـ .
    واذا لم يطلع الفجر حتى كان الشيخ ناصر قد كال لخصمه بمكياله وهاجمه في عقر معسكره كان ذلك في الشهور الأولى من سنة 1308هـ ولم تقف عنجهية محمد عارف قائم مقام حجه عند حد فواصل أهل الجهة تربصهم به حتى أمكنت لهم فرصة قتله في منتصف شوال سنة 1308هـ حين كان على رأس حمله من جنده بين القفل في الشرف وحصن الشاهل فقتلوه وقبضوا على الكثير من رجاله وقادوهم أسرى إلى الإمام ، بعدها حمي القتال وأشتدت ضراوته من الطرفين فبعث الإمام كبار مقادمة جيشه وقد أسماهم زبارة إلى عدة مواقع من حجه لحصارها ويذكر زبارة في كتابه ( إئمة اليمن ) ص 52 :
    أن الشيخ ناصر وأصحابه حالوا بين الترك المحصورين وبين القوافل القادمة بالتموين لهم وأستولوا على بعض تلك الحموله وفي ذي القعدة سنة 1308هـ
    دخل جند الإمام بقيادة السيد يحيى بن محمد الهادي صاحب المداير وإشراف الشيخ ناصر بن مبخوت حصن الظفير وقد ظل الظفير مركز مواجهة بين الإئمة والأتراك لأهميته وكانت أولى المعارك بينهم قد دارت فيه أيام الهادي شرف الدين عشيش سنة 1299هـ وبإستيلاء جند الإمام عليه خضعت بلاد حجه له وسارت تابعة لأوامره ولم يطق الاتراك إحتمال كل ذلك فجهز أحمد فيضي حملة قوية على الظفير سنة 1309هـ يقص زبارة خبرها في المجلد الأول من ( إئمة اليمن ) ص71 :
    ( في جمادى الأولى سنة 1309هـ تقدمت الأتراك تريد حصن الظفير ومن فيه من سادات الرجال والأبطال وأميرهم السيد العلامة لطف بن علي ساري الحوثي الحسيني ومن تحته الشيخ ناصر مبخوت الأحمر وبعض الخاصة من أصحاب الإمام وزهاء الخمسمائة مقاتل من الاقوام ، فيهم زهاء عشرة تحمل البنادق الشاشخان والمارتين . وقبض الشيخ ناصر مبخوت وبعض أصحابه الجبل المعروف بالحريوين لأنه إذا قبضه العدو أمكنه أن يرمي منه بمدافعه وبنادقه إلى حصن الظفير فتقدم أحمد فيضي عليه في نحو ستة آلاف من الأتراك كلهم يحملون البنادق المارتين التي تقتل على مسافة ميل وربع ميل ، وكان أول خروجها إلى اليمن في هذا العام فوعر العرب طريق حصن الظفير ورتجوا بابه بالحجارة وكان الإمام قد أمر بترتيب جبل نيسان وجعل فيه بعض عساكره وعليهم السيد العلامة يحى بن حسن الكحلاني لئلا تملكه الترك فتقدم فيضي بجنوده وحط في جبل عمرو في محطة آخرى ، وكان إبتداء الحرب من يوم الإربعاء نصف جمادى الأولى وأستمرت إلى آخر نهار الجمعة وأخذت العجم ما قابلها من المراتب وأفضوا إلى بعض سور الظفير فقاتلوا هناك قتالاً ذريعاً وفرت العجم آخر نهار الجمعة راجعة وتركوا قتالاهم وما عليها فخرجت بعض الأقوام ليلاً من الظفير فأخذوا أسلاب القتلى من البنادق وما وجدوه من ذهب في أثوابهم وغنموا غنيمة شجعتهم على الثبات و القتال ، وبلغت القتلى من الترك نحو المائتين ومن العرب سبعه وأعلنت القبائل البشرى بهذه الفتكه وأوقدت النيران على شواهق الجبال) أ. هـ .
    ويبدو أن الشيخ ناصر مبخوت لم يكن يرابط بمكان واحد وإنما كان يضع من يثق بهم من قبائله في الموقع ثم يتجه إلى موقع آخر وذلك ما رأيناه من مواجهة ضارية بينه وبين الأتراك في حصن الرغيل وقد فصل خبره زبارة : ص68 :
    (في يوم الجمعة ثالث الشهر المذكور ويوم السبت تقدم أحمد فيضي ببعض من معه من الأتراك على من في الشراقي وهداد و الرعيل وتقدم علي باشا من قارة أحمد ببعض من معه من الأتراك إلى شرقي الرعيل ورموا بسته من مدافعهم وتقدمت الأتراك الذين في الحصب إلى حصن دواس وفيه من المقادمة السيد محمد عبدالله مزيقر الشرفي و السيد محمد بن حسين عباس و الشيخ ناصر مبخوت وهاجمت الأتراك على الحصن وأستمر الحرب إلى الليل ودامت بعد ذلك إلى يوم الأثنين وأستشهد الأمير السيد عبد الرحمن عباس وغيره و أستولت العجم على الرغيل ثم على غيره في بلاد حجه ولاعه وكوكبان و الطويلة ) أ. هـ .
    ولقد كان المشير أحمد فيضي من أعتى وأدهى ولاة الأتراك فلم يستسلم للهزيمة عند أبواب الظفير وإنما عاود الكرة فقاد حملة ضخمة من صنعاء على بلاد حاشد معتمداً على المال أولاً وعلى السلاح ثانياً فأمكن له أن يدخل عمران وخمر وحوث التي كان الإمام قد غادرها بساعات وأنقاد له بنو صريم وخارف من حاشد وقدموا الرهائن وأجزل لهم العطاء وكان قد أمكن له أن يضغط على القبائل المرابطة في الظفير وكان أكثرهم من بني صريم بالإغراء المالي على يد مقبل أبو فارع ، ولم يجد الشيخ ناصر مبخوت بداً من مسايرتهم فسقط الظفير في يد الأتراك من جديد وكان سقوطه ضربة قاصمة للإمام ومشجعة لفيضي فأتجه إلى برط الذي كان الإمام قد إتخذه مؤئلاً لأهله وفي مقدمتهم إبنه يحيى ومعه الأسارى من الأتراك فنجح فيضي في طلوع برط الأشم وإستنقاذ الأسرى وإنضمام رجال بكيل إليه مما أوجع الإمام أكبر إيجاع وقد أساه القاضي العرشي بقصيدة اثنى فيها على موقف العصيمات وعذر وشيخهم الأحمر:
    هـــم هــــم آل همـــدان إبن زيد لهم * تجارب بضراب البــــــيض والأسل
    كم جعوا الترك كاسات المنون وسل * حصن الظفير ومــــــا لاقاه من جل
    وفيهم الضيغم الفــــــتاك ناصـــرهم * أعني ابن مبخوت نجل الدارع البطل وقد أستوفى زبارة الواقعة وتفاصيلها في المصدر السابق ص 81 :
    (وفي يوم غرة ذي الحجة الحرام أضطر السيد العلامة لطف بن علي ساري ومن لديه من السادة و الأقوام إلى الخروج من حصن ظفير حجه بعد أن لبثوا فيه سنه كاملة ، قال القاضي حسين العرشي ، وكان فيضي قد أعمل الحيلة في إخرج من في الظفير من المجاهدين وكان جل من فيه من بني صريم حاشد فكان يلين لهم الأقوال ويبذل لهم الأموال ويرغب ويرهب وقد عرف الداء ومن أين الدواء لإخرج من في الظفير أخبرني الشيخ ناصر مبخوت الأحمر وهو المنظور إليه من عساكر الظفير قال : لقد كنا أحرص من أن نخرج منه إلا أنه لما رأينا بني صريم قد رغبوا في الخروج وأبوا أن يقعدوا وكنا قد أتعبنا القتال ونفذت علينا الأموال ونضبت المياه بالبركات وقد رأينا إختلاف الكتب فيما بين بني صريم فوقع خروجنا على شيء من المال وعلى إخرج ما معنا من الاثقال فأشتد بذلك ساعد فيضي وتنفخت أوداجه وكانت له صولات ، وقال القاضي علي الإرياني : إن فيضي لما تمكن من قبائل بني صريم بقبض رهائنهم فرق فيهم مائتي بقرة ومائتي رأس غنم ومائتي قدح طعام وكان الشيخ مقبل بن يحيى أبو فارع الحاشدي من أعوان العجم وكان بعض عقال حاشد يسيرون بالخديعة والمكر فتوسطوا بين العجم وناصر مبخوت زعيم قوم الظفير بأن يسلم العجم أحد عشر ألف ريال ويخرجون من الظفير فتم هذا وأما من زعم أن السبب لخروجهم تهدد فيضي لناصر مبخوت بإخراب بيوته التي في قرية الخمري من بلاد حاشد فعذر كاذب فاسد ، وكان الإمام قد أمر بإنتقال نجله خليفة العصر المتوكل على الله يحى حفظه الله وأهل الإمام والأسارى من حاشد يسعى في إستخرج الأسرى من برط بكل حيلة وسار في شرذمة من العسكر إلى الغولة ثم عطف نحو قبائل بني جبر فأخذوها منهم ورجع الجراف وبذل العطاء الواسع من المال ووعد من سعى في إخرج الأسارى بالجريل من الأفضال وكان من أجل من أعانه على ذلك الثمثمي من مشائخ سفيان ومقبل أبو فارع وجبران الغشمي والشويع وأمثالهم من العقال ، ثم سار فيضي إلى حرف سفيان وما زال يسعى مقبل بن يحى أبو فارع بينه وبين رؤساء ذو محمد ومنهم النقيب ناجي بن قايد أبو رأس وآل جزيلان وأهل الأملاك في بلاد لاعه وفي اليمن الأسفل فرغبوهم بأموال يعطونهم إياها على تسليم الأسرى ورهبوهم بأخذ أملاكهم فأجابوهم سراً وكان عند جميع الناس كالمستحيل أن ينخدع رجال ذو محمد أو يبلغ العجم إلى جبل برط وأظهر فيضي أنه يريد صعده ورحل عن الجراف إلى محل يسمى الخراب وكان الإمام قد رجح إرسال الأسرى إلى حضرته من العنان مع رفقة من جميع أخماس قبائل ذو محمد البرطيين ، وفي خلال تدبير ذلك لم يرع أصحاب الإمام إلا أصوات مدافع وبنادق لأتراك وقد رقوا من شعب النيل إلى جبل برط وتم لفيضي أخذ الأسرى من عنان برط ) أ. هـ .
    وقد ظلت علاقة الشيخ ناصر بالإمام المنصور على حالها من الثقه و ا لإخلاص حتى لحق الإمام بربه سنة 1322هـ وحين أجتمع مجلس كبار العلماء لإختيار خليفته قالوا إن إبنه يحيى جمعهم في مكان وأغلق الباب وجعل مندوباً من جهته معقباً عليهم الشيخ ناصر مبخوت الذي يذكر الدكتور سيد مصطفى سالم في كتابه ] تكوين اليمن الحديث[ أن ناصر مبخوت خاطبهم بلغته القبلية ] ما بش غير سيدي يحى [ مهدداً بقتل من خالف هذا ، وفي كتابه ] وثائق يمنيه [ يورد الدكتور سيد مصطفى أيضاً وثيقة مرسلة من القاضي حسين بن علي العمري إلى زميله في صلح دعان قاسم أبي طالب بتاريخ : رجب 1329هـ فحواها أن بصحبة الشيخ ناصر مبخوت ناقل تلك الرسالة الثلاثة وعشرين ملازماً من الإمام إلى الوالي العثماني أحمد عزت كما نشهد في سياق مجريات صلح دعان ورود إسم الشيخ ناصر ضمن المرافقين للإمام يحيى وكان هذا هو آخر ما ورد للشيخ ناصر من مشاركة في الاحداث العامة .
    وقد ترك أربعة أولاد ذكور هم : ناصر وحسين وعسكر وغالب وستمر بطائفة من أخبارهم في الوقفه التالية ، أما الحدث البارز و الأخير في حياة الشيخ ناصر فهو ما ذكره القاضي إسماعيل في كتابه ] هجر العلم [ من أنه كان أحد الحاضرين لتوقيع إتفاقية صلح دعان ولكنه لم يرضه هذا الصلح فمال بأخره إلى الإمام محمد بن علي الإدريسي حاكم عسير والمخلاف السليماني لمؤازرته في حربه ضد الدولة العثمانية وأقام عنده بعض الوقت ). وسنرى فيما يلي من صفحات هذه الدراسة الاثر الكبير على حياة الأسرة كاملة وعلاقتها بالإمام يحى وإبنه أحمد من جراء تحول الشيخ ناصر من موقفه في الصف الأول من أنصار الإمام يحيى وإتجاهه إلى صبيا ليصبح نصيراً من كبار أنصار الدولة الإدريسية حتى وفاته ليلة الأحد ثالث جمادي أول سنة 1340هـ وقد رثاه كبار شعراء قطره وعصره وفي مقدمتهم يحى بن محمد بن الهادي ومن ذلك أبيات كتبت على قبره المعروف بحبور:-
    هـــذا ضريـــــح للرئيــس الأشـــهر * من هابه في الحرب كل غضنفر أعني إبن مبخوت بن صالح ناصراً * بسيـــــاسة وشجــــــاعة وتـــدبر
    وكان هذا الشاعر الذي رثاه زميلاً له لدى الإدريسي في صبيا إذ قاطع الإمام يحيى سنة 1331 هـ بعد أن كان خطيبه وأحد قادته وأستمر حتى لحق الإدريسي بربه ، ومثله كان موقف أحمد يحى عامر الذي زار الإدريسي في السنه نفسها وعاد ليقول للإمام يحيى حين سائله عنه وعن رأيه فيه إنه ( سيد أحسن منك ) وعزم على التخلي عن إرتباطاته بالإمام وأبلغ محمد بن الهادي أبو نيب ( محافظ صعده ) بقناعته فتخليا معاً عن علاقتهما بالإمام ومحمد الهادي أبو نيب هذا هو الذى كان العلامة عبد الوهاب المجاهد يرى أحقيته بالخلافة قبل الإمام يحيى لكنه كان عازفاً عنها .
    وكتردد الجاهد في بيعة الإمام يحى تردد شيخه أحمد عبدالله الجنداري معللاً تردده فيه ببخله وأعتزل القاضي علي عبدالله الإرياني بعد البيعة مقام الإمام في القفله متجهاً إلى غربان وكان الإمام يحى يشعر بإنفضاض الناس عنه وإقبالهم على سواه ليس الإدريسي وحده وإنما حتى بعض القضاه العاملين في مقامه فكان يحقد على هؤلاء لحظوتهم لدى القبائل مثل صنيعه مع أحمد الشرعي الذي كان محل ثقه بني صريم ومثل حسين محمد الشرعي الذي حكم على الإمام يحيى ببطلان دعواه في بعض خيوان وبلغ الامربمحمد بن عبدالله بن المتوكل بن محسن الشهاري أن دعا لنفسه بالإمامة بأرحب سنة 1343هـ وجرت بينه وبين جيش ا إمام يحى مواجهة وكان من النافرين عن الإمام يحى شيخ الإسلام علي بن علي اليماني - لأنه أجرى حداً في مدينة خمر دون أستئذان من الإمام الذي كان يومها مقيماً فيها ، بل إن الأعضب المعروف ب ( حاجز) من علماء حوث قاد جيشاً من حاشد نصرة لصاحب صبيا وكانت القبائل العائدة من صبيا تنشد زواملها على مسمع الإمام يحيى ومنها :
    يا سلام الله عليك يا سيد الولي * محمد بن إدريس ا للي نوره مضي
    ومنها:
    جينا نزاوره بالهدايه * والولاية المهدي يقوم
    مما جعل الإمام يحيى يستعد لمواجهة حاشد وما زال مقيماً بها لحينها ومن قبل دخوله إلى صنعاء فعهد إلى حاكم خمر طميح الآنسي ببناء سجن مهلهل فيما بعد سنة 1332 هـ من أجل ذلك يتضح شبه الإجماع بين شيعة الإمام يحى نفوراً عنه ولياذاً بالإدريسي وأصبح إنصراف ناصر مبخوت عنه معروف البواعث والمبررات فقد كان على تشيعه ليحيى وأبيه ذا إستقلالية في المواقف فحين أراد الإمام يحى إعتقال محسن الرصاص العائد من ا لأزهر بعد تلقيه تعليمه فيه بمصر كعادة الإمام في الأنقباض عن العلماء المنفتحين على العصر كان ناصر مبخوت هو الذي أنقذ الرصاص بتأمينه على الخروج من حاشد وتيسيرسفره إلى تهامه ومنها إلى مصر، وكذلك كانت نفسية ناصر مبخوت وأولادة تنفتح للعلماء العاملين وإن كانوا مغاضبين للإمام مثل يوسف بن عبدالله المؤيد الذي أثره آل الاحمر بتسليم نيسا إليه مع رفضهم تسليمها إلى أحمد ومحمد إبني الإمام يحى وقد جرت بين الإمام يحيى وبين يوسف هذا مغاضة لسخائه في الإنفاق على قبائل الجوف وما جاورها حتى لا يلتحقوا بنفوذ الجيران في نجران قائلأ للإمام يحى :-
    ( أنا لم أكن أعرف أنك تريد أن تنظر إلى حدود اليمن الشمالية من طاقة دارالسعادة ) .
    وعلى العكس كان موقف ناصر مبخوت من عباس بن عبدالله المؤيد الذي أذى حاشداً وأوجعها فنصح ناصر مبخوت أولاده بالإذعان للعلماء من أهل بيت الإمام عدا عباس هذا .

    الوقفة الثالثة
    الثلاثة الذين جمهروا الصخور



    بارق برق من سما صنعاء أرض الجهاد
    سيله معابر ورعده من بنادق جداد
    وأمسوا يسقوا بسيله في جميع البلاد
    علي ناصر القردعي​

    بإنحسار ظل الدولة العثمانية برزت على الساحة القوى المحلية الطامحة في تبوء المكانة خلفها وكان من أبرزها على نطاق الجزيرة شريف مكه الذي كان يحلم بوراثة لقب أمير المؤمنين والملك القوي المنطلق من نجد عبد العزيز بن سعود وفي اليمن الإمام يحيى حميد الدين الخارج من الجبال والادغال ليتبوأ أريكة صنعاء وشاب طامح أخر في ذات الرقعة اليمنية من شمالها الغربي هو محمد بن علي الإدريسي تدفعه رياح الطموح و الذي يعنينا من كل أولئك هو يحى حميد الدين الذي أفاد من سوء إدارة العثمانيين في اليمن ومن بعدهم الضباط الإتحاديون كما أفاد من إنشغال الباب العالي بعلله وأمراضه المزمنه وأعدائه المتكاثرين في أوروبا فكأن أن أشتد ساعد الإمام بتوسيع دائرة المقاومة حتى إستطاع أن يحاصر صنعاء مرتين ويدخلها الدخلة الأولى بعد وفاة أبيه بسنه واحدة ويأخذ خلال ذلك كل ما تركه الأتراك من عدة وعتاد ليجعلها في مقر مقاومته من أرض حاشد ورأيناه يستغل إرتفاع حماس المقاومة في أنفس اليمنيين ليشمل بها ما وراء صنعاء حتى منطقة إب ويستقبل أمداد الزكاة وحمولة الحاصلات المنقولة إليه من أرجاء الشعب كإمام شرعي وحيد في عصره بأمر هذه البلاد متفرد بإقبال القلوب والأموال عليه وإنقيادها له وإليه وقد كان يحرص على إظهار قوته حتى قبل وفاة أبيه الإمام المتعصب المنصور فحين أطلق عليه بعض قبائل حاشد رصاص بنادقهم بينما كان في طريقة بين حبور والقفله سنة 1321هـ لم يكتف بإظهار ندامتهم على فعلتهم وإيصال العقير إليه حتى عاد منكلاً بهم تخريباً لبيوتهم وسجناً لأكثرهم وتغريماً لهم مبالغ مالية فوق كل ذلك ولما مات أبوه سنة 1322هـ وحصل على إجتماع البيعة له تحت ضغط الشيخ ناصر مبخوت الأحمر كما أسلفنا عجل بإرسال أمراء الجيوش إلى مختلف الجهات المحيطة بصنعاء وأشعل نار المقاومة حولها وأنتقل إلى شبام وأمكن له إخراج الأتراك ودخول صنعاء ونقل ما فيها من أسلحة قبل قدوم فيضي إلى صنعاء وعودته هو منها إلى حاشد وصفت له بإسقاط المنافس الضحياني في الإمامة ثم ان إنتصاره في شهارة سنة 1323هـ إنتصاراً قصم ظهر القوة التركية وأذل عنجهية أحمد فيضي وأرغم الدولة في الأستانه على عقد الصلح في دعان من جبل عيال يزيد سنة 1329هـ وبإنعقاده أصبح الباب مفتوحاً أمامه لتأديب القبائل الخارجه فجهز ضدهم حملة علي عبدالله الوزير سنة 1336هـ في نهم وحملة محمد علي الشامي ضد الحداء ورداع ليدع بهم إلى جيش الفريق البطل علي سعيد باشا ضد الإنجليز وحملة عبدالله أبو منصر ضد عيال يزيد سنة 1336هـ ثم خروج الإمام بنفسه إلى ذات الجهة لتأديبها ورأينا الإمام يبدي أقوى مظاهر قوته وهو يقرض الجيوش التركية كما ورد في رسالة الفريق علي سعيد باشا إثني عشر ألف قدح طعاماً من أنبار يريم سنة 1330هـ ويكرر إعلانه عن إستعداده لإمداد الدولة التركية بمائة ألف يمني مسلح مناصرة ضد أعدائها وتواصلت إليه نداءا ت المناطق النائيه كحضرموت تستصرخه على لسان عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف لطرد المحتل وإستخراج الخيرات :-
    وبقيت تمشي للأنام ونصرة إلا * سلام إذ رجع الكــــــثير القهقري
    أنت الملاذ من الردى وأذى الـ * عدا لولاك أضحى الدين ينبذ العر
    يا قـــلمس العلم الذي بــــــكلامه * تحيى القلوب إذا تعالى المنبرا
    يا صاحب العزمات والهمم التي * تذر المناصل والوشيج مكسراً
    قسمـــاً تآلى زاــــئروك لقد رأوا * في بردك الطائي و الأسكندرا
    ويجيبه الإمام في نص شعري مطول يعرض صورة من تفكيره وتعبيره ومقدرته البلاغية العالية:-
    ألف السهاد وحاد عن طيـب الكرى * من لم يزل في الحادثات مفكراً
    قد ضرسته الحرب فهو إلى الوغي * يعدو على شوها كبرقٍ قد شرى
    لــكن حــداه إلى القيـام قواطع الأي * الكرام ونص من ســـــاد الورى
    يــدعو إلـى سـنـن الشريعة كـل ذي * عقل يحج به عــلى وجــه الثرى
    بخـــاً لـــه لـــو شـــــايعته كتــــائبٌ * شوشى إذا زحفت فعثيرها يرى
    وقد كان الرجل متابعاً لأحداث العالم عامة والنشاط الثقافي العربي خاصة
    في مصر عن طريق صحافتها التي كان على إتصال ببعضها ويعرض النص التالي من رسالته إلى أهل حوث شيئأ من سعه دائرته الثقافية ( إئمة اليمن لزبارة - المجلد الثاني ص 254 ) :
    ( مما دهم الإسلام في أكثر البلاد من إستيلاء عباد الصليب عليها في هذا العام وما قبله كبلاد البلغار وبلاد كريد وبلاد البوسنه و الهرسك ثم بلاد فاس التي كان يدعى واليها بأمير المؤمنين هو عبد الحفيظ من السادات الإدريسيين فإنه إستولى عليها الفرنساه وفعل بأهلها الأفاعيل ثم بلاد الإيران وهي بلاد العراق الداخلي التي منها جيلان وديلمان وواليها هو شاه العجم .
    وهم الإمامية فإنه إستولى عليها الماسكوه وفعل بأهل تبريز ما لم يكن مثله
    في الأزمان ثم بلاد طرابلس الغرب فإنه وثب عليها الطليان وأخذ المدن التي على ساحل البحر وقتل أربعة الآف نفس ذكوراً وإناثاً وصغاراً وكباراً ، ثم ما كان من جميع النصارى من إطلاق الرسن للطليان لمضايقة جميع المسلمين ومنحوه السلطة في البحار حتى شمل إضراره بكثير من بلاد الإسلام يريد أن يضطر العثمانية إلى تسليم طرابلس له وأستعان بالإدريسي في اليمن وساق إليه الأموال و الأسلحة و الرجال وعلم كل من يعلم أن الطليان والادريسي إجتمعوا على حرب ميدي و القنفذة من لبحر و البر وأن المراكب التي بيد الإدريسي من الطليان وأن المراكب التي تأتي بالأموال إلى الإدريسي مراكب الطليان وعليها بيارق الطليان وخرج إلى الإدريسي أمين صندوق الطليان بمصوغ والأخوان هنالك ، ويقول الإدريسي إن ما يخرج له من الطليان هو معاملة يعني تجارة فلما خرج له أمين صندوق الطليان وما إليه من التجارة و التجار ومن أين للتجار مدافع وكذلك ألف بندق من سلاح الطليان ، ومن أين للتجار طباشيه وكيف يأمن الإدريسي في البحر وجميع المسلمين ممنوعون في جميع البحار وأي جامع بين المسلمين والحربيين وهل المستعين بالطليان الإدريسي يريد الطليان نصرة الاسلام وأحياء شريعة سيد الانام أم هو الطليان أستعان بالإدريسي وساق إليه الأموال مقابل إعانته وهل للمسلمين الإستعانة بالحربيين و المستعان به هوالأمر الناهي .
    نعم.. قد عرفتم إنثيال الناس إلى الإدريسي وتهافتهم على الأطماع وما في ذلك من المفسدة الدينية وتحالف المستهزئين بالدين على إشارة أمر الإدريسي وليسوا من الدين في شيء وإنا نقسم لكم بالله إنه وصل إلينا رسول من الطليان يعدنا بالأموال و الأسلحة وكل ما نطلبه لنقاتل الأتراك ، وأنه وصل إلينا كتاب من ثقة أن وكيل الطليان بعدن إستعان به على أن الإمام يترك التجهيز على الإدريسي ويسلم له الطليان كذا كذا ألف ذهبيه وأجبنا أشد الجواب.
    أما ما يقال أن الدراهم التي بيد الإدريسي من أهل مصر أو السنوسي أو غيرهم فذلك من الكذب كل أولئك يدينون بوجوب طاعة السلطان ويخطبون له في جميع البلدان وينسبون أهل اليمن إلى كل قبيح لمحاربتهم العثمانية حتى من تحت ولاية النصارى أهل الهند و السند والأندلوس وغيرهم .
    أهل مصر الآن هم القائمون بنفقات المجاهدين بطرابلس من أنفسهم ومنهم المتطوعون بطرابلس و السيد السنوسي قد أرسل كثيراً من أصحابه إلى طرابلس للجهاد وكأني والله بالطليان وقد ملأ سواحل تهامه نصارى وأستحلها ، أيريد المتحرج أن يقول له الإدريسي أنه معين للطليان ناصر له إلا لا يكون ذلك إنما يتستر المفسدون بالفضل والديانة والزهد كما كان من علي بن الفضل ورفيقه ، وأقل أحوال الإدريسي أنه وقف موقف التهمه إن لم تفد هذه القرائن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من وقف موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن) على أنه لو لم يكن من الإدريسي إعانة للطليان لكفى في وجوب عداوته البغي على الإمام وتجهيزه عليه المدافع و العساكر أفي بغيه شك نعم إذا تأمل المتأمل في قوله تعالى : ( آلم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) . لم فرح المؤمنون بنصر الروم على فارس والجميع كفار؟ أكان ذلك لغير أن أهل الروم أهل كتاب بخلاف فارس .
    وهل للمؤمن أن يفرح الآن بإنتصار الكفار عباد الصليب على العثمانية وأكثر بلاد الإسلام تحت العثمانية ) أ. هـ .
    وإن هي إلا سنوات حتى صار الطليان على علاقة وثيقه بالإمام يحيى ، اللافت للنظر أن هذا المتمكن في ثقافته الشرعية والتراثية عموماً والملم بأحوال العصر وتغيراته و الناقم من تركيا مظالم موظفيهم وعبثهم لم يفعل شيئآ من الإصلاحات الأساسية المتعلقة بحياة الناس ومعاشهم فقد بقي مكرساً نظام الرهائن و الخطاط و التنافيذ وأخذ الزكاة وإحتكارها حتى إننا رأيناه فيما نقله زبارة عنه ضمن أحداث سنة 1335هـ يقر كأول أمر صادر منه نظام البدل في أخذ الزكاة وهو محرم شرعاً .
    وحين طلب منه أحد الخلصين له مفتي الجمهورية الآن العلامة أحمد محمد زبارة إقامة مجلس شورى كان جوابه كما نقله صاحب رياح التغيير ( إن الإمام علي لم يكن له مجلس شورى ) وقدم إليه الزبيرى برنامج الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فسخر منه ثم أودعه الحبس وتقدم إليه كبار علماء اليمن بنصيحة جامعة فلم يعرها بالاً وكان قصارى همه ألط يحتفظ بما ورثه من تركيا من مبان وأنظمة مالية وإدارية ويحرص كل الحرص على التحصيل و المتوفير وإقامة توازن في علاقاته بالقوى الثلاث المجاورة :
    السعودية شمالاً ، وبريطانيا جنوباً وشرقاً وإيطالياً غرباً وفي علاقته بالقبائل كان يركز على الأسرتين الهمدانيتين آل الأحمر في حاشد وأبو رأس و الشايف في بكيل وحدث أن أغتيل قايد أبو رأس عامل آنس للأتراك سنة 1335هـ فأتهم رجاله قائمقا ، تعز التركي بقتله وتجهزت بكيل بقيادة يحى بن يحى الشايف بحملة إلى المتعكر ولكنها لم تنجح في الإنتقام من المسؤول التركي فحاول بعضهم ا للجوء إلى الإنجليز، وفي كتاب ( وثائق يمنيه ) ما يشير بخط الإمام يحيى إلى تخوفه من ذلك وقد سعى الساعون لتحكيم الإمام فحكم بالديه وهو ما لم تقبله بكيل كما كان يحرص على إكتساب إسرتين هاشميتين إلى صفه للإستعانه بهم واحتوائهم هما أسرتا آل الوزير وآل شرف الدين .
    ورغم جهوده لإحتوائهم فقد عانى من هاتين الأسرتين كما هو معلوم وكما سنمر ببعضه في ثنايا هذه الصفحات ، ولقد فشل في تطبيق الدين ا لذي جاء بإسمه تطبيقاً حياً في واقع الناس فشله في مواجهة الحضارة المغامرة الجبارة التي إنزوى منها وظن انه بالإنطواء يكون في مأمن منها ، وجاء بعده ولده أحمد بمخزونه الثقافي المتوتر ومزاجه النفسي المتوفز ليؤدي دور المصارع لكل ما حوله ومن حوله وكأنما كان موكلاً من القدر بإنضاج خميرة الثورة ونشر شرارتها في كل النفوس و البقاع رغم مدة حكمه القصيرة التي لا تعدو خمسة عشر عاماً فأتخذ العنف أسلوب إدارة وتعامل مع الآخرين من عسكريين ومدنيين حتى أفراد أسرته .
    وكان سيفه مسؤولأ عن حصد أخصب موسم ربيعي جادت به التربة اليمنية عبر قرون فأزهق سنة 1367 هـ وما بعدها نخبه من شباب الوطن وخيرة رجال الأمة ولم يكتف بما فعل حتى عمد إلى روافع عرشه وعرش أبائه من رؤساء قبائل اليمن ، يحصدها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، ولأن حاشد عبر قرون ظلت مركز الشيعة ومقر الإئمة ، ولأن آل الأحمر هم ذؤابتها وتاج مجدها فإن إزهاق روح الشيخ حسين بن ناصر الأحمر و ابنه ذي ا لثلاثين ربيعاً حميد وإخراب بيوتهم وإتلاف مزارعهم و التنكيل بأبنائهم وعلى رأسهم الشيخ عبد الله بن حسين المودع ظلمات سجن المحابشه حتى قيام الثورة السبتمبرية سنة 1382هـ سنة 1962 م فإن كل ذلك كان هو المعامل الرئيسي في جمهرة
    الصخور المتشيعة وتحويلها من حامية للإمام و الإمامة إلى فاتكة بهم ومطاردة لهم ، وكان أمر الله مفعولا ، ولم يكد ينقضي على تساؤل ا لزبيري السجين
    بمشبك الأهنوم .
    من أين يأتيك العدو وأنت في * بلدٍ تكاد صخوره تتشيَّع
    غير عقدين من الزمن حتى رأت الدنيا بأجمعها وسمعت تلك الصخور
    المتشيعة حاملة راية الجمهورية وناشرة مفاهيم الثورة وأناشيدها في المدن والوديان وعلى القمم و التلال .

    * ناصر بن ناصر الأحمر:
    أول شيخ قاوم الإمام يحيى بعد الإستقلال​

    بإنتهاء حياة الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر سنة 1345 هـ كما أسلفنا بعد تحوله من نصير للإمام إلى نصير للإدريسي وقد إستعرضنا في الوقفه السابقة نفور الكثيرين من الإمام إلى الإدريسي ، كما أن القاضي المؤرخ عبدالله عبدالوهاب المجاهد قد توسع في ذكر الرعيل الأول من أنصار الإمام يحى الذين فارقوه بعد صلح دعان ، ومنهم والده العلامة عبد الوهاب المجاهد ، كل ذلك يكفي لتوضيح بواعث ذلك التحول ، أقول بإنتهاء حياة الشيخ ناصر مبخوت عامئذ بدأت مرحلة المواجهة المباشرة بين الإمام يحى وبين قبيلة حاشد بقيادة الإبن الأكبر الشيخ الأبي القوي ناصر بن ناصر مبخوت الذي لم يتردد منذ عام بروزه الأول عن المواجهة وقد أتخذت مواجهته للامام ميادين ثلاثة أولاً في حجه نفسها وقد دفع بأخيه حسين بن ناصر لمناصرة محسن شيبان من أحفاد المطهر بن شرف الدين سنة 1338هـ .
    ثانيا : في نيسا وهي مكان قريب من حجه ذو تأثير مباشر عليها وقد قاد زحف حاشد عليها تمهيداً للاستيلاء على حجه الشيخ ناصر بن ناصر نفسه.
    ثالثا : المواجهة في أرض حاشد على إمتدادها وقد جهز الإمام حملات متكاثرة عليهم فيها كان أولها بقيادة الشريف عبد الله الضمين سنة 1341 هـ
    وثانيتها: بقيادة الأمير عبد الله بن أحمد الوزير سنة 1343 هـ وكانت حجتهم فيها كما ذكر الجرافي في مقتطفه أنها من أجل توريث النساء ثم كانت ثالثتها وأكبرها هي تلك التي قادها ولي العهد أمير حجه أحمد بن يحيى حميد الدين سنة 1346 هـ على العصيمات حتى أذعنوا وسلموه رهائنهم بعد مقاومة ضارية ، وعن المواجهة الأولى في حجه بين حسين بن ناصر موفداً من أبيه ومن أخيه سنة 1338هـ كما قطع به زبارة وليس سنة 1337هـ كما يروي المجاهد نصغي إلى النص الذي تفرد بذكر مقدماته وأحداثه بين سائر المؤرخين القاضي عبد الله عبد الوهاب المجاهد في كتابه ( اليمن . الحضارة و الإنسان ) ص 172:
    ( إتفق السيد يحيى شيبان مع الشيخ ناصر مبخوت الأحمر- على إشعال ثورة من حجه تمتد فتغطي الشمال الغربي ثم تطبق على صنعاء فتجبر الإمام يحيى على الإعتزال إن لم يعتدل بتطهير جهاز حكمه من تلك الفئه الغير المرغوب فيها ويعيد إلى الجهاز أولي الإخلاص والسبق ، ولنجاح العملية إتصل الأحمر وشيبان بمن يثقان به كأبو منصر بثلا والسيد عبد الوهاب الحوري من مشايخ مسور حجه ومجموعه من أعيان حاشد كالشيخ محمد القديمي ، وكان الإمام قد إكتشف المخطط وكان شيبان بصنعاء فقبض عليه وإعتقله بسجن غمدان ففجر الثورة أخوه محسن شيبان بحجه عام 1337هـ ولم يكن محسن كأخيه في قوته ومواهبه فلم يبق أمام الشيخ ناصر الأحمر إلا أن يرسل قوة من قبيلة حاشد بقيادة إبنه الشيخ حسين الأحمر مدداً لمحسن شيبان ويصل حسين الأحمر حجه ومنها صعد مع طائفة من جنوده إلى قاهرة حجه حيث يقيم محسن شيبان ويذهب محمد القديمي وطائفه من حاشد فيحتلون قرية صعصعه المسيطرة على الطريق إلى الأمان الذي تحتله حينذاك القوات الأدريسية ، وتكون الحرب بين شيبان والأحمر ومن إنضم إليهما من عشائر المنطقة ، وأرسل الإمام يحى من صنعاء طائفة من الأعيان مع جيش وأمرهم بالتوسط وحل القضية بالمصالحة ومن أولئك الأعيان سيف الإسلام محمد بن المحسن و الشيخ حزام الصعر وإنهم ليدورون في غبار المصالحة إذ يطلع من شمال حجه سيف الإسلام أحمد بن الإمام يحيى في عسكر جرار معظمة من الأهنوم ومن عذر والعصيمات ، فقد كان أوعز إليه أبوه الإمام يحيى سراً بالزحف على حجه وتظاهر بالمصالحة ليخدر شيبان و الأحمر حتى يفرق من حولهما العشائر المنظمة إليهما وحتى يتمكن إبنه أحمد من حشد قوة يزحف بها إلى حجه ، وقد تم له ذلك ويصل أحمد وهو إذ ذاك شعله من نار لم يتجاوز الرابعة والعشرين عاماً وسرعان ما أحتل المواقع الهامة المحيطة بحجه ثم إحتل حصن كوكبان حجه المطل على حجه ، وهنا كانت الحرب العوان وقد ثبت فيها محسن شيبان وحسين الأحمر برغم قلتهم وإحتلال أحمد كل ما يحيط بحجه حتى فصلها عما حولها ودخوله إلى جوفها فأحتل حصن نعمان ولم يبق بيد الأحمر وشيبان إلا قاهرة حجه وقد أبديا مقاومة أقنعت أحمد أنه لا يأخذها عنوة فقبل شروطهما بأن يخرجا مع جميع أصحابهما وبكل ما بقاهرة حجه من أموال وسلاح ماعدا المدافع إلى حاشد وقبل أحمد هذا الشرط وأنتقل الأحمر وشيبان من حجه إلى خارف حاشد) أ. هـ .
    كما يتفرد القاضي عبد الله في نفس المصدر بتوضيح تفاصيل أحداث المواجهة الثانية التي قادها ناصر بن ناصر نفسه في نيسا فيقول (ص 173 ) :
    ( وكانت حاشد وبكيل غير خاضعتين لحكم الإمام عسكرياً وانما خضوعاً روحياً فأستشارهم ناصر بن ناصر الأحمر لأخذ حجه وإخرج أحمد منها فألتفت حوله عدة الآف وزحف بهم عن طريق حبور حتى وصل حصن ( نيسا ) القريب من حجه فذعر الإمام بصنعاء .
    أما إبنه أحمد فأستولت عليه بحجه ا لمخاوف حتى أنه بدأ في نقل بعض أمتعته ومعداته لئلا تسقط في يد الجيش الزاحف الذي يقوده ناصر بن ناصر الأحمر وكان ذلك هو المنتظرإلا أن الجيش توقف بنيسا فقد تعرض له عامل الإمام بنيسا القاضي حمود حميد وسرعان ما قتل القاضي حمود حميد وأحتل ناصر الأحمر قلعة نيسا وهنا أظهر بعض أعيان الجيش الزاحف إستنكاره لمقتل القاضي حمود حميد واتسع الخلاف بين الجيش وقد يكون ذلك عن مؤامرة دبرها أحمد ، ولم يتمكن ناصر بن ناصر من التغلب على هذا الإشتقاق فإذا بشطر جيشه ينسحب عائدآ إلى بلاده مما أضطر معه ناصر بن ناصر الأحمر إلى التوقف بقلعة نيسا مع من بقي معه من الجيش وأستمر بنيسا قرابة عام يتحين الفرص ليثب منها على حجه ولكن الفرصة لم تأت وثقلت نفقات الحرب على ناصر بن ناصر الأحمر فترك نيسا وعاد إلى حاشد وأستقر بها إلى أن دخلت حاشد في حرب مع الإمام / يحى وكان الإمام قد أعد لها من الجيوش النظامية وغيرها كما دس بين حاشد نفسها ما فرق صفها ثم رماها بقائد له مكانته في اليمن هو السيد عبدالله الوزير الذي له في حاشد نفسها صنائع من عدة أسر وأعيان مما مهد له أن يحتل حاشداً عسكرياً فلم يبق للشيخ / ناصر بن ناصر الأحمر إلا أن يلجأ إلى الملك عبدالعزيز آل سعود ) أ. هـ .
    وقد إنتقلت المعارك بعد ذلك إلى الساحة الحاشدية نفسها وأستمرت حتى منتهى سنة 1346 هـ وأوائل سنة 1347هـ حيث تدخل العلامة محمد بن محسن بن أحمد الشهاري للإصلاح بين الإمام وآل الأحمر فأثر الشيخ ناصر بن ناصر عدم المقام تحت راية الإمام وإتجه إلى نجران حيناً ، ولما بدأت نواجم الحرب بين الإمام والملك عبد العزيز آل سعود توجه الشيخ ناصر بن ناصر إلى الرياض وخيره الملك عبد العزيز أن يقيم حيث يشاء فأختار البقاء في أبها عاصمة عسير وبها تزوج وأقام حتى وافاه أجله سنة 1362 هـ وكان قد ناصرته الفاف من بكيل وكان من أبرزهم علي بن حسين مهفل وناجي بن أحمد الشايف.

    * الشيخ حسين بن ناصر الأحمر:
    وولداه : حميد وعبد الله..​


    أغرب مواقف التاريخ العربي هو موقفه من أبطال الشعب يمر بهم في إنتاجهم ومواقفهم وتضحياتهم مرور الأخرس حتى إذا حان حين مأساتهم نطق عنهم ثم مضى أدراجه لايلوي على شيء فما علة ذلك ؟ أحسبه يعود إلى إدمان تاريخنا الإنبهار بإنتصارات المنتصر دون أن يجشم نفسه مشقه البحث عن الدماء الشهيدة المسكوبة الحاضنة للقضية والحاملة أمانة المسؤولية كم أشجاراً تنبت بها في أرض الغد وكم أجنحة تحلق بها في سماء المستقبل؟
    أقول هذا وأنا أتوقف بالقارئ الكريم في هذه الدراسة أمام رأس كبير من رووس اليمن هو الشيخ حسين بن ناصر الأحمر الذى كان له ولولديه حميد وعبدالله الأثر الهام والحاسم في تاريخ اليمن العام فلو لا أن المولى سبحانه أنسأ في عمر ولده عبد الله وتبوأ مكاناً رفيعاً في النظام الجمهوري لضاع خبر الاب ضياع خبر الآخرين.
    والشاهد المؤكد أن زميلهم في المحنة كبير خولان عبد اللطيف بن راجح لم
    نر التاريخ يعطه شيئاً من الذكر رغم تضحيته الجسيمه بنفسه وماله غير أنه خرج من بلده في بعدان على فرسه إلى قعطبة فقبضوا عليه و اقتادوه إلى سجن أحمد ثم إلى جلاده وسيفه، ورغم أن المادة التي توفرت عن حياة الشيخ حسين هي أوفى من المادة المتوفرة عن أسلافه إلا أنها لا تكفي لتكوين رؤية كاملة عنه، وكان من مراجعي إجابة كريمة مركزة من ا لاخ الأستاذ عبد الملك الطيب سأورد نصها آخر هذه الكلمة ومراجع أخرى فيها أشتات من المعلومات عن الشخصية الكريمة التي نلتقيها وعن ولديه الشهيد حميد والشيخ عبد الله إنتجعتها من مجموعة زبارة وموسوعة العفيف وما كتبه القاضي إسماعيل الأكوع والد كتور عبد الرحمن ا لبيضاني والعقيد عبد القادر الخطري وهذا الأخير هو أوسعهم حديثاً عن الشيخ حسين لولا أنه نهج نهج جورجي زيدان في الرواية والتدوين ولكنه على كل حال قدم معلومات هامة لم ترد في غيره ووددت لو أن إبنه مخرج الكتاب بعد وفاة أبيه عمد إلى توثيقه بتقديمه إلى شخصية تاريخية كالقاضي عبد الرحمن الارياني أو القاضي عبد السلام صبره، ليضعا تصديراً له وتأكيداً على ما ورد فيه، وقد أكد الشيخ عبد الله صداقة الخطري له ولأخيه حميد وأبيهما حسين منذ سنوات باكرة قبل الثورة.
    ولد الشيخ حسين بن ناصر بحبور سنة 1318هـ وتلقى تعليمه المعهود حينئذ في كتاب القرية تحت إشراف أبيه وما إن بلغ الخامسة عشر من عمره حتى كان مشاركاً لوالده في كبار الأحداث ومعنى ذلك أنه أصبح سنة 1333هـ مرافقاً لوالده في زيارته لمحمد بن علي الادريسي بصبيا وإنضمامه اليه ويبدو أنه أصبح على علاقة وثيقه بإمام صبيا ودائم التردد عليه حتى أنه حين شارك محسن ناصر شيبان في الاستيلاء على قاهرة حجه سنة 1338هـ كما فصلناه في حديثنا عن أخيه ناصر بن ناصر آنفاً، يقول زبارة : إن الشيخ حسين بن ناصر كان يومها متوجهاً إلى الادريسي على رأس ستمائة مقاتل من قبائله فطلب منهم محسن شيبان مناصرته ضد الإمام، فأستجابوا له وكان ما سبق تفصيله وكذلك كانت له مشاركة تحت قيادة أخيه في معركة نيسا سنة 1341هـ ولما أحتدمت المواجهة بينهم وبين الامام إنتقل الصرع إلى أرض حاشد نفسها وشهدت المواقع الحاشدية بطلها حسين بن ناصر وهو يتنقل في استبسال بين : الظاهر، السنتين، خمر، حوث، العشه، حبور، وقد إنتهت تلك المواجهة بالمصالحة بين الإمام وآل الأحمر وإنسحاب ناصر بن ناصر وقيام أخيه حسين بن ناصر خلفاً له في قيادة حاشد على يد سيف الاسلام محمد بن الإمام المتوكل محسن بن أحمد الشهاري محرم سنة 1347هـ ، ويذكر ولده الشيخ عبد الله في معلومته التي تلقيتها منه : ( وقد خرج الوالد حسين بن ناصر و السيد شيبان ومن معهم من المقاتلين من حصن القاهرة في حجه بمصالحة بينهم وبين الإمام قام بها السيد أحمد بن قاسم حميد الدين ومعه الشيخ حزام الصعر وعدد من مشائخ حاشد وغيرهم وعادوا بعدها إلى بلاد العصيمات ولم يتعرض أحد منهم للسجن لأنه لم تتم السيطرة للإمام على بلاد حاشد والعصيمات وخارف وعذر وبني صريم ومن إليهم في ذلك التار يخ ) أ . هـ .
    ويضيف الأكوع في كتابه ( الهجر ) ص819 - المجلد الثاني قائلاً :
    (فأنفرد بحكم شهارة إلى أن خرج محسن شيبان عن طاعة الامام يحيى في حجه وبعض نواحيها سنة 1338هـ بسبب إعتقال الامام يحيى أخاه يحيى بن ناصر شيبان في سجن القلعة بصنعاء وقد ساعد محسن شيبان على الخروج عن طاعة الامام الشيخ حسين بن ناصر الأحمر ومن معه من أصحابه من قبيلته حاشد الذين صادف وقوع هذه الحادثة وهم في حجه في طريقهم إلى جيزان عند ا لادريسي فأمر الإمام يحى بنهود إبنه أحمد وسرعة عزمه إلى حجه لإحتواء ذلك العصيان قبل أن يتصل محسن شيبان بالإدريسي الذي كانت قواته مرابطة على أطراف نواحي حجه الغربية فتمتد عدوى العصيان إلى مناطق أخرى تابعة لنفوذ الامام يحيى وقد تمكن أحمد بن الإمام يحيى ممن معه من القوات وبمساعدة فعاله من الشيخ يحيى بن سرحان المحجاني- أحد مشائخ خارف من حاشد ( وكان من أكبر المخلصين للإمام أحمد ويعود الفضل له في فك الحصار عنه سنة 1374هـ / 1955م لضربه بالمدفع مواقع القوات المحاصرة له بقيادة المقدم أحمد يحيى الثلائي) تمكن من الاستيلاء على حصن نعمان أحد حصني حجه من أيدي أعوان محسن شيبان وأستولوا على مافيه من أسلحة وعتاد ، وكذلك المدفع الذي قصفوا بقذائفه حصن القاهرة - حصن حجه الآخر- الذي كان فيه محسن شيبان و الشيخ حسين بن ناصر الأحمر وأتباعهما فأرغموا على قبول الصلح الذى رفضوه من قبل وخرجوا من القاهرة بأسلحتهم بأمان وهم يزملون وكان محسن شيبان في الصف الأول لقواته التي مرت بالقرب من بيت اليمني الذي كان يسكن فيه أحمد بن ا لامام يحيى فساءه ذلك التحدي من قبل محسن شيبان وأخذ بندقيته كما أخبرني محمد بن أحمد المتوكل الذي كان حاضراً هذا الموقف وصوبها تلقاء محسن شيبان لقتله وأسرع الشيخ حزام بن عبدالله الصعر فرفع فوهة البندقية إلى أعلى وقال لصاحب الترجمة : ( هي وجيه رجال ماشو لعب عيال ) ذلك لأن الشيخ الصعر كان أبرز رجال الصلح من قبل القبائل بين الإمام يحيى وبين محسن شيبان وأنتهى الأمر بسلام وأذن الإمام يحيى لإبنه بالبقاء في حجه و الياً عليها وعلى نواحيها وهدم بيت اليمني الذي سكن فيه وعمر محله ( دار سعدان ) أ. هـ.
    وقد سألت الشيخ عن المحجاني كيف أعان الامام أحمد في حجه ضد الشيخ حسين ناصر ومحسن شيبان فأجاب : ( أما سؤالكم عن موقف الشيخ الحجافي الخارفي الحاشدي الذي كان مع أصحابه مستلمين حصن نعمان في حجه اثناء الحركة التي قام بها شيبان في حجه ومعه الوالد الشيخ حسين بن ناصر وعدد من المقاتلين من العصيمات سنة 40هـ وأحتلوا حصن القاهرة وغيره في حجه فما قام به المحجاني من التصدي و المقاومة يعتبره و اجباً لأنه كان ملتزماً للامام بحماية حجه والدفاع عنها إضافة الى أن الولاء للامام في ذلك التاريخ كان يعتبر واجباً مقدساً ، وقد خرج الوالد حسين بن ناصر و السيد شيبان ومن معهم من المقاتلين من حصن القاهرة في حجه بمصالحة بينهم وبين الامام قام بها السيد أحمد بن قاسم حميد الدين ومعه الشيخ حزام بن عبد الله الصعر، وعدد من مشائخ حاشد وغيرهم وعادوا بعدها إلى بلاد العصيمات ولم يتعرض أحد منهم للسجن لأنه لم تتم السيطرة للامام على بلاد حاشد الشرق والعصيمات وخارف عذر وبني صريم ومن إليهم في ذلك التاريخ) أ. هـ.
    وبعد إنتهاء المواجهة العلنية أستمرت مرحلة التربص والحذر وأمكن للشيخ حسين أن ينعم بالاً بين أهله وأملاكه بضع سنوات ورزق خلال ذلك مولوده الأكبر حميد في ربيع أول سنة 1349هـ ثم رزق مولوده الثاني الشيخ عبد الله في شعبان سنة 1351هـ ، وقد ترعرع كالاهما في رعاية الأب وشبا شباباً قوياً مباركاً وما إن بلغ حميد التاسعه من عمره حتى دار عليه الدور ليصبح رهينه عن الأسرة لدى الامام بدلاً عن الرهينة ا لاول عمه عسكر بن ناصر بن مبخوت المتوفى رهينه ودخل الفتى حميد تلك المرحلة الصعبه بعيداً عن الاسرة في سن باكره هي أحوج ما تكون إلى رعاية الأسرة ومن سنة1358هـ حتى سنة 1362هـ ظل في سجنه يتلقى دروسه الأولى كغيره من الرهائن وقد أفرج عنه ليعود إلى الأهل ولعله حل محله إبن عمه علي بن غالب بن ناصر بن مبخوت وبالمناسبة فإن الشيخ غالب بن ناصر بن مبخوت عاش حتى أدرك الثورة وشارك في الدفاع عن الجمهورية وكانت وفاته سنة 1970 م - وسنمر بمزيد من خبره في مكانه من هذا السياق - ولما قامت ثورة 1367هـ بقيادة الامام عبد الله بن أحمد الوزير وخرج ولي العهد أحمد إلى حجه يؤلب القبائل ضد صنعاء و الثوار الذين فيها إنتقاماً لمقتل أبيه واستعادة لعرشه ، يقول الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في إيضاحاته عن أخيه حميد أنه كان موجوداً مع بعض مرافقين معه في منطقة سوق الامان لاستحصال غلول أملاكنا هناك ففوجؤا بوصول ولي العهد أحمد بن يحيى حميد الدين وهو هارب من تعز متوجه إلى حجه بعد مقتل أبيه الامام يحيى وقيام ثورة الدستور فقدم الأخ حميد ومشائخ وأعيان المنطقة للسلام على ولي العهد وما أن تعرف الامام على الأخ حميد حتى ألقى عليه القبض وأصطحبه معه إلى حجه وأودعه سجن نافع ليضمن ولاء أبيه وقبائله وقد جأت الاقدار بعد إنتصار الامام أحمد وفشل الثورة في صنعاء جأت الأقدار بزعماء الثورة من العلماء والمفكرين والقادة العسكريين والمشائخ فذهب يأخذ عنهم ويتتلمذ عليهم وكان أكثر ما يكون تعلقاً بالقاضي عبد الرحمن الإرياني والأستاذ الزعيم أحمد محمد نعمان ، وقد أحس الإمام / أحمد بخطورة بقاء حميد لديهم فعمل على تحويله من سجن إلى آخر فخرج من سجن القاهرة إلى سجن نافع ثم إلى سجن بيت عذاقه في جبل مسور، وأستغرقت تنقلاته تلك خمس سنوات من سنة 1367هـ إلى سنة 1372هـ فأفرج عنه وسمح له بالعودة إلى الأسرة للزواج ثم إستدعاه إليه إلى تعز حيث بقي معه عدة سنوات، وكان مرافقاً له في زيارته لصنعاء إستقبالاً للملك الزائر مسعود بن عبد العزيز سنة1373هـ ولما قامت حركة سنة 1955م سنة 1374هـ بقيادة المقدم أحمد يحيى الثلايا كان حميد في مقدمة أنصار الامام أحمد حتى أن الثلايا حاول إلقاء القبض عليه واعتقاله كما ذكر الأستاذ الجناحي، ولكن تدخل القاضي عبد الرحمن الإرياني حال بينهما وبين الاشتباك، وعاود حميد نشاطه في صف الإمام أحمد ولما أستتب الأمر لأحمد وقضى على الانقلاب وتوثقت العلاقة بينه وبين الملك سعود والرئيس جمال عبد الناصر إلى حد إنشاء وثيقه جده المبرمه بين اليمن و السعودية ومصر سنة 1956م كان حميد من أبرز مرافقي الإمام إلى جده ، وقد إستفاد من إقامته الطويلة بتعز واتصالاته الواسعه بمشائخ اليمن ومثقفيه و الإلمام بالأوضاع العربية مما جعله على درايه كافيه ومما هيأ له إقامة تنسيق بينه وبين مجاميع الشعب ورموزه البارزة ، هنا ننعطف إنعطافه قصيرة للتذكير بظاهرة مكرره في التاريخ اليمني خلال هذا القرن العشرين وذلك ببروز حدث مركزي يشغل عقداً كاملاً إلى جانب المظالم المزمنه و المطالب الدائمة للشعب عبر القرون ففي العقد الثلاثيني شكلت الهزيمة المهينة للقوات اليمنية أمام إبن سعود سنة 1934م ( إنتصر إبن سعود رغم ضائقة مالية و تمردين قبليين: إبن رفادة في الشمال الغربي ، و الدويش في الشمال الشرقي و التراجعات الحدودية المفرطة في الأرض ) شكلت هماً شعبياً مؤرقاً ضاعف من مواجعه الاتفاق الحدودي بين الإمام وبين الانجليز في تلك السنه ، وقد تنبه الحس الشعبي إلى هول الخسائر التي جرت اليها السياسة الضعيفة الو اهنة للامام و التفريط في السيادة الوطنية على التراب و البحار وما إن جاء العقد الأربعيني من هذا القرن العشرين أيضاً حتى رأينا تلك المواجع وافرازاتها والمظالم المزمنة و المطالب التاريخية في الاصلاح كلما تنتهي إلى إجماع شعبي حول ضرورة وجود دستور يحقق قيام دولة المؤسسات و الفصل بين السلطات مما لا عهد للإمامة به ، ولم يكن فكر الامام يحيى وفكر ولي عهده يتسع له أو يهضمه وأصبح الدستور هو الحافز المحوري لنشاط الشعب طوال العهد الأربعيني ، ثم ما إنتهت إليه الأحداث من مقتل الإمام يحيى وفشل الثورة وسقوط الدستور و المذابح الرهيبة التي أودت بأعز النفوس وأغلى الرؤوس وتحويل الشعب إلى معتقل عام للاحرار، كل تلك النوازف و المرارات أنطبعت في الحس الشعبي كتراث نضالي ورافد ثوري يهيىء لليوم الموعود يوم سبتمبر.
    وجاء العقد الخمسيني وكانت قضيته المركزية شعبيا ًورسمياً هي قضية ولاية
    العهد التي خط وثيقتها كما فصله الشامي في رياح التغيير القاضي عبد الرحمن الإرياني في رمضان 1373هـ - 1954م وعلى إثرها تفجرت التناقضات المتوارية داخل الاسرة الحاكمة ، وبرزت صراعات الأمراء علنية سافرة على الساحة وأنقسم البيت ا لحاكم إلى عبدليين هم أنصار سيف الاسلام عبد الله بن يحيى وزير الخارجية يومها والقائم بإنقلاب شعبان 1374هـ - إبريل 1955م بقيادة المقدم أحمد يحيى الثلايا والذي لم يعمر أكثر من خمسة أيام،وكان حصاده مجموعه وطنيه كريمه إنضافت إلى شعلة النضال الشعبي لتضاعف من دائرتها التي إستغرقت كل الشعب وبعد فشل العبدليين بقي على الساحة الحسينيون أنصار سيف الإسلام الحسن الذى يمثل الخط المحافظ في أقصاه ، والبدريون المنضوون تحت راية ولي العهد محمد البدر وكان أكثرهم من طلقاء حجه الذين كان للبدر عليهم منه ، ورغم صمت الإمام أحمد عن إعلان ولاية عهد إبنه إبقاء على وحدة الأسرة وإتقاء لشقاقها فإن فشل إنقلاب 1955 م وقد ذهب فيه إثنان من كبار أخوته هما: عبد الله و العباس جعله في حل من إعلان موافقته على ولاية العهد لابنه سنة 1956م وأصبح المجال مفتوحاً أمام أنصار البدر لكسب ولاء الجماهير له وأخذ البيعة منهم وعلى هذا فان موقف الشيخ حسين بن ناصر وولديه حميد وعبد الله منذ سنة 1957م وحتى سنة 1959م صار موزعاً فموقع عبد الله بن حسين ودوره القيام بشؤون الأسرة وأملاكها وشؤون القبيلة و التواصل مع قادة العمل الوطني في صنعاء وكان على رأسهم يومها القاضي عبد السلام صبرة ومع هذا فقد كان عبدالله يحل محل أبيه حسين في تعز من سنة إلى أخرى كمناوب عنه إلى جانب وجود حميد في تعز وهذا يعني أن الثلاثة ظلوا في إعتقال دائم من سنة 1347هـ سنة المصالحة إلى سنة 1379هـ سنة الاعدام ، أما موقع حميد فقد إنتقل من مرافقة الامام ، أحمد في تعز إلى بلاط ولي ا لعهد محمد البدر في صنعاء ، وكان في مقدمة رجاله وأبرز الساعين في أخذ البيعة له من القبائل إذ كان بمثابة المستشار لشؤون القبائل في بلاط البدر في حين بقي الشيخ حسين بن ناصر في بلاط أحمد بتعز تحت المراقبة الشخصية منه ورغم متابعته بالارصاد والجواسيس إلا أنه إستطاع أن يتصل بالتنظيمات الوطنية داخل تعز ويتواصل عن طريق ولده حميد في صنعاء مع العاملين هناك وقبل أن نعرض لأهم الاحداث التي مر بها في تعز ننبه إلى حدثين مستجدين هامين كان لهما شأن في النسيج العام للوقائع في تلك الايام أولها :
    إعلان الإمام أحمد في لعبة سياسية ذكية إنضمامه إلى الوحدة السورية المصرية ، وكانت تلك كما وصفها المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري الخدعة العربية الكبرى إستطاع بها الإمام أن يسكت أصوات المعارضة من قنوات الإعلام المصري ويقيد نشاطهم هناك.
    ثانيها: سفر الإمام أحمد إلى روما للعلاج سنة1959م وما أعقب ذلك من تفجرات داخلية في كبريات المدن كتعز وصنعاء مما جعل ولي العهد يقع تحت ضغط الواقع الشعبي المتفجر ومؤمرات الحسنيين وأستعداداتهم الدائمة و المتعددة ضده ولا يمكننا هنا إيراد كل ما فصله العقيد عبد القادر الخطري من أمر الجمعية الثورية الوطنية بتعز تحت توجيه وقيادة القاضي عبد الرحمن الإرياني ولا كل التحريكات و المقترحات التي رواها الكتاب عن الشيخ حسين بن ناصر وزميله النقيب قاسم بن حسن أبو رأس ، وإنما نكتفي بتلخيص أهم المحاور التي وردت فيه والكتاب كما أسلفنا يتناول نشاط الجمعية طوال سنتي 1957 م- 1958 م وخلالها كان الشيخ حسين بن ناضر ينزل في قصر صالة حيث يسكن الإمام أحمد، وكان العقيد محمد مفرح - مدير أمن القصر يومها يشغل نقطة إتصال وتعريف بين الشيخ حسين بن ناصر وأعضاء الجمعية حتى
    إستطاع الإجتماع بهم ووضع الخطط معهم وا شراك كبار مشائخ اليمن كعلي بن ناصر طريق وسنان أبو لحوم و الحباري والقيري وغيرهم بحيث أصبحت إتصالات المشائخ تشمل القبائل الشرقية في مآرب ومراد و البيضاء و القبائل الشمالية في رازح وسحار والعمالسة وآل سالم عن طريق حميد بن ناصر الأحمر، ومن أهم خططهم لإغتيال الإمام أحمد ثلاث خطط : الأولى أقر فيها المجتمعون الإتصال بالألوية العسكرية المرابطة بمدينة تعز وقد أسماها الكتاب وحدد مواقعها وعدد قواتها وحدد دورها في عملية الهجوم على صالة وتمتل دور الشيخ حسين بن ناصر والنقيب أبو رأس في إستدعاء خمسمائة مسلح من قبائلهم ليقوم حسين بن ناصر شخصياً على رأس قوة منهم بمهاجمة المدخل الرئيسي لقصر صالة ويقوم أبو رأس على رأس قوة منهم ، بمهاجمة البوابة الخلفية للقصر، وفعلاً كان إستدعاء الخمسمائة مسلح وهيأوا لهم أماكن سكناهم وأنفق عليهم الأحمر وأبو رأس من خاصة مالهما وقبيل اليوم المحدد للهجوم بساعات باغتهم الإمام أحمد بمغادرة تعز إلى الحديدة وقد أبقوا المسلحين أربعة أشهر تحسباً لعودته ثم أجازوهم إلى بلادهم.
    الخطة الثانية: هي خطة الهجوم على أحمد بمطار تعز وقد توزع أدوار الهجوم كل من الجيش و القبائل وفيهم يرد ذكر إسم فيصل الفريد من أصحاب أبو رأس لمهاجمة مدخل المطار وهو بإسمه الكامل فيصل بن عوفان من آل دمينة الذى سبق أن نوهت به في الوقفة الأولى ولكن الإمام أحمد الذي كان يتابع ما يجري بيقظة وخبرة لم يعد إلى تعز.
    الخطة الثالتة : وكانت إجرأ الخطط الثلاثة وهي أن يركب ثمانية فدائيون إحدى سيارات القصر الملكي في زي نساء ومعهم أسلحتهم مسدسات وقنابل ليهاجموا أحمد عند عودته إلى صالة داخل غرفته ، وكان من ضمن الثمانية الذين تطوعوا لتنفيذ العملية الشيخ حسين بن ناصر وقاسم أبو رأس ، وفي الساعة قبل الأخيرة من وقت التنفيذ باغتهم الإمام أحمد بإستبدال سائق السيارة المتعاون معهم بسائق أخر جديد.
    فأنت ترى كيف بلغ الحماس و الإصرارعلى قتل أحمد لدى أولئك الرجال وعلى رأسهم الشيخ حسين بن ناصر ذلك المبلغ البعيد من الفدائية و الإقتحام وبعد مغادرة أحمد لأرض اليمن إلى روما للعلاج كانت الفرصة مؤاتية للشيخ حسين بن ناصر للعودة من تعز إلى صنعاء ليلتقي بولده حميد في بلاط البدر ويواجها معاً تكتلات الحسنيين وتجمعات القبائل المتعاونة معهم و التي كانت تتابع دخولها إلى صنعاء وتبتز الأمو ال من البدر.
    ويذكر القاضي المجاهد أن الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر كان من ضمن جماعة وطنية أجتمعت في صنعاء في منزل القاضي عبد السلام صبره وإلتزمت بقتل أحمد في السخنه كما يذكر الخطري في كتابه ص 168عملية مماثلة قام بها فريق من المشائخ المتابعين في إصرار تحركات أحمد و الحريصين على قتله ، نقدم النص على ما فيه من أخطاء لغوية لنرى مدى إرتفاع الحماس الشعبي و الغضبة الوطنية يومئذ فإن السنوات الواقعة بين سنة 1956م – سنة 1962م كانت قمة الإصرار الشعبي و الإجماع الوطني على إنهاء الإمامة و التطويح بالعرش و الأسرة ، ونص الخطري لم يوضح ما إذا كان ذلك قبل أو بعد سفر أحمد إلى روما لإغفال الكتاب تحديد تاريخ الوقائع و المجريات، يقول الخطري في كتابه ( حقيقة الثورة وأسرارها) : ( بينما كانت مجموعة من المشائخ الأحرار قد وصلت صنعاء من تعز قبل فترة وجيزة من مغادرة الطاغية تعز وذلك للحمل في أوساط القبائل وحينما سمعوا بنبأ وصول الطاغية إلى السخنه أتفقوا مع الاخوان بصنعاء أعضاء اللجنة التنظيمية بصنعاء على العزم إلى السخنه للقيام بعمل فدائي وهم :
    الشيخ علي ناصر طريق ، الشيخ أحمد القيري ، الشيخ عبد الولي القيري ، الشيخ أحمد الحباري ، الشيخ جار الله القردعي ، الشيخ أحمد دويد ، الشيخ أحمد شديق ، الشيخ علي بن علي الغادر، الشيخ علي الشعبي وقد صادف وصول هؤلاء المشائخ الفدائيين للقيام بمهمتهم في حالة خروج الطاغية بمناسبة حضور الحفل الذى أقيم لمشاهدة عملية القفز المظلي من على الطائرة من طرف ضباط المظلات اليمنيين المتخرجين لأول مرة في تاريخ اليمن تشهد أبناءها وهم يمارسون عملية القفز المظلي بكل شجاعة وإقدام وأذكر أن هذه الدفعة هي دفعة الأخ الملازم عبد الله الراعي وحينما شاهد الطاغية هذا المنظر الرائع العظيم أعني قفز الضباط بالمظلات من على الطائرة وهي في أثناء طيرانها ومن على بعد شاسع بدون أي خوف أو تردد لاول مرة جن جنونه ولم يستطيع حينها أن يخفي ما في نفسه فقد كشف دخائل نفسه في تلك اللحظة وهو يخاطب بعض أنصاره الجالسين بالقرب منه بقوله : إن هؤلاء الضباط المظليون يمثلون شياطين الجن الذي يحاولون أن يسترقوا السمع من السماء فتتبعهم الشهب السماوية لتحرقهم ، وما أشبه هؤلاء بالشياطين ونحن لا نريد أن يكون في جيشنا شياطين مثل هؤلاء ونهض من مجلسه معلناً إنتهاء الحفل بالرغم من أن عملية قفز الضباط لم تنته و القفز لا يزال مستمراً وأما بالنسبة للفدائيين فقد لحظوا من على بعد بأن الطاغية أختار جلوسه على بقعة تحيط بها ثلاثة جدران من الخلف ومن اليمين و الشمال ، ولم يكن هناك أي ثغرة سوى ثغرة من الامام وقد ترتبت الحراسة على هذه الثغرة من أربعة قطارات دائرية بعضهم وراء بعض بين كل قطار وآخر عشرون خطوه قصيرة تقريباً ، بالإضافة إلى ذلك أن عبيده الخاص والذي يتراوح عددهم في حدود العشرين طوقوا عليه بشكل دائري وحاشية من الأنصار أمامهم والطاغية نفسه جعل مجلسه متوسطاً بينهم لا يكاد أن تراه العين ، علاوة على ذلك منعوا أي مواطن من الإقتراب إلى آخر قطار من الحرس على أن يكون المواطنين على بعد عشرة أمتار من القطار الأخير مما تعذر على الفدائيين الإقتراب منه وعدم رؤيته بالمرة ، حينئذ حاول أثنين من المشائخ الفدائيين أن يقوما بعملية إرباك للحراس و الحاشية علهم يتفرقوا من جانبه بينما يقوم الآخرون بالهجوم عليه وصب الرصاص على جسده فأطلقا طلقتان كل واحد منهما أطلق طلقه وصادف وقوع هذه ا لطلقتان على جانب أحد التشكيلات الدائرية للحراس ولكنها غاصت بين الرمال ولم تصب أحد بأذى وما إن شعر الطاغية بذلك حتى إختفى بين مجموعة العبيد وركب على سيارته ودخل قصره وقد أصابه الخوف و القلق وبالأخص حينما لحظ موقف الحرس الملكي فور إطلاق النار بأنه أشبه بموقف المتفرج لأنهم حين وقوع ذلك لم يلحظ منهم أي إهتمام بالمحافظة على حياته أو يحيطون به للدفاع عنه لولا أنه غاص بين مجموعة العبيد ولهذ ا تصور له بأن الحرس متواطئين مع الذين أطلقوا النار خصوصاً والحرس لم يحاولوا حتى البحث عمن أطلق النار وكأن الذي حدث شيء عادي هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تصور له أنه لم يأت إطلاق النار بالرغم من الحراسة المتشددة لو لم تكن هذه المجموعة كبيرة وواثقه من نفسها بأن تصد أي قوة تحاول أن تقوم بأي إجراء ضدها ، ولهذا لم يطمئن على بقائه في القصر أكثر من نصف ساعة منذ دخوله عقيب إطلاق النار حتى ركب على متن سيارته فجأة وغادر السخنه إلى الحديدة ومنها ركب على متن الطائرة إلى تعز) أ. هـ .
    وقد عد الجميع سفر الإمام أحمد إلى روما للعلاج بمثابة توديعه الأخير لليمن نظراً لسوء صحته وتوقع الجميع بما فيهم إبنه البدر قرب وفاته وعلل البعض أنفسهم أنه في حال ما إذا تعافى وعاد فسيكفيهم الرئيس جمال عبد الناصر أمره في مصر بإبقائه لديه هناك وهو كما تراه تعله ساذجه ما كان لجمال أو لغيره من العقلاء أن يتورط فيها ويغامر بسمعته وسمعة دولته وبلده فتصرفت القوى المختلفة في الساحة على ذلك الإعتبار فسارع البدر إلى إنشاء ما أسماه بمجلس نيابي جعل على رأسه القاضي أحمد السياغي - تمسحاً بالديمقراطية وتقرباً من الأنظمة التي يسمونها تقدمية وعمل على إستراضاء الجيش وأنفق الأموال تألفاً للقبائل وركز الحسنيون على نشاط حميد ونقلوا كل حركاته مضخمه إلى أحمد في روما وأنه أصبح يعد لإعلان الجمهورية وتصرف الرؤساء وفجأة هب أحمد مستعيداً شيئاً من عافيته متؤجهاً على الطائرة أولأ ثم على الباخرة ثانياً وفي بوابة الحديدة إلتقي إبنه الذي لا يبعد شأن الضعفاء أن يتبرأ من أخطائه ويجعل جريرتها على أنصاره وفي مقدمتهم حميد وأبوه وأعلن خطابه المهدد المتوعد وتحرك ليقبض على حميد وأبيه وقد مرت بك الخلفية الدامية لعلاقة الإمام أحمد شخصياً بآل الأحمر ورغم إتفاق القبائل على مواجهته للتخلص من الإمامة أولاً في شخص أحمد ثم في شخص إبنه البدر ثم إعلان الجمهورية فإن إجراءات أحمد العاجلة شغلت كل واحد بنفسه وتختلف المراجع في تحديد كيفية المواجهة بينه وبين حاشد وتتفق على النتيجة المتلخصة في إتجاه حميد إلى برط ثم إلى الجوف وبعد مقاومة منه للجيش الذى واجهه به عامل الجوف أحمد المهدى إستسلم في وجه الشريف الضمين وتم نقله وبعض أصحابه على طائرة إلى السخنه ثم إلى الحديدة ثم إلى حجه حيث كان إعدامه ثم إعدام والده بعده بأسبوعين في حجه وأوثق المصادر في ذلك هو الشيخ عبد الله بن حسين الذي أخبرني في إيضاحاته الخطية قائلا :

    * الشيخ / عبد الله يروي قصة الاعتقال والإعدام :

    عند خروج الجيش من صنعاء إلى حاشد لإخضاع القبائل حاول أخي حميد أن يحرض قبائل حاشد لمواجهة وصد الجيش ولما لم يفلح أصيب بخيبة أمل وتوجه مع بعض المجموعة التي كانت ملتفه حوله من مشائخ ذو محمد برط وحاشد إلى برط غير أن القبائل هناك منعتهم من طلوع جبل برط فتوجه ومجموعته صوب الجوف على أمل الخروج إلى بيحان لكن عامل الجوف السيد أحمد المهدي ألب عليه القبائل مع عساكر النظام الموجودين في المنطقة وأحاطوا به في منطقة الحميدات علو الجوف فرفض التسليم إلا إلى أيدي مشائخ دهم والشريف علي الضمين الذين أعطوه الوجيه وأخذوه إلى بيت الشريف الضمين وأبرقو للإمام أنه سلم نفسه إلى وجيههم وأن وجيههم من وجه الإمام فطلب منهم الإمام الوصول جميعاً فوصلوا كلهم إلى السخنه على متن طائرة أقلتهم من الجوف وقد التقيت به وأنا هناك وقد أرسل إلى سجن الحديدة ومكث فيها قرابة الأسبوع ثم أرسله الإمام إلى سجن نافع .
    أما الوالد الشهيد فقد واجه الجيش في مدينة حوث مركز قبيلة العصيمات اللذين كانوا ملتفين حوله للدفاع عنه بدمائهم وبيوتهم فأصر الوالد على عدم المواجهة القتالية تجنباً لإراقة الدماء و الدمار ولاطمئنانه أن الإمام لن يمسه بسوء لاسيما وقد بعث إليه البدر رسولين يحملان إليه رسالة وجه وذمة بأنه لن يمس بسوء وكان المبعوثين هما القاضي علي بن عبد الله اليدومي و الشيخ عبد الله بن يحيى بدر الدين وتوجه الوالد إلى صنعاء برفقة المبعوثين وعدد من مشائخ العصيمات حيث استضافه البدر في قصره بدار البشائر..
    أما بقية المشائخ اللذين كانوا مع الوالد من العصيمات فقد توجهوا إلى السخنة لمراجعة الإمام وقدموا له العقائر واستقبلهم في وجودي في مسجد السخنة وأمرهم بالبقاء الأمر الذي جعلهم يطمأنوا ، غير أن الإمام كان قد عقد الأمر على إعدام الوالد وحميد ولم يكن طلب بقاء المشايخ إلا من باب المناورة وتحسباً لردود الأفعال..
    وقد ظل الوالد ضيفاً على البدر في صنعاء طليقاً غير سجين ولما قرر الإمام إعدامه وولده حميد أستدعي بصورة عادية الى الحديدة فلما وصل بطائرة خاصة تم إعتقاله هناك وأرسل فوراً إلى حجة حيث أعدم حميد في صبيحة اليوم الثاني من وصول الوالد إلى سجن نافع ، وظل الوالد مسجوناً لا يعرف عن مصير إبنه شيئا وبعد إسبوعين أخرج الوالد الى باب القلعة وبلغ بأمر الإمام بإعدامه وطلبوا منه أن يوصي فسألهم عن حميد فأجابوه أنه قد أعدم فسألهم عن عبد الله فقالوا له بأنهم لايعلمون عنه شيئاً فقال: ( إذاً البقاء بعد حميد خمس دقائق كثير..) وأعدم في تلك اللحظة .
    * الشيخ/ عبد الله والإمام والسجن :
    ويتابع الشيخ تفاصيل الأحداث بعد إعتقال أخيه وأبيه وإعدامهما قائلاً : ( في أوائل عام 1379هـ وبعد عودة الإمام من روما الى الحديدة وإطلاق صرخته الكبرى كنت و الوالد و الأخ حميد ومعظم مشائخ اليمن موجودين في صنعاء مع ولي العهد الذي كان في ذلك الوقت منفتحاً على المشائخ وبصفة خاصة مع الاخ حميد الي كان يعتبر من صفوة الرجال المقربين اليه وبعد وصول الإمام الى الحديدة قرر المشائخ بعد إلتقاء الوالد وحميد بهم - قرروا النزول بوفد من المشائخ لإستقبال الإمام والسلام عليه فرفض الإمام ذلك وأبرق بعدم ترول المشائخ ولذلك فقد كلفني الوالد وحميد بالنزول لنقل رسالة تهنئة بوصوله وبقائي في مقامه بدلاً عن الوالد حسب العادة ، وقد وصلت الى مقر الإمام في السخنة فاستقبلني إستقبال حار فيه البشاشة والحفاوة فسلمت له رسالة الوالد ونقلت تحياته وتبريكاته وإعتذار الوالد عن الوصول وتقبل ذلك ورحب به وإستمريت في مقامه أحضر المقابلات و الإحتفالات الرسمية وأتواجد مع الحاشية و استمر هذا الحال قرابة الشثهرين وفجأة تغيرت أحوال الإمام فطلبني وأمرني أن أرسل إلى الوالد وحميد بالوصول الى السخنة وعلى وجه السرعة وبدأ التهديد و الوعيد بخروج الجيش على حاشد وظليت أراجع وأحاول تهدئة الوضع غير أن الجيوش تحركت على حاشد في شهر جماد الثاني من نفس العام وجرى ما جرى من الخراب و الدمار وقلع أشجار البن وإعتقال مشائخ حاشد وبعض مشائخ برط ومطاردة حميد والقبض عليه في الجوف ، وفي يوم إحدى عشر رجب عام 1379هـ أصدر الإمام أوامره بدخولي من السخنة الى الحديدة للقاء بالوالد الذي وصل من صنعاء في نفس اليوم و البقاء معه في الحديدة ، ولكن فوجئت فور وصولي الحديدة أن الوالد وحميد قد رُحِّلُوا إلى حجة وتم إعتقالي في المكان الذي كان فيه حميد وبعد إحدى عشر يوماً تم نقلي من القلعة من سجن الحديدة إلى حبس المحابشة الذي ظللت فيه ثلاث سنوات حتى قيام الثورة ..
    ويذكر صاحب كتاب ( هجر العلم ومعاقله في اليمن ) أسماء المواقع من أملاك الأحمر التي تعرضت للخراب من قبل جيشي الإمام في حبور وبني موهب وسنجر جهة حجه ، وكان لمقتل الشهيدين حميد وأبيه وقع كارثي رهيب خاصة في نفوس عارفيهما ، ويصور النص التالي من كتاب الخطري ما وقع بين الامام أحمد والشيخ علي جابر أبو شوصا من مشائخ حاشد من مشادة بشأنهما ، وهي لعمرو الله من صور الوفاء النادر من الأحياء للأموات بعد رحيلهم :
    ( ومن الجدير بالذكر أنه حينما هرعت مجموعة كبيرة من المشائخ إلى الطاغية بالمسخنه للمراجعة على إطلاق سراح الشيخ حسين بن ناصر الأحمر من
    السجن عمد الطاغية إلى إستخدام سلاحه القديم ذات العبارات العنصرية وقد أطلق هذه العبارات إلى وجوه هؤلاء المشائخ بدون خجل أو ذرة من حياء حيث قال وهو يقد اللهجه القبلية : هل يرضيكم يا قبائلنا أن يعمل حسين ابن ناصر وابنه حميد على طرد جميع الأسر العدنانية من اليمن ويشردوهم من أرضهم وديارهم ويجعلوهم كلاجئي فلسطين .
    أنا داعي لكم مدعى القبيلة مدعى حاشد وبكيل ومذحج فرد عليه الشيخ أبو شوصا بقوله : و الله ما علمنا عليهما بسوء من مثل هذا وما هذه إلا وشايه مغرض لئيم وحاقد زنيم أرا د بها الإنتقام من حسين بن ناصر وولده وما تلك يا مولاي سجايا حسين بن ناصر ولا سجايا أحد من أبناء هذا الشعب فلا تصدق مثل هذه الأقاويل المفترى بها ، فحاول الطاغية أن يؤكد كلامه بطريقة المغالطة و التموية ، فقال : كيف في تجادل الحقيقة وبيدى ما يثبت صحة ذلك بهذه الوثيقة مشيراً إلى ورقة مطوية بيده عليها توقيعات من المواطنين تشهد لشخص بأنه فقير متربة يستحق العطف عليه بالصدقة من خزينة الدولة وحينما قال الشيخ أبو شوصا رداً على الطاغية : أرنا يا مولاي هذه الوثيقة التي تزعم بأنها تثبت ذلمك فأشار الطاغية إلى تلك ا لورقة المطوية القابض عليها بيده وقال ها هي الوثيقة ، ولكن صاحب الورقة كان واقفاً مع مجموعة المشائخ فقاطع الطاغية في كلامه بقوله : هذه يا مولاي هي ورقتي موقعة من بعض المواطنين الذين يعرفون حقيقة فقري وقد رجوت فيها تقرير الصدقة لي ولأولادي فلم يسع الطاغية أمام هذه الفضيحة الكبرى في حضور مجموعة المشائخ إلا أن يوجه كلامه إلى الشيخ أبو شوصا بقوله : لا تحاول الإلحاح في إطلاق حسين بن ناصر وولده حميد فالباقي وجه الله فحملق أبو شوصا بعينيه إلى الطاغية ورفع صوته غاضاً وقال بلهجته البدوية البريئة : إعقل يا جني لك الجن تشلك ، حسين بن ناصر وولده في رأسك فخاف الطاغية أن يتطور الكلام ويحدث ما لا يحمد عقباه فأرتد من باب قصره راجعاً إلى الداخل ، وحينما دخل أرسل أحد ا لخدم يستدعي إليه الشيخ أبو شوصا وكان الوقت حينئذ الساعة الواحدة ظهراً أوان وجبة الغداء ، وما إن وصل حتى أستقبله الطاغية ببشاش وقال له : أجلس هنا فأنت ضيف الإمام اليوم ، وقد قام الطاغية بتدبير كل شيء قبل وصول الضيف وبعد لحظات من جلوس الضيف دخل الخادم وأشار إلى الطاغية بأن السفرة جاهزة فنهض وأشار إلى الضيف بالنهوض وتقدم الإثنان إلى مكان السفره وقد تكونت السفره من عدة صحون ذات لونين بعضها باللون الأخضر الغامق والبعض الأخر باللون الأبيض الخالص ، وقد صنعت هذه الصحون على نمط خاص فقد كانت الصحون ذات اللون الأبيض أمام مجلس الطاغية أحمد والأخرى ذات اللون الأخضر الغامق فقد كانت أمام مجلس الضيف وقبل أن تمتد الأيدي بدأ الطاغية في تمهيده للضيف بقوله إنه ممنوع من الوجبات الدسمه والمطبوخ بالتوابل وأنه لا يأكل إلا مسلوقاً حسب قرار الأطباء ، ثم أشار له بأن يتناول من الصحون التي أمامه وكان السم المدسوس على الضيف من نوع خاص لا يشعر به المرء إلا بعد أن يتناوله بحوالي ساعه ، هذا وقد تناول الضيف وجبته المسمومة دون أن يشعر حينها بشيء ما، وما إن أتم الضيف وجبته حتى أشار إليه الطاغية بأن يذهب للمقيل في محله وأنه سوف يستدعيه في الغد للتفاهم من أجل حسين بن ناصر وولده فتوجه الضيف إلى محله الساكن فيه للمقيل ، ولم تغرب شمس يومذاك حتى ووري الشيخ أبو شوصا في مقره الأخير) .
    وكان من أصداء تلك الفاجعة أن ظهرت الرواية التاريخية الوحيدة للمجاهد الشهيد الزبيري بعنوان ( مأساة واق الواق ).

    * إضافة قيَّمة للأستاذ / عبد الملك الطيب :​


    ورغبة في تجلية ذلك الحدث الهام والحاسم في تاريخ الإمامة وما ترتب عليه من التمهيد الناجح لقيام الجمهورية فقد وجهت بعض إستفسارات إلى الأستاذ المطلع و المعايش و المعروف بالرصانة و الموضوعية الاستاذ : عبد الملك الطيب فأجاب بنص ضاف رأيت إثباته بكامله لأهميته التاريخية أولاً وللفائدة الأدبية ثانياً وكان في مقدمة رسالتي إليه إستفسار عما إذ ا كان وهو سفير اليمن في باكستان قد تأثر بأشذاء الثلاثي الشعرى الكبير: إقبال - الأميري – الزبيري ، فصار شاعراً فوق أنه الناثر المجيد و الخطيب البارع ، كما طلبت منه نبذة عن حياته فأجاب :
    ( إستلمت مكتوبك من الأخ الحبيب علي عبد الله الواسعي وأحسن ا لله إليك فقد كنت صاحب الفضل بالمبادأة وليست الأولى وأنا رغم تقصيري فقد بحثت عنك في صنعاء في الفترة التي كنت موجوداً فيها قبل سبعة أشهر وأستغربت وأصابني ما يصيب من الدهشه من يبحث عن عزيز عليه ، وأنا والله أحبك في الله وأشتاق لرؤيتك والجلوس معك ، نسأل الله أن يهبنا الطمأنينة في الدارين ، أخي الكريم: وأما ما أشتملت عليه رسالتك من سؤالات ونحو ذلك فإليك جوابها:
    1 – أنا مولود في سنة 1348هـ في النادرة من لواء إب.
    2 – لم أتعلم في ا لأزهر وءإنما تعلصت في مساجد ردع و المدرممة العلمية والسجن.
    3 – وددت أني تأثرت بالزبيري والأميري وإقبال ، وذلك ما لم يحدث وأرجو أن أكون قد إلتقيت معهم كما يلتقي المؤمنون على التأثر محاولة الإقتداء بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    4- أما الشعر فلست شاعراً ، وإن كنت قد نظمت شيئاً قليلاً منه.
    5- حميد بن حسين الأحمر رحمه الله فهو شهيد حقاً كماعلمت إلتقيت به في حجه وهو شاب واع محنك جمع بين ثقافة القبائل وثقافة الطبقة السياسية من المدنيين وتأثر بدعوة الأحرار وأفكارهم من خلال تردده على حجه ومدن اليمن الكبرى وتتلمذ مع بعض الشباب على يد الزعيم أحمد محمد نعمان ورفاقه وكان كمعظم الشباب الناضج تحز في نفسه أحوال البلاد ويتوق إلى حياة أفضل علماً وعمرانً واجتماعياً واقتصادياً .
    6- أما إستفساركم عن لماذا لم تقاتل حاشد جنود الإمام؟ فالأسباب متعددة وأهمها ما يلي:-
    أ- أنه كان هناك إعداد لثورة شعبية واسعة تبدأ في صفوف بعض القبائل فكشفت هذه الثورة قبل أن تصل مراحلها الأخيرة وعادة أن مثل هذا يؤدي إلى الفشل في معظم الحالات في التاريخ .
    ب- إن القبائل اليمنية ما كانت تملك سلاحاً يمكنها من مواجهة الحكومة فحاشدما كان يوجد فيها كلها إلا نحو مائة بندقية على الأكثر مع بعض المشائخ والمائة البندقية بلا ذخيرة كافية .
    جـ- إن الإمام وجه على حاشد جيشين جيشاً من صنعاء وجيشاً من حجه ومعظم الذين يتحدثون عن هذه الفترة لا يعرفون إلا الجيش القادم من صنعاء بينما الجيش الأقوى والأهم هو القادم من حجه وهو من رجال الأهنوم وحجور جيران حاشد من الغرب ، وتولى الإمام أحمد بنفسه توجيه حركة هذا الجيش خطوة بخطوة ومركزاً مركزاً حتى دخل مدينة حبور والقفله من الغرب.
    د- والإمام أحمد رجل حرب من الطراز الأول وقد بدأ الحرب على حاشد وبيت الأحمر بوجه خاص بإرهاب أنصارهم في لواء حجه فأمر بقطع أشجار البن وهدم بيوت الأحمر في نواحي حجه وكحلان ومبين والشغادرة ونجره وأظن وبني العوام وبهذا نشر الرعب في المناطق الشمالية.
    هـ- وإخواننا أحرار صنعاء معظمهم لا يعرفون هذا إنما يعرفون أن جيشاً توجه من صنعاء ضد حاشد وأن بعضهم إتصل بقائد الجيش وأتفق معه على أن ينحاز إلي حاشد إذا وجد مقاومة وهذا كلام لا يمكن تطبيقه على الواقع لأسباب كثيرة يطول شرحها.
    و- وتحالف بعض القبائل اليمنية مع حاشد من أجل ثورة عامة في ذلك التاريخ كان معروفاً وشائعاً عند جميع الناس وبخاصة بعض القادة السياسيين وفي مقدمتهم القاضي عبد السلام صبره والقاضي عبد الرحمن الإرياني الذي كان صديقاً حميماً للشيخ حسين بن ناصر وولديه حميد وعبد الله.
    فهذا موجز لعلمكم .
    و الله المسئول أن يزيدك توفيقاً ونجاحاً.
    وسلام عليكم ورحمته وبركاته...
    أخوكم / عبد الملك الطيب

    15 / محرم /1417هـ


    الوقفة الرابعة
    مع سبتمبر من السفوح إلى القمم


    كـم شهيد من ثرى قبر يطـل * ليرى ما قد سقى بالـــــدم غرســـــه
    ويرى الهامات منا كيف تعلو * في ضحى اليوم الذي أشرق شمسه
    من النشيد الوطني
    للشاعر: عبد الله عبد الوهاب نعمان​

    يأتي يوم السادس والعشرين من سبتمبر 1962 م ربيع الثاني 1382 هـ يوماً خالداً بحق ومتميزاً بالأهمية التحويلية البالغة ، ولليمن على إمتداد تاريخه أيام لم تلد مثلها أم الزمن أولها يوم دخول بلقيس وقومها إسلامهم مع سليمان لله رب العالمين ، ثانيها : توحيد أسعد الكامل ملك يكرب للجزيرة ثالثها : يوم تحرير سيف بن ذي يزن بلاده من الأحباش.
    رابعها : مجيئ الإسلام الذي جمع اليمن بعد شتات وأعزه بعد هوان وتمر ثلاثة عشر قرناً بعده عانت اليمن خلالها تمزقاً ومتاعب فكان يوم الخميس الأغر المحجل يوم سبتمبر الذي جاءت منه وتربت على عينيه أيام متميزة منها : الرابع عشر من أكتوبر سنة 1963 م ضد الإنجليز ويوم الثلاثين من نوفمبر 1967 م يوم الجلاء ثم كان عيد الأعياد الثاني والعشرين من مايو 1990 م ليحقق إعادة الوحدة وما الوحدة والجمهورية والثورة بالغايات المقصودة لذاتها ولكنها محطات إرتحال شطر اليوم السعيد الذي يتحقق فيه لأبناء اليمن إرتفاع علم الإيمان وإنتشار حقيقة العدل بكل أقسامه لكل أبناء الشعب وقيام مجتمع الفضيلة والتراحم والعمل والنظام والتنمية ، ولقد كانت سعادة جيل المعاناة الذي شهد المنعطف بالأمة وأسقامه وتضحياته حين سمع من صنعاء إعلان قيام الجمهورية سعادة ليس لها في قاموس اللغة ما يؤدي ما روعتها ولا ما يصف حلاوتها ، وألتقت كل صفوف الشعب وكل فئاته وقبائله ومدنييه تحت راية الجمهورية في يومها الأول ولو قدر لتلك الجمهورية الإدارة الحكيمة و القوة الرادعة لما سال ما سال من دماء ولكنها ضريبة التحول العظيم ذلك الذي قدمته اليمن من الأرواح و الخسائر و المعاناة طوال ثماني سنوات ، ولقد شهد التاريخ اليمني خلالها وهي تغالب التيار الناتج عن قيام نظام يخالف مألوف الجزيرة وعزز من ضراوة الصراع تدخل أطراف أجنبيه بكل الألوان ومختلف الأسلحة وسيذكر التاريخ يإعزاز بالغ لليمن موقفها الصادق من أجل الجمهورية وثباتها الجريء في غمرات الطوفان حتى إنتصرت وأستقرت جمهوريتها على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين.
    وتحققت وحدتها ، وان يفرح اليمنيون بفجرهم السبتمبري العظيم فإنها فرحة تتفاوت بحسب أحوال أصحابها ، وإن سجيناً فقد أعز أقاربه وأحب أحبابه في مذبح الإعداد لإقتلاع الإمامة وقيام الجمهورية وشهد منازله تهدم وأملاكه تدمر ومحاصيلها تصادر ويرزح فوق ذلك من سجن إلى سجن ثلاث سنوات لهو المولود الجديد في أحضان سبتمبر الذي أصبح بحق أباه وأخاه وميدان إنطلاقته بقبيلته وشعبه إلى آفاق الحرية و العدل و الرخاء وقد أثرت إيراد نص الشيخ عبد الله وهو يقص مشاعره في ذلك اليوم العظيم وما قام به من واجب منذ الساعات الأولى بإعتباره الأقدر والأجدر باداء مدلوله العظيم.

    * الرجل الذي أحبه الحرم والهرم:​


    مر بنا أن الشيخ ناصر بن ناصر الأحمر- كان أول شيخ يمني رفع راية المقاومة في وجه الإمام يحيى وإبنائه وأستقر مقيماً بأبها حتى الوفاة ، ومر بنا أن أخاه الشيخ حسين بن ناصر كان آخر رأس كبير من رؤوس اليمن حصده سيف الإمام أحمد ومر بنا أيضاً أن الشيخ حسين ثم ولديه حميد وعبد الله لبثوا من سنة 1374 هـ وحتى سنة 1379هـ في شبه إعتقال دائم أولاً لدى الإمام يحى في صنعاء ثم في تعز لدى الإمام أحمد ، وقد أفادهم ذلك العناء زاداً نضالياً ضخماً إذ تأصلت روح المقاومة و الرفض للإمامة من الجذور وأمكن لهم الإلتقاء بوجوه الشعب ورجالاته من مختلف الشرائح وأكتسبوا معرفة أكثر بالدائرتين العربية والإسلامية و إطلاعاً على حقيقة العصر و؟اذا كانت المرحلة هي التي تكتشف بطلها فأن إتصال المشير السلال عصر اليوم الأول للثورة بسجين المحابشة عبد الله بن حسين الأحمر كان غاية في التوفيق والسداد وتسليماً للراية إلى صاحبها فهب السجين فور وصول تلك الإشارة يعانق سبتمبر وينطلق به من مقر القيادة العليا للجيش إلى أرياف الشمال وجباله مضطلعاً مع رجاله بمطاردة البدر في أوكاره التقليدية حجه وشحه ثم مواجهة التدخل العسكري الذي إستهدف بشراسة وكثافة وفي إصرار وتركيز ضار محافظتي حجه وصعده ، وإستمر الرجل يحمل الراية هناك من سنة 1962م وحتى عام إعتراف السعودية سنة 1970م فأحبه الهرم في مصر لمواقفه وقبائله الرائعه، وضاعف الحرم إحترامه لتلك البطولة التي تصدت وبإخلاص وتفان لكل التيارات حتى إنتصرت وبرزت الميزة البارزة في حيإة الرجل الشيخ التي ما أحسب يمنياً ينافسه فيها، تلكم هي إنعقاد الإجماع الشعبي عليه داخلياً وحصوله على ثقة الأضداد عربياً فكان محل إحترام وثقه كلا الرجلين جمال وفيصل وأستقامت مكانته المتقدمة أمام كل الصفوف وفي كل الأحوال وفي السطور ا لتالية نصغي إلى الرجل وهو يقص في تواضع وإختصار شيئاً من خبره منذ الفجر السبتمبري الفريد:
    في الساعة الثامنة من صبيحة يوم الخميس (26 سبتمبر) 1962 م خرجت من السجن في المحابشه مع أولاد العامل للفسحة والدورة وعند مرورنا بالقرب من بيت السيد محمد بن إبراهيم جحاف الذي لايبعد عن عن السجن أكثر من مأتي متر سمعنا من الراديو التابع لبيت جحاف موسيقى عسكرية وأناشيد فاتجهنا الى بيت جحاف ودخلنا المنزل واذا بالراديو يبث بيانات الثورة فعدنا الى دار الحكومة ودخلنا مكتب عامل القضاء ووجدنا العامل و الحاكم وكبار المواطنين وقعدت معهم وكان لديهم راديو يستمعون اليه وأقنعت الجميع بإرسال برقية تأييد للثورة ففعلوا وبعد ذلك توافد الى مقر الحكومة أعداد من المشائخ والوجهاء حيث ألقيت فيهم خطاباً عن الثورة لإقناعهم وضرورة تأييدها ولم أجد معترضاً إلا السيد أحمد علي الخزان الذي ما قال: (( والله إنها علوية حتى تقوم الساعة)) وكذا الشيخ علي عبدالله هبة ( شيخ منطقة شمسان المحابشة ) والذي كان مديراً لسجني الذي قال: (( إن الإذاعة هي إذاعة صوت العرب وليست إذاعة صنعاء..)) وأقسم أن لا يتديول إبن موزع البريد في مصر على قبائل حاشد وبكيل (يقصد عبد الناصر) ثم إنتقلت الى الكاوش حق العسكر والذي يوجد فيه بلك من النظام الأسكي، و الذي يوجد فيه أكثر من مائة عسكري مع أمير البلك وضباطه وألقيت فيهم محاضرة عن الثورة وواجبهم نحوها وبعد عصر ذلك اليوم المجيد وأنا مقيل في غرفتي في الحبس مع الشيخ علي عبدالله هبة الذي هو مدير السجن ومجموعة من أصحابه وصلت برقية من المشير السلال إلى عامل قضاء المحابشة ( محمد بن علي عبد الله جحاف) بإطلاقي والزامي بسرعة الوصول الى صنعاء فأحالها العامل الى مدير السجن الشيخ علي عبد الله هبة فلما قرأها هبة قال: (( من هو السلال ومن يقولوا له ؟ أريد إطلاق من الإمام البدر أو من سيدي حمود نائب الإمام في حجة )) فقلت له: (( يا شيخ علي لقد قضيت عندك ثلاث سنوات ولم أجد منك الا التقدير والإحترام فلا تغير ما بيني وبينك من الود والصورة الطيبة
    عنك لدي فأنا متوجه الصباح الى صنعاء سواء جاء إطلاقي أو لم يأت فقد جاء الإطلاق من ا لسماء..) فلما سمع مني ذلك قال: (( قضيت عندي ثلاث سنوات محبوس وغداً أنت ضيف عندي في بيتي لأن السفر غداة الجمعة ثقيل وبعد الصلاة و الغداء إتوكل على الله..))
    وعلى إثر ذلك خرج الى بيته للإعداد للغداء فقمت بتجهيز نفسي للسفرواستدعيت المجموعة المستلمة للحبس من أصحاب الشيخ هبة وأبلغتهم أني مسافر صباحاً الى صنعاء وأنه من يريد ا لسفر معي فليجهز نفسه فأجابوا بالإستعداد والقبول وفي منتصف الليل كنت أستمع الى إذاعة لندن بواسطة الراديو الذي عندي وبجانبي الأستاذ ناجي مانع أحد موظفي الصحة في المحابشة إذ ا بالإذاعة تقول: ((إن الإمام البدر المخلوع تمكن من الخروج من تحت الأنقاظ و اتجه الى جبال حجة المنيعة وأن ا لأمير الحسن بن يحيى حميد الدين توجه من أمريكا الى السعودية للخروج الى اليمن لمحاربة الثورة و استمعت الى ذلك وأنا في مرقدي مستلقياً فظن الأخ ناجي مانع أنني نائم فقام وهز رأسي بقوة وقال قم و اسمع ما يقولون فقلت له قد سمعت فقال لنتحرك الآن فلو سمع مشائخ الشرفين قضاء المحابشة بذلك لألقوا القبض عليك وسلموك هدية للبدر فأخبرته أنه لا يوجد راديو هات لأهل الشرف ولا نسافر إلا الصباح حتى ولو أحاطوا بنا.. وبعد صلاة الفجر توجهنا ومعي أصحاب إبن هبة عساكر السجن و الحاج مانع و الأخ يحيى عبد الله جحاف و الاخ عبد الوهاب الشهاري وأعطاني العامل بغلته للركوب عليها وحمل أمتعتي واتجهنا صوب عبس حيث وصلنا هناك ظهر الجمعة و اتجهنا الى شفر خارج عبس وذلك عند الحاج إبراهيم زين الذي كان يستورد القات من المحابشة ولنا به معرفة واستضافنا للغداء وكان وقوفنا هناك تحسباً وحذراً حتى نتعرف على موقف المسئولين والعساكر في المنطقة وقد أرسلنا ناجي مانع الى المدينة والمركز للإستطلاع وما إن علم مشائخ عبس وأصحابهم بوجودنا في شفر حتى خرجوا عن بكرة أبيهم الى شفر الذي لا يبعد عن عبس إلا حوالي كيلومتر واحد .
    وأخذونا جميعاً في ظل الترحاب الى منزل كبير مشائخ عبس الشيخ ابراهيم محجب ثواب في مدينة عبس وأحاطونا بالحفاوة وكرم الضيافة والتصفيق، وأُلقيت الكلمات التي رحبت بنا و المؤيدة للثورة ثم تحركنا من عبس منتصف الليل متجهين الى الحديدة على سيارة إيجار- بثمانين ريال فرانصى- وقد تعطلت السيارة علينا بالقرب من مدينة الزيدية ونزلنا ضيوفاً على القاضي علي بن إسحاق البشاري- رحمه الله- وتغدينا وبحث لنا عن سيارة أخرى نقلتنا الى الحديدة ووصلنا الحديدة قبل غروب شمس يوم السبت 28/9/1962 م حيث التقينا صدفة بمظاهرة شبابية وهم يهتفون بالثورة وبحياة الشهيد حميد الأحمر ووالده وكان يقود تلك المظاهرة عبد الله الصيقل واتجهنا رأساً الى مقر القيادة حيث كان في استقبالنا العميد الشهيد محمد الرعيني مع عدد من المسؤلين ووصلت المظاهرة الى القيادة حيث استقبلناهم ثم أخذونا الى نادي المنتزه وأقيم هناك مهرجان خطابي إحتفاء بنا، وقد القيت فيهم كلمة حماسية ثم انتقلنا بعدها الى حفلة العشاء التي أقامها لنا عرايف الجيش البراني من مشائخ حاشد وبكيل ، وفي صباح الأحد 29/9/1962 م توجهنا الى صنعاء بالسيارة حيث وصلنا صنعاء عصراً.
    وأتجهنا إلى مجلس قيادة الثورة بالعرضي حيث كان في إستقبالنا المشير السلال وعدد من أعضاء قيادة ا لثورة و المسؤولين من عسكريين ومدنيين وما أن تبادلنا كلمات التهني و الترحاب حتى طلب مني المشير السلال سرعة التوجه إلى المناطق الشمالية الغربية لمطاردة البدر و القبض عليه ويومئذ إلتقى الشيخ عبد الله ولا ول مرة حادي الثورة محمد محمود الزبيري، ولنا معهما وقفه مستقله في مكانه من السياق ويواصل الشيخ ذكرياته عن حملاته العسكرية مع قبائله في ملاحقة البدر وتأمين أطراف البلاد من التسلل الخارجي :
    وفي صبيحة اليوم الثاني من وصولنا إلى صنعاء وهو يوم الإثنين 30/9/1962م غادرنا صنعاء متجهين إلى خمر ومعي عدد كبير من مشائخ ووجهاء حاشد الذين كانوا موجودين في العاصمة بما فيهم الشيخ هادي مسعد عيطان الذي كان مختبئاً في إحدى المنازل في صنعاء لأنه كان خائفاً بسبب بعض ممارساته مع الإمام ، وتوقفنا بعض الوقت في مدينة ريده حيت كان في أستقبالنا أعداد كبيرة من مشائخ ورجال حاشد وغيرهم وأستضافونا للعشاء وبعد تناول العشاء تحركنا إلى خمر وبتنا فيها وفي صبيحة اليوم الثاني توافدت علينا قبائل حاشد بالألآف ومن كل حدب وصوب وصلوا بأهازيجهم وزواملهم مهنئين ومعبرين عن فرحتهم وأستبشارهم بوصولي بينهم وكانت اللقاءات كافة مؤثرة للغاية ومعبرة أشد التعبير عن الفرحة العظيمة بوصولي اليهم بعد المعاناة الطويله و القتل و التنكيل الذي حل بنا وتجلت العواطف الأبوية و الأخوية الصادقة في اسمى معانيها حيث كان كبار السن ينهجون بالبكاء من شدة الفرح وبعد ظهر يوم الثلاثاء توجهنا إلى مدينة حوث وتوجهت بعدنا الألآف من قبائل خارف وبني صريم و الذين كانوا يملكون السلاح سيراً على الأقدام كالسيل الجرار وقد أمسينا في حوث حيث أستقبلنا هناك قبائل العصيمات وبني صريم الأسفلين ، وتوجهنا صباح الأربعاء في جيش جرار إلى القفله وفي الطريق توقفنا بالقرب من القفله حيث كان فيها تجمعاً من عذر و الأهنوم وموظفي الإمام في القفله وشهارة مؤيدين للبدر وكانوا مترسين إستعداداً للمواجهة وفي الليل بعثنا إليهم بعض المشائخ من العصيمات لإقناعهم بالدخول فيما دخلت فيه قبائل حاشد الأخرى وما أن أقتربنا من مدينة القفله صباح الخميس حتى باشرونا بالحرب لأنه كان يوجد في حصن القفله أسلحة وذخيرة نهبوها وواجهونا بها وكان كل من الفريقين على مرمى من الآخر فأقتحمهما من كان معنا من الرجال ودخلوها عنوه وفر من كان فيها يجرون أذيال الخيبة والهزيمة .
    وفي صباح يوم الجمعة اليوم التاسع لقيام الثورة ، عاد إلينا مشائخ عذر للاعتذار وإعلان الولاء والطاعة ما عدا الشيخ فايد الدوحمي - ومن تبعه فقد واصلوا تمردهم إلى مناطق الحدود الغربية مع السعودية ، وقد أقرينا القفلة مركز تجمع وانطلاق وفي اليوم الثاني جهزنا عدداً كبيراً من المقاتلين للتوجه إلى وشحه لمطاردة البدر المخلوع حيث دخل المقاتلون حصن وشحه بالحرب وكان يوجد فيه عامل الإمام السيد أحمد عبد الكريم وعسكره وتم إلقاء القبض عليه وأرسل إلى صنعاء أما الإمام البدر فقد فر من حصن وشحه قبل أقتحام الجيش الجمهورى للحصن بساعات ، ومنها توجه إلى الحدود مع المملكة ، حيث أتخذ له مقراً من منطقة الملاحيظ اليمنية، وتجمعت حوله أعداد كبيرة من قبائل عذر وحجور والأهنوم وخولان عامر وغيرهم وإلى هناك وصله الدعم الكبير بالسلاح وغيره فوزع السلاح بين القبائل وبعد حصولهم على السلاح عادوا لمحاربة النظام الجمهوري في مناطقهم ، أما نحن فقد أستمرينا في مركز القيادة فى القفله وأستمرت المعارك دفاعاً عن الثورة والنظام الجمهوري ومن أجل أخضاع المتمردين ومحاولة السيطرة على أكبرعدد من المناطق في تلك الجهات ولم يقتصر دورنا ودور قبائل حاشد على الدفاع عن الجمهورية في هذه الجبهة بل شمل الدفاع عن مدينة صعده وتأمين الطرق إليها حيث كانت تتعرض بين الحين والآخر لقطع الطريق من قبائل سفيان وغيرهم من المناوئين للثورة.
    كما تحملنا مسئولية الحفاظ على حجه وعلى الطرق المودية إليها وخضنا معارك في عدة جبهات في المناطق المجاورة ومع القبائل الذين يقومون بقطع الطرقات ومحاصرتها لأن التركيز على حجه من قبل الملكيين كان على أشده لأنهم كانوا يراهنون على إسقاطها بأعتبارها مركز النصر بالنسبة إليهم .
    كما قمنا بتجهيز جيوش من حاشد لفتح الطرق المؤدية إلى صنعاء مثل طريق الحديدة - صنعاء وطريق صنعاء- تعز وطريق صنعاء- عمران - صعده مرات عديدة أضافة إلى قيادة المعارك ضد القبائل المجاورة لحاشد من كل الإتجاهات فقد كان بيت حميد الدين يفتحون الجبهات ضد حاشد من أجل شغلهم عن المحافظة على النظام في حجه وصعده.) أ. هـ .
    و المطلع يلحظ في كل هذا النص إختصاراً لكثير من مجريات سنوا ت النضال الثمان مما لا تزال تفاصيله حتى اليوم متواريه من مثل عدد الشهداء الذين سقطوا والجرحى والمشوهين ومن مثل وقائع المؤتمرات الشعبية وفي مقدمتها مؤتمرا عمران وخمر، ومن مثل وقائع زيارة الرئيس جمال لليمن سنة 1964 م وقد كان الشيخ يومها مشغولاً بالمواجهة في حجه وتوابعها ومن مثل مواقف القوات المصرية بين رجال صادقين ضحوا بالأرواح وعانوا من الجراح وبين آخرين عابثين أساءوا العلاقة بين الشعبين وكانوا سبباً لتوسيع دائرة الحرب وإرهاب الشعب وإرهاق الميزانية المصرية إشباعاً لإطماع بعضهم وخدمة قدمها البعض ضد رئيسهم وشعبهم في مصر إرضاءاً لسادة الكرملين الذين لم يكونوا مخلصين في صداقتهم لجمال وإنما كانوا يستغلون جماهيريته ليدفعوا بشياطينهم الحمر داخل نظامه وفي البقاع المتأثرة به ويطول بنا تفصيل النقاط التى أختصرها النص من مثل حالة إغتيال أمين عام حزب الله محمد محمود الزبيري ووثيقة الطائف ووثيقة جده ومؤتمر حرض ثم إعتقال حكومة اليمن في السجن الحربي بالقاهرة سنة 1966م وقيام الشيخ في تلك الفترة العصيبة بإحتضان المجاميع الجمهورية عسكرية ومدنية وقبلية في خمر التي أصبحت ملاذاً للمطاردين من إرهاب صنعاء ولم تنته تلك الفترة إلا بعد كارثة خمسة يونيو 1967 م وعودة المعتقلين من مصر ورحيل القوات المصرية إلى بلادها وتسليم مو اقعها إلى الشيخ وقبائله وإلى جانبه الباسل البطل العميد مجاهد أبو شوا رب ومجيء حكومة نوفمبر برئاسة الإرياني وتفاصيل كل ذلك في وقفه قريبه.

    * لقطات ميدانية.. دفاعاً عن الجمهـورية :

    أعلنت الجمهورية كبديل شعبي للمملكة المتوكلية اليمنية في شطر من أشطار اليمن الموزعة جنوباً وشرقاً تحت الإحتلال الإنجليزي وقطاعاً واسعاً من الشمال ظل محل نزاع بين اليمن وجيرانه السعوديين .
    وكان من طبيعة هذين النظامين رفض أي بديل لما هو قائم فقد روى القاضي عبد الرحمن الإرياني في كتابه الصادر عن مركز الدراسات أنه رأس وفد الحج اليمني سنة 1379هـ وإلتقى ولي العهد يومها فيصل وبعد إستعراض ما يجري في اليمن وما يرجوه المصلحون من أبنائه أبدى لأمير فيصل تعاطفه بشرطين أثنين:
    عدم تغيير طبيعة النظام وعدم الإستعانة بأي قوة أجنبيه و كان لزاماً على ثوار سبتمبر قبل تفجير الحدث أن ينقضوا كلا الشرطين في وقت البعض ضد رئيسهم وشعبهم في مصر إرضاءاً لسادة الكرملين الذين لم يكونوا مخلصين في صداقتهم لجمال وإنما كانوا يستغلون جماهيريته ليدفعوا بشياطينهم الحمر داخل نظامه وفي البقاع المتأثرة به ويطول بنا تفصيل النقاط التى أختصرها النص من مثل حالة إغتيال أمين عام حزب الله محمد محمود الزبيري ووثيقة الطائف ووثيقة جده ومؤتمر حرض ثم إعتقال حكومة اليمن في السجن الحربي بالقاهرة سنة 1966م وقيام الشيخ في تلك الفترة العصيبة بإحتضان المجاميع الجمهورية عسكرية ومدنية وقبلية في خمر التي أصبحت ملاذاً للمطاردين من إرهاب صنعاء ولم تنته تلك الفترة إلا بعد كارثة خمسة يونيو 1967 م وعودة المعتقلين من مصر ورحيل القوات المصرية إلى بلادها وتسليم مو اقعها إلى الشيخ وقبائله وإلى جانبه الباسل البطل العميد مجاهد أبو شوا رب ومجيء حكومة نوفمبر برئاسة الإرياني وتفاصيل كل ذلك في وقفه قريبه.
    ذلك أن الإمامة كأسلوب حكم مختلف عصرياً ومناقض دينياً لحصره حق الحكم في يد أسرة كوصية دائمة على الأمة ولا بد من قيام نظام جمهوري يخلع عن الشعب أغلال التحجر و الركود و الإنقسام ويفتح أمامه مجالات الحياة على أساس من الدين الحق و النظام المؤهل لإعادة حريته ووحد ته ، وكان لا بد في ظل الأوضاع اليمنية القائمة قبل الثورة من وجود قوة قادرة على تحقيق ذلك الهدف وضمان إستقرار أمن البلاد وسيادة النظام المحقق للعدل والمساواة بين كل أفراد الشعب وكان الواقع قبل الثورة لا يسمح بقيام تلك القوة ، الأمر الذي جعل الإستعانة بمصر عبد الناصر شرطاً لا مندوحة عنه ولا بديل له لضمان نجاح الثورة وقيام الجمهورية ، من أجل ذلك مإ ان قامت الثورة وأعلنت الجمهورية وأستبان إفلات البدر من يد الثوار والخروج من صنعاء إلى العمق القبلي المليء بأنصاره وأنصار أبيه إلى جانب الإستعداد السعودي لرفض الوضع الجديد في صنعاء سواء تحت راية البدر أو راية عمه الحسن لقد كانت عوامل المحنة وفواعل الاشتعال تفوق كل إحتمال فالفقر المنتشر و الجهل المطبق يهيئان أنسب البيئات للتلقي الأعمى و التبعية القاتلة ، وكانت جهات التدخل شمالاً توفر المغريات من مال وسلاح وتسليط مما جعل الإقبال غير محدود.
    على الجانب الآخر وفي المنصة المقابلة كانت اللهفة الروسية على تحقيق مركز نفوذ وتغلغل في جزيرة الذهب الأسود والممرات البحرية للوقود العالمي على أشدها وذهبت تنشر أخطبوطها عن طريق توسيع دائرة التدخل المصري لتتمكن عن طريقه من إعطاء أتباعها المتمركسين من المصريين واليمنيين مواطى أقدام ومجالات تسرب وإنتشار في رعاية حكومة علي صبري وقيادة عبد الحكيم عامر وركزت جهدها على توريط الزعامة الناصرية التي كانت موسكو تظهر لها الود وتبطن العداء لتصل بها في ختام المشوار إلى السقوط وقبول الأملاءات الروسية وذلك هو الذي كان فعلاً عند هزيمة يونيو المنكرة سنة 1967م وبين هؤلاء وأولئك كانت قيادة النظام الجمهوري في صنعاء على حال من الغباء والتهالك لا تحسد عليه ، لقد كان الرجل المسيطر على القصر الجمهوري يومها فاقد الرؤية مصروفاً عن الجادة الراشدة ، لا يفكر و لا يهتم إلا في حدود ذاته وكانت طريقته في الحكم الإتكاء على عكازين أولهما : ا لإرتماء بأمر البلاد في أحضان الوجود المصري ليس على النطاق العسكري وحده وانما أيضاً في الجانب الإداري.
    ثانيهما : إخلاء الساحة من المنافسين ذوي المكانة فعمل على إقصاء رجال الزعامة المدنية فكان إغتيال الزبيري وسجن النعمان والإرياني ، كما عمل على سلوك ذات الأسلوب في التعامل مع القيادات العسكرية فكان أقصاء الجائفي وسجن العمري وقتل الرعيني في ظهيرة مجنونة دامية الظفائر و الأظفار حالكه الوجه مزدانة بفظائع القتل والسحل مما لا عهد لليمن به وإن من يعرف العميد محمد الرعيني وسجله الرائع في خدمة الشعب والجمهورية ليفزع من هول الخاتمة التي قدمها سيد القصر لذلك الضابط المؤمن المستقيم الحاصل على حب الملايين من أبناء شعبه قبليين ومدنيين وعسكريين، وبحق فقد أبرز مخاض سنوا ت لحرب للدفاع عن الجمهورية التي أشترك فيها كل الشعب قيادات ذات عطاء متميز أبرزها حاشدياً : عبدالله بن حسين الأحمر وزميله مجاهد أبو شوارب الذي أحسن البلاء عبر سنوات القتال والإستبسال وبكيلياً النقيب أمين أبو رأس وعبد الله د ارس ذا المواقف المعروفة وفي قبائل المناطق الشرقية كان أحمد عبد ربه العواضي وأصحابه يشكلون إعصاراً مقتحماً طالما كشف الغمرات عن العاصمة في ساعات الضيق والحرج ، كما أبرزت قيادة عسكرية متميزة على رأسها الفريق حسن حسين العمري والعميد محمد الرعيني والنقيب عبد الرقيب عبدالوهاب أحمد والمقدم الطيار محمد الديلمي ، بعد هذه الإلماحة العاجلة نتوقف لنرى شيئاً من مواقف موضوع الدراسة عبد الله بن حسين الأحمر ولم يتوفر لنا رغم البحث الطويل مرجع يستوفي يوميات سنوات الدفاع عن الجمهورية فأكتفينا بما أمكن من الشذرات المتفرقة هنا وهناك ففي كتابه ( أزمة الأمه العربية وثورة اليمن) يذ كر الدكتور عبد الرحمن البيضاني في يوميات أكتوبر سنة 1962 م الذي كان بمثابة الشهر الأول للثورة أن شائعات تواردت إلى صنعاء عن سقوط عمران بيد الملكيين فأضطرت القيادة الجمهورية إلى زيارة عمران وعقد مؤتمر صحفي بها يشرح كذب الشائعات ويقول : إن شيخ حاشد- وعمران حاشديه كما هو معلوم - كان مشغولاً يومها بمطاردة البدر وتطهير المناطق الشمالية والشمالية الغربية ، كما يذكر البيضاني أن المشير عامر تقديراً لجهد الشيخ عبد الله بن حسين طلب إعطاءه رتبه وزير دولة ، ويقول الدكتور أنهم فعلاً أصدروا القرار وقبل إذاعته بنصف ساعة إعترض المشير السلال على إصداره وطلب إلغاءه حتى لا يثير شهية بقية القبائل للمشاركة في وزارا ت الدولة، وفي إستعراضه لأحداث سنة 1966 م الدامية يقول الأستاذ سلطان ناجي في كتابه ( التاريخ العسكري لليمن ) ص 235 ( وقد هربت أعداد كبيرة أخرى إلى خارج الجمهورية من بينها بعض كبار مشائخ حاشد وبكيل وقد تم إعدام الجمهوريين المعروفين بتهمة التعامل مع وكالة المخابرات الأمريكية والبريطانية و السعودية مثل محمد الرعيني وهادي عيسى قائد الجيش القبلي ونائب رئيس أركان الجيش وقد علقت جثثهم خارج المدينة وبلغ عدد الذين أعدموا رسمياً خمسة عشر شخصاً، أما عدد الفارين إلى الخارج من الإعتقالات فقد قدر عددهم بألف شخص منذ عودة السلال.
    ومنذ ذلك الحين بدأت القوة الثالثة من الجمهوريين المنشقين تبرز أكثر وقادها الشيخ الأحمر).
    ويورد ص 236 شيئاً مما حدث عقب كارثة خمسة يونيو 1967 م في مصر: ( وعلى الرغم من النكسة التي حاقت بالعرب بعد حرب الأيام السته إلا أنها بالنسبة لليمن قد أدت مؤقتاً على الأقل إلى رأب الصدع داخل صفوف الجمهوريين، فعندما بدأت الحرب أعلنت كل من حاشد وبكيل ولاءها من جديد للجمهورية وفجأة هبطت على صنعاء قوة قبلية مسلحة بقيادة إبن الأحمر مكونة من 25 ألف مقاتل وأعلنت دعمها لعبد الناصر وبعد أن تم إستقبالها أرسلت القوة إلى منطقة حجه لإستبدال القوات المصرية المنسحبة).
    وفي مكان آخر من كتابه يذكر الأستاذ سلطان ناجي أن الشيخ عبد الله بن حسين عرض برقياً على الرئيس جمال عبد الناصر إستعداده بإمداد مصر بخمسة وعشرين ألف مقاتل من قبائله لدعم الموقف المصري بعد ا لهزيمة، ومزيداً من تفاصيل مواقف الشيخ عبد الله الدفاعية عن الجمهورية توردها صحيفة الصحوة العدد (101) 24/9/1989 م ضمن مقابلة صحفية مع الشيخ :
    ( ليس هناك معركة من المعارك لمواجهة أعداء الثورة إلا وكنا مشاركين فيها حيث قدنا رجالنا المخلصين من أبناء حاشد الذين وهبوا أنفسهم للدفاع عن الثورة من أول يوم وحتى ترسخت أركان الثورة و النظام الجمهوري وقدموا فيها الآف الشهداء والجرحى و المعوقين فقد شاركت في بداية الثورة وحتى عام 1964 م في معارك المناطق الشمالية والشمالية الغربية لمطاردة فلول الملكيين ومنها مناطق ظليمة وبني عرجله وغربان ووشحه و القفله وشهارة وسفيان وتطهير تلك المناطق منهم، ومن عام 1964م حتى عام 1968م شاركنا في معارك الدفاع عن الثورة في مناطق سنحان وبلاد الروس وهمد ن وعيال سريح و الحيمتين والجبل وبني الحارث وبني حشيش ومسور وكحلان في حدود حاشد أرحب ومرهبة وسفيان وبني عبد في معارك السبعين للدفاع عن العاصمة صنعاء وفك الحصار عنها و التي أصبت فيها ، وفي عام ول 1968 م و 1969 م شاركنا في معارك تطهير مناطق حجه وصعده من فلول الملكيين ومطاردتهم وإخراجهم منها إلى غير رجعه ، وإجمالاً ليس هناك معركة لم نشارك فيها بشكل أو بآخر).

    * إنما يحمل اللواء النجوم:​


    عرفنا فيما مر بنا قريباً شيئاً من شهادات الميدان ومعاناة المواجهة وهنا نلتقط الكلام من مجريات ما بعد مؤتمري عمران وخمر اللذين سنستعرض شيئاً من وقائعهما في حديثنا الخاص عن الشيخ والزبيري وقد كانت الساحة تشهد تصعيداً متواصلاً إثر مقررات خمر سنة1965م وقيام حكومة النعمان واختلافهما مع السلال بسبب خروج الرئيس على مقررات المؤتمر والدستور الصادر عنه مما أدى إلى إستقالة النعمان وخروج بعض الجمهوريين إلى السعودية وولادة ما أسمي بوثيقة الطائف ثم إتفاقية الرئيس جمال وفيصل في جده وقيام مؤتمر حرض على أساسها وما أعقبه من الإنشقاق الخطير في الصف الجمهوري وتوجه رجالات اليمن إلى القاهره واعتقالهم في السجن الحربي كما حدث في صنعاء إعتقال الرعيني وزملائه ثم إعدامهم وتصاعد الإرهاب والتحق الكثيرون بخمر وكل ذلك يفصله الشيخ كأهم شهود المرحلة وأوفى المراجع عنها :
    (بلغت قررات المؤتمر إلى رئيس الجمهورية و القيادة المصرية من خلال وفد من المؤتمر لإذاعتها ونشرها وتم ذلك بدون تردد من المسؤلين أو زيادة أو نقصان.
    وبعد ذلك توجه المؤتمرون في موكب عظيم كبير ومهيب أوله في صنعاء وأخره في قاع البون وبعدها تم تشكيل حكومة خمر برئاسة الأستاذ أحمد محمد نعمان تسليماً بإرادة الشعب التي تجلت في مؤتمر خمر وكان الفريق العمرى نائباً لرئيس الجمهورية وقد أقتنع بهذه المسيرة وأنظم إليها وأنفصل عن السلال الذي أستدعي إلى مصر وأستمر هناك فترة طويلة وكان العمري يقوم بأعماله وحينما عاد السلال من مصر تصاعد الخلاف من جديد بينه وبين الحكومة و المشائخ وذهب القاضي الإرياني والنعمان وغيرهم من الشخصيات إلى الدول العربية المعترفة بالثورة لوضعهم في الصورة عما يجري في اليمن ذهب عدد من المشائخ الجمهوريين البارزين الى المملكة العربية السعودية وأستقبلهم الملك فيصل أستقبالاً كبيراً وفي المملكة عقد مؤتمر الطائف المشهور بين المشائخ الجمهوريين وبين المشائخ الممثلين للقبائل الموالية للملكية وغيرهم من المرتبطين بالمملكة وقد صدر عن ذلك المؤتمر قرارات تقضي بإنهاء الملكية وكذا النظام الموجود في صنعاء وقيام نظام جديد يسمى (دولة اليمن).
    وما أن علم وسمع بذلك جمال عبد الناصر حتى أتصل بالملك فيصل معلناً رغبته في زيارة المملكة لكي ينسف ما تم الأتفاق عليه في مؤتمر الطائف وعقد عبدالناصر مع الملك فيصل أتفاقاً لا يختلف عن مقررات مؤتمر الطائف وعلى ا ن يتم عقد مؤتمر لاحق في مدينة حرض تحت إشراف لجنة مشتركة من المملكة والجمهورية العربية المتحدة يحضره ممثلون عن الجمهوريين و الملكيين.
    وتم عقد ذلك المؤتمر المعروف وقد أستبعد من المؤتمر بيت حميد الدين وأستدعي من كان موجوداً منهم داخل اليمن إلى المملكة إلا من رفض كما أستدعي الرئيس السلال إلى القاهرة وجمد فيها لإن ذلك الاستدعاء كان من ضمن الأتفاق الذي تم بين الملك فيصل وعبد الناصر.
    وقد مثل الجانبين في المؤتمر عدد من الشخصيات اليمنية البارزة من مشائخ وعلماء وعسكريين حيث رأس الجانب الجمهوري القاضي عبد الرحمن الإرياني ومعه الأستاذ نعمان و الشيخ محمد علي عثمان والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر والعميد الشهيد محمد الرعيني وعدد من الشخصيات الوطنية المعروفة ورأس الجانب الملكي السيد أحمد محمد الشامي ومعه عدد من المشائخ وحضر المؤتمر فريق ثالث وهم المتمسكون بقررات الطائف يرأسهم الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير و الذين سموا أنفسهم بإتحاد لقوى الشعبية وهو الإسم المعروف لتنظيمهم إلى الآن.
    وقد فشل هذا المؤتمر لإن الفريق الجمهوري أدرك أن القرارات قد أعدت سلفاً وأنها تنص على إلغاء النظام الملكي المنتهي وإلغاءا لنظام الجمهوري الثابت وإبداله بنظام دولة اليمن كما أسلفنا.
    وخلال أيام المداولات و المناقشات في المؤتمر إستدعي الجانبين الجمهوري
    والملكي إلى خيمه الفريق محمد فوزي وأبلغونا تحيات عبد الناصر ورسالته إلى المؤتمر وحينها قلت للحاضرين لقد ضحينا من أجل الثورة بالكثير وقدمنا الشهداء وسوف نقاتل من أجلها ونضحي بأكثر ولو قاتلنا دفاعاً عنها بالجنابي و النصال.
    وقد أدركت القيادة المصرية ذلك وأن العناصر المؤثرة و التي لديها ثقل شعبي كبير لا يمكن أن ترضخ لما تم الإعداد المسبق له فلم تتمسك بما سمي بمقررا ت حرض.
    أما بالنسبة للحرب فقد ظل مستمراً قبل المؤتمر وأثناء إنعقاده وبعد فشله وقد ظهرت نوايا المصريين وأنهم لا يرغبون في التعامل إلا مع الضعفاء الذين لا يستطيعون العيش إلا تحت حمايتهم مسيرين غير مخيرين فأختلفنا معهم خلافاً كبيراً فعينوا قائداً جديداً للقوات المصرية في اليمن وهو اللواء طلعت حسن بدلاً عن الأول الذي كان بيننا وبينه بعض التفاهم.
    وكان الهدف من تعيين طلعت حسن هو تطبيق سياسة جديدة ومتشددة حيث أعادوا المشير السلال رغم أرادتنا وأرادة الشعب وفرضوه بالقوة وقد حموه بالدبابات من المطار إلى بيته وأحاطوه بحراسة قوية من جيشهم داخل بيته وفي القصر الجمهوري وفي كل تحركاته وتولوا إدارة مرافق وشوارع العاصمة وكذا النقاط العسكرية بجنود مصريين وسحبوا قواتهم من المناطق البعيدة وجعلوها في أنساق قريبة من العاصمة بغرض السيطرة على العاصمة ومنافذها الرئيسية لفرض المخطط الذي يريدوه وعلى إثر ذلك سافر القاضي الإرياني وأحمد نعمان والفريق حسن العمري والحكومة وقادة الجيش وبعض العلماء إلى القاهرة للاحتجاج والمراجعة للرئيس جمال عبد الناصر فأعتقل الجميع وأودعهم السجون والزنازن العسكرية في نفس السنة التي صفى فيها علماء مصر من الإخوان المسلمين وغيرهم.
    وفي صنعاء قام الرئيس السلال وقائد القوات المصرية الجديد بإعتقال وسجن الكثير من الشخصيات و العناصر البارزة من الجمهوريين من علماء وعسكريين ومشائخ وشباب وعاملوهم بنفس الأساليب التي عومل بهـا المعتقلون في مصر وقد أعدم في هذه الحملة الاجرامية العميد محمد الرعيني أحد قادة الثورة والعميد هادى عيسى والشيخ أحمد حسن النيني أحد المشاركين في الثورة والشيخ على محسن هارون من ثوار سنة 1948 م و سنة 1962 م وعدد من المشائخ والعسكريين ولم يكن لتلك الحملة أي مبرر غير أخضاع الشعب وإرهابه ليخضع لمخططاتهم المخالفة لكل الشرائع ا لسماوية و القوانين الإنسانية ولم ينبئ إلا الذين تمكنوا من الفرار إلى خمر من الضباط و المثقفين و العلماء أو المشائخ الجمهوريين الذين هربوا إلى بلادهم للإحتماء بقبائلهم.
    أما بالنسبة لي فقد أستمريت في صنعاء فترة للدفاع عمن أستطعت أدافع عنه وتهريب من أستطعت اخراجه وكان بجانبي عدد من رجالات حاشد ، وقد أنذرني الكثير من المخلصين بضرورة مغادرة العاصمة غير أني لم أرد الخروج بصفة هارب كغيري وأنتظرت الفرصة حتى جاءت من القائد المصري ا لذي طلب مني سرعة الخروج لأستلام المناطق التي يريدوا الإنسحاب منها في خمر وريده وعمر ان فخرجت رافعاً الراس مع من معي من مجاميع من رجالات حاشد وأستلمت المناطق حيث أنسحب المصريون إلى النسق القريب من صنعاء و الذي رسمته خطتهم وأقمنا في خمر جمهورية ضمت العدد الكبير من القادة العسكريين و المدنيين و المشائخ وظل الفارون من صنعاء والمدن الاخرى يفدود إلينا في خمر حتى النكسة المشئومة في حزيران سنة67م و التي هزمت فيها مصر و الدول العربية..
    وقبل ذلك رتب لقاء بيني وبين القائد المصري في منطقة جربان أخر نسق عسكري مصري وحضر معي من القبائل أضعاف عساكرهم مما جعلهم ينصحون عبد الناصر بعدم التمسك بالسلال وقد تعرضت مدينة خمر للضرب بالطيران وأعتذروا لذلك وأعتبروه خطأ.
    وخلال هذه الفترة و الصراعات المريرة حافظنا على حجه وصعده وكنا نوفر للعساكر التموين والمعاشات لإِنها قطعت من صنعاء.
    وأذكر أن السعوديين والملكيين أرسلوا إلينا قي تلك الفترة أربعه ألف جنيه ذهب مع وفد مكون من الشيخ عبد الله حازم العوجلي والسيد عبد القادر بن محمد عبد القادر فأرجعناها إليهم.) أ . هـ .
    هذا وقد أنعقدت قمة عربية في الخرطوم أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر من نفس السنه وأمكن للسياسي السوداني المخضرم محمد أحمد محجوب التقريب بين الملك فيصل والرئيس جمال بإتفاقهما على رفع أياديهما عن اليمن وترك ا لإختيار لأبناء الشعب اليمني ، وأحتج السلال المشارك في القمة وخرج مغاضباً وقاطع المؤتمر ولكن إتفاق الزعيمين ا لسعودي و المصري كان قد أثمر لجنة ثلاثية من السودان و المغرب و العراق وتنفيذ ما أتفق عليه وقررت اللجنة زيارة صنعاء و الإجتماع برجالات اليمن ولكن السلال رفض وصولها غير أن اللجنة تجاهلت رفضه ووصلت إلى مقر القيادة العسكرية المصرية في صنعاء في الثالث من أكتوبر سنة 1967 م واستدعت السلال فرفض الوصول إليها وكان تهييج الغوغاء في مظاهرة مسلحه أزهقت أرواح الكثير من الجنود المصريين العزل وهم يشترون هدايا العودة إلى مصر و كان ذلك اليوم من الأيام السوداء في تاريخ اليمن بسبب حماقة الرئاسة ودموية تصرفاتها ، وكان الوجه اليمني الاول الذي بزغ في ظلمات تلك الغاشيه السوداء هو الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر فرفع اللواء وصدق حسان حين قال: (إنما يحمل اللواء النجوم) فألتقى اللجنة وأعتذر للقيادة المصرية وعن ذلك يحدثنا الدكتور البيضاني في كتابه ( أزمة الأمة العربية وثورة اليمن ). ص 736.
    (كادت تلك تكون خاتمة المشهد الأخير عشية ا لانسحاب المصري من
    اليمن لولا ضمير اليمن الذي تمثل في إبنها المجاهد الغيور على تاريخها والمدافع عن شهامتها الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر- فرفض أن تكون تلك خاتمة المشهد الأخير، ففي نفس ذلك اليوم الدامي ذهب الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر إلى مقر القيادة المصرية وقدم للقائد المصري إستنكار الشعب اليمني لتلك الاحداث المؤسفة التي لا تعتبر عن شهامته الحقيقية ولا أصالته التاريخية وتقاليده العربية التي تأبى الغدر بالأعداء فضلاً عن تقديسها لحقوق الاصدقاء. وضع الشيخ عبد الله عمامته بين يدي القائد المصرى إمعاناً في الإعتذار له على الطريقة القبلية وقدم إليه عزاء الشعب اليمني في مصرع الشهد اء المصريين على يد الأصدقاء السلاليين ، كذلك أكد الشيخ عبد الله للجنة المحاصرة في مبنى القيادة المصرية إستعداد القبائل الجمهورية للحفاظ على النظام الجمهوري وإنشراح صدرها للوفاق الوطني بين جميع أبناء الشعب اليمني) .

    * الجمهورية الثانية.. وحصار السبعين.. وأحداث أغسطس:​


    جاء على اليمن حين من الوقت عبر سنوات الحرب وحرائقها تتجاوز العشرين موقعاً وكان أهمها وأقدمها بفعل مراكز التدخل الخارجي موقعين إتخذا شكالاً محورياً في التدخل والهجوم كان أولها في الشمال الغربي جهة حرض وقد أمكن للجمهورية إحراز أول إنتصارات المواجهة هناك حيث خسر العدو كثيراً من أعداده وعتاده ، وكان ثانيهما في الجهات الشرقية و الجنوب الشرقي نظراً لإنطلاق التدخل الانجليزى من هناك وكان في مقدمة ذلك التدخل أوائل الحرب أمير بيحان الشريف الهبيلي الذى كانت تربطه بالامامة وشائج نسب و القاضي أحمد السياغي النائب الأول للإمام أحمد و الذي وإن كان ذهب مغاضباً إلى لحج فإنه إستنكر خطوات الحاكمين الجمهوريين في صنعاء لتهورهم في الإعدامات وكان ضمن المعدمين أخوه عبد الرحمن السياغي وزير داخلية الإمام ويقال إن القاضي أحمد كان يرتبط ببيعة في عنقه للحسن بن يحمى حميد الدين، وقد لقي السياغي مصرعه في السنه الأولى بعد أن بذل الشهيد الزبيري جهوداً للالتقاء به وإقناعه فلم يقتنع، وكما كانت العشرات من الأرواح الغالية وقوداً لمواجه