حوار مع أدونيس

الكاتب : بن ذي يزن   المشاهدات : 599   الردود : 0    ‏2001-04-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-04-07
  1. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    ولدت في سنة 1930 في قرية فقيرة وبسيطة اسمها قصابين، في منطقة اللاذقية قرب مدينة جبلة. قرية تذكر ببدايات الخليقة: أكواخ من الحجر والطين سميناها بيوتا وسط يتمازج فيه الشجر والبشر، وليس جسد الإنسان إلا الشكل الآخر لجسد الطبيعة.

    كان طين بيتنا يتشقق موسميا، وكنا، في كل موسم، نكسوه بطين جديد، لكي يقدر أن يصمد في وجه المطر والريح والزمن. السقف: قضبان خشبية تغطى بنبات شوكي، يغطى بالتراب، ومن ثم تكسى بالطين لكي لا يخترقه المطر. مع هذا كثيرا ما كان المطر يتسلل عبر شقوق غير منظورة، ويسقط نقطة نقطة فوق رؤوسنا جميعا، أبي وأمي واخوتي، وفي جميع أنحاء البيت، فيما نجلس للراحة أو للطعام أو فيما ننام.

    هكذا نشأت كأنني شجرة أو نبتة. ولم يكن البيت إلا حاجزا واهيا بيني وبين عشب الطبيعة حين تعصف أو تمطر، أو رضاها حين تهدأ وتصحو.

    كان بيتا ضيقا. لذلك أقام أبي سريرا من خشب واسعا ننام فيه جميعا، على أعمدة عالية من الخشب. كان هذا السرير بيتا صغيرا داخل البيت، ودون أن يأخذ من مساحته شيئا، إذ كنا نستخدم المساحة تحت السرير لأغراض كثيرة. وفي الشتاء البارد كانت تنام تحته بقرتنا الوحيدة الطيبة، وصديقها ثورنا الوحيد الذي كان هو أيضا طيبا. كنت أذهب كل يوم حافي القدمين إلى معلم القرية، الشيخ، أي ما يسمى ."الكتاب"، لأتعلم القراءة والكتابة.

    كان يجلسني قربه، ويضع في قدمي الرأس المقوس لعكازه، كأنشوطة تمسك بي وتحول دون أن أغافله وأهرب إلى التسكع في الحقول، كما كنت أفعل، حينما تسنح لي الفرصة. حتى الثانية عشرة من عمري، لم أعرف مدرسة بالمعنى المتعارف عليه. فلم يكن في منطقتنا مدارس حكومية. وكانت أقرب مدرسة إلى قريتنا تبعد مسافة طويلة لا يقدر طفل في سني أن يجتازها مرتين، يوميا.

    وحتى هذه السن، لم أشاهد سيارة، ولم أعرف الراديو، ولا الكهرباء وطبعا، لم أعرف المدينة. وبدأت باكرا باكتشاف جسدي، في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، حيث تلقنت درسي الأولى في كيفية اللقاء بين ذكر وأنثى. كان ذلك ليلا، في واد صغير، وراء القرية، وهي التي أخذتني إليه. بعد هذا الحدث، صرت، أحيانا، أدعك جسدي بأعشاب الأرض، وألامسها كأنني ألامس جسد امرأة.

    بعد أن أنهيت تعلم الكتابة والقراءة عند شيخ قريتنا في "الكتاب"، قرر أبي أن يرسلني إلى تلك المدرسة البعيدة. وأطمأن، رغم قلق أمي، إلى أن تلميذا آخر يكبرني سنا سيذهب معي. كان هذا التلميذ ابنا لمختار القرية، يوسف الكعدي، وكان اسمه عباس.




    صداقة النهر


    وفي أحد أيام الشتاء، عدنا من المدرسة إلى قريتنا، تحت مطر هائل لم ينقطع، طول الطريق. وصلنا مع غروب الشمس إلى النهر الذي يفصل بين قريتنا والقرية التي توجد فيها المدرسة واسمه نهر الشدة وكان كمثل البحر يهدر طائفا عباس لا. لا تنزل. النهر عميق. سيغمرنا بالماء. سنغرق. الأفضل أن ننتظر ربما توقف المطر، وخف الفيضان.

    - لا يزال هناك ضوء إذا حل الليل، لا يعود بإمكاننا العبور وربما ازداد الفيضان. إنه يجيء من مطر الجبال، لا من هذا المطر الذي ينهمر علينا. نعبر الآن، أو تعود إلى المدرسة.

    كان الوقت غروبا، تكاد كثافة الغيوم أن تساويه بالليل. وكنا عائدين، عباس وأنا، من أقرب مدرسة إلينا في قرية يفصلها عن قريتنا هذا النهر، نهر الشدة أو الشذة، لا أعرف. لم أكن رأيت من قبل مطرا مثلما كان في ذلك اليوم. لم أكن رأيت النهر في مثل فيضانه هذا. وكان عباس الذي يكبرني ببضع سنوات يريد، كما خيل، أن يثبت شجاعته، لا أمامي، بل أمام قريتنا والقرى التي تجاورها. لم يصغ اليه أخذ ينازع تموج النهر، يقدم رجلا، ويؤخر الثانية، كأنه يفحص اندفاع المياه وقرار النهر. وبدا المطر غزيرا ملحا ينهمر من غيوم تكاد أن تلامس أكتافنا، في صخب هائل من الرعد.

    - لن نغرق. هات يدك. امسك بي جيدا. لا تخف. لم يكن لي خيار. أخذت يده، ولم أكد أمسك بها، وأضع قدمي في النهر حتى رجني الماء. وأخذ يغمرني، حتى صدري، حتى كتفي، حتى عنقي. أسلمت نفسي للنهر، وليدي عباس. ، قليلا، ونصل إلى الضفة الثانية. قليلا. لكن الفيضان كان يعلو. والمطر يشتد. لم أصدق أننا وصلنا إلى الضفة الثانية. وحين تجاوزنا الخطر، ووضعنا أقدامنا فعلا في الجهة الأخرى من النهر، فوجئت بعباس يصمت، ويمتلئ وجهه بملامح غريبة لا تعرف أهي خوف أم فرح أم مزيج منهما معا. كأنه أدرك لتوه أن عبورنا النهر كان نوعا من جنون الطفولة البريء. كأنه أدرك أننا نجونا من الموت بقدرة ليست فينا. كأنه تدارك تهوره: كيف لم يحسب أي حساب للنتيجة الأخرى التي كانت ممكنة جدا، عنيت الغرق والموت؟ نجونا. وغرقت كتبنا ودفاترنا وكان وصولنا إلى القرية عيدا.

    هذا النهر الذي كاد أن يأخذني معه إلى سرير النوم الأبدي، هو نفسه الذي كان يأخذ أيام طفولتي بين أحضانه، غدرانا، و مغاور، صخورا وأعشابا، أشجارا ونباتات كانت الألوان على ضفافه تتنوع وتتدرج، وكنت أمنحها عيني كأنني أمنحها للحلم كنت أشعر أن وجودي بينها ليس إلا صورة، مزيجا منها جميعا. كانت طفولتي تنسما لمجرى النهر، لضفافه، ولما حولها، ولما تحتضنه. كان طيف يمسك بيدي، ويجري معي، نجلس تارة على صخرة، ونخوض تارة مني مائه المحمول على بساط من الحصى والرمل وكنا نتمرأى في غدرانه، وننظر بشغف إلى أسماكها الصغيرة، ونمد أيدينا نحوها، إليها، ونحسب أننا نحول الماء نفسه إلى طست كبير تلعب فيه مع أيدينا.



    بيني وبين الطبيعة لغة ورسائل

    في أيامنا، وليس عهدها بعيدا، كان الفلاحون في القرى يحسنون الإصغاء إلى كلام الطبيعة. كانت شجرة الزيتون من بين كلماتها الأكثر قربا إلى الطبع والى القلب، والأكثر ألفة. تمد حروفها كمثل الغصون بين يدي التراب أقواسا خضراء حانية يتداخل رأسها وعنقها وصدرها في نسيج واحد: كأنها غيمة بقدمين موغلتين مني أعماق التراب. لا تحب الوحدة، تؤثر أن تندرج في جملة، وأن تكون في جمع. وتزهو بقدر ما يكثر حولها الأصدقاء. وهي نفسها تحيا في معجم الطبيعة بلا عناية، تقريبا. منذ أن تمسك جذورها بصدر أمها الأرض، تتولى هي رعاية نفسها وتربيتها تكتفي بقليل من الضوء الذي تمنحه الشمس، وقليل من الماء الذي يجود به الغيم وتعرف كيف تدافع عن نفسها، ضد العواصف خصوصا: تصنع من غصونها شباكا لصيد الرياح. فيها، يجد الفلاح ما يشبه حياته، معنى ورمزا. وكثيرا ما يفيء إليها، في لحظات التعب، ويتكئ عليها، متمتما في ذات نفسه: بالزيتون، أقسم الخالق وتظل أبدا في ردائها الأخضر. صيفا شتاء، ربيعا خريفا. لا تشحب ولا يتغير لونها. لا يسقط ورقها. وفي موسم عطائها، تتدلى ثمارها في عناقيد، خضراء، سوداء. كل حبة نهذ صغير. غابة من النهود. أنوثة كونية.




    بيـت الـنار

    لم يكن عندنا في البيت الذي شهد ولادتي، مطبخ كما هي العادة في البيوت اليوم كان المطبخ في الهواء الطلق. أمام البيت. قرب العتبة. كانت القدر كمثل قربان يرفع إلى الأفق. هذا في الفصول أو الأيام التي لا تعرف المطر والبرد. أما في الأيام الأخرى شتاء فكانت المدفئة داخل البيت تتحول هي نفسها إلى مطبخ نتجمع حول المدفئة. نمد أرجلنا في اتجاه دفئها. نصغي إلى نشيد الحطب يتصاعد في لهب أحمر. ننظر بشغف إلى القدر فوقه، تلبس السواد وتخبئ طعام يومنا قي حناياها،

    - انهض. يكفيك نوما. طلعت الشمس ، إنه صوت أبي. يهزني من كتفي، رافعا عني اللحاف. كأنه يقول لي "لا يكفي أن تقرأ الكلمات، أو أن تحفظها، وترددها. ينبغي أيضا أن تحولها إلى غيوم تمطر فوق الحقول"

    وفي كل صباح، عندما كانت أمي تهيئ لي زوادة المدرسة، وتكرر، فيما تقبلني، العبارة، اللازمة: "در بالك على حالك "، كنت أشعر، وأنا في طريقي إلى المدرسة "الكتاب"، أنها ترافقني. أنها، أحيانا، تجلس إلى جانبي. أنها كانت تمد يديها لتلمس الفضاء فوقي، أهو ندي، أم يابس؟ أهو مائل إلى الصحو، أم إلى التغيم؟ إلى الدفء والاعتدال، أم إلى البرودة؟ ولعلها كانت تضيف إلى ثيابي ثوبا آخر منسوجا من خيوط صلواتها.

    لا تزال راسخة في ذاكرتي صور من أشياء طفولتي في القرية. أذكر منها السرير الخشبي الهزاز الذي كان بمثابة رحم ثانية. تمثال للنوم واللعب في آن. ينام فيه الطفل لاعبا، ويلعب فيما ينام. سلة مستطيلة، بمقبض طويل، يوضع فيها الطفل كمثل ثمرة. رمز، مادي هذه المرة، للحياة والولادة. وهكذا حوله القرويون إلى لغز يتبارون في خفه: "شيء، لا شيء. له قدمان، ويمشي" ذلك هو السرير الخشبي الهزاز وكان يمشي على بساط صوفي أبيض، غالبا أو تخالطه أحيانا خطوط حمراء أو سوداء، كأنها صور عن خطوط اليد الق نسجته. وكان البساط يغار من السجادة التي لم تكن تفرش إلا للضيوف. كان الضيوف جزءا من العائلة، الجزء الذي يخترق رتابة العادة لهذا، كان يستقبل بما يخترق أيضا هذه الرتابة. كان يدخل إلى البيت كأنه ضوء من مكان آخر. ينور البيت، ويضفي على حضور العائلة ألق السرور والغبطة. وحين .يكون الضيف صديقا للعائلة، تشعر كأن بيتها تحول إلى حديقة من النور.

    أذكر أيضا حقل تبغ أمام بيتنا. وحقول قمح، قريبة إليه. وحسن الليمون. منذ طفولتي، تمرست بالعمل، فلاحة وزراعة، وحصادا. مرة، أخذ المنجل إصبعي، ولا يزال أثر ذلك الجرح واضحا حتى اليوم. وكنت أسابق البارعين في شتل التبغ. كان الشاتول كمثل قلم في يدي، والحقل كمثل صفحة بيضاء. وكانت شتلات التبغ بمثابة الكلمات. يا لتلك السطور، تتلألأ حميمة في كتاب العمر. وقد عرفت كيف أخطها بفضل التتلمذ على حسن الليمون الذي كان يعمل مع أبي في الفلاحة والزراعة والحصاد. حسن الليمون، ألمحه الآن يتكئ على المحراث أكثر انحناء منه. ظهره كمثل القوس، وعيناه أكثر نفاذا من السهام. كان صديقا، بين أقرب الأصدقاء، إلى المطر والغيم، الحقل والشجر. إلى البقرة والماعز، الثور والجدي. وما تبقى، في ذلك الفلك الحيواني الوديع، الصامت. كان يعمل، ويأخذ بدلا عن عمله، قمحا أو زيتونا، أو نتاجا آخر. لم تكن لأبي القدرة لكي يعطيه مالا نقدا. وهو نفسه كان راضيا بما يأخذه، وسعيدا. لم يكن مجرد عامل يساعد أبي. كان قبل ذلك صديقا محبا. وكان أبي يعامله كأنه عضو في العائلة. أذكر أيضا عين قصابين وكانت قريبة إلى حقل التبغ أمام بيتنا. من مائها، كنا نسقي مشاتل التبغ، وشتلاته عندما كنا نسلمها لأحضان الحقل. عين، تمثال ضوء وعتمة، طالع من أحشاء الأرض. أحاطها أهل قصابين بصخر، وبنوا فوقها قبة من الحجر، تظللها كطفلة تغطى، وقاية من الريح والغبار. عين ترى إلينا، فيما نشرب دمعها. أهي التي كانت ترانا، حقا، أم الجنيات الساكنة فيها، تختبئ نهارا، وتظهر ليلا؟

    عين تنبجس منها أيامنا وتسيل كأنها الماء. أذكر كذلك التنور. يمكن أن أنسى أشياء كثيرة في القرية، إلا التنور. ألأنني لا أقدر أن أنسى النار، أو أنسى الخبز الذي كان يخرج منه، وتسبقه إلينا رائحته الذكية كأنها آتية لتوها من السماء؟ وبين العين والتنور، بين الماء والنار، كنا، نحن الذين راهقنا، نستعرض نساء القرية، ثيابهن وألوانهن، وكيف يصففن شعورهن، ويتزين. ونتوقف طويلا طويلا عند صدورهن، وأعناقهن وأردافهن، وسيقانهن.

    لكن، أين هذه القرية الآن؟ حين عدت إليها، بعد خمسين عاما، شعرت كأنني أعود إلى نوع من الموت، محمول في ماء اللغة. شعرت كأنني صاعد على جبل من الريح. وما أتحدث عنه هنا ليس، إذن، إلا دخانا لا موقد له، **** ناره الأم. لا مادة تمسك ببصري: هل يكفي أن أتنورها ببصيرتي؟ صحيح، بقيت من هذه المادة أسماؤها، وليست الأسماء إلا أصداء، وأخيلة، وتوهمات. وهل يجدي أن نكتب التوهم؟ أم لعلي، في عودتي إلى القرية، عدت لكي أرى الأب الذي مات، دون أن أراه، دون أن أحضر مأتمه، وأشيعه إلى داره الأخيرة، لكي أراه ظلا لا يكاد أن يرتسم، يتنقل على الدروب إياها، تحت الأشجار نفسها، أو ما تبقى .منها بين الكتب التي كان يختارها لي، ويختزنها.

    على أوراقها التي تكسوها أنفاسه، وأنفاس الذين خطوها. أم أعود لكي أتفحص، شأن كثيرين غيري، ما نصيب الواقع، حقا، في الحياة، وما نصيب الذاكرة، وما نصيب التخيل؟ أم لكي أستعيد من جديد، توهما، جريان الزمن الذي ليفصلني عن مكان ولادتي؟ هل لكي أقارن بين قسمات وجهي وتجاعيد جسدي، وبين قسمات المكان وتجاعيد الوقت؟ هل لكي أستبق موتي وأراه عيانا عبر جريان هذا الزمان، فني الأشياء التي عرفتها طفولتي والتي تغيرت، ولم تعد هي هي؟ هل لكي أواجه موتي، مسبقا؟ أو لكي أرى تلك النقطة الغائمة، الهائمة التي تفصل بين الحياة والموت، وتصل بينهما في اللحظة نفسها؟



    المكان رحم اللغة

    كأنني أبتكر مكان ولادتي، كما أبتكر قصيدتي؟ والقصيدة لا تكتمل. كذلك المكان الذي ولد فيه الإنسان: انه هو أيضا لا يكتمل. هل أفاجـئ، أو أصدم أحدا، إن قلت: أتعجب ممن يزعم أنه يعرف نفسه؟ كيف أعرف نفسي/ فيما تبدو لي كمثل الأثير، أو كمثل خيط في غزل الشمس، أو كمثل الهواء، سائحا في الجهات كلها؟ كما خيل إلى أنني أقترب منها، أكتشف أنني أبتعد. وأعرف أنها ليست سرابا. إنها كمثل ضوء يسلمك، فيما تضل إليه، إلى ضوء آخر يسلمك هو نفسه إلى آخر. إلى ما لا ينتهي. وكل ما كتبته ليس، في ظني، إلا بحثا عنها: بحثا، وليس تعبيرا عنها. كنت أترصدها، أستقصيها، أكمن لها. وكانت تفلت دائما. كأن نفسي، كأن هويتي هي هذا البحت، أبدا.



    قراءة الشعر في ضوء قنديل شاحب

    أذكر أيضا قراءة الشعر العربي القديم، بعناية أبي وبسهره على تربيتي. كل ليلة قراءة. للشعر وحده. يحضر المتنبي (كان الأكثر حضورا). يحضر أبو تمام، البحتري الشريف الرضى. يحضر امرؤ القيس. المعري، لكن، نادرا. ربما لأنه كان "حكيما"، لا شاعرا، كما تعلم تقاليد التذوق، وكما يقول العارفون بشعرنا القديم. قراءة بصوت عال وأمام ضيوف يحبون السماع، وهم أنفسهم شعراء. يصغون إلى صوتك باهتمام، كأنهم يمتحنون ويقومون. يصغون إلى لغتك، نطقا، وتجويدا. يطربون غالبا. لم تكن تقرأ برأسك وحده. كنت تقرأ بقلبك، بحواسك، بجسدك كله. بعد السماع، يأتي امتحان الصرف والنحو. أعرب هذه الكلمة. هذا البيت. واذكر وجوه الخلاف، هذا أو هنالك ثم يأتي امتحان المعنى. ما معنى هذا البيت؟ هل أخذه الشاعر، أم ابتكره. ما المعاني الخاصة به في هذه القصيدة، وحده، دون غيره؟

    كل ذلك في جلسة بعد العشاء، في البيت الذي ولدت فيه، والذي يتكون من غرفة واحدة في ضوء قنديلي شاحب يغذيه زيت النفط، الذي حل محل زيت الزيتون. كل ليلة. تقريبا. تتكرر القراءة. مسرح مفتوح يكاد أن يحاذي ذلك المسرح الأول في رأس شمرا. قرب اللاذقية ، حيث ولدت الأبجدية.

    وكانت الكتب قليلة وكانت غالبا تستعار. وغالبا، لا ترد. كان من يملك في القرية كتابا يشعر أنه يمتلك ما هو أكبر من القرية. وكان مقامه في نظر الفلاحين يكبر ويعلو.




    الشعر سفر نحو العالم

    الشعر. سمعته أو قرأته أو كتبته، سفر. يوسع العالم، خارجا، وداخلا. وداخلا خارجا. تتوسع القرية فتحاذي تخومها تخوم البلد الذي نشأ فيه الشاعر. داخلا تتسع حدود الحلم والخيال والمعرفة. هكذا كان يؤكد القرويون الذين يمضون سهراتهم مع الشعر.

    - "غدا أسافر لزيارة الأصدقاء في قرية (يسميها). أو في قريتين (يسميهما). هل تأتي معي؟ تقرأ لهم شعرا. سوف يسرون بك، ويحبونك "

    وتكون القرية، غالبا، بعيدة علي، أنا الطفل الذي لم يكد يتجاوز العاشرة. لكن، أستيقظ مع أبي صباحا. نفطر خبزا وزيتونا، ونمضي. يسير أمامي. يضع عكازه وراء ظهره، ويشبك به ذراعيه. وإذ أتخيله الآن، يبدو لي في هيئة شخص مصلوب. أتعثر، ألتفت يمينا، شمالا، ورائي. أنظر إلى السماء. ألهو، أحيانا، وأتخلف عنه قليلا يلتفت ليتفقدني، ويقف ضاحكا - تعبت؟ "

    بلى، يولد الإنسان أكثر من مرة، وفي أكثر من مكان. ولادته الأولى من أبويه عمل الطبيعة. لا اختيار فيه. وربما بدوت مغاليا إذا قلت إنني، منذ طفولتي، كنت مسكونا بشعور غامض أن مكان ولادتي الأولى ليست مكانا لكي أنمو فيه، بل لكي أنطلق منه. شعور يقول لي: لن تجد نفسك إلا في مكان آخر، في أمكنة أخرى. كأن الإنسان لا يصبح نفسه إلا بالخروج منها. كأن تاريخ الإنسان هو تاريخ الخروج من نفسه. لكن، كيف أخرج، وأين؟

    لا أعرف كيف خطر لي أن أحلم حلم يقظة، أرسم فيه الطريق إلى دخول المدرسة. قلت الرئيس الأول للجمهورية الأولى لسورية بعد الاستقلال، سيزور منطقة اللاذقية، ضمن برنامج زيارته للمناطق السورية. سأكتب له قصيدة ألقيها أمامه مرحبا. وسوف تعجبه. وإذن سوف يطلب أن يراني. وسوف يسألني عما أريد. وسأجيبه: أريد أن أتعلم. وسوف يعمل على تحقيق هذه الإرادة، وهكذا تم حرفيا. أول حلم يحقق، كنت آنذاك في الثالثة عشرة من عمري. ومن ذلك اليوم، أحب رقم 13
     

مشاركة هذه الصفحة