أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الحلقة (32)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 468   الردود : 0    ‏2002-08-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-10
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي (32)

    المبحث الثالث: نماذج تطبيقية لأثر التربية الإسلامية

    لقد أثرت التربية الإسلامية في المسلمين تأثيراً ما كان أحد يتوقع حدوثه في الأرض، لم يتوقعه أحد ممن لم يذق طعم الإسلام وما يحدثه في النفوس من تغيير، وسلوك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على مدى ذلك التأثير.


    ونضرب لذلك ببعض الأمثلة:

    المثال الأول: سرعة التنفيذ اختياراً وامتثالاً.
    إن الأمور التي يعتادها الناس لمدة طويلة وهي مما تشتهيه النفوس، يصعب على تلك النفوس أن تتركها، وإذا حاول القليل أن يتركها تشبّث بها أكثر الناس، ولكن النفوس المؤمنة التي تربت على طاعة الله ورسوله لا يصعب عليها الإقلاع عمّا ألفت إذا أراد الله منها ذلك الإقلاع؛ وإنما يصعب عليها أن تبقى على ما ألفت حياء من الله وخوفاً من سخطه.

    فقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم مازالوا يشربون الخمر في المدينة قبل أن ينزل تحريمها صريحاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما نزل تحريمها سارعوا إلى اجتنابها مسارعة الراغب في رضا الله تعالى، الذي في يده الكأس لم يرفعها إلى فيه، والذي قد أخذ جرعة في فمه لم يستسغ إنزالها إلى جوفه، بل مجّها من فوره، والذي قد شرب منها شيئاً حاول أن يستقيئ ليطهر جوفه من الرجس الذي حرمه الله، وجرت سكك المدينة بالخمور التي أهرقوها من دنانها، حتى لا يبقى شيء منها أمام أعينهم.

    كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: "كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر، في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفصيخ والبسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها .." [البخاري (6/241-242) ومسلم (3/1570) واللفظ له، وغيرهما من أهل السنن.

    رجل واحد ينادي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر، فيسرع الناس بإهراق القلال المملوءة به – كما ورد في بعض روايات أنس: "أهرق هذه القلال" – في شوارع المدينة حتى تجري فيها لكثرتها، ولم يتردّدوا في ذلك مع ما عرف من صعوبة إقلاع شاربي الخمر عنها، ثم لم يراجعوها بعد ذلك ولا سألوا عنها، ولم يكن ذلك لقوة السلطة المادية من المطاردة، وفتح السجون والغرامات وغيرها، وإنما كان بسبب السلطة الربانية – أي القوة الإيمانية المغروسة في النفوس – إنه امتثال أمر الله ورسوله عن رضا واطمئنان.

    وينبغي –هنا– أن نذكّر بقصة إصدار أكبر دولة مادية في العصر الحديث، قانونا بحظر الخمر والعقاب عليها، وتجنيد هذه الدولة كل قواها البشرية والمالية، ووسائل إعلامها، وفتح سجونها على مصراعيها لملئها بالجناة الذين لم يستجيبوا لتطبيق القانون الذي صدر في 16 يناير عام 1919م على أن ينفذ عام 1920م وسبق المنع حملة واسعة من التوعية في جميع وسائل الإعلام، وفي المدارس والمصانع، وصار تدريس أضرار الخمر جزئاً من المواد الدراسية التي يدرسها الطلبة في الابتدائي والثانوي والجامعة، وبذلت جهود جبارة في التوعية، حتى لقد سودت تسعة ملايين صفحة تبين أضرار الخمر الطبية، والاجتماعية، والأخلاقية، وبلغت تكاليف الحملة الإعلامية في ذلك العام فقط خمسة وستين مليون دولار (عام 1920م، قيمتها اليوم أكثر من 650 مليون دولاراً) ولكن لم يكن يمضي على إغلاق الحانات ومصانع الخمر أيام قلائل إلا وابتدأت تنتشر آلاف الحانات السرية .. وفي غضون أشهر قليلة زاد شاربو الخمر عمّا كانوا عليه قبل المنع .. وقدّم إلى المحاكمة ملايين الأشخاص .. وسجن ما بين 1920 و1933 نصف مليون شخص، لإدانتهم بشرب الخمور والاتجار بها أو حيازتها، وقدِّم إلى القضاء في تلك الفترة مجرمون عتاة ارتكبوا جرائم مروعة بسبب الخمر، وقد أدانت المحاكم الكثير منهم، وحكمت على مائتين من عتاة المجرمين بالقتل .. لجرائم متعلقة بالخمور، كما قامت الحكومة بمصادرة أملاك ومصانع الخمر السرية، وبلغ قيمة الأموال المصادرة عندئذ أربعمائة مليون دولار.

    ومع هذا فقد انتشرت العصابات الإجرامية ... وأفلت كثير منها من قبضة القانون.

    تلك الدولة هي الحكومة الأمريكية!

    وممّا ذكرنا يبدوا أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة في الولايات المتحدة في فترة المنع، وهي ما بين 1920 و 1933م، كانت جادة في تطبيق القانون، فقد بذلت في ذلك جهوداً جبارة، ولكن تلك الجهود المضنية باءت بالفشل، وصار من المحتم على الحكومة الأمريكية والكونغرس الأمريكي أن يعيدا النظر في قرار المنع ذلك، إذ وجدت الحكومة الأمريكية أن ملايين الأمريكيين قد أقبلوا على شرب الخمور السرية الرديئة، وزاد الإقبال عليها خاصة بين الشباب ... وقد انتشرت إحصائيات مرعبة عن الوفيات الناتجة عن شرب تلك الخمور الرديئة، ففي عام 1927م فقط هلك من استعمال تلك السموم الناقعة سبعة آلاف وخمسمائة شخص، كما أصيب بأمراض وبيلة من جراء شربها أحد عشر ألف شخص في ذلك العام، وازدادت نسبة الجرائم كلها من هتك للأعراض، من سرقة، وقتل، وتضاعف عدد المجرمين ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل المنع، وصرح الكولونيل موسى رئيس المجلس الوطني للجريمة ... في ذلك الوقت، بقوله: إن واحداً من كل ثلاثة أمريكيين يتعاطون الخمر، وإن الجرائم قد ازدادت بنسبة ثلاثمائة بالمائة عما كانت عليه قبل ...

    وبذلك عادت الولايات المتحدة إلى السماح بصناعة الخمور وبيعها والاتجار بها والإعلان عنها ... [الخمر بين الطب والفقه، لمؤلفه الدكتور محمد بن علي البار ص: 100-103 مع شيء يسير من التصرف والاختصار، وراجع كتاب التشريع الجنائي الإسلامي (2/496-497) لعبد القادر عودة، وراجع ضرورة حفظ العقل في كتابنا: الإسلام وضرورات الحياة].

    قارن بين نداء رجل واحد:
    إن الله قد حرم الخمر واستجابة أهل المدينة كلهم لندائه، وإهراق ما عندهم من الخمور حتى جرت في سكك المدينة ومن ثم لم يعودوا لشربها، وبين ما جرى من دولة ذات قوة وإمكانات مادية لتطبيق القانون الذي حرّمت به الخمر قهراً، ثم استسلامها لجماهير الإجرام والشهوة العارمة، بعد أحد عشر عاماً من الزمن وافهم السبب الذي جعل الناس يستجيبون في الأول، والسبب الذي دعا إلى التمرد في الثاني!

    إن التربية الإسلامية هي السبب في استجابة المسلمين لداعي التحريم في الأول، وعدم تلك التربية، وهو البعد عن الله هو السبب في الثاني.
     

مشاركة هذه الصفحة