أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الحلقة (31) الجزء الثاني

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 506   الردود : 0    ‏2002-08-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-10
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي(31) الجزء الثاني

    المبحث الثاني: اكتساب الحرية الحقة

    إن الذي يرزقه الله العلم النافع، وهو هُدَى الله، والعمل الصالح، وهو الدين الحق، أي تطبيق علمه بسلوكه العملي، يُغرَسُ في قلبه أمران عظيمان:

    الأمر الأول:
    العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى، بحيث لا يتحرك ولا يسكن إلا في عبادة ربه وطاعته، تحقيقاً لقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات: 56] وقوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) [الأنعام: 162-163].

    الأمر الثاني:
    الحرية الكاملة من عبودية غير الله، من هوى ونفس وشيطان وملذات وطغاة. فإذا تمكنت عبوديته لله من قلبه، وتحرر من عبودية غير الله، كان أهلاً لأن يأمنه الناس على كل شيء، لأنه لا يستجيب لرغبة، ولا يخضع لرهبة، ولا يقوده إغراء ولا شهوة، ولا يتبع هوى، وإنما يستجيب لأمر الله، وأمر الله لا يوجد فيه إلا عمل الخير الذي فيه غاية الأمن لكل البشر.

    والذي يعتدي على حقوق الله أو حقوق عباده، إنما يفعل ذلك بسبب استرقاق الشهوات لقلبه الذي لم تتمكن من عبودية الله منه، وإنما تمكنت منه عبودية غيره، فهو أسير شهواته وهواه ولو كان في ظاهر أمره ملكاً للناس.

    وقد دل القرآن الكريم على أن الذي يحقق عبودية الله في نفسه يسلم من عبودية غيره، والذي لا يحقق عبودية الله في نفسه يكون عبداً لشتى مخلوقاته، فالحرية الحقة هي عبودية الله الواحد، والعبودية المذِّلة هي الخضوع لغير الله، قال تعالى: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) [الزمر: 29].

    والمثل مضروب لتقريب المعنى للأفهام، فالذي يكون مملوكاً لعدد من الناس يلقى عنتاً ومشقة في إرضائهم، ولا يجد منهم رأفة به ولا إعانة على مصالحه، بخلاف من كان مملوكاً لمالك واحد، فإنه يرضيه بطاعته ولا يجد من يعارضه في ذلك، ويثيبه مالكه على عمله ويعرفه له، فالذي يعبد الله وحده هو الحر الذي لا تستعبده آلهة شتى، والذي لا يعبد الله وحده يكون مسترقاً لتلك الآلهة المتعددة: آلهة الطواغيت التي تأمره بالمنكر فيفعله، وتنهاه عن المعروف فيتركه، وآلهة الشهوات التي تدعوه إلى الوقوع فيها والاعتداء على حقوق الناس، وهذا هو العبد الذليل الحقير لهواه وشهواته فَقَدَ العزّة التي تنال بعبادة الله، فأبدله بها الذل لغيره.

    وهذا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ). هذا هو الذي لم تتمكن العبودية الحقة من قلبه، فأصبح عبداً لكل شيء.

    أما من تمكنت عبودية الله من قلبه فقد عناه النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث بقوله: ( طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع ) [البخاري (3/223)].

    إن عبد الله حر عزيز، ولو لم يكن له ذكر بين الناس ولا جاه ولا منصب ولا هيئة تجعل الناس يلتفتون إليه، تقفل أبواب الناس في وجهه، ولكن باب الله له مفتوح، وإذا شفع عند أحد ردّت شفاعته، ولكن شفاعته عند الله مقبولة.

    أما صاحب الجاه والمنصب والغني والهيئة إذا لم يحقق عبوديته لله، فإنه عبدٌ لجاهه ومنصبه وغناه وهيئته ولا قيمة له عند الله.

    هذا، ولابن تيمية رحمه الله كلام جميل بديع في معنى الحرية في غاية من الدقة والعمق، فهو لا يعتبر من غلبته شهوته وهواه حراً في عرف الشرع ولو كان سيداً مطاعاً في الأرض، وإنما يعتبر الحر من تخلص من تحققت فيه العبودية لله، وتخلص من عبوديته لغير الله.

    قال رحمه الله:
    "فإن أسْر القلب أعظم من أسر لبدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنه واستُرِق وأُسِر، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب – الذي هو ملك الجسم – رقيقاً مستَعبَداً متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسْر المحض والعبودية الذليلة لما استُعبد القلبُ، وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافرٌ أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات ... أما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله، فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس.

    فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب ..." من [كتاب العبودية ص:96-97 طبع المكتب الإسلامي، وراجع كتاب منهج التربية الإسلامية، لمحمد قطب (1/270) والعدالة الاجتماعية لسيد قطب، ص:37-51].

    والمقصود من هذا المبحث أن الذي يُرَبّى على عبودية الله وحبه والخوف منه واتباع شرعه والبعد عن معصيته والتوكل عليه وحده وعدم الخوف من غيره أن يقرب أجلاً أو يقطع رزقاً، إن الذي يربّى هذه التربية يصبح حراً من اتّباع الأهواء والشهوات وطغاة الباطل، فلا يقدم على معصية لربه أو ما يضر الناس، وهنا يكون الأمن والطمأنينة، بخلاف من أسر لشهوته وهواه أو لطاغية، فإنه يقدم على المعاصي والجرائم ولا يبالي ضرر الناس وأذاهم.

    ولما كان معنى الحرية عند كثير من الناس هو الانطلاق الكامل في الاستمتاع بما يقدر عليه الفرد، ترتب على ذلك الاعتداء على المحرمات، واصطدمت الرغبات ونجم النزاع، ونتج عن ذلك اختلال الأمن في أرجاء المعمورة على الضرورات التي لا حياة بدون حفظها [راجع كتاب: الإسلام وضرورات الحياة للمؤلف].

    قال سيد قطب رحمه الله:
    "لا تستقيم حياة يذهب فيها كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حدٍ ولا مدى، يغذيه الشعور بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط وبالمساواة المطلقة التي لا يحدها قيد ولا شرط، فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع، كما يحطم الفرد ذاته وللمجتمع مصلحة عليا لا بدّ أن تنتهي عندها حرية الأفراد، وللفرد ذاته مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته، لكي لا يذهب مع غرائزه وشهواته ولذائذه إلى الحد المردي، ثم لكي لا تصطدم حريته بحرية الآخرين، فتقوم المنازعات التي لا تنتهي، وتستحيل الحرية جحيماً ونكالاً، ويقف نمو الحياة وكمالها عند حدود المصالح الفردية القريبة الآماد، وذلك كالذي حدث في حرية النظام الرأسمالي وما صاحبه من نظريات الحرية الحيوانية للشهوات. والإسلام الذي يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها، والمساواة الإنسانية في أدق معانيها، ولكنه لا يتركهما فوضى، فللمجتمع حسابه، وللإنسانية اعتبارها، وللأهداف العليا للدين قيمتها، لذلك يقرر مبدأ التبعة الفردية، ويقرر إلى جانبها مبدأ التبعية الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها، وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي" [العدالة الاجتماعية ص: 62-63].
     

مشاركة هذه الصفحة