افحام المتنابه في افهام المتشابه

الكاتب : أبو مؤمن   المشاهدات : 1,272   الردود : 13    ‏2002-08-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-12
  1. أبو مؤمن

    أبو مؤمن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-22
    المشاركات:
    55
    الإعجاب :
    0
    مـقـدمـة

    الحمد لله الواجب وجوده وبقاؤه، الممتنع تغيره وفناؤه، العظيم قَدْرُه واستعلاؤه، العميم نعماؤه وءالاؤه، الدالة على وحدانيتة أرضه وسماؤه، المتعالية عن شوائب التشبيه والتعطيل صفاته وأسماؤه، فاستواؤه قهره واستيلاؤه، ونـزوله بره وعطاؤه ، ومجيئه حكمه وقضاؤه. فأحمده على جزيل نعمه وجميل كرمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وبعد:ـ

    إن الله ولـه الحمد أكمل دينه وأتمه إتماما ونصب لـه من العلماء به أئمة يُقتدى بهم وأعلاما وءاتاهم بصائر نافذة عند الشبهات ورزقـهم أفهاما فانتدبوا لتبصير المستبصرين حين أصبحوا متـحيرين إيضاحا وإفهاما لما همى سحاب الباطل وهطل بعدما صار ركاما وقام سوق البدع عند ولاة المسلمين في الخافقين قياما وحاد أهل الاعتزال عن سنن الاعتدال جرأة منهم على رد السنن وإقداما فنفوا عن الرب سبحانه ما أثبت لنفسه من صفاته فلم يُثبتوا صفة ولا كلاما وتمادى أهل التشبيه في طرق التمويه وأحجموا عن الحق إحجاما فشبهوا ربهم حتى توهـمـوه جسمـا يقبل تحيزا وافتراقا وانضماما، فأنكروا التأويل واعتبروه ضلالا وبدعة وتعطيلا وتجهما، وادعوا أن التأويل ليس من عمل السلف ليوهموا الناس أن السلف كانوا على ما هم عليه من تشبيه وتكييف فسموا أنفسهم بالسلفيين زورا وبهتانا مبينا، فليس الأمر ما ادعـوه بل من قرأ وتتبع وطالع ونقب فسيرى أن الإئمة الأعلام من القرون الثلاثة الأولى المشهود لهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونـهم ثم الذين يلونـهم) وهم أهل السلف قد أولوا كثيرا من النصوص التي ظاهرها نسبة الحيز والجهة والأعضاء وغير ذلـك وبينوا أن الظاهر غير مراد. فمن أنكر التأويل ماذا يقول في قوله تعالى:{نسوا الله فنسيهم} وقوله تعالى {إنا نسيناكم} فهل يطلقون على الله صفة النسيان والله تعالى يقول: {وما كان ربك نَسيّا} نعوذ بالله من مسخ القلوب. فمن هنا وعملا بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وقوله صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رأيت أن أجمع رسالة أرد فيها شبه المشبهة من مجسمة وغيرهم مرتبة على فصول ومباحث.

    و الله المستعان...
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-08-12
  3. الحارس

    الحارس عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-26
    المشاركات:
    54
    الإعجاب :
    0
    يارك الله فيكم اخي ابا مؤمن ...
    زدنا اكرمك الله ..
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-08-12
  5. أبو مؤمن

    أبو مؤمن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-22
    المشاركات:
    55
    الإعجاب :
    0
    فصل في معنى المحكم

    قال الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} أخبرنا الله تبارك وتعالى في هذه الآيـة أن القرءان منه ءايات محكمات هن أصل الكتاب وأخر متشابهات تُردُّ لفهمها إلى الآيات المحكمات روى مسلم في صحيحه باب كتاب العلم ما نصه: عن عائشة رضي الله عنها قالت تـلا رسـول الله صلى الله عليه وسلم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبـهم زيـغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} قالت: قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم). ورواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. قال الحافظ أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي في كتابه المفهم لِما أَشكل من تلخيص كتاب مسلم ما نصه: اختلف الناس في الـمـحكمات والـمتشابهات على أقوال كثيرة منها : أن الـمحكم ما وضح معناه وانتفى عنه الاشتباه، والمتشابه نقيضه وهذا أشبه ما قيل في ذلك لأنه جار على وضع اللسان وذلك أن الـمحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام: الإتقان. ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تَـردُّد وإنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته واتفاق تركيبها ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال وإلى نحو ما ذكرناه صار جعفر بن محمد ومجاهد وابن إسحاق. وقوله: {هن أم الكتاب} أي أصله الذي يرجع إليه عند الإشكال والاستدلال ومنه سُميت الفاتحة أم القرءان لأنها أصله إذ هي ءاخذة بجملة علومه فكأنه قال: الـمحكمات أصول ما أشكل من الكتاب فـتـعين ردُّ ما أشكل منه إلى ما وضح منه وهذا أيضا أحسن ما قيل في ذلك.اهـ

    قال الإمام القـرطبي محمد بن أحمد في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: اختلف العلماء في الـمحكمات والـمتشابهات على أقوال عديدة فقال جابر بن عبد الله وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: الـمحكمات من القرءان ما عرف تأويله وفُـهم معناه وتفسيره والـمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه قال بعضهم وذلك مثل وقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال ونزول عيسى. وقال النحاس أحسـن ما قيل في الـمحكمات والـمتشابهات أن الـمحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو {لم يكن له كفوا أحد} {وإني لغفار لمن تاب} والـمتشابهات نحو {إن الله يغفر الذنوب جميعا} يرجع فيها إلى قوله جل وعلا {وإني لغفار لمن تاب} وإلى قوله عز وجل {إن الله لا يغفر أن يشرك به} قلت ـ أي القرطبي ـ ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية وهو جاري على وضع اللسان وذلك أن الـمحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام الإتقان؛ ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال والله أعلم.اهـ



    قال الحافظ السيوطي في معترك الأقران : قال ابن الحصَّار: قسَّم الله ءايات القرءان إلى محكم ومتشابه، وأخبر عن الـمحكمات أنها أم الكتاب؛ لأنه إليها تُردّ الـمتشابهات، وهي التي تُعتمد في فهم مراد الله من خلقه أي في كل ما تعبّدَهم به من معرفته وتصديق رسله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. وبهذا الاعتبار كانت أمهات.ثم أخبر عن الذين في قلوبهم زيغ أنهم الذين يتبعون ما تشابه منه.ومعنى ذلك أن من لم يكن على يقين من الـمحكمات وفي قلبه شك واسترابة كانت راحته في تتبع الـمشكلات الـمتشابهات، ومراد الشارع منها التقدم إلى فهم الـمحكمات وتقديـم الأمهات حتى إذا حصل اليقين ورسخ العلم لم تبال بما أشكل عليك، ومراد هذا الذي في قلبه زيغ التقدم إلى الـمشكلات وفهم الـمتشابه قبل فهـم الأمهات وهو عكس المعقول والمعتاد والمشروع، ومَثَلُ هؤلاء مَثَلُ المشركين الذيـن يقترحون على رسلهم ءايات غير الآيات التي جاؤا بها، ويظنون أنهم لو جاءتهم ءايات أخر لآمنوا عندها جهلا منهم، وما علموا أن الايمان بإذن الله تعالى.اهـ



    قال الحافظ محمد بن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان في تفسير القرءان ناقلا عن بعض أهل العلم ما نصه: الـمحكمات من ءاي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحـد والـمتشابه منها ما احتمل من التأويل أوجها؛ وذكر من قال بذلك: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن محمد بن اسحق قال ثنا محمد بن جعفر بن الزبـير {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات} فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه وأخر متشابهة في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق.اهـ

    آمين و فيك أخي الحارس.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-08-13
  7. أبو مؤمن

    أبو مؤمن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-22
    المشاركات:
    55
    الإعجاب :
    0
    فصل في المتشابه من الآيات

    قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال الخطابي: المتشابه على ضربين:ـ أحدهما: ما إذا رُد إلى المحكـم واعتُبر به عُرف معناه. والآخر: ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كُنْهَه فيرتابون فيه فـيُـفـتَـتـنـون.اهـ

    قال السيوطي في معترك الأقران أيضا: [فصل] من المتشابه ءايات الصفات. ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو: {الرحمن على العرش استوى} {كل شئ هالك إلا وجهه} {يد الله فوق أيديهم}.ونحوها. وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنـزيهنا له عن حقيقتها. وأخرج أبو القاسم اللاّلكائي عن محمد بن الحسن قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه. وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية: المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا: نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف؟ ولا نفسر ولا نتوهم وذهبت طائفة من أهل السنّة إلى أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى؛ وهذا مذهـب الخلف وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية: الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التـعرض لمعانيها.وقال ابن الصلاح: على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يَصْدف عنها ويأباها. واختار ابن برهان مذهب التأويل. وتوسط ابن دقيق العيد فقال إذا كان التأويل قريباً من لسان العرب لم ينكَر، أو بعيدا توقفنا عنه، وءامنا بمعناه على الوجه الذي أُريد به مع التـنـزيه، وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهراً مفهوماً من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف كما في قوله: {يا حسرتي على ما فرَّطت في جنب الله} فنحمله على حق الله وما يجب له. وكذا استواؤه على العرش بالعدل والقهر كقوله: {قائماً بالقسط} فقيامه بالقسط والعدل هو استواؤه، ويرجع معناه إلى أنه أعطى كل شىء خلقه موزوناً بحكمته البالغة. انتهى كلام السيوطي



    وفي كتاب طالع البشرى على العقيدة السنوسية الصغرى للمارغني مفتي الديار التونسية ما نصه: فإذا وجدت في كلام الله أو كلام رسوله ما يوهم المماثلة فلا تعتقد ظاهره لإجماع العلماء على تأويله أي صرفه عن ظاهره.اهـ

    قال الإمام النووي: اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وءايات الصفات قولين: أحدهما وهو مذهب معظم السلف أنه لا يُتكلم في معناها بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شىء وأنه منـزه عن التَجَسّم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم، والقول الثاني وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع ذا رياضة في العلم.اهـ


    وقال الشيخ محمد الحامد في كتابه ردود على أباطيل: وصفوة القول أن المتشابهات لا تؤخـذ بظواهرها، وللعلماء فيها مسلكان فالسلف منهم يؤولونها تأويلا إجماليا بالإيمان بها واعتقاد أن لها معنى يليق بجلال الله وعظمته ولم يعينوا ذلك المعنى بل فوضوه إلى الله تعالى وتبارك. والخلف يؤولونها تفصيلا بتعيين معانيها بما تفهمه لغة العرب ويصرفونها عن ظاهرها أيضا كالسلف، ومذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم ولا يُصار إلى مذهب الخلف إلا عند الخوف من تَزَلْزُلِ العقيدة وخشية التشبيه.اهـ


    وقال إمام الحرمين فيما نقله الحافظ ابن حجر: اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتـزم ذلك في ءاي الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الإنكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى.اهـ


    قال الشيخ زاهد الكوثري وليس هذا ـ أي قول إمام الحرمين ـ ما يَفْرحُ به المشبهة لأنه ينص على التفويض، وهو مذهب السلف، وأما المشبهة فلا يقولون بالتفويض بل يحملون على الاستقرار والجلـوس والحركة ونحوها مما هو شأن الأجسام، تعالى الله عن خيالاتهم الوثنية. والخلـف يخرجونها على معان لا تنافي التـنـزيه على طبق استعمالات العرب من غير تحكم على مراد الله تعالى، فالسلف والخلف متفقون على التـنـزيه والبعد عن التشبيه.اهـ


    قال الحافظ المحدث الزبيدي: كل لفظ يرد في الشرع مما يستند إلى الذات المقدس بأن يطلق إسما أو صفة وهو مخالف للعقل ويسمى المتشابه لا يخلو إما أن يتواتر أو ينقل ءاحادا والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد وإن كان متواترا فلا يتصور أن يكون نصا لا يحتمل التأويل بل لا بد وأن يكون ظاهرا وحينئذ نقول الاحتمال الذي ينفيه العقل ليس مرادا منه ثم إن بقي بعد انتفائه إحتمال واحد تعين أنه المراد بحكم الحال، وإن بقي احتمالان فصاعدا فلا يخلو إما أن يدل قاطع على واحد منهما أولا فإن دل حمل عليه وإن لم يدل قاطع على التـعـيـيـن فهل يعين بالنظر والاجتهاد دفعا للخلط عن العقائد.اهـ


    وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة: وقد أصَّلَ الشيخ ابن فورك رحمة الله تعالى عليه أصلاً فقال: إذا تعارضت الأدلة العقلية مع الظواهر النقلية فإن صدقناهما لزم الجمع بين النقيضين وإن كذبناهما لزم رفعهما وإن صدقنا الظواهر النقلية وكذبنا الأدلة العقلية لزم الطعن في الظواهر النقلية وتصديق الفرع مع تكذيب أصله يفضي إلى تكذيـبـهما معاً فلم يبق إلا أن نقول بالأدلة العقلية ونؤول الظواهر النقلية أو نفوض أمرهما إلى الله، ولأهل السنة قولان فعلى القول بالتأويل إن وجدنا لها محلاً يسوغه العقل حملناها عليه وإلا فوضنا أمرها إلى الله قال وهذا القانون في هذا الباب والله الموفق للصواب.اهـ


    قال الإمام بـدر الديـن الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرءان: حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات: قد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق:ـ أحدهما: أنه لا مدخـل للتأويل فيها؛ بل تجرى على ظاهرها، ولا تـؤول شيئا منها، وهم المشبهة. والثاني. أن لها تأويلا، ولكنا نمسك عنه، مع تـنـزيه اعتقادنا عن الشَّبه والتعطيل، ونقول: لا يعلمه إلا الله؛ وهو قول السلف. والثالث. أنها مؤولة، وأوَّلوها على ما يليق به.

    والأول باطل، والأخيران منقولان عن الصحابة، فنقل عن سفيان الثوري أنه قال: أفهم من قولـه: {الرحمن على العرش استوى} ما أفهم من قوله: {ثم استوى إلى السماء}. وسئل الاوزاعي عـن تفسير هذه الآية فقال: {الرحمن على العرش استوى} كما قال وإني لأراك ضالا. وممن نقل عنهم التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. وقال الإمام الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة: إن الإمام أحمد أوَّل في ثلاث مواضع. قال الزركشي ونحن نجري في هذا الباب على طريق المؤولين.اهـ
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2002-08-14
  9. أبو مؤمن

    أبو مؤمن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-22
    المشاركات:
    55
    الإعجاب :
    0
    بيان قوله: وما يعلم تأويله إلا الله

    وأما تمسك أحد من مدعي العلم وخلفه المشبهة بظواهر ما تشابه من الكتاب والسنة فقد صدق فيهم قول الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} قال الألوسي في روح المعاني نقلا عن الماوردي عند قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي عدول عن الحق وميل عنه إلى الأهواء ـ الأهواء جمع هوى وهو ما مالت إليه نفوس أهل البدع المردية ـ {فيتبعون ما تشابه منه} أي يتـعلقون بذلك وحده بأن لا ينظروا إلى ما يُـطابقه مـن المحكم ويردوه إليه وهو إما بأخذ ظاهره الغير المراد لـه تعالى أو أخذ أحد بـطونه الباطلة وحينئذ يضربون القرءان بعضه ببعض ويظهرون التناقض بين معانيه إلحادا منهم وكفرا ويحملون لفظه على أحد محتملاتـه التي توافق أغراضهم الفاسدة في ذلك وهذا هو المراد بقولـه سبحانه: {ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} أي طلب أن يفتنوا المؤمنين والمؤمنات عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه كما نقل عن الواقدي وطلب أن يؤولوه حسبما يشتـهون فالإضافة في {تأويله} للعهد أي بتأويل مخصوص وهو ما لم يوافق المحكم بل ما كان موافقا للتشهي.اهـ



    وقال القرطبي في تفسيره: السادسة قوله تعالى: {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه: مُـتـبـعوا المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعـوه طلبا للتشكيك في القرءان وإضلال العوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرءان، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارىء تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك !؛ أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال فهذه أربعة أقسام:ـ ألأول: لا شك في كفرهم وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة. الثاني: الصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يُـفعل بمن ارتد. الثالث: اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها. وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها فيقولون أمروها كما جاءت وذهـب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحمْلِها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها. الرابع: الحكم فيه الأدب البليغ كما فعله عمر بصبيغ وقال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرءان لأن السائل إن كان يبتـغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التـعزير وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استـحق العتب. إلى أن قال القرطبي: ومعنى {ابتغاء الفتنة} طلب الشبـهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم ويردوا الناس إلى زيغهم.اهـ



    روى الترمذي في سننه من حديث القاسم بن محمد عن عائشة قالت سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكماتٌ} إلى ءاخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتمُ الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّاهُمُ الله فاحذروهم). قال أبو عيسى الترمذي هذا حديث حسن صحيح. قال القاضي أبو بكر بن العربي في العارضة عند هذا الحديث:ـ الثانية: قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} يعني مَيلا عن الحق وعدولا عن الطريق إلى العلم فيتيه حيران في أودية الجهل وشعاب الباطل. الثالثة: قوله: يتبعون ما تشابه منه يريد يطلب العلم به منه وحده ولا سبيل إلى ذلك أبدا فإن الله قد جعل المحكمة أُمَّـا وجعل المتشابه بنـتـًا وإذا رُدت البنت إلى الأم عُلم نسبها وإذا أخذت بانفراد لم يُعلم لها نسب. الرابعة: الذين يتبعون ما تشابه منه على ثلاثة أقسام:ـ الأول: الذي يريد أن يعرفه بذاته ويتكلم عليه بانفراده يقصد بذلك التلبيس على الخلق والتشغيب بالكفر وهو الفاتن الفتان الضال المضل اللاحد الملحد.الثاني: جاهل يطلب معرفـتـه منه والبيان لا يؤخذ من الإشكال فيفضي به ذلك إما إلى البدعة وإما إلى الكفر.اهـ



    قال ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فيتبعون ما تشابه منه} أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنـهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينـزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما الـمحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى: {ابتغاء الفتنة} أي الإضلال لأتباعم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتـهم بالقرءان وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتـج النصارى بأن القرءان قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} وبقوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} وغير ذلك من الآيات الـمحكمة المصرحة بأنه خـلـقٌ من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله. وقوله تعالى: {وابتغاء تأويله} أي تحريفه على ما يريدون.اهـ



    وفي صحيـح البخاري من طريق أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: تـلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ـ إلى قوله ـ ألو الألباب} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) قال الحافظ ابـن حجر في الفتح: قوله: [زيغ شك {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} المتشابهات] هو تفسـير مجاهد أيضا وصله عبد بن حميد بهذا الإسناد كذلك ولفظه: [وأما {الذين في قلوبهم زيغ} قال شك {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} المشتبهات، الباب الذي ضلوا منه وبه هلكوا. قوله: {والراسخون في العلم} يعلمون و {يقولون ءامنا به} الآية وصله عبد بن حميد من الطريق المذكور عن مجاهد في قوله: [والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون ءامنا به] ومـن طريق قتادة قال: قال الراسخون كما يسمعون ءامنا به كل من عند ربنا المتشابه والمحكم فآمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه فأصابوا] وهذا الذي ذهب إليه مجاهد من تفسير الآية يقتضي أن تكون الواو والراسخون عاطفة على معمول الاستثناء وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم ءامنا به فهـذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة لكن أقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرءان فيقدم كلامه في ذلك على من دونه ويؤيد ذلـك أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه لوصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة وصرح بـوفـق ذلك حديث الباب، ودلت الآية على مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب.اهـ

    وقال القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري عند قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبـهم زيـغ} أي شك وضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} مصدر مضاف لمفعوله منصوب لـه أي لأجل طلب المشتبهات بضم الميم وسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الموحدة ليفتنوا الناس عن دينهم لتمكنـهم من تحريـفها إلى مقاصدهم الفاسدة كاحتجاج النصارى بأن القرءان نطق بأن عيسى روح الله وكلمته وتركوا الاحتجاج بقوله: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه}، {وأن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب}، وهذا بخلاف المحكم فلا نصيب لهم فيه وحجة عليهم.اهـ



    وفي كتاب التسهيل لعلوم القرءان للشيخ محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الأندلسي عند قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} قال: نزلت في نصارى نجران فإنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: نعم، قالوا فحسبنا إذاً، فهـذا من المتشابه الذي اتبعوه، وقيل نزلت في أبي ياسر بن أخطب اليهودي وأخيه حكيم، ثم يدخـل في ذلـك كل كافر أو مبتدع أو جاهل يتبع المتشابه من القرءان {ابتغاء الفتنة} أي ليفتنوا به الناس {وابتغاء تأويله} أي يـبـتـغون أن يتأولوه على ما تقتـضي مذاهبـهم.اهـ

    و الله أعلم.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2002-08-19
  11. أبو مؤمن

    أبو مؤمن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-22
    المشاركات:
    55
    الإعجاب :
    0
    بيان قوله: فأينما تولوا فثم وجه الله

    قال الإمام الرازي في تفسيره الكبير: ومن أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنـزيه وبيانه مـن وجهين الأول أنه تعالى قال: {ولله المشرق والمغرب} فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان لـه وإنما كان كذلك لأن الجهة امر ممتد في الوهم طولا وعرضا وعمقـا وكل ما كان كذلك فهو منقسم وكل منقسم فهو مؤلف مركب وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق ومُوجِدٍ وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها أعني الفوق والتحت، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة فقد كان البارئ تعالى قبل خلق العالم مُنَزَّهاً من الجهات والأحياز فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة. الوجه الثاني أنه تعالى قال: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ولو كان الله تعالى جسما وله وجه جسماني لكان وجهه مختصا بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} فلما نـص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منـزه عن الجسمية، واحتج الخصم بالآية من وجهين الأول: أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا لمن كان جسما، الثاني: أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعا والسعة من صفة الأجسام. والجواب عن الأول أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكـذب قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} لأن الوجه لو كان محاذيا للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذيا للمغرب أيضا، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه: الأول: أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف، فقوله: {فثم وجه الله} أي فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبله. الثاني: أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر:

    أستغفر الله ذنبا لست أحصيه رب العباد إليه الوجه والعمل

    ونظيره قوله تعالى: {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض}. الثالث: أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله، ونظيره قوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله} يعني لرضوان الله، وقولـه: {كل شىء هالك إلا وجهه} يعني ما كان لرضا الله، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته، فلهذا سمى طلب الرضا بطلب وجهه. الرابع: أن الوجه صله كقولـه: {كل شىء هالك إلا وجهه} ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئا ءاخر غيره إنما يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى، فإنه يقال لهذا القائل: فما معنى قوله تعالى: {فثم وجه الله} مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد: فثم قبلته التي يُعبد بها، أو ثم رحمته ونعمته وطـريق ثوابه والتماس مرضاته. والجواب عن الثاني وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعا فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئا متبعضا فيفتقر إلى الخالق بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك أو على أنه واسع والعطاء والرحمة أو على أنه واسع الانعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه ولعل هذا الوجه بالكلام أليق، ولا يجوز حمله على السعة في العلم وإلا لكان ذكر العليم بعده تكرارا، فأما قوله: {عليم} في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يُخفي وما يُعلن وما يخفى على الله من شىء فيكون متحذرا عن التساهل، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {واسـع عليم} أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها.اهـ

    قال بدر الدين ابن جماعة في إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ما نصه: قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} لو أُريد الوجه نفسه لزم وجوده في جوانب الأرض ويلزم حصول ذات واحد في أماكن كثيرة متفرقة متباعدة وهو محال اتفاقا. اهـ ثم ذكر الرازي في تأويل هذه الآية ما نصه: عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: إنما نزلـت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر، وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة، فمعنى الآية {فأينما تولوا} وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم {فثم وجه الله} فقد صادفتم المطلوب.اهـ
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2002-08-20
  13. الباز الأشهب

    الباز الأشهب عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-04-15
    المشاركات:
    802
    الإعجاب :
    0
    للرفع لعل الله يهدي بك رجلا يا اخي ابو مؤمن.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2002-08-20
  15. خادم عمر

    خادم عمر عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-07-26
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك

    الله يحسن اليك يا ابو مؤمن ..

    ان شاء الله يكون ذلك في ميزان حسناتك يوم القيامة .

    الله يرزقك الجنة بجاه سيد الاولين والاخرين , وبحق اولياء الله العارفين , وبحق الصالحين ...

    امين يا ارحم الراحمين
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2002-08-21
  17. أبو مؤمن

    أبو مؤمن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-22
    المشاركات:
    55
    الإعجاب :
    0
    بيان تأويل القرب

    اعلم أن الله تبارك وتعالى منـزه الذات عن الاختصاص بالجهة والحيز والمكان والذي يدل على ذلك ءايات قرءانية كثيرة فضلا عن الحجة العقلية الدامغة لرد شبه المشبهة من وهابية وغيرهم أن الله تبارك وتعالى قبل خلق المكان كان بلا مكان وبعد أن خلق المكان لا يزال على ما عليه كان. فنقول لمن لا يخرج عن ظاهر قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} وحديث الجارية لإثباته المكان بدعوى عدم التأويل ماذا تقول في قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد في مسنده وهو حديث صحيح أصح من حديث الجارية: (إربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصمَّ ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا والذي تدعونه أقرب إلى أحدكـم) مـن عنق راحلة أحدكم. فإما أن تجعلوا القرءان مناقضا بعضه لبعض والحديث كذلـك فيكون ذلك تكذيبا لقوله تعالى: {قل لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافـا كثيرا}أي تناقضا كما قال ابن عباس وهذا اعتراف بكفركم لأن القرءان والحديث منـزهان عـن المناقضة وإن أولتم قوله تعالى: {فإني قريـب} وقوله صلى الله عليه وسلم: إنما تدعون سميعا قريبا ولم تأولوا ءاية الاستواء وحديث الجارية فهذا تحكم منكم أي تقول بلا دليل فيصدق فيكم قول الله تعالى في ذم اليهود: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره عند قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}:ـ المسألة الأولى: اعلم أنه ليس المراد من هذا القرب بالجهة والمكان، بل المراد منه القرب بالعلم والحفظ، فيحتاج ههنا إلى بيان مطلوبين: المطلوب الأول: في بيان أن هذا القرب ليس قربا بحسب المكان، ويدل عليه وجوه:ـ الأول: أنه لو كان في المكان مشارا إليه بالحس لكان منقسما، إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد، ولو كان منقسما لكانت ماهيته مفتقرة في تحققها إلى تحقق كل واحـد من أجزائها المفروضة وجزء الشىء غيره، فلو كان في مكان لكان مفتقرا إلى غيره والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته ومُحْدَث ومفتقر إلى الخالق، وذلك في حق الخالق القديم محال، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يكون في المكان فلا يكون قربه بالمكان. الثاني: أنه لو كان في المكان لكان إما أن يكون غير متناه عن جميع الجهات أو غير متناه عن جهة دون جهة أو كان متناهيا من كل الجوانب والأول محال لأن البراهين القاطعة دلت على أن فرض بُعـدٍ غير متناه محال، والثاني محال أيضا لهذا الوجه، ولأنه لو كان أحد الجانبين متناهيا والآخر غير متناه لكانت حقيقة هذا الجانب المتناهي مخالفة في الماهية لحقيقة ذلك الجانب الذي هو غير متناه فيلزم منه كونه تعالى مركبا من أجزاء مختلفة الطبائع والخصم لا يقول بذلك. وأما القسم الثالث وهو أن يكون متناهيا من كل الجوانب فذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا فبطل القول بأنه تعالى في الجهة. والثالث: وهو أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قربـاً بالجهة، وذلك لأنه لو كان في المكان لما كان قريبا من الكل، بل كان يكون قريبا من حملة العرش وبعيدا من غيرهم، ولكان إذا كان قريبا من زيد الذي هو بالمشرق كان بعيدا من عمْرٍو الذي هو بالمغرب، فلما دلت الآية على كونه تعالى قريبا من الكل، علمنا أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قربا بحسب الجهة، ولما بطل أن يكون المراد منه القرب بالجهة ثبت أن المراد منه القرب بمعنى أنه تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم، أو المراد من هذا القرب: العلم والحفظ. وعلى هذا الوجه قال تعالى: {وهو معكم أينما كنتم } وقال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وقال: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعم} اهـ



    وذكر الخازن في تفسيره لباب التأويل: وقوله تعالى: {قريب} معناه قريب بالعلم والحفظ، لا يخفى عليَّ شىء، وفيه إشارة إلى سهولة إجابته لمن دعاه وإنجاح حاجة من سأله. إذا توفرت شروط الدعاء.اهـ وقال النسفي في تفسيره مدارك التـنـزيل وحقائق التأويل: قوله: {قريب} عِلماً وإجابة لتعاليه عن القرب مكانا.اهـ

    وفي جامع الأحكام للقرطبي عند قوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} هو حبل العاتـق وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عنقه وهما وريدان عن يمين وعن شمال وهذا تمثيل للقرب أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه وليس على وجه قرب المسافة.اهـ وقال القرطبي أيضا عند قوله تعالى: {فإني قريب} أي بالإجابة، وقيل بالعلم، وقيل قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام.اهـ

    وقال ابن كثير في تفسيره: يعني ملائكته تعالى أقرب إليه من حبل وريده إليه ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول واتحاد وهما منفيان بالإجماع تعالى الله وتقدس فإن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنما قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.اهـ

    وقال البيهقي في الأسماء والصفات عند قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} يعني بالإجابة ألا تـراه قال: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} وقد قال: {ونحن أقرب إليه منكم} وإنما أراد بالعلم والقدرة لا قرب البقعة.اهـ



    قال الإمام بدر الدين بن جماعة في إيضاح الدليل ما نصه: قوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريـد} {ونحن أقرب إليه منكم} {فإني قريب أُجيب دعوة الداع} {إن ربي قريب مجيب} إذا ثبـت تنـزيه الرب تعالى عن الحيز والجهة والقرب الحسي والبعد العرفي وجب تأويل ذلك على ما يليق بجلاله وهو: قرب علمه ورحمته ولطفه ويؤيده قوله تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين}، أو قرب المنـزلة عنده كما يقال السلطان قريب من فلان إذا كانت له عنده منـزلة رفيعة، والسيد قريب من غلمانه إذا كان يتنازل معهم في مخاطبتهم وملاطفتهم وليس المراد ههنا قرب مسافة ولا مكان.اهـ وفي شرح الشفا لملا علي القاري ما نصه: إنه تعالى ليس في جهة ولا في حيِّز ومسافة ليكون للقرب غاية وللبعد منه نهاية واما القرب والبعد الثابت في نحو حديث: ولا مُقرب لما باعدت ولا مُباعد لما قربت فإنما هو القرب والبعد المعنوي لا الصوري والحسي.اهـ



    وأما قولـه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد واللفظ للبخاري قال: عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل قال: (إذا تقرب العبدُ إليّ شبرا تقربتُ إليه ذراعا وإذا تقرب إليّ ذراعا تقربت منه باعا وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة). قال الحافظ ابن حجر في الفتح ما نصه: قال ابن بطال: وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب إليه ووصفه بالإتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الأجسام وذلك في حقه تعالى محال فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبرا وذراعا وإتيانه ومشيه معناه التقرب إليه بطاعته وأداء مفترضاتـه ونوافله ويكون تقربه سبحانه من عبده وإتيانه والمشي عبارة عن إثابته على طاعته وتقربه من رحمته ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا. وقال ابن التين: القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى} فإن المراد به قرب الرتبة وتوفير الكرامة، والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الأجر. وقال الكرماني: لما قامت البراهين على استحالة هذه الأشياء في حق الله تعالى وجب أن يكون المعنى: مَن تقرب إلي بطاعة قليلة جازيته بثواب كثير وكلما زاد في الطاعة أزيد في الثواب وإن كانت كيفية إتيانه بالطاعة بطريق التأني يكون كيفية إتياني بالثواب بطريق الإسراع والحاصل أن الثواب راجح على العمل بطريق الكيف والكم ولفظ القرب والهرولة مجاز على سبيل المشاكلة أو الاستعارة أو إرادة لوازمها.اهـ

    قال الحافظ أحمد بن عمر القرطبي في كتابه المفهم لِما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ما نصه: هذه كلُّها أمثالٌ ضُربت لمن عمل عملا من أعمال الطاعات وقصد به التقرُّب إلى الله تعالى، يدلُّ على أن الله تعالى لا يضيعُ عملَ عامل وإن قلَّ بل يقبلهُ ويجعل له ثوابه مضاعفا، ولا يَفهَمُ من هذا الحديث الخُطا نقل الأقدام إلا من ساوى الحُمر في الأفهام. اهـ
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2002-08-21
  19. أبو مؤمن

    أبو مؤمن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-22
    المشاركات:
    55
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيكما يا أخي خادم عمر و أخي الباز الأشهب.
     

مشاركة هذه الصفحة