الفتنة الكبرى ... مرة أخرى !

الكاتب : علي الحضرمي   المشاهدات : 450   الردود : 1    ‏2007-01-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-17
  1. علي الحضرمي

    علي الحضرمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-10-21
    المشاركات:
    3,539
    الإعجاب :
    0
    الفتنة الكبرى.. مرة أخرى!
    د. أسامة الغزالي حرب
    لا يستطيع أي مراقب للأوضاع الراهنة في العالمين العربي والإسلامي أن يتجاهل الخطر (الجديد - القديم) الذي يقترب الآن منهما بمعدلات متسارعة، والذي أخذت عناوينه وأنباؤه تحتل مساحات متزايدة في "مانشيتات" الصحف ورءوس الأخبار. إنه خطر الصراع "الشيعي-السني" الذي يجري التحضير له بهمة ودأب، خاصة مع استخدام منتجات العلم والتكنولوجيا، التي تصنع فارقا هائلا بين وقائع وأحداث الفتنة الكبرى (الأصلية) منذ ما يقرب من 1350 عامًا، والفتنة الحالية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي تستخدم فيها أحدث المخترعات، بدءًا بالريموت كنترول الذي يستخدم لقتل البشر، وتفجير الأسواق، وحتى الإنترنت والقنوات الفضائية التي تستخدم للدعاية والتحريض.
    هذه الفتنة التي يتم اليوم إيقاظها لا تضيف فقط همًّا وكارثة جديدين إلى هموم وكوارث العرب والمسلمين، ولكنها أيضًا تعمق وتضيف أبعادًا جديدة إلى مشاكلهما الراهنة القائمة بالفعل، بدءًا من العراق، ولبنان، وفلسطين.. وحتى باكستان وأفغانستان.
    وإذا كان الانقسام السني - الشيعي قديما قدم التاريخ الإسلامي تقريبا، فإن مآسيه وتداعياته ظلت أيضا حاضرة بقوة في كل مراحل هذا التاريخ، وعكست تمازجا معقدا بين الدين والسياسة، بين الانقسامات المذهبية، والتناقضات العرقية والقومية. غير أنه، ومع حقيقة أن التشيع هو المذهب الرسمي للدولة الإيرانية المعاصرة، وأن الشيعة يشكلون ما يزيد على 90% من سكانها من ناحية، وكذلك حقيقة وضع العراق في التاريخ الشيعي، فضلا عن وجود العتبات الشيعية المقدسة فيها، وكذلك غلبة نسبة الشيعة على سكانها من ناحية أخرى، كل ذلك جعل التطورات السياسية في هذين البلدين ذات أهمية حاسمة في العلاقات السنية - الشيعية، تفوق أهمية أي تطورات أخرى في عالم الشيعة، خاصة مع تجاورهما بكل ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات وتعقيدات إضافية، سياسية وإستراتيجية.
    لذلك، ليس من قبيل المصادفة أن ما يمكن تسميته بـ "الصحوة الشيعية" منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي، إنما ارتبط أولا بالثورة الإيرانية عام 1979، ثم ارتبط بعد ذلك بربع قرن بإسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003. فالثورة الإيرانية حملت إلى رأس السلطة آيات الله وأئمة الشيعة الكبار، ومكنتهم من أن يقيموا -لأول مرة في العصر الحديث- نظاما إسلاميا شيعيا، يستند إلى مبدأ "ولاية الفقيه"، ويعيد ترتيب أوضاع الدولة والمجتمع في إيران، وفقا لمبادئ ورؤى الشيعة +الاثني عشرية. ولم يقنع هؤلاء -منذ اليوم الأول- بإسلام شيعي منكفئ على ذاته، ولكنهم حملوا رسالتهم "الثورية" إلى كل أنحاء العالم الإسلامي، وأسهموا -بلا شك- في دفع الصحوة الإسلامية، التي أخذت بدورها -منذ أوائل التسعينيات، وسقوط الاتحاد السوفيتي- منحى راديكاليا مناقضا للولايات المتحدة والعالم الغربي. غير أن ما أحدثته الثورة الإيرانية من انتعاش وازدهار معنوي وسياسي لدى الشيعة في أنحاء العالم بشكل عام، كانت له آثاره الأكثر مغزى وأهمية في العالم العربي بالذات مع اتباع النظام الإيراني سياسة متشددة إزاء الصراع العربي - الإسرائيلي، سواء بدعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، أو بالوقوف بشكل مبدئي صارم ضد إسرائيل، بل إنكار مشروعية وجودها.
    من ناحية أخرى، وبقدر ما كانت الحرب العراقية - الإيرانية عنصر تنافر أو ارتباك في العلاقة بين إيران والشيعة في العراق، فإن سقوط نظام صدام حسين عام 2003 أتاح فرصة غير مسبوقة لعلاقات طيبة بين الطرفين، ونفوذ إيراني قوي لا يمكن إنكاره، حتى مع سيادة تيارات وطنية وعروبية لا شك فيها بين شيعة العراق. غير أن ما هو أهم من ذلك أن إسقاط نظام صدام حسين أدى على الفور، إلى اختلال التوازن القديم بين الشيعة والسنة في العراق، وأدى الفراغ الذي نجم عن سقوط النظام القديم، والفوضى التي حملها الاحتلال الأمريكي للعراق، إلى تفجير كافة التناقضات الكامنة، التي كانت مكبوتة في ظل النظام الاستبدادي القمعي لصدام حسين. وأخذ العراق يشهد -على نحو متصاعد مثير للقلق- صراعا طائفيا (سنيا - شيعيا) مقيتا، غذّاه صمت وعجز أمريكي مريب، ووصل الآن إلى ما يكاد يكون حربا أهلية، شديدة الشراسة والدموية.
    ولم يكن غريبا على الإطلاق، أن أدى هذان العاملان -السياسة الإيرانية الإقليمية والعالمية النشيطة من ناحية، وانطلاق الشيعة وصراعهم مع السنة في غمار التطورات العراقية من ناحية أخرى- إلى تأليب وإيقاظ مخاوف وصراعات وطموحات في العالمين العربي والإسلامي بشكل عام، وفي المشرق العربي والجزيرة العربية بوجه خاص. وتفاعل أثر هذين العاملين مع الأداء البطولي والفعال لحزب الله في مواجهة إسرائيل، التي لم تكن المواجهة في لبنان في يوليو/أغسطس الماضيين إلا آخر حلقاتها.
    إن من المهم هنا، تأكيد أنه من غير الدقيق على الإطلاق، بل من العبث، ومن الخطورة، الادعاء بأن كل تلك التطورات السابقة وامتداداتها كانت محض أحداث ووقائع "طائفية"، بل إن هذا التبسيط يخدم -بالتأكيد- قوى معادية يهمها أن تشدد فقط على هذا العنصر، بل تزيده اشتعالا. فالثورة الإيرانية ترتبط أيضا -بلا شك- بعوامل تاريخية، وثقافية، وطموحات قومية، وفارسية، كثيرا ما تكون هي الغالبة في السلوك الإيراني، والتفجرات التي أحدثها الاحتلال الأمريكي للعراق تعكس أيضا أوضاعا تاريخية وسياسية، فضلا عن وجود تيارات وقوى عراقية -سنية وشيعية- تتجاوز تلك الروح الطائفية، وتعكس الحس الوطني والقومي قبل أي شيء آخر. وبالمثل، فإن من التبسيط المخل اعتبار حزب الله مجرد كيان شيعي، ولكنه أيضا كيان وطني لبناني، دافع ببسالة عن أرض بلاده.. وهكذا.
    ولكن تظل الحقيقة الشيعية قائمة، ويظل ما تنطوي عليه تلك التطورات من إيقاظ لفتنة كبرى نائمة خطرا هائلا قادما لا يمكن إنكاره، وذلك يفسر ما صدر من ردود أفعال من جانب الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، الذي حذر من "الهلال الشيعي"، وخطر الحروب الأهلية القادمة في المنطقة، وما صدر عن الرئيس مبارك حول تداعيات الارتباط المذهبي بين الشيعة في العالم العربي وإيران، وما صدر من تحذيرات عبر أكثر من مسئول سعودي حول المخاطر التي تحدق بالسنة في العراق، والمواقف السعودية المحتملة.. إلخ. غير أن ما هو خطير، ويثير القلق الشديد، ويدعو كل مخلص إلى قرع أجراس الإنذار، هو تلك الدعوات التي أخذت تصدر عن مؤسسات رسمية، وشبه رسمية، وقيادات سياسية، ودينية في العالم السني، ومن خلال قنوات إعلامية ودعائية، واسعة ومتطورة، تتجاوز التنبيه إلى الخطر، والتحذير من الفتنة إلى التحريض المباشر أو غير المباشر الموجه إلى الجماهير السنية ضد الشيعة، والتي ما لبثت أن قابلتها دعايات وتحريض شيعي، من خلال أيضا قنوات التليفزيون الفضائية، ومواقع الإنترنت. وفي الحالتين فإن كلا من طرفي السجال استند إلى عاملين مشتركين، أولهما: الإنفاق السخي الذي يستند إلى أموال نفطية هائلة. وثانيهما: الاتهام المتبادل بالعمالة لأمريكا والغرب، وخدمة أهداف إسرائيل والصهيونية.
    إن التصدي لهذا الخطر الداهم، الذي يلوح في الأفق، هو مهمة كل القوى الوطنية والديمقراطية الواعية في العالمين العربي والإسلامي، وهو يطرح بإلحاح ضرورة وضع "أجندة" للعمل الفوري الجاد في مواجهتها، والذي سوف نشير هنا فقط إلى بعض بنوده الرئيسية. ففي حين أنه لا بد فورا، وعلى المدى القصير، من محاصرة وكشف دعوات التحريض والفتنة اللامسئولة، يظل من المهم لصانعي القرار والباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية، في العالمين العربي والإسلامي، أن يطرحوا للنقاش العلمي والموضوعي القضايا والإشكاليات الأساسية التي يفرضها هذا التحدي (القديم الجديد):
    - فهناك إشكالية بناء "الدولة" في العالمين العربي والإسلامي، والتي يبدو الآن وكأنها -أي الدولة- كانت "مقحمة" على الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، حيث تهتز الدولة الآن، ويشحب وجودها أمام الولاءات المذهبية والقبلية والعرقية، التي تطل برءوسها الآن، وحيث عجزت النخب الحاكمة عن الفصل بين ما هو ديني ومذهبي، وما هو "وطني".
    وهناك إشكالية "الديمقراطية" التي كان غيابها عن معظم البلاد العربية والإسلامية سببا أساسيا للفشل في عمليات الصهر الوطني، والتفاعل الصحي بين كافة القوى العرقية والمذهبية والقبلية في تلك الدول.
    وهناك إشكالية الدور السلبي والهدام الذي لعبه التأثير الخارجي على مقدرات تلك الدول، التي يبدو وكأنها نُكبت بموقعها الجغرافي، وثرواتها البترولية، بمثل ما حظيت به من مكانة إستراتيجية، وثروات مالية.
    وهناك -رابعا- إشكالية تداعيات وتأثيرات استمرار الصراع العربي - الإسرائيلي على الأوضاع الداخلية في فلسطين، وفي الأقطار المحيطة بإسرائيل، والتي عوقت وشوهت الكثير من نواحي نموها السياسي والاقتصادي.
    وهناك -خامسا- إشكاليات العلاقات العربية - الإيرانية، التي تداخل فيها القومي والإستيراتيجي مع الديني والمذهبي، والتي تأثرت أخيرا بالحيوية السياسية الإيرانية -إقليميا ودوليا- وطموحاتها النووية الجديدة.
    ثم هناك -أخيرا- التداعيات والتأثيرات الخطيرة، التي ترتبت على تراجع الدور المصري، عربيا وإقليميا، والذي ترك فراغا عجزت -وسوف تعجز مستقبلا- عن ملئه أي قوة إقليمية أخري.
    إن العالمين العربي والإسلامي يحتاجان الآن إلى مصر القوية الديمقراطية المعتدلة، أكثر من أي وقت آخر.​


    http://www.islamonline.net/arabic/arts/CulturalAreas/2007/01/07.shtml
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-17
  3. علي الحضرمي

    علي الحضرمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-10-21
    المشاركات:
    3,539
    الإعجاب :
    0
    الفتنة الكبرى.. مرة أخرى!
    د. أسامة الغزالي حرب
    لا يستطيع أي مراقب للأوضاع الراهنة في العالمين العربي والإسلامي أن يتجاهل الخطر (الجديد - القديم) الذي يقترب الآن منهما بمعدلات متسارعة، والذي أخذت عناوينه وأنباؤه تحتل مساحات متزايدة في "مانشيتات" الصحف ورءوس الأخبار. إنه خطر الصراع "الشيعي-السني" الذي يجري التحضير له بهمة ودأب، خاصة مع استخدام منتجات العلم والتكنولوجيا، التي تصنع فارقا هائلا بين وقائع وأحداث الفتنة الكبرى (الأصلية) منذ ما يقرب من 1350 عامًا، والفتنة الحالية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي تستخدم فيها أحدث المخترعات، بدءًا بالريموت كنترول الذي يستخدم لقتل البشر، وتفجير الأسواق، وحتى الإنترنت والقنوات الفضائية التي تستخدم للدعاية والتحريض.
    هذه الفتنة التي يتم اليوم إيقاظها لا تضيف فقط همًّا وكارثة جديدين إلى هموم وكوارث العرب والمسلمين، ولكنها أيضًا تعمق وتضيف أبعادًا جديدة إلى مشاكلهما الراهنة القائمة بالفعل، بدءًا من العراق، ولبنان، وفلسطين.. وحتى باكستان وأفغانستان.
    وإذا كان الانقسام السني - الشيعي قديما قدم التاريخ الإسلامي تقريبا، فإن مآسيه وتداعياته ظلت أيضا حاضرة بقوة في كل مراحل هذا التاريخ، وعكست تمازجا معقدا بين الدين والسياسة، بين الانقسامات المذهبية، والتناقضات العرقية والقومية. غير أنه، ومع حقيقة أن التشيع هو المذهب الرسمي للدولة الإيرانية المعاصرة، وأن الشيعة يشكلون ما يزيد على 90% من سكانها من ناحية، وكذلك حقيقة وضع العراق في التاريخ الشيعي، فضلا عن وجود العتبات الشيعية المقدسة فيها، وكذلك غلبة نسبة الشيعة على سكانها من ناحية أخرى، كل ذلك جعل التطورات السياسية في هذين البلدين ذات أهمية حاسمة في العلاقات السنية - الشيعية، تفوق أهمية أي تطورات أخرى في عالم الشيعة، خاصة مع تجاورهما بكل ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات وتعقيدات إضافية، سياسية وإستراتيجية.
    لذلك، ليس من قبيل المصادفة أن ما يمكن تسميته بـ "الصحوة الشيعية" منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي، إنما ارتبط أولا بالثورة الإيرانية عام 1979، ثم ارتبط بعد ذلك بربع قرن بإسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003. فالثورة الإيرانية حملت إلى رأس السلطة آيات الله وأئمة الشيعة الكبار، ومكنتهم من أن يقيموا -لأول مرة في العصر الحديث- نظاما إسلاميا شيعيا، يستند إلى مبدأ "ولاية الفقيه"، ويعيد ترتيب أوضاع الدولة والمجتمع في إيران، وفقا لمبادئ ورؤى الشيعة +الاثني عشرية. ولم يقنع هؤلاء -منذ اليوم الأول- بإسلام شيعي منكفئ على ذاته، ولكنهم حملوا رسالتهم "الثورية" إلى كل أنحاء العالم الإسلامي، وأسهموا -بلا شك- في دفع الصحوة الإسلامية، التي أخذت بدورها -منذ أوائل التسعينيات، وسقوط الاتحاد السوفيتي- منحى راديكاليا مناقضا للولايات المتحدة والعالم الغربي. غير أن ما أحدثته الثورة الإيرانية من انتعاش وازدهار معنوي وسياسي لدى الشيعة في أنحاء العالم بشكل عام، كانت له آثاره الأكثر مغزى وأهمية في العالم العربي بالذات مع اتباع النظام الإيراني سياسة متشددة إزاء الصراع العربي - الإسرائيلي، سواء بدعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، أو بالوقوف بشكل مبدئي صارم ضد إسرائيل، بل إنكار مشروعية وجودها.
    من ناحية أخرى، وبقدر ما كانت الحرب العراقية - الإيرانية عنصر تنافر أو ارتباك في العلاقة بين إيران والشيعة في العراق، فإن سقوط نظام صدام حسين عام 2003 أتاح فرصة غير مسبوقة لعلاقات طيبة بين الطرفين، ونفوذ إيراني قوي لا يمكن إنكاره، حتى مع سيادة تيارات وطنية وعروبية لا شك فيها بين شيعة العراق. غير أن ما هو أهم من ذلك أن إسقاط نظام صدام حسين أدى على الفور، إلى اختلال التوازن القديم بين الشيعة والسنة في العراق، وأدى الفراغ الذي نجم عن سقوط النظام القديم، والفوضى التي حملها الاحتلال الأمريكي للعراق، إلى تفجير كافة التناقضات الكامنة، التي كانت مكبوتة في ظل النظام الاستبدادي القمعي لصدام حسين. وأخذ العراق يشهد -على نحو متصاعد مثير للقلق- صراعا طائفيا (سنيا - شيعيا) مقيتا، غذّاه صمت وعجز أمريكي مريب، ووصل الآن إلى ما يكاد يكون حربا أهلية، شديدة الشراسة والدموية.
    ولم يكن غريبا على الإطلاق، أن أدى هذان العاملان -السياسة الإيرانية الإقليمية والعالمية النشيطة من ناحية، وانطلاق الشيعة وصراعهم مع السنة في غمار التطورات العراقية من ناحية أخرى- إلى تأليب وإيقاظ مخاوف وصراعات وطموحات في العالمين العربي والإسلامي بشكل عام، وفي المشرق العربي والجزيرة العربية بوجه خاص. وتفاعل أثر هذين العاملين مع الأداء البطولي والفعال لحزب الله في مواجهة إسرائيل، التي لم تكن المواجهة في لبنان في يوليو/أغسطس الماضيين إلا آخر حلقاتها.
    إن من المهم هنا، تأكيد أنه من غير الدقيق على الإطلاق، بل من العبث، ومن الخطورة، الادعاء بأن كل تلك التطورات السابقة وامتداداتها كانت محض أحداث ووقائع "طائفية"، بل إن هذا التبسيط يخدم -بالتأكيد- قوى معادية يهمها أن تشدد فقط على هذا العنصر، بل تزيده اشتعالا. فالثورة الإيرانية ترتبط أيضا -بلا شك- بعوامل تاريخية، وثقافية، وطموحات قومية، وفارسية، كثيرا ما تكون هي الغالبة في السلوك الإيراني، والتفجرات التي أحدثها الاحتلال الأمريكي للعراق تعكس أيضا أوضاعا تاريخية وسياسية، فضلا عن وجود تيارات وقوى عراقية -سنية وشيعية- تتجاوز تلك الروح الطائفية، وتعكس الحس الوطني والقومي قبل أي شيء آخر. وبالمثل، فإن من التبسيط المخل اعتبار حزب الله مجرد كيان شيعي، ولكنه أيضا كيان وطني لبناني، دافع ببسالة عن أرض بلاده.. وهكذا.
    ولكن تظل الحقيقة الشيعية قائمة، ويظل ما تنطوي عليه تلك التطورات من إيقاظ لفتنة كبرى نائمة خطرا هائلا قادما لا يمكن إنكاره، وذلك يفسر ما صدر من ردود أفعال من جانب الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، الذي حذر من "الهلال الشيعي"، وخطر الحروب الأهلية القادمة في المنطقة، وما صدر عن الرئيس مبارك حول تداعيات الارتباط المذهبي بين الشيعة في العالم العربي وإيران، وما صدر من تحذيرات عبر أكثر من مسئول سعودي حول المخاطر التي تحدق بالسنة في العراق، والمواقف السعودية المحتملة.. إلخ. غير أن ما هو خطير، ويثير القلق الشديد، ويدعو كل مخلص إلى قرع أجراس الإنذار، هو تلك الدعوات التي أخذت تصدر عن مؤسسات رسمية، وشبه رسمية، وقيادات سياسية، ودينية في العالم السني، ومن خلال قنوات إعلامية ودعائية، واسعة ومتطورة، تتجاوز التنبيه إلى الخطر، والتحذير من الفتنة إلى التحريض المباشر أو غير المباشر الموجه إلى الجماهير السنية ضد الشيعة، والتي ما لبثت أن قابلتها دعايات وتحريض شيعي، من خلال أيضا قنوات التليفزيون الفضائية، ومواقع الإنترنت. وفي الحالتين فإن كلا من طرفي السجال استند إلى عاملين مشتركين، أولهما: الإنفاق السخي الذي يستند إلى أموال نفطية هائلة. وثانيهما: الاتهام المتبادل بالعمالة لأمريكا والغرب، وخدمة أهداف إسرائيل والصهيونية.
    إن التصدي لهذا الخطر الداهم، الذي يلوح في الأفق، هو مهمة كل القوى الوطنية والديمقراطية الواعية في العالمين العربي والإسلامي، وهو يطرح بإلحاح ضرورة وضع "أجندة" للعمل الفوري الجاد في مواجهتها، والذي سوف نشير هنا فقط إلى بعض بنوده الرئيسية. ففي حين أنه لا بد فورا، وعلى المدى القصير، من محاصرة وكشف دعوات التحريض والفتنة اللامسئولة، يظل من المهم لصانعي القرار والباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية، في العالمين العربي والإسلامي، أن يطرحوا للنقاش العلمي والموضوعي القضايا والإشكاليات الأساسية التي يفرضها هذا التحدي (القديم الجديد):
    - فهناك إشكالية بناء "الدولة" في العالمين العربي والإسلامي، والتي يبدو الآن وكأنها -أي الدولة- كانت "مقحمة" على الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، حيث تهتز الدولة الآن، ويشحب وجودها أمام الولاءات المذهبية والقبلية والعرقية، التي تطل برءوسها الآن، وحيث عجزت النخب الحاكمة عن الفصل بين ما هو ديني ومذهبي، وما هو "وطني".
    وهناك إشكالية "الديمقراطية" التي كان غيابها عن معظم البلاد العربية والإسلامية سببا أساسيا للفشل في عمليات الصهر الوطني، والتفاعل الصحي بين كافة القوى العرقية والمذهبية والقبلية في تلك الدول.
    وهناك إشكالية الدور السلبي والهدام الذي لعبه التأثير الخارجي على مقدرات تلك الدول، التي يبدو وكأنها نُكبت بموقعها الجغرافي، وثرواتها البترولية، بمثل ما حظيت به من مكانة إستراتيجية، وثروات مالية.
    وهناك -رابعا- إشكالية تداعيات وتأثيرات استمرار الصراع العربي - الإسرائيلي على الأوضاع الداخلية في فلسطين، وفي الأقطار المحيطة بإسرائيل، والتي عوقت وشوهت الكثير من نواحي نموها السياسي والاقتصادي.
    وهناك -خامسا- إشكاليات العلاقات العربية - الإيرانية، التي تداخل فيها القومي والإستيراتيجي مع الديني والمذهبي، والتي تأثرت أخيرا بالحيوية السياسية الإيرانية -إقليميا ودوليا- وطموحاتها النووية الجديدة.
    ثم هناك -أخيرا- التداعيات والتأثيرات الخطيرة، التي ترتبت على تراجع الدور المصري، عربيا وإقليميا، والذي ترك فراغا عجزت -وسوف تعجز مستقبلا- عن ملئه أي قوة إقليمية أخري.
    إن العالمين العربي والإسلامي يحتاجان الآن إلى مصر القوية الديمقراطية المعتدلة، أكثر من أي وقت آخر.​


    http://www.islamonline.net/arabic/arts/CulturalAreas/2007/01/07.shtml
     

مشاركة هذه الصفحة