في تعريف الفساد وسبل الحد منه: حالة اليمن

الكاتب : عاشق تعــز   المشاهدات : 455   الردود : 5    ‏2007-01-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-21
  1. عاشق تعــز

    عاشق تعــز عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-05-04
    المشاركات:
    1,067
    الإعجاب :
    0
    في تعريف الفساد وسبل الحد منه: حالة اليمن


    الفساد مفردة واسعة الانتشار في حديث الناس وفي الخطاب السياسي في اليمن ويثار كآفة تعوق تقدم المجتمع اليمني إن لم تكن تهدد بقاءه. فهل للفساد تعريف دقيق في مقاصد مختلف الذين يتحدثون عنه؟ ما علاقته كظاهرة اجتماعية بالسياسة؟ وهل هو فساد أم إفساد؟ قد يكون من المفيد المساهمة في إعادة تعريف الفساد وتحديد علاقته بالسياسة كما نفعل في السطور التالية.

    تعريف الفساد

    لغةً، فساد شيء ما كالغذاء هو تحوله عن حالته الصحية إلى حالة أخرى مرضية أو تحلل عناصره بحيث تفقد العناصر المفيدة قيمتها وتتكاثر العناصر الضارة مسببة تعفنه، فالغذاء يحمل عناصر فساد تستيقظ مع تجاوز فترة الحفظ أو بوجود ملوث خارجي كوضع اليد غير النظيفة فيه.
    الفساد في المجتمع يعني فساد تنظيمه (أو نظامه) السياسي والاقتصادي بحيث يخرج هذا التنظيم عن أسسه ووظائفه الأصلية أو أن العناصر والعلاقات الداخلة فيه تتحلل فتختفي العناصر الموجبة كقيم العدل، والتعاون بهدف قهر الظروف القاسية وجلب النفع، والحرص على المصلحة المشتركة لتطغى سلوكيات التشرذم والعنف وتغليب مصالح القلة النافذة على حساب عامة السكان. من علامات الفساد السياسي إنفراد جماعة ما بالسلطة السياسية واستخدام أجهزتها في قمع الآخرين ونهب أموالهم بغرض إضعافهم كي لا يشكلوا تهديدا لتلك الجماعة. وبصورة عامة، الفساد السياسي هو الحكم بوسائل أخرى غير ألأسس والمقومات السليمة للديمقراطية، أي: الانتخابات الحرة والشفافة، الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية وتوازنها، استقلالية القضاء، حرية الصحافة والتعبير، استقلالية وحرية منظمات المجتمع المدني. والملاحظ في حالة اليمن أن هذه الأسس والمقومات غائبة أو غير محترمة. بالطبع يبرر البعض الوضع القائم ويدعي أن الشعب غير مؤهل بعد لممارسة الديمقراطية الكاملة وهو إدعاء غير صحيح لأن اليمنيين يستخدمون الاختراعات الأخرى بنفس كفاءة الشعوب الديمقراطية ويمكنهم بالمثل ممارسة الديمقراطية بكفاءة، وحتى لو ترافقت الخطوات الأولى ببعض النواقص فلا يجب أن يكون ذلك مبرراً لإيقاف الديمقراطية وحرمان اليمنيين من التدرب عليها.
    فساد النظام الاقتصادي هو انعكاس للفساد السياسي وذلك معروف في التجارب أين توجد سلطة لها هدف ضيق يتمثل في الريع (النهب في التعبير الشعبي) وتكرس وضعاً يغيب فيه الأمن والقضاء وحماية الملكية والحرية الاقتصادية مما يرفع تكاليف الأنشطة الاقتصادية ويقتل الحوافز الإيجابية التي تشجع الأفراد على مضاعفة جهودهم في مراكمة الإنتاج والمعرفة وفي تشغيل موارد البلاد من المال والعمل، فيسود اقتصاد الكفاف ويبقى فقط قلة المستثمرين الذين يتذللون للسلطة ولا يمارسون إلا أنشطة محدودة ترضى عنها أو تشارك فيها وهو وضع ملموس أيضاً في حالة اليمن.
    يتحدث الناس أيضاً عن فساد إداري وهو نتيجة من نتائج الفساد السياسي لأن الإدارة تخضع غالباً للقرار السياسي ولا تتجاوزه فرئيس السلطة التنفيذية يعين المسئولين الإداريين والماليين ويمكنه عزلهم وذلك في حد ذاته يكفي لتجنيب الشعب فسادهم حتى لو لم يكن هناك قضاء يتولى لاحقاً معاقبتهم، وحتى لو أفلت هؤلاء عن الإرادة السياسية ففسادهم يظل محدوداً.
    أشرنا في حالة فساد الأغذية أنه قد يحدث بسبب تجاوز فترة الحفظ أو بسبب ملوث خارجي وينطبق ذلك على الفساد السياسي، ففترة سلطة الرئيس صالح في اليمن تجاوزت مدة صلاحيتها المعقولة ووصل الوضع إلى حالة عشعش فيها الفساد حسب ما يقول صالح نفسه في بعض خطاباته. كما أن التحلل ملحوظ ومن مظاهره سعي السلطة إلى إبعاد وإضعاف معارضيها من الشخصيات والتنظيمات السياسية ووجود التكنوقراط والسياسيين المستنيرين في المؤتمر الشعبي الحاكم كواجهة لا ثقل لها في اتخاذ القرارات. في نفس الوقت تحتشد عناصر كثيرة من أنصاف المتعلمين والوصوليين والمطبلين الذين يشكلون طابور فساد كبير يهدد صالح في خطاباته بأن لا يكون سائق تاكسي أو مظلة له. كما أن مصدر تلويث السلطة موجود ويتمثل في ثلاث عناصر. الأول ثقافي، فالسيرة الذاتية للرئيس صالح تبين أنه أقل تعليماً من سابقيه أو من منافسيه ويفترض أن يضعف ذلك قدرته في الإمساك بكل خيوط السياسة حتى لو أبدى براعة في التمسك بالسلطة، فتلك البراعة لا تكفي وهي تعطي فقط بريق السلطة دون سلطة حقيقية. ولا ينفع المستشارون في حالات كهذه لأنه معروف أن المقررين يأخذون من الاستشارات فقط ما يتناسب مع رؤيتهم. إذاً في الممارسة العملية يوجد الرئيس صالح منفكاً عن شروط وطموحات أي سياسة وطنية نظيفة. ألعنصر الثاني هو أن الأمن والجيش يتدخلان بقوة في السياسة على حساب المؤسسات الشرعية المختصة، والثالث هو أن تفشي النهب مهيمن مما يلوث النظام السياسي. لكن للفساد أسباب وآليات عمل أخرى فما هي؟

    ألأسباب الوجيهة للفساد

    ثقب الديمقراطية الاسود

    بالتعريف احتمالات الفساد السياسي لصيقة بالسياسة أي وجود الحكومة والدولة كأشياء عامة يصعب مراقبتها (الدولة هي الحكومة مع مجموعة الوظائف والأجهزة والمؤسسات التي تضعها في خدمة الجماعة). فلأفراد شعب ما حاجات خاصة يمكن لكل منهم تلبيتها منفردا كزراعة الأرض وبناء السكن وتحضير الطعام... الخ وحاجات مشتركة مع الآخرين لا يمكن تلبيتها إلا بتفويض جماعي كالدفاع والأمن أو بوسائل التحكيم كالقضاء ثم مع التطور ظهرت خدمات التعليم والصحة...الخ من هنا تنبع الحاجة إلى تفويض البعض منهم كي يتولى مهام إشباع هذه الحاجات المشتركة، هذا البعض يصبح حكومة. ثم تبرز مسالة كيف نختار هذه الحكومة وكيف نمول أعضائها ووظائفها. من البديهي أن يتم اختيار الحكومة بتوافق الجميع وأن توجد وسائل لمراقبتها ومحاسبتها وأن يحتفظ الأفراد بحق إبداء الرأي (حرية التعبير)، وقد تعددت وسائل اختيار و إفراز الحكومات، من بينها قبول الناس سابقاً بالمستبد العادل، إلا أن الوسيلة الأحدث والأمثل هي الديمقراطية التي أشرنا أعلاه إلى مقوماتها. ومصدر الفساد الذي نتحدث عنه هو أن يتم تعطيل بعض أو كل هذه المقومات وأن تنفذ جماعة ما إلى السلطة دون اختيار الجمهور وتغتصبها عبر حرمان ذلك الجمهور من ممارسة حق الاختيار أو المطالبة به.
    عندما نقول أن الفساد لصيق بالسياسة كشيء عام ندلل على ذلك بحالات وجود لامبالاة أو موقف سلبي من اختيار الحكومة. فمختلف أفراد الجماعة السياسية (أي الناخبون من أفراد الشعب) لا ينظرون إلى اختيار الحكومة بنفس الدرجة من الأهمية والجدية، فالبعض قد يعتبره فرض كفاية يمكن أن يقوم به البعض الأخر بل قد يتهرب من ممارسة الاختيار تجنباً لتكاليفه أو خوفاً من الصعوبات والمخاطر التي تحيط به. من هنا ينوجد ثقب أسود هو مصدر الفساد السياسي، إذ تتسلل من ذلك الثقب جماعة لتستولي على السلطة وتستمر فيها بدون شرعية أو بشرعية غبر أكيدة كإدعاء سلطة الرئيس صالح أنها وحدها صاحبة الفضل في صنع وحماية المنجزات والثوابت. وضع اللامبالاة والسلبية ماثل أمامنا الآن في اليمن فالأغلبية الساحقة من الناس متضررون من الفساد الملحوظ لكن جزء من هذه الأغلبية فقط يصوت من أجل تغيير الوضع والبعض الآخر يلزم الصمت بدلا عن المشاركة في التغيير المقترح أو اقتراح غيره مما يمنح للسلطة القائمة الفرصة لاعتباط نجاحات انتخابيه تفتقر إلى مقوماتها الواقعية
    .
    المال العام "السائب" يعلم السرقة

    عندما ننظر إلى مسألة التمويل فإنه يأتي إلى الحكومة من أفراد ومصادر عديدة لكن لا يمكن لكل واحد منهم تتبع ومراقبة استخدام المال الذي دفعه بل أن مساهمته تفقد صفتها الخاصة والمال يصبح عاما ليس لأحد بعينه بل يوجد بين يدي الحكومة. وإذا كانت الحكومة غير مختارة وخاضعة للرقابة والمساءلة والمحاسبة ديمقراطياً فأن ما يقع تحت يديها هو مال عام "سائب"، غير أن المال "السائب" يعلم السرقة كما تقول الحكمة الشعبية. ويمكن للحكومة أن تستخدمه دون خشية في تحقيق مصالح شخصية وشللية وذلك هو عين الفساد المالي. ثم يعود ذلك الفساد المالي ليغذي الفساد السياسي لأنه يوفر للسلطة أموالاً طائلة مجانية تسمح لها باكتساب وسائل الترغيب والترهيب اللازمة لديمومتها على حساب التغيير. ولعل أنصع الأمثلة على ذلك هو إنفاق مرشح السلطة المهول على حملته الانتخابية ضد بن شملان، فالمرشح صالح أنفق ملايين بل مليارات الريالات بالسهولة التي يشعل بها أحدنا سيجارة، مما يثير التساؤل عن كيف ينفق صالح بسهولة هذه الأموال بينما غالبية الشعب اليمني تعاني من نقص الغذاء والخدمات الأساسية.

    المركزية السياسية والإدارية

    إن المركزية السياسية والإدارية رافد رئيسي للفساد. فهي أولاً عبارة عن وضع مقلوب للتمثيل السياسي يتم فيه تمثيل السلطة لدى جماعات السكان بأشخاص معينين وظيفتهم جمع الجبايات والتطبيل للحاكم بدلا من تمثيل الجماعات في السلطة بأشخاص ومؤسسات وظيفتها التعبير عن حاجات وتطلعات هذه الجماعات والسعي لتحقيقها من خلال السلطة الجمعية، وثانيا تعني المركزية حشد الموارد المالية ووضعها بين يدي الحاكم الفرد كي يتصرف بها بطريقة عصية عمليا على الرقابة والمحاسبة، وثالثاً، تساعد المركزية على تكتل الفساد الأمر الذي يجعل قهره أمرا صعباً إن لم يكن مستحيلاً.

    خصوصية اليمن في مشكلة الفساد

    ليس الفساد ظاهرة خاصة باليمن إذ تعاني منه الدول العربية ودول أخرى كثيرة، لكن لليمن خصوصيته في الأمر. فحكام اليمن الحاليون أقل ثقافة من نظرائهم وبالتالي ينفقون "بفشرة"، ودون مراعاة لمشاعر الجمهور كما أن موارد اليمن ومستوى تطوره منخفضة ولذلك فإن بذخ الإنفاق السياسي وحجم الأموال التي يلتهمها الفساد لا يتناسبان وحجم الموارد وأثرهما في خلق واقع بؤس محسوس أكثر منه في أي مكان آخر.

    الحلول الممكنة

    تناضل قوى المعارضة السياسية والمدنية من أجل انتخابات نزيهة وإذا تحققت النزاهة فستكون من العوامل الحاسمة للحد من الفساد عبر تغيير السلطة ومن ثم العقليات والأداء، فكما ذكرنا أعلاه فإن تجاوز سلطة ما لفترتها المعقولة يؤدي إلى "عشعشة" الفساد.
    أن استخدام قوى المعارضة هذه بحرية لوسائل إعلام أوسع انتشاراً كالمحطات الإذاعية والتلفزيونية سيلعب دوراً حاسماً في توسيع رقعة الوعي الشعبي بمخاطر الفساد ومكامنه الأمر الذي سيعمل على تكوين رأي عام غالب يعاقب السلطات الفاسدة بانتخاب بديل عنها.
    اللامركزية من جهتها تلعب دورا أساسياً في مكافحة الفساد. أولاً، لأنها تنظيميا تحد من نفاذ قرارات الفساد، فعندما يكون النظام مركزيا فإن مفعول قراراته يسري على كل أرجاء البلاد وإذا كان المقرر فاسداً فإن مفعول الفساد سيتعمم عل الجميع، بينما في حالة اللامركزية سيكون هناك عدة مقررون، وبالافتراض الوجيه، البعض منهم فقط سيكون فاسداً وسيسري مفعول الفساد على جزء فقط وليس الكل من البلاد. ثانياًً، جزء فقط من الأموال العامة سيوجد بين يدي المقرر المركزي ولو كان فاسداً فإن فساده سيكون جزئياً بينما جزء الأموال الأخر سيوجد بين يدي السلطة المحلية التي هي على مقربة من ناخبيها وبالتالي معرضة أكثر للرقابة والمحاسبة. ثالثاً، الناخبون هنا أفضل دراية بحاجاتهم ولديهم معلومات أفضل عن موارد وأبواب الإنفاق وبالتالي سيصعب استغفالهم والكذب عليهم. وأخيراًً، اللامركزية وسيلة لتفكيك تكتل الفساد مما يسهل الحد منه أو القضاء عليه.

    خلاصة..فساد أم إفساد؟

    المنظمات الدولية التي تهتم بدراسة الفساد عادة ما تهمل الفساد السياسي منطلقة من اعتبار أن الحكومات هي التي تسهر على تطبيق القانون وتشجيع القيم الأخلاقية أي أن الحكومات "حاميها وليس حراميها" وان الفساد يأتي من جهة جماعات الضغط ذات النفوذ كبعض رجال الأعمال وبعض ممثلي النقابات والبيروقراطية الذين يودون تفسير القانون او تطبيقه بما يخدم مصالحهم الخاصة وتسعون إلى ذلك عبر توجيه قرارات الحكومة الوجهة المرغوبة أو إرباكها بغرض افشالها. بعض الموظفين والساسة يسهلون المهمة لهذه الجماعات نظير مبالغ مالية او امتيازات في نهاية المطاف ضئيلة ويعتبرون مع ذلك خارجين على القانون ومعرضين بالتالي للمحاسبة والعقاب. هذا الاعتبار يخالف واقع عديد من البلدان ويدل على جهل هذه المنظمات بذلك الواقع. فالفساد في اليمن منتج سياسي أكثر منه منتج لطمع البيروقراطية والنقابات أو لجشع رجال الإعمال، فالسلطة أكثر قوة ونفوذا من هذه الجماعات وهناك دلائل على أنها تمارس الفساد عنوة عبر الاستحواذ على الأموال العامة وتتغاضى عن ممارسته، وأي كان الأمر فأن الفساد يوظف لتحقيق المصالح الخاصة للساسة كإشباع الاستهلاك الباذخ أو الحفاظ على السلطة. بهذه الطريقة يصبح الفساد إفساداً، والمصطلح الأخير ظهر في خضم الجدل السياسي في بداية التسعينات لتصحيح الأول. وهو مصطلح وجيه وتعززه ثلاث دلائل. الأولى: هي أننا لم نشهد منذ الـ30 سنة الأخيرة محاكمة ومعاقبة أي فاسد، والثانية: أن الفساد ليس قضاءً وقدراً وحسب وإنما عملاً مدبراً يندرج ضمن إستراتيجيات التشبث بالسلطة ومن مظاهره الإنفاق اللامحدود للأموال العامة في اكتساب وسائل القوة والدعاية الشخصية وفي شراء الذمم بغرض التشبث بالسلطة، إعاقة الإصلاحات الدستورية والقانونية الجوهرية، تفريخ الأحزاب والمنظمات المدنية..الخ والثالثة: أن الإفساد يشتد حدة كلما ظهرت دعوة جادة للقضاء على الفساد كما حدث أثناء الأزمة التي انتهت بحرب 94 أو بمناسبة أنتخابات الـ20 من سبتمبر 2006. أخيراً، هناك مسوغ جوهري للإفساد وهو التمويه وصرف الانتباه عن مركز الفساد أي أن الشلة التي لها الكلمة الفصل في فساد أي سلطة تعمل على تعميم الفساد من جهة كي لا تكون وحدها المتهمة به ومن جهة أخرى كي لا تواجه – كقلة - محاولات القضاء عليه فتهزم.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-21
  3. عاشق تعــز

    عاشق تعــز عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-05-04
    المشاركات:
    1,067
    الإعجاب :
    0
    في تعريف الفساد وسبل الحد منه: حالة اليمن


    الفساد مفردة واسعة الانتشار في حديث الناس وفي الخطاب السياسي في اليمن ويثار كآفة تعوق تقدم المجتمع اليمني إن لم تكن تهدد بقاءه. فهل للفساد تعريف دقيق في مقاصد مختلف الذين يتحدثون عنه؟ ما علاقته كظاهرة اجتماعية بالسياسة؟ وهل هو فساد أم إفساد؟ قد يكون من المفيد المساهمة في إعادة تعريف الفساد وتحديد علاقته بالسياسة كما نفعل في السطور التالية.

    تعريف الفساد

    لغةً، فساد شيء ما كالغذاء هو تحوله عن حالته الصحية إلى حالة أخرى مرضية أو تحلل عناصره بحيث تفقد العناصر المفيدة قيمتها وتتكاثر العناصر الضارة مسببة تعفنه، فالغذاء يحمل عناصر فساد تستيقظ مع تجاوز فترة الحفظ أو بوجود ملوث خارجي كوضع اليد غير النظيفة فيه.
    الفساد في المجتمع يعني فساد تنظيمه (أو نظامه) السياسي والاقتصادي بحيث يخرج هذا التنظيم عن أسسه ووظائفه الأصلية أو أن العناصر والعلاقات الداخلة فيه تتحلل فتختفي العناصر الموجبة كقيم العدل، والتعاون بهدف قهر الظروف القاسية وجلب النفع، والحرص على المصلحة المشتركة لتطغى سلوكيات التشرذم والعنف وتغليب مصالح القلة النافذة على حساب عامة السكان. من علامات الفساد السياسي إنفراد جماعة ما بالسلطة السياسية واستخدام أجهزتها في قمع الآخرين ونهب أموالهم بغرض إضعافهم كي لا يشكلوا تهديدا لتلك الجماعة. وبصورة عامة، الفساد السياسي هو الحكم بوسائل أخرى غير ألأسس والمقومات السليمة للديمقراطية، أي: الانتخابات الحرة والشفافة، الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية وتوازنها، استقلالية القضاء، حرية الصحافة والتعبير، استقلالية وحرية منظمات المجتمع المدني. والملاحظ في حالة اليمن أن هذه الأسس والمقومات غائبة أو غير محترمة. بالطبع يبرر البعض الوضع القائم ويدعي أن الشعب غير مؤهل بعد لممارسة الديمقراطية الكاملة وهو إدعاء غير صحيح لأن اليمنيين يستخدمون الاختراعات الأخرى بنفس كفاءة الشعوب الديمقراطية ويمكنهم بالمثل ممارسة الديمقراطية بكفاءة، وحتى لو ترافقت الخطوات الأولى ببعض النواقص فلا يجب أن يكون ذلك مبرراً لإيقاف الديمقراطية وحرمان اليمنيين من التدرب عليها.
    فساد النظام الاقتصادي هو انعكاس للفساد السياسي وذلك معروف في التجارب أين توجد سلطة لها هدف ضيق يتمثل في الريع (النهب في التعبير الشعبي) وتكرس وضعاً يغيب فيه الأمن والقضاء وحماية الملكية والحرية الاقتصادية مما يرفع تكاليف الأنشطة الاقتصادية ويقتل الحوافز الإيجابية التي تشجع الأفراد على مضاعفة جهودهم في مراكمة الإنتاج والمعرفة وفي تشغيل موارد البلاد من المال والعمل، فيسود اقتصاد الكفاف ويبقى فقط قلة المستثمرين الذين يتذللون للسلطة ولا يمارسون إلا أنشطة محدودة ترضى عنها أو تشارك فيها وهو وضع ملموس أيضاً في حالة اليمن.
    يتحدث الناس أيضاً عن فساد إداري وهو نتيجة من نتائج الفساد السياسي لأن الإدارة تخضع غالباً للقرار السياسي ولا تتجاوزه فرئيس السلطة التنفيذية يعين المسئولين الإداريين والماليين ويمكنه عزلهم وذلك في حد ذاته يكفي لتجنيب الشعب فسادهم حتى لو لم يكن هناك قضاء يتولى لاحقاً معاقبتهم، وحتى لو أفلت هؤلاء عن الإرادة السياسية ففسادهم يظل محدوداً.
    أشرنا في حالة فساد الأغذية أنه قد يحدث بسبب تجاوز فترة الحفظ أو بسبب ملوث خارجي وينطبق ذلك على الفساد السياسي، ففترة سلطة الرئيس صالح في اليمن تجاوزت مدة صلاحيتها المعقولة ووصل الوضع إلى حالة عشعش فيها الفساد حسب ما يقول صالح نفسه في بعض خطاباته. كما أن التحلل ملحوظ ومن مظاهره سعي السلطة إلى إبعاد وإضعاف معارضيها من الشخصيات والتنظيمات السياسية ووجود التكنوقراط والسياسيين المستنيرين في المؤتمر الشعبي الحاكم كواجهة لا ثقل لها في اتخاذ القرارات. في نفس الوقت تحتشد عناصر كثيرة من أنصاف المتعلمين والوصوليين والمطبلين الذين يشكلون طابور فساد كبير يهدد صالح في خطاباته بأن لا يكون سائق تاكسي أو مظلة له. كما أن مصدر تلويث السلطة موجود ويتمثل في ثلاث عناصر. الأول ثقافي، فالسيرة الذاتية للرئيس صالح تبين أنه أقل تعليماً من سابقيه أو من منافسيه ويفترض أن يضعف ذلك قدرته في الإمساك بكل خيوط السياسة حتى لو أبدى براعة في التمسك بالسلطة، فتلك البراعة لا تكفي وهي تعطي فقط بريق السلطة دون سلطة حقيقية. ولا ينفع المستشارون في حالات كهذه لأنه معروف أن المقررين يأخذون من الاستشارات فقط ما يتناسب مع رؤيتهم. إذاً في الممارسة العملية يوجد الرئيس صالح منفكاً عن شروط وطموحات أي سياسة وطنية نظيفة. ألعنصر الثاني هو أن الأمن والجيش يتدخلان بقوة في السياسة على حساب المؤسسات الشرعية المختصة، والثالث هو أن تفشي النهب مهيمن مما يلوث النظام السياسي. لكن للفساد أسباب وآليات عمل أخرى فما هي؟

    ألأسباب الوجيهة للفساد

    ثقب الديمقراطية الاسود

    بالتعريف احتمالات الفساد السياسي لصيقة بالسياسة أي وجود الحكومة والدولة كأشياء عامة يصعب مراقبتها (الدولة هي الحكومة مع مجموعة الوظائف والأجهزة والمؤسسات التي تضعها في خدمة الجماعة). فلأفراد شعب ما حاجات خاصة يمكن لكل منهم تلبيتها منفردا كزراعة الأرض وبناء السكن وتحضير الطعام... الخ وحاجات مشتركة مع الآخرين لا يمكن تلبيتها إلا بتفويض جماعي كالدفاع والأمن أو بوسائل التحكيم كالقضاء ثم مع التطور ظهرت خدمات التعليم والصحة...الخ من هنا تنبع الحاجة إلى تفويض البعض منهم كي يتولى مهام إشباع هذه الحاجات المشتركة، هذا البعض يصبح حكومة. ثم تبرز مسالة كيف نختار هذه الحكومة وكيف نمول أعضائها ووظائفها. من البديهي أن يتم اختيار الحكومة بتوافق الجميع وأن توجد وسائل لمراقبتها ومحاسبتها وأن يحتفظ الأفراد بحق إبداء الرأي (حرية التعبير)، وقد تعددت وسائل اختيار و إفراز الحكومات، من بينها قبول الناس سابقاً بالمستبد العادل، إلا أن الوسيلة الأحدث والأمثل هي الديمقراطية التي أشرنا أعلاه إلى مقوماتها. ومصدر الفساد الذي نتحدث عنه هو أن يتم تعطيل بعض أو كل هذه المقومات وأن تنفذ جماعة ما إلى السلطة دون اختيار الجمهور وتغتصبها عبر حرمان ذلك الجمهور من ممارسة حق الاختيار أو المطالبة به.
    عندما نقول أن الفساد لصيق بالسياسة كشيء عام ندلل على ذلك بحالات وجود لامبالاة أو موقف سلبي من اختيار الحكومة. فمختلف أفراد الجماعة السياسية (أي الناخبون من أفراد الشعب) لا ينظرون إلى اختيار الحكومة بنفس الدرجة من الأهمية والجدية، فالبعض قد يعتبره فرض كفاية يمكن أن يقوم به البعض الأخر بل قد يتهرب من ممارسة الاختيار تجنباً لتكاليفه أو خوفاً من الصعوبات والمخاطر التي تحيط به. من هنا ينوجد ثقب أسود هو مصدر الفساد السياسي، إذ تتسلل من ذلك الثقب جماعة لتستولي على السلطة وتستمر فيها بدون شرعية أو بشرعية غبر أكيدة كإدعاء سلطة الرئيس صالح أنها وحدها صاحبة الفضل في صنع وحماية المنجزات والثوابت. وضع اللامبالاة والسلبية ماثل أمامنا الآن في اليمن فالأغلبية الساحقة من الناس متضررون من الفساد الملحوظ لكن جزء من هذه الأغلبية فقط يصوت من أجل تغيير الوضع والبعض الآخر يلزم الصمت بدلا عن المشاركة في التغيير المقترح أو اقتراح غيره مما يمنح للسلطة القائمة الفرصة لاعتباط نجاحات انتخابيه تفتقر إلى مقوماتها الواقعية
    .
    المال العام "السائب" يعلم السرقة

    عندما ننظر إلى مسألة التمويل فإنه يأتي إلى الحكومة من أفراد ومصادر عديدة لكن لا يمكن لكل واحد منهم تتبع ومراقبة استخدام المال الذي دفعه بل أن مساهمته تفقد صفتها الخاصة والمال يصبح عاما ليس لأحد بعينه بل يوجد بين يدي الحكومة. وإذا كانت الحكومة غير مختارة وخاضعة للرقابة والمساءلة والمحاسبة ديمقراطياً فأن ما يقع تحت يديها هو مال عام "سائب"، غير أن المال "السائب" يعلم السرقة كما تقول الحكمة الشعبية. ويمكن للحكومة أن تستخدمه دون خشية في تحقيق مصالح شخصية وشللية وذلك هو عين الفساد المالي. ثم يعود ذلك الفساد المالي ليغذي الفساد السياسي لأنه يوفر للسلطة أموالاً طائلة مجانية تسمح لها باكتساب وسائل الترغيب والترهيب اللازمة لديمومتها على حساب التغيير. ولعل أنصع الأمثلة على ذلك هو إنفاق مرشح السلطة المهول على حملته الانتخابية ضد بن شملان، فالمرشح صالح أنفق ملايين بل مليارات الريالات بالسهولة التي يشعل بها أحدنا سيجارة، مما يثير التساؤل عن كيف ينفق صالح بسهولة هذه الأموال بينما غالبية الشعب اليمني تعاني من نقص الغذاء والخدمات الأساسية.

    المركزية السياسية والإدارية

    إن المركزية السياسية والإدارية رافد رئيسي للفساد. فهي أولاً عبارة عن وضع مقلوب للتمثيل السياسي يتم فيه تمثيل السلطة لدى جماعات السكان بأشخاص معينين وظيفتهم جمع الجبايات والتطبيل للحاكم بدلا من تمثيل الجماعات في السلطة بأشخاص ومؤسسات وظيفتها التعبير عن حاجات وتطلعات هذه الجماعات والسعي لتحقيقها من خلال السلطة الجمعية، وثانيا تعني المركزية حشد الموارد المالية ووضعها بين يدي الحاكم الفرد كي يتصرف بها بطريقة عصية عمليا على الرقابة والمحاسبة، وثالثاً، تساعد المركزية على تكتل الفساد الأمر الذي يجعل قهره أمرا صعباً إن لم يكن مستحيلاً.

    خصوصية اليمن في مشكلة الفساد

    ليس الفساد ظاهرة خاصة باليمن إذ تعاني منه الدول العربية ودول أخرى كثيرة، لكن لليمن خصوصيته في الأمر. فحكام اليمن الحاليون أقل ثقافة من نظرائهم وبالتالي ينفقون "بفشرة"، ودون مراعاة لمشاعر الجمهور كما أن موارد اليمن ومستوى تطوره منخفضة ولذلك فإن بذخ الإنفاق السياسي وحجم الأموال التي يلتهمها الفساد لا يتناسبان وحجم الموارد وأثرهما في خلق واقع بؤس محسوس أكثر منه في أي مكان آخر.

    الحلول الممكنة

    تناضل قوى المعارضة السياسية والمدنية من أجل انتخابات نزيهة وإذا تحققت النزاهة فستكون من العوامل الحاسمة للحد من الفساد عبر تغيير السلطة ومن ثم العقليات والأداء، فكما ذكرنا أعلاه فإن تجاوز سلطة ما لفترتها المعقولة يؤدي إلى "عشعشة" الفساد.
    أن استخدام قوى المعارضة هذه بحرية لوسائل إعلام أوسع انتشاراً كالمحطات الإذاعية والتلفزيونية سيلعب دوراً حاسماً في توسيع رقعة الوعي الشعبي بمخاطر الفساد ومكامنه الأمر الذي سيعمل على تكوين رأي عام غالب يعاقب السلطات الفاسدة بانتخاب بديل عنها.
    اللامركزية من جهتها تلعب دورا أساسياً في مكافحة الفساد. أولاً، لأنها تنظيميا تحد من نفاذ قرارات الفساد، فعندما يكون النظام مركزيا فإن مفعول قراراته يسري على كل أرجاء البلاد وإذا كان المقرر فاسداً فإن مفعول الفساد سيتعمم عل الجميع، بينما في حالة اللامركزية سيكون هناك عدة مقررون، وبالافتراض الوجيه، البعض منهم فقط سيكون فاسداً وسيسري مفعول الفساد على جزء فقط وليس الكل من البلاد. ثانياًً، جزء فقط من الأموال العامة سيوجد بين يدي المقرر المركزي ولو كان فاسداً فإن فساده سيكون جزئياً بينما جزء الأموال الأخر سيوجد بين يدي السلطة المحلية التي هي على مقربة من ناخبيها وبالتالي معرضة أكثر للرقابة والمحاسبة. ثالثاً، الناخبون هنا أفضل دراية بحاجاتهم ولديهم معلومات أفضل عن موارد وأبواب الإنفاق وبالتالي سيصعب استغفالهم والكذب عليهم. وأخيراًً، اللامركزية وسيلة لتفكيك تكتل الفساد مما يسهل الحد منه أو القضاء عليه.

    خلاصة..فساد أم إفساد؟

    المنظمات الدولية التي تهتم بدراسة الفساد عادة ما تهمل الفساد السياسي منطلقة من اعتبار أن الحكومات هي التي تسهر على تطبيق القانون وتشجيع القيم الأخلاقية أي أن الحكومات "حاميها وليس حراميها" وان الفساد يأتي من جهة جماعات الضغط ذات النفوذ كبعض رجال الأعمال وبعض ممثلي النقابات والبيروقراطية الذين يودون تفسير القانون او تطبيقه بما يخدم مصالحهم الخاصة وتسعون إلى ذلك عبر توجيه قرارات الحكومة الوجهة المرغوبة أو إرباكها بغرض افشالها. بعض الموظفين والساسة يسهلون المهمة لهذه الجماعات نظير مبالغ مالية او امتيازات في نهاية المطاف ضئيلة ويعتبرون مع ذلك خارجين على القانون ومعرضين بالتالي للمحاسبة والعقاب. هذا الاعتبار يخالف واقع عديد من البلدان ويدل على جهل هذه المنظمات بذلك الواقع. فالفساد في اليمن منتج سياسي أكثر منه منتج لطمع البيروقراطية والنقابات أو لجشع رجال الإعمال، فالسلطة أكثر قوة ونفوذا من هذه الجماعات وهناك دلائل على أنها تمارس الفساد عنوة عبر الاستحواذ على الأموال العامة وتتغاضى عن ممارسته، وأي كان الأمر فأن الفساد يوظف لتحقيق المصالح الخاصة للساسة كإشباع الاستهلاك الباذخ أو الحفاظ على السلطة. بهذه الطريقة يصبح الفساد إفساداً، والمصطلح الأخير ظهر في خضم الجدل السياسي في بداية التسعينات لتصحيح الأول. وهو مصطلح وجيه وتعززه ثلاث دلائل. الأولى: هي أننا لم نشهد منذ الـ30 سنة الأخيرة محاكمة ومعاقبة أي فاسد، والثانية: أن الفساد ليس قضاءً وقدراً وحسب وإنما عملاً مدبراً يندرج ضمن إستراتيجيات التشبث بالسلطة ومن مظاهره الإنفاق اللامحدود للأموال العامة في اكتساب وسائل القوة والدعاية الشخصية وفي شراء الذمم بغرض التشبث بالسلطة، إعاقة الإصلاحات الدستورية والقانونية الجوهرية، تفريخ الأحزاب والمنظمات المدنية..الخ والثالثة: أن الإفساد يشتد حدة كلما ظهرت دعوة جادة للقضاء على الفساد كما حدث أثناء الأزمة التي انتهت بحرب 94 أو بمناسبة أنتخابات الـ20 من سبتمبر 2006. أخيراً، هناك مسوغ جوهري للإفساد وهو التمويه وصرف الانتباه عن مركز الفساد أي أن الشلة التي لها الكلمة الفصل في فساد أي سلطة تعمل على تعميم الفساد من جهة كي لا تكون وحدها المتهمة به ومن جهة أخرى كي لا تواجه – كقلة - محاولات القضاء عليه فتهزم.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-01-21
  5. عاشق تعــز

    عاشق تعــز عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-05-04
    المشاركات:
    1,067
    الإعجاب :
    0
    في تعريف الفساد وسبل الحد منه: حالة اليمن


    الفساد مفردة واسعة الانتشار في حديث الناس وفي الخطاب السياسي في اليمن ويثار كآفة تعوق تقدم المجتمع اليمني إن لم تكن تهدد بقاءه. فهل للفساد تعريف دقيق في مقاصد مختلف الذين يتحدثون عنه؟ ما علاقته كظاهرة اجتماعية بالسياسة؟ وهل هو فساد أم إفساد؟ قد يكون من المفيد المساهمة في إعادة تعريف الفساد وتحديد علاقته بالسياسة كما نفعل في السطور التالية.

    تعريف الفساد

    لغةً، فساد شيء ما كالغذاء هو تحوله عن حالته الصحية إلى حالة أخرى مرضية أو تحلل عناصره بحيث تفقد العناصر المفيدة قيمتها وتتكاثر العناصر الضارة مسببة تعفنه، فالغذاء يحمل عناصر فساد تستيقظ مع تجاوز فترة الحفظ أو بوجود ملوث خارجي كوضع اليد غير النظيفة فيه.
    الفساد في المجتمع يعني فساد تنظيمه (أو نظامه) السياسي والاقتصادي بحيث يخرج هذا التنظيم عن أسسه ووظائفه الأصلية أو أن العناصر والعلاقات الداخلة فيه تتحلل فتختفي العناصر الموجبة كقيم العدل، والتعاون بهدف قهر الظروف القاسية وجلب النفع، والحرص على المصلحة المشتركة لتطغى سلوكيات التشرذم والعنف وتغليب مصالح القلة النافذة على حساب عامة السكان. من علامات الفساد السياسي إنفراد جماعة ما بالسلطة السياسية واستخدام أجهزتها في قمع الآخرين ونهب أموالهم بغرض إضعافهم كي لا يشكلوا تهديدا لتلك الجماعة. وبصورة عامة، الفساد السياسي هو الحكم بوسائل أخرى غير ألأسس والمقومات السليمة للديمقراطية، أي: الانتخابات الحرة والشفافة، الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية وتوازنها، استقلالية القضاء، حرية الصحافة والتعبير، استقلالية وحرية منظمات المجتمع المدني. والملاحظ في حالة اليمن أن هذه الأسس والمقومات غائبة أو غير محترمة. بالطبع يبرر البعض الوضع القائم ويدعي أن الشعب غير مؤهل بعد لممارسة الديمقراطية الكاملة وهو إدعاء غير صحيح لأن اليمنيين يستخدمون الاختراعات الأخرى بنفس كفاءة الشعوب الديمقراطية ويمكنهم بالمثل ممارسة الديمقراطية بكفاءة، وحتى لو ترافقت الخطوات الأولى ببعض النواقص فلا يجب أن يكون ذلك مبرراً لإيقاف الديمقراطية وحرمان اليمنيين من التدرب عليها.
    فساد النظام الاقتصادي هو انعكاس للفساد السياسي وذلك معروف في التجارب أين توجد سلطة لها هدف ضيق يتمثل في الريع (النهب في التعبير الشعبي) وتكرس وضعاً يغيب فيه الأمن والقضاء وحماية الملكية والحرية الاقتصادية مما يرفع تكاليف الأنشطة الاقتصادية ويقتل الحوافز الإيجابية التي تشجع الأفراد على مضاعفة جهودهم في مراكمة الإنتاج والمعرفة وفي تشغيل موارد البلاد من المال والعمل، فيسود اقتصاد الكفاف ويبقى فقط قلة المستثمرين الذين يتذللون للسلطة ولا يمارسون إلا أنشطة محدودة ترضى عنها أو تشارك فيها وهو وضع ملموس أيضاً في حالة اليمن.
    يتحدث الناس أيضاً عن فساد إداري وهو نتيجة من نتائج الفساد السياسي لأن الإدارة تخضع غالباً للقرار السياسي ولا تتجاوزه فرئيس السلطة التنفيذية يعين المسئولين الإداريين والماليين ويمكنه عزلهم وذلك في حد ذاته يكفي لتجنيب الشعب فسادهم حتى لو لم يكن هناك قضاء يتولى لاحقاً معاقبتهم، وحتى لو أفلت هؤلاء عن الإرادة السياسية ففسادهم يظل محدوداً.
    أشرنا في حالة فساد الأغذية أنه قد يحدث بسبب تجاوز فترة الحفظ أو بسبب ملوث خارجي وينطبق ذلك على الفساد السياسي، ففترة سلطة الرئيس صالح في اليمن تجاوزت مدة صلاحيتها المعقولة ووصل الوضع إلى حالة عشعش فيها الفساد حسب ما يقول صالح نفسه في بعض خطاباته. كما أن التحلل ملحوظ ومن مظاهره سعي السلطة إلى إبعاد وإضعاف معارضيها من الشخصيات والتنظيمات السياسية ووجود التكنوقراط والسياسيين المستنيرين في المؤتمر الشعبي الحاكم كواجهة لا ثقل لها في اتخاذ القرارات. في نفس الوقت تحتشد عناصر كثيرة من أنصاف المتعلمين والوصوليين والمطبلين الذين يشكلون طابور فساد كبير يهدد صالح في خطاباته بأن لا يكون سائق تاكسي أو مظلة له. كما أن مصدر تلويث السلطة موجود ويتمثل في ثلاث عناصر. الأول ثقافي، فالسيرة الذاتية للرئيس صالح تبين أنه أقل تعليماً من سابقيه أو من منافسيه ويفترض أن يضعف ذلك قدرته في الإمساك بكل خيوط السياسة حتى لو أبدى براعة في التمسك بالسلطة، فتلك البراعة لا تكفي وهي تعطي فقط بريق السلطة دون سلطة حقيقية. ولا ينفع المستشارون في حالات كهذه لأنه معروف أن المقررين يأخذون من الاستشارات فقط ما يتناسب مع رؤيتهم. إذاً في الممارسة العملية يوجد الرئيس صالح منفكاً عن شروط وطموحات أي سياسة وطنية نظيفة. ألعنصر الثاني هو أن الأمن والجيش يتدخلان بقوة في السياسة على حساب المؤسسات الشرعية المختصة، والثالث هو أن تفشي النهب مهيمن مما يلوث النظام السياسي. لكن للفساد أسباب وآليات عمل أخرى فما هي؟

    ألأسباب الوجيهة للفساد

    ثقب الديمقراطية الاسود

    بالتعريف احتمالات الفساد السياسي لصيقة بالسياسة أي وجود الحكومة والدولة كأشياء عامة يصعب مراقبتها (الدولة هي الحكومة مع مجموعة الوظائف والأجهزة والمؤسسات التي تضعها في خدمة الجماعة). فلأفراد شعب ما حاجات خاصة يمكن لكل منهم تلبيتها منفردا كزراعة الأرض وبناء السكن وتحضير الطعام... الخ وحاجات مشتركة مع الآخرين لا يمكن تلبيتها إلا بتفويض جماعي كالدفاع والأمن أو بوسائل التحكيم كالقضاء ثم مع التطور ظهرت خدمات التعليم والصحة...الخ من هنا تنبع الحاجة إلى تفويض البعض منهم كي يتولى مهام إشباع هذه الحاجات المشتركة، هذا البعض يصبح حكومة. ثم تبرز مسالة كيف نختار هذه الحكومة وكيف نمول أعضائها ووظائفها. من البديهي أن يتم اختيار الحكومة بتوافق الجميع وأن توجد وسائل لمراقبتها ومحاسبتها وأن يحتفظ الأفراد بحق إبداء الرأي (حرية التعبير)، وقد تعددت وسائل اختيار و إفراز الحكومات، من بينها قبول الناس سابقاً بالمستبد العادل، إلا أن الوسيلة الأحدث والأمثل هي الديمقراطية التي أشرنا أعلاه إلى مقوماتها. ومصدر الفساد الذي نتحدث عنه هو أن يتم تعطيل بعض أو كل هذه المقومات وأن تنفذ جماعة ما إلى السلطة دون اختيار الجمهور وتغتصبها عبر حرمان ذلك الجمهور من ممارسة حق الاختيار أو المطالبة به.
    عندما نقول أن الفساد لصيق بالسياسة كشيء عام ندلل على ذلك بحالات وجود لامبالاة أو موقف سلبي من اختيار الحكومة. فمختلف أفراد الجماعة السياسية (أي الناخبون من أفراد الشعب) لا ينظرون إلى اختيار الحكومة بنفس الدرجة من الأهمية والجدية، فالبعض قد يعتبره فرض كفاية يمكن أن يقوم به البعض الأخر بل قد يتهرب من ممارسة الاختيار تجنباً لتكاليفه أو خوفاً من الصعوبات والمخاطر التي تحيط به. من هنا ينوجد ثقب أسود هو مصدر الفساد السياسي، إذ تتسلل من ذلك الثقب جماعة لتستولي على السلطة وتستمر فيها بدون شرعية أو بشرعية غبر أكيدة كإدعاء سلطة الرئيس صالح أنها وحدها صاحبة الفضل في صنع وحماية المنجزات والثوابت. وضع اللامبالاة والسلبية ماثل أمامنا الآن في اليمن فالأغلبية الساحقة من الناس متضررون من الفساد الملحوظ لكن جزء من هذه الأغلبية فقط يصوت من أجل تغيير الوضع والبعض الآخر يلزم الصمت بدلا عن المشاركة في التغيير المقترح أو اقتراح غيره مما يمنح للسلطة القائمة الفرصة لاعتباط نجاحات انتخابيه تفتقر إلى مقوماتها الواقعية
    .
    المال العام "السائب" يعلم السرقة

    عندما ننظر إلى مسألة التمويل فإنه يأتي إلى الحكومة من أفراد ومصادر عديدة لكن لا يمكن لكل واحد منهم تتبع ومراقبة استخدام المال الذي دفعه بل أن مساهمته تفقد صفتها الخاصة والمال يصبح عاما ليس لأحد بعينه بل يوجد بين يدي الحكومة. وإذا كانت الحكومة غير مختارة وخاضعة للرقابة والمساءلة والمحاسبة ديمقراطياً فأن ما يقع تحت يديها هو مال عام "سائب"، غير أن المال "السائب" يعلم السرقة كما تقول الحكمة الشعبية. ويمكن للحكومة أن تستخدمه دون خشية في تحقيق مصالح شخصية وشللية وذلك هو عين الفساد المالي. ثم يعود ذلك الفساد المالي ليغذي الفساد السياسي لأنه يوفر للسلطة أموالاً طائلة مجانية تسمح لها باكتساب وسائل الترغيب والترهيب اللازمة لديمومتها على حساب التغيير. ولعل أنصع الأمثلة على ذلك هو إنفاق مرشح السلطة المهول على حملته الانتخابية ضد بن شملان، فالمرشح صالح أنفق ملايين بل مليارات الريالات بالسهولة التي يشعل بها أحدنا سيجارة، مما يثير التساؤل عن كيف ينفق صالح بسهولة هذه الأموال بينما غالبية الشعب اليمني تعاني من نقص الغذاء والخدمات الأساسية.

    المركزية السياسية والإدارية

    إن المركزية السياسية والإدارية رافد رئيسي للفساد. فهي أولاً عبارة عن وضع مقلوب للتمثيل السياسي يتم فيه تمثيل السلطة لدى جماعات السكان بأشخاص معينين وظيفتهم جمع الجبايات والتطبيل للحاكم بدلا من تمثيل الجماعات في السلطة بأشخاص ومؤسسات وظيفتها التعبير عن حاجات وتطلعات هذه الجماعات والسعي لتحقيقها من خلال السلطة الجمعية، وثانيا تعني المركزية حشد الموارد المالية ووضعها بين يدي الحاكم الفرد كي يتصرف بها بطريقة عصية عمليا على الرقابة والمحاسبة، وثالثاً، تساعد المركزية على تكتل الفساد الأمر الذي يجعل قهره أمرا صعباً إن لم يكن مستحيلاً.

    خصوصية اليمن في مشكلة الفساد

    ليس الفساد ظاهرة خاصة باليمن إذ تعاني منه الدول العربية ودول أخرى كثيرة، لكن لليمن خصوصيته في الأمر. فحكام اليمن الحاليون أقل ثقافة من نظرائهم وبالتالي ينفقون "بفشرة"، ودون مراعاة لمشاعر الجمهور كما أن موارد اليمن ومستوى تطوره منخفضة ولذلك فإن بذخ الإنفاق السياسي وحجم الأموال التي يلتهمها الفساد لا يتناسبان وحجم الموارد وأثرهما في خلق واقع بؤس محسوس أكثر منه في أي مكان آخر.

    الحلول الممكنة

    تناضل قوى المعارضة السياسية والمدنية من أجل انتخابات نزيهة وإذا تحققت النزاهة فستكون من العوامل الحاسمة للحد من الفساد عبر تغيير السلطة ومن ثم العقليات والأداء، فكما ذكرنا أعلاه فإن تجاوز سلطة ما لفترتها المعقولة يؤدي إلى "عشعشة" الفساد.
    أن استخدام قوى المعارضة هذه بحرية لوسائل إعلام أوسع انتشاراً كالمحطات الإذاعية والتلفزيونية سيلعب دوراً حاسماً في توسيع رقعة الوعي الشعبي بمخاطر الفساد ومكامنه الأمر الذي سيعمل على تكوين رأي عام غالب يعاقب السلطات الفاسدة بانتخاب بديل عنها.
    اللامركزية من جهتها تلعب دورا أساسياً في مكافحة الفساد. أولاً، لأنها تنظيميا تحد من نفاذ قرارات الفساد، فعندما يكون النظام مركزيا فإن مفعول قراراته يسري على كل أرجاء البلاد وإذا كان المقرر فاسداً فإن مفعول الفساد سيتعمم عل الجميع، بينما في حالة اللامركزية سيكون هناك عدة مقررون، وبالافتراض الوجيه، البعض منهم فقط سيكون فاسداً وسيسري مفعول الفساد على جزء فقط وليس الكل من البلاد. ثانياًً، جزء فقط من الأموال العامة سيوجد بين يدي المقرر المركزي ولو كان فاسداً فإن فساده سيكون جزئياً بينما جزء الأموال الأخر سيوجد بين يدي السلطة المحلية التي هي على مقربة من ناخبيها وبالتالي معرضة أكثر للرقابة والمحاسبة. ثالثاً، الناخبون هنا أفضل دراية بحاجاتهم ولديهم معلومات أفضل عن موارد وأبواب الإنفاق وبالتالي سيصعب استغفالهم والكذب عليهم. وأخيراًً، اللامركزية وسيلة لتفكيك تكتل الفساد مما يسهل الحد منه أو القضاء عليه.

    خلاصة..فساد أم إفساد؟

    المنظمات الدولية التي تهتم بدراسة الفساد عادة ما تهمل الفساد السياسي منطلقة من اعتبار أن الحكومات هي التي تسهر على تطبيق القانون وتشجيع القيم الأخلاقية أي أن الحكومات "حاميها وليس حراميها" وان الفساد يأتي من جهة جماعات الضغط ذات النفوذ كبعض رجال الأعمال وبعض ممثلي النقابات والبيروقراطية الذين يودون تفسير القانون او تطبيقه بما يخدم مصالحهم الخاصة وتسعون إلى ذلك عبر توجيه قرارات الحكومة الوجهة المرغوبة أو إرباكها بغرض افشالها. بعض الموظفين والساسة يسهلون المهمة لهذه الجماعات نظير مبالغ مالية او امتيازات في نهاية المطاف ضئيلة ويعتبرون مع ذلك خارجين على القانون ومعرضين بالتالي للمحاسبة والعقاب. هذا الاعتبار يخالف واقع عديد من البلدان ويدل على جهل هذه المنظمات بذلك الواقع. فالفساد في اليمن منتج سياسي أكثر منه منتج لطمع البيروقراطية والنقابات أو لجشع رجال الإعمال، فالسلطة أكثر قوة ونفوذا من هذه الجماعات وهناك دلائل على أنها تمارس الفساد عنوة عبر الاستحواذ على الأموال العامة وتتغاضى عن ممارسته، وأي كان الأمر فأن الفساد يوظف لتحقيق المصالح الخاصة للساسة كإشباع الاستهلاك الباذخ أو الحفاظ على السلطة. بهذه الطريقة يصبح الفساد إفساداً، والمصطلح الأخير ظهر في خضم الجدل السياسي في بداية التسعينات لتصحيح الأول. وهو مصطلح وجيه وتعززه ثلاث دلائل. الأولى: هي أننا لم نشهد منذ الـ30 سنة الأخيرة محاكمة ومعاقبة أي فاسد، والثانية: أن الفساد ليس قضاءً وقدراً وحسب وإنما عملاً مدبراً يندرج ضمن إستراتيجيات التشبث بالسلطة ومن مظاهره الإنفاق اللامحدود للأموال العامة في اكتساب وسائل القوة والدعاية الشخصية وفي شراء الذمم بغرض التشبث بالسلطة، إعاقة الإصلاحات الدستورية والقانونية الجوهرية، تفريخ الأحزاب والمنظمات المدنية..الخ والثالثة: أن الإفساد يشتد حدة كلما ظهرت دعوة جادة للقضاء على الفساد كما حدث أثناء الأزمة التي انتهت بحرب 94 أو بمناسبة أنتخابات الـ20 من سبتمبر 2006. أخيراً، هناك مسوغ جوهري للإفساد وهو التمويه وصرف الانتباه عن مركز الفساد أي أن الشلة التي لها الكلمة الفصل في فساد أي سلطة تعمل على تعميم الفساد من جهة كي لا تكون وحدها المتهمة به ومن جهة أخرى كي لا تواجه – كقلة - محاولات القضاء عليه فتهزم.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-01-21
  7. الشيخ الحضرمي

    الشيخ الحضرمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2000-11-07
    المشاركات:
    4,147
    الإعجاب :
    0
    الفاساد

    لا يحتاج الى تعريف

    بل الى حل ..

    كيف الحلوووووووووووووول
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-01-21
  9. الشيخ الحضرمي

    الشيخ الحضرمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2000-11-07
    المشاركات:
    4,147
    الإعجاب :
    0
    الفاساد

    لا يحتاج الى تعريف

    بل الى حل ..

    كيف الحلوووووووووووووول
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-01-21
  11. الشيخ الحضرمي

    الشيخ الحضرمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2000-11-07
    المشاركات:
    4,147
    الإعجاب :
    0
    الفاساد

    لا يحتاج الى تعريف

    بل الى حل ..

    كيف الحلوووووووووووووول
     

مشاركة هذه الصفحة