أكاديمية الكذابين

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 481   الردود : 0    ‏2002-08-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-11
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    قرأت في جريدة «البيان» الإماراتية، بأن أكاديمية الكذابين في مونكرابو، جنوب غربي فرنسا، قد توجت فرنسيا يناهز الخمسين من العمر، «ملكا للكذابين للعام 2002» بعد أن أقسم، وفقا لتقليد المسابقة، «بإخفاء الحقيقة، كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة». هذا مع العلم بأن المتوج، في السنة السابقة كان ألماني الجنسية، ويدعى موريس كودوان، وقد أختير من بين 12 مرشحا، بينهم امرأتان وذلك في العيد الثلاثين للكذابين، الذي احتفل به في أجواء من المرح. ويذكر أن كل متسابق، يروي «كذباته» وهو جالس على كرسي حجري في وسط القرية، كما يجري تقليديا منذ القرن الثامن عشر.
    وتضيف برقية وكالة فرنسا للأنباء، بأن الألماني موريس كودوان، تميز برواية قصة مؤسفة، تتعلق بأصول الجدار الذي يحيط بالكرسي الحجري الذي جلس عليه، موضحا انه حائط المبكى الذي نقله من القدس إلى مونكرابو، جنود الحملة الصليبية السابعة. واختتم ـ أي موريس كودوان ـ بالقول «فلينهر الجدار ّإذا كنت أكذب». وفي الحفل الذي توجه فيه ملك الكذابين السابق، والذي أحيته فرقة «مونكرابو الملكية» البلجيكية، قال الملك الذي سبقه عند تسليم لقبه للمتوج الجديد، بأنه شهد منذ اعتلائه العرش سنة رهيبة، لأن زوجته لم تعد تصدق أي كلمة يقولها، ودعا لجنة التحكيم إلى مساعدته بإقناعها بأنه ليس كذابا.
    وتضمنت نفس البرقية حديثا مقتضبا حول كيفية عمل لجنة التحكيم، فرئيس الأكاديمية السيد جيل لونيه يوضح بان الكذاب الجيد، هو شخص لا يؤذي أحدا، ويخلط بمهارة بين الحقيقة والكذب، مع جرعة كافية من الفكاهة، وهو ما يشير إلى أن عمل الأكاديمية يستند إلى فلسفة كاملة وتنظير محكم لمقولات الكذب. وعلاوة على رئيس الأكاديمية فإن هذه الفلسفة يشارك فيها أربعون عضوا في لجنة التحكيم من نساء ورجال، ويعبر كل عضو عن رأيه في الكذب، بسكب ما بين ملعقة وعشر ملاعق من الملح في كيس صغير، ويحدد الكيس الأكبر وزنا «ملك الكذابين»، أو «المصحح الأكبر لكل الحقائق»، الذي يمنح شهادة تنص على حقه في الكذب بدون عقاب في أي مكان وزمان.
    يبدو الخبر ـ كما تلاحظون ـ محكما غير أنه ناقص ومغلق، إذ قال كل شيء، باستثناء شروط الترشح للفوز بلقب «ملك الكذابين»، وكأن المسألة لتدابير خاصة جدا يقصد من ورائها، غلق باب الترشح امام المتطفلين على عرش الكذب!
    كما ان هذا الخبر بالذات، جعلني أفقد ثقتي في صفحة المنوعات، وبدأ الشك في أخلاقها العالية يستبد بي، بل اني على وشك اتهام هذه الأكاديمية بالتزوير، تماما كالتزوير الذي تتعرض له الانتخابات في بلدان العالم الثالث والعالم العربي الثالث. فالنتيجة كالعادة مخيبة للآمال، ومقاييس اختيار ملك الكذابين، لم تكن موضوعية، ولم تعتمد الكفاءة في الكذب كشرط أول وأخير لاعتلاء العرش. وكم كنت أتمنى أن تقطع هذه الأكاديمية مع الغش والتزوير، وأن تفتح باب الترشح على قدر المساواة في الكذب، فيتوج الملك الحقيقي على عرش الكذب، ونجنبه هول الظلم والإقصاء!
    وعودة إلى نص الخبر، وصف المحرر هذه الأكاديمية، بأنها فريدة من نوعها، وهو الوصف الوحيد الخارج عن الموضوع. فالفريد من نوعه يشترط فيه، خرق السائد، وتقديم عجب العجاب، بينما نجد أن هذه الأكاديمية، هي الأكاديمية المناسبة للزمن المناسب. وكما توجد الكذبة التي لا تؤذي أحدا، وتخلط بمهارة، بين الحقيقة والكذب مع جرعة كافية من الفكاهة، توجد أيضا «الكذبة البيضاء» ويوجد شهر طويل وعريض مفتوح على شتى الأكاذيب، هو شهر ابريل (نيسان)، وقديما قيل بأن أعذب الشعر أكذبه، وان المنجمين كاذبون وإن صدقوا، وساد في الأمثال الشعبية، ما معناه أن الكذب في اصلاح ذات البين جائز.
    ولا شك أيضا في أن الكذب درجات وألوان وأوزان وأشكال وأحجام وأنه بالإضافة إلى ذلك آلية من الآليات التي تستعملها النفس البشرية لإخفاء ضعفها وللدفاع أو للتمويه أو للهجوم، أي أنه استراتيجية، من استراتيجيات الحياة الإنسانية. إلا أنه مع ذلك فالكذب عدو الحضارة والبناء والتقدم. والصدق وحده مفتاح التطور والفرج، وهو بمفرده الكفيل بجعل الإنسان يظهر أجمل ما يملك من قدرة على مقاومة الزيف والخداع. لذلك قد لا نختلف في اعتبار الكذب أحد أهم أسباب الدمار الذي نعيش. فالساسة عندما يتلاعبون بمصائر الشعوب، هم يكذبون، وعندما يزورون الانتخابات لبقائهم على الكراسي، هم كذلك يكذبون، وعندما يعدون شعوبهم، ثم لا يشبعون توقعاتهم هم أيضا يكذبون. ثم ان الصراع العربي الاسرائيلي قائم على كذبة، وعلى تحريف طالا التاريخ واطلقا على فلسطين «ارض الميعاد»، وكل الدماء التي نزفت والأرواح التي زهقت تعد نتاجا لأكذوبة، أكلت من العمر العربي، العقود الكثيرة. والسيد بوش، الذي لا أصدق فيه إلا زلات لسانه، خاض الحرب، وعقد حاجبيه، بتعلة مقاومة الإرهاب، في حين ان أغراضه معروفة ومكشوفة، أي أن سيدة العالم، تكذب على العالم، والعالم يرعى أكاذيبها. يبدو أنه إذا دخل الكذب من الباب سقط البشر من النوافذ دونما أي رغبة في الانتحار. بل اني كامرأة، أسمح لنفسي، بأن أفشي سرا من أسرار النساء وأقول إن المرأة قد تقبل بالرجل الفقير، والرجل العنيف، والرجل العاجز، والرجل المتزمت... إلا الرجل الكاذب، لأن الكذب خفة عقل ترفضها أنوثة المرأة التي تريد أن ترى في الرجل كل الاعوجاج باستثناء الكذب، لذلك فإني أصدق ملك الكذابين السابق عندما اشتكى قائلا انه قضى سنة رهيبة مع زوجته التي لم تعد تصدقه.
    ومن المدهش أن أول من ينسى الكذبة هو صاحبها الذي ابتدعها، لذلك فإن كل ما يجري الآن ويُعتَمد، يشبه الغبار القاتل، ويؤكد لنا أن أكثرنا صدقا اليوم هو أقلنا كذبا ولهذا السبب فإن رئيس أكاديمية الكذابين مطلوب منه فتح باب الترشيحات للعموم، وبمقابل يضاهي مآسي الكذب!

    منقول ..للسيده / آمال موسى
     

مشاركة هذه الصفحة