في ذكرى ميلاد عبد الناصر... ما أحوجنا إليك!! 1918-15-1

الكاتب : محسن الجشاش   المشاهدات : 457   الردود : 3    ‏2007-01-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-15
  1. محسن الجشاش

    محسن الجشاش عضو

    التسجيل :
    ‏2006-04-07
    المشاركات:
    158
    الإعجاب :
    0
    بسم اللةالرحمن الرحيم


    في الأعوام السبعة وثلاثين الفائتة، درج نفر من الكتاب والمفكرين داخل مصر وخارجها على إحياء ذكرى القائد العربي الفذ جمال عبد الناصر مرتين في العام، الأولى في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز وهو تاريخ قيام الثورة المصرية على الملكية عام 1952، والثانية في الثامن والعشرين من سبتمبر/ أيلول وهو تاريخ وفاته في عام 1970.

    هذا العام وفي ظل تصاعد وتيرة الهجمة الأميركية - "الإسرائيلية" الشرسة على أمتنا العربية وبالأخص في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق، وما قد يستجد من ظروف دولية وعربية أكثر خطورةً وتعقيداً في منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً في وطننا العربي، وجدت نفسي مدفوعاً للتوقف عند ذكرى ميلاد هذا القائد الكبير لشعوري بأننا الآن أحوج ما نكون لأمثاله، خاصة في ظل حالة التردي العربي الحالية التي لم يشهد لها التاريخ العربي مثيلاً من قبل.

    لما لا وقد كان عبد الناصر من أوائل القادة العرب الذين دعوا للوحدة العربية الشاملة وعملوا من أجلها، بل أولهم، وأول من دعا إلى عقد مؤتمرات القمة العربية منذ عام 1964 من أجل القضية الفلسطينية واستمر في تبنيها حتى لحظات وفاته الأخيرة، وذلك على قاعدة إيمانه المبكر بأن ما حدث ويحدث في مصر وفلسطين وأقطار عربية أخرى "هو جزء من مخطط استعماري استيطاني توسعي يستهدف الأمة العربية كلها". وأكثر من ذلك فقد عُرف عن عبد الناصر تأييده اللامحدود للثورة الفلسطينية باعتبارها واحدة من أنبل الظواهر العربية، لا بل أنبلها.

    سبعة وثلاثون عاماً مضت على وفاة عبد الناصر، هي امتداد لاثنتين وخمسين عاماً عاشها منذ مولده في 15 يناير/كانون الثاني 1918، وما زال الرجل في عقول وقلوب قادة وعناصر قوى التحرر والتقدم وهم والحمد لله كُثر، وما زالت صوره تتصدر المظاهرات الشعبية وتُعلقُ في البيوت والقلوب باعتباره يرمز إلى الكرامة العربية التي نقلت الإنسان العربي من هامش العلاقات الدولية إلى دائرة الفعل والتفاعل فيها، كما وأهلته لأن يواكب مجرى الصراع على الصعيدين العربي والدولي.

    فثورة الثالث والعشرين من يوليو/تموز 1952 التي قادها عبد الناصر وما مثلته من حالة ثورية مستجدة وما جسّدته من تحولات وطنية وقومية طالت مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية العربية، ارتقت بالإنسان العربي إلى مستوى المسؤولية في صراعه مع الاستعمار والاستيطان التوسعي وجميع أشكال التحالفات والأحلاف الأجنبية. هذا على المستوى الدولي. أما على المستويين الوطني والقومي، فقد صلَّبت الثورة من قدرة هذا الإنسان على المواجهة والتحدي لقوى الردة والتخاذل والانحطاط والتخلف والاستبداد والإقطاع والرأسمالية.

    ومع الثورة وقائدها كبر الإنسان العربي وارتفعت هامته على قَدْرِ كِبَر الثورة التي أجمع المؤرخون عرباً وأجانب على اعتبارها واحدةً من الثورات العظيمة والكبرى في التاريخ الحديث، لما أحدثته من تحولات، وما أفرزته من إيجابيات على صعيد مصر أولاً، وعلى الصعيدين العربي والدولي ثانياً، وبالأخص على مستوى دول العالم الثالث.

    بعد مرور تسعة وثمانين عاماً على ميلاد عبد الناصر وسبعة وثلاثين عاماً على رحيله وخمسة وخمسين عاماً على ثورة الثالث والعشرين من يوليو/تموز 1952، لا أجد نفسي مضطراً للدخول في قراءات تحليلية أو تقييمية معقدة لإنجازات هذه الثورة ونتائجها أو إيجابياتها وسلبياتها درءاً للسقوط في منزلق عاطفي تجاه الثورة وقائدها، خاصة وأننا نحن كعرب عادة ما نُوصف بأننا نعوم على عاطفة مفرطة وجياشة تجاه من نحب أو نكره.

    إن ثورة يوليو/تموز مثلها مثل جميع الثورات، اتسمت بالإيجابيات والسلبيات. وعبد الناصر كقائد لهذه الثورة مثله مثل جميع القادة اتصف بمزيج من االإيجابيات والسلبيات. لكن إيجابيات الثورة كانت أكثر بكثير من سلبياتها، وكذا كان الحال بالنسبة لقائدها، أقلّه في نظري كإنسان أمن بالفكر القومي ولم يرتد عنه أو يهتز إيمانه به برغم كل ما أحدق به من مصائب ونائبات وما مورس ضده من ضغوط عربية وأجنبية.

    فإيجابيات الثورة الكبيرة وازت إنجازاتها العظيمة، كما وأن سلبياتها الكبيرة وازت أخطاءها الجسيمة!!

    إنما القراءة المبسطة والمجردة عن أي تأثر بالحملة المضادة لقوى الردة العربية التي رهنت نفسها ومصيرها للولايات المتحدة الأميركية ومشروعها الاستعماري ـ الاستيطاني في وطننا العربي، تحفزنا على القول ببساطة تامة "أن ثمانية عشر عاماً هو عمر ثورة يوليو/تموز إذا ما قورنت بما سبقها وما لحق بها من تجارب وممارسات سياسية عربية، تبقى صاحبة الفضل الأكبر والأكثر تأثيراً في انتزاع الاستقلال الوطني لمصر والعديد من الأقطار العربية ودول العالم الثالث على مستوى مجمل القارات.

    هذا بالطبع إلى جانب ما أنجزته من تحولات اجتماعية وخروج من دائرة الاستقطاب الدولي والتبعية وجميع مظاهر التنمية المستقلة التي كان لعبد الناصر شرف تحقيقها برغم شراسة وتكالب قوى الأعداء في الداخل والخارج عليه وعلى الثورة. فلولا القوى الداخلية المضادة على الصعيدين المصري والعربي والقوى الخارجية على الصعيدين الاستعماري والصهيوني، لكان قد قُيض للثورة بقيادة عبد الناصر أن تنجز الكثير من مشاريعها وبرامجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... وكذلك الوحدوية.

    إن العديد من المفكرين والسياسيين يلتقون حول حقيقة مفادها أن الأسباب التي جعلت عبد الناصر يقوم بثورته في عام 1952 ما تزال قائمة حتى يومنا هذا، مع تصاعد نسبي في وتيرة حدّتها واتساع في رقعة انتشارها. كما ويجمعون على أن الأفكار التي طرحتها الثورة ما تزال تلقى صدى لها حتى يومنا هذا أيضاً، الأمر الذي يؤكد صدقيتها ويعطي المشروعية الحقيقية والصادقة لها ولقائدها.

    فالوضع العربي المتردي الذي كان قبل الثورة تفاقم وازداد تردياً بعد غياب قائدها. وخير دليل على ذلك ما هو حاصل الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق بشكل مباشر، وما هو حاصل في معظم الأقطار العربية الأخرى بشكل غير مباشر.. ومن يدري فقد يكون الآتي أدهى وأمر!! هذا بالطبع إذا ما حافظت الأنظمة العربية على معاداة شعوبها ومضت في انصياعها للإرادة الأميركية – "الإسرائيلية"، في ظل غياب الكرامة والإرادة.

    أما فكرة النهوض الوحدوي العربي التي لامست العواطف العربية وتربّعت في الوجدان العربي مع تفجر الثورة وانتصاب هامة قائدها، فلا زالت تحتل هذا الوجدان، وبالأخص في مستواه الشعبي على مساحة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، بما في ذلك "ما هو محتل منها وما هو مقبل على الاحتلال" إذا ما استمر الوضع العربي على ما هو عليه من انحطاط وتردي في ظل قيادات عربية لا حول لها ولا قوة.

    أتوقف عند ميلاد جمال عبد الناصر وفاءً له واستذكاراً لتجربته وحرصاً على زرعها في ذاكرة أبنائنا، لأن الأسباب التي قامت من أجلها ما تزال تحاكيها، ولأن الأفكار التي طرحتها ما تزال تنتظر من يطبقها.

    أتوقف عند ميلاده لأذكر الذين رهنوا مستقبلهم ومستقبل بلدانهم وشعوبهم للولايات المتحدة والمخططات الأميركية – "الإسرائيلية" الهدامة لقاء حفنات تافهة من الدولارات أو لقاء البقاء على رؤوس أنظمة فقدت شرعية بقائها مع لحظة إسقاط مشروع الدفاع العربي المشترك.

    أتوقف عند ميلاده إيماناً جاداً بضرورة محاكاة تجربته وثورته واستخلاص الدروس والعبر. نعم، وربما قبل هذه من منطلق إيمان مطلقٍ بالقومية العربية التي رفع شعارها وتبّناها، والتي يحوّلها نفر من الكتاب والمفكرين والصحفيين من أهل الثقافة الضيقة هذه الأيام إلى "شماعةٍ" يعلقون عليها الأوضاع العربية المتردية خدمة لأهل السلطة والجاه، وتبريراً لتقاعسهم واستكانتهم.

    فالفكر القومي الذي آمن به جمال عبد الناصر ما كان يوماً دعوة إلى تغييب الديمقراطية أو القفز من فوقها، ولا وجهاً من وجوه القمع والفاشية أو رديفاً للدكتاتورية الفردية، بصرف النظر عما أُلصق بالتجربة الناصرية من سلبيات بهذا الخصوص قد يكون البعض منها صحيحاً وقد يكون مَرَدُ ذلك لِقصر عمر هذه التجربة والإفرازات السلبية الكبيرة التي ورثتها عن مراحل الاستعمار والحكم الملكي الاستبدادي الذي ثارت عليه... ناهيك عما سبق الإشارة إليه من تكالب القوى المعادية في الداخل والخارج.

    إن كل ما قيل ويقال عن التجربة الناصرية والثورة والقائد بهذا الخصوص تمَّ تقييمه من قبل العارفين ببواطن الأمور في إطار خطة مدروسة وحملة ترويج شرسة للنزعات القطرية البحتة التي استشرت في الوطن العربي بعد رحيل عبد الناصر، تلك النزعات التي حوّلت الأقطار العربية إلى إقطاعيات ومزارع قطرية للقمع والفاشية والدكتاتورية تحت سمع وبصر العالم بما فيه الولايات المتحدة الأميركية "صاحبة الفضيلة والحريصة على إرساء الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان" في الوطن العربي!!

    أتوقف عند ميلاد عبد الناصر وثورته وتجربته وفي ذهني جميع أشكال القتل والفتك والإبادة والإذلال والانتهاكات اليومية التي يمارسها "الإسرائيليون" في الأراضي الفلسطينية المحتلة والأميركيون فوق تراب العراق.

    أتوقف عند المناسبة العظيمة متشبثاً بما تبقى عندنا من كرامة كان لعبد الناصر الفضل الأكبر في إرساء دعائمها وزرعها في نفس وعقل وقلب كل إنسان عربي على مساحة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. نعم من المحيط إلى الخليج.

    أتوقف عند المناسبة العظيمة لشعوري الصادق والأمين بأننا أحوج ما نكون اليوم لأمثال هذا الرجل الكبير، الذي كبّر بأُمته وكبرت أمته به.

    ألسنا بحاجة إلى كرامة لطالما افتقدناها مع رحيله ومع توالي التجارب السياسية العربية التي تلت التجربة الناصرية على مدار العقود الأربعة الأخيرة... تلك التجارب التي قفزت فوق التجربة الناصرية وتنكرت لها وتعمدت عدم محاكاتها والبناء عليها، إلى أن آل الوضع العربي إلى ما هو عليه من تراجع وانحدار وفقدان للكرامة والإرادة؟

    ترى هل تهبّ رياح "صدمة عودة الوعي" من حيث ندري أو لا ندري، لتخرج القادة العرب من غيبوبتهم وتجعلهم يتصالحون مع شعوبهم ويتخلّون عن نزعاتهم القطرية الضّيقة ومصالحهم الذاتية الأضيق، ليحاكوا التجربة الناصرية بكل ما لها وما عليها ويبنوا عليها ويعيدوا الكرامة لبلدانهم وأمتهم؟

    ألم يقل المثل العربي أن "لا كرامة لمواطن خارج وطنه"؟ فكيف الحال الآن ونحن لا نرى كرامة لمواطن حتى داخل وطنه؟! أنت منا وما أحوجنا إليك يا عبد الناصر الآن!! أنت منا وما أحوجنا لحضورك الدائم بيننا!!

    ****
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-15
  3. محسن الجشاش

    محسن الجشاش عضو

    التسجيل :
    ‏2006-04-07
    المشاركات:
    158
    الإعجاب :
    0
    بسم اللةالرحمن الرحيم


    في الأعوام السبعة وثلاثين الفائتة، درج نفر من الكتاب والمفكرين داخل مصر وخارجها على إحياء ذكرى القائد العربي الفذ جمال عبد الناصر مرتين في العام، الأولى في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز وهو تاريخ قيام الثورة المصرية على الملكية عام 1952، والثانية في الثامن والعشرين من سبتمبر/ أيلول وهو تاريخ وفاته في عام 1970.

    هذا العام وفي ظل تصاعد وتيرة الهجمة الأميركية - "الإسرائيلية" الشرسة على أمتنا العربية وبالأخص في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق، وما قد يستجد من ظروف دولية وعربية أكثر خطورةً وتعقيداً في منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً في وطننا العربي، وجدت نفسي مدفوعاً للتوقف عند ذكرى ميلاد هذا القائد الكبير لشعوري بأننا الآن أحوج ما نكون لأمثاله، خاصة في ظل حالة التردي العربي الحالية التي لم يشهد لها التاريخ العربي مثيلاً من قبل.

    لما لا وقد كان عبد الناصر من أوائل القادة العرب الذين دعوا للوحدة العربية الشاملة وعملوا من أجلها، بل أولهم، وأول من دعا إلى عقد مؤتمرات القمة العربية منذ عام 1964 من أجل القضية الفلسطينية واستمر في تبنيها حتى لحظات وفاته الأخيرة، وذلك على قاعدة إيمانه المبكر بأن ما حدث ويحدث في مصر وفلسطين وأقطار عربية أخرى "هو جزء من مخطط استعماري استيطاني توسعي يستهدف الأمة العربية كلها". وأكثر من ذلك فقد عُرف عن عبد الناصر تأييده اللامحدود للثورة الفلسطينية باعتبارها واحدة من أنبل الظواهر العربية، لا بل أنبلها.

    سبعة وثلاثون عاماً مضت على وفاة عبد الناصر، هي امتداد لاثنتين وخمسين عاماً عاشها منذ مولده في 15 يناير/كانون الثاني 1918، وما زال الرجل في عقول وقلوب قادة وعناصر قوى التحرر والتقدم وهم والحمد لله كُثر، وما زالت صوره تتصدر المظاهرات الشعبية وتُعلقُ في البيوت والقلوب باعتباره يرمز إلى الكرامة العربية التي نقلت الإنسان العربي من هامش العلاقات الدولية إلى دائرة الفعل والتفاعل فيها، كما وأهلته لأن يواكب مجرى الصراع على الصعيدين العربي والدولي.

    فثورة الثالث والعشرين من يوليو/تموز 1952 التي قادها عبد الناصر وما مثلته من حالة ثورية مستجدة وما جسّدته من تحولات وطنية وقومية طالت مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية العربية، ارتقت بالإنسان العربي إلى مستوى المسؤولية في صراعه مع الاستعمار والاستيطان التوسعي وجميع أشكال التحالفات والأحلاف الأجنبية. هذا على المستوى الدولي. أما على المستويين الوطني والقومي، فقد صلَّبت الثورة من قدرة هذا الإنسان على المواجهة والتحدي لقوى الردة والتخاذل والانحطاط والتخلف والاستبداد والإقطاع والرأسمالية.

    ومع الثورة وقائدها كبر الإنسان العربي وارتفعت هامته على قَدْرِ كِبَر الثورة التي أجمع المؤرخون عرباً وأجانب على اعتبارها واحدةً من الثورات العظيمة والكبرى في التاريخ الحديث، لما أحدثته من تحولات، وما أفرزته من إيجابيات على صعيد مصر أولاً، وعلى الصعيدين العربي والدولي ثانياً، وبالأخص على مستوى دول العالم الثالث.

    بعد مرور تسعة وثمانين عاماً على ميلاد عبد الناصر وسبعة وثلاثين عاماً على رحيله وخمسة وخمسين عاماً على ثورة الثالث والعشرين من يوليو/تموز 1952، لا أجد نفسي مضطراً للدخول في قراءات تحليلية أو تقييمية معقدة لإنجازات هذه الثورة ونتائجها أو إيجابياتها وسلبياتها درءاً للسقوط في منزلق عاطفي تجاه الثورة وقائدها، خاصة وأننا نحن كعرب عادة ما نُوصف بأننا نعوم على عاطفة مفرطة وجياشة تجاه من نحب أو نكره.

    إن ثورة يوليو/تموز مثلها مثل جميع الثورات، اتسمت بالإيجابيات والسلبيات. وعبد الناصر كقائد لهذه الثورة مثله مثل جميع القادة اتصف بمزيج من االإيجابيات والسلبيات. لكن إيجابيات الثورة كانت أكثر بكثير من سلبياتها، وكذا كان الحال بالنسبة لقائدها، أقلّه في نظري كإنسان أمن بالفكر القومي ولم يرتد عنه أو يهتز إيمانه به برغم كل ما أحدق به من مصائب ونائبات وما مورس ضده من ضغوط عربية وأجنبية.

    فإيجابيات الثورة الكبيرة وازت إنجازاتها العظيمة، كما وأن سلبياتها الكبيرة وازت أخطاءها الجسيمة!!

    إنما القراءة المبسطة والمجردة عن أي تأثر بالحملة المضادة لقوى الردة العربية التي رهنت نفسها ومصيرها للولايات المتحدة الأميركية ومشروعها الاستعماري ـ الاستيطاني في وطننا العربي، تحفزنا على القول ببساطة تامة "أن ثمانية عشر عاماً هو عمر ثورة يوليو/تموز إذا ما قورنت بما سبقها وما لحق بها من تجارب وممارسات سياسية عربية، تبقى صاحبة الفضل الأكبر والأكثر تأثيراً في انتزاع الاستقلال الوطني لمصر والعديد من الأقطار العربية ودول العالم الثالث على مستوى مجمل القارات.

    هذا بالطبع إلى جانب ما أنجزته من تحولات اجتماعية وخروج من دائرة الاستقطاب الدولي والتبعية وجميع مظاهر التنمية المستقلة التي كان لعبد الناصر شرف تحقيقها برغم شراسة وتكالب قوى الأعداء في الداخل والخارج عليه وعلى الثورة. فلولا القوى الداخلية المضادة على الصعيدين المصري والعربي والقوى الخارجية على الصعيدين الاستعماري والصهيوني، لكان قد قُيض للثورة بقيادة عبد الناصر أن تنجز الكثير من مشاريعها وبرامجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... وكذلك الوحدوية.

    إن العديد من المفكرين والسياسيين يلتقون حول حقيقة مفادها أن الأسباب التي جعلت عبد الناصر يقوم بثورته في عام 1952 ما تزال قائمة حتى يومنا هذا، مع تصاعد نسبي في وتيرة حدّتها واتساع في رقعة انتشارها. كما ويجمعون على أن الأفكار التي طرحتها الثورة ما تزال تلقى صدى لها حتى يومنا هذا أيضاً، الأمر الذي يؤكد صدقيتها ويعطي المشروعية الحقيقية والصادقة لها ولقائدها.

    فالوضع العربي المتردي الذي كان قبل الثورة تفاقم وازداد تردياً بعد غياب قائدها. وخير دليل على ذلك ما هو حاصل الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق بشكل مباشر، وما هو حاصل في معظم الأقطار العربية الأخرى بشكل غير مباشر.. ومن يدري فقد يكون الآتي أدهى وأمر!! هذا بالطبع إذا ما حافظت الأنظمة العربية على معاداة شعوبها ومضت في انصياعها للإرادة الأميركية – "الإسرائيلية"، في ظل غياب الكرامة والإرادة.

    أما فكرة النهوض الوحدوي العربي التي لامست العواطف العربية وتربّعت في الوجدان العربي مع تفجر الثورة وانتصاب هامة قائدها، فلا زالت تحتل هذا الوجدان، وبالأخص في مستواه الشعبي على مساحة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، بما في ذلك "ما هو محتل منها وما هو مقبل على الاحتلال" إذا ما استمر الوضع العربي على ما هو عليه من انحطاط وتردي في ظل قيادات عربية لا حول لها ولا قوة.

    أتوقف عند ميلاد جمال عبد الناصر وفاءً له واستذكاراً لتجربته وحرصاً على زرعها في ذاكرة أبنائنا، لأن الأسباب التي قامت من أجلها ما تزال تحاكيها، ولأن الأفكار التي طرحتها ما تزال تنتظر من يطبقها.

    أتوقف عند ميلاده لأذكر الذين رهنوا مستقبلهم ومستقبل بلدانهم وشعوبهم للولايات المتحدة والمخططات الأميركية – "الإسرائيلية" الهدامة لقاء حفنات تافهة من الدولارات أو لقاء البقاء على رؤوس أنظمة فقدت شرعية بقائها مع لحظة إسقاط مشروع الدفاع العربي المشترك.

    أتوقف عند ميلاده إيماناً جاداً بضرورة محاكاة تجربته وثورته واستخلاص الدروس والعبر. نعم، وربما قبل هذه من منطلق إيمان مطلقٍ بالقومية العربية التي رفع شعارها وتبّناها، والتي يحوّلها نفر من الكتاب والمفكرين والصحفيين من أهل الثقافة الضيقة هذه الأيام إلى "شماعةٍ" يعلقون عليها الأوضاع العربية المتردية خدمة لأهل السلطة والجاه، وتبريراً لتقاعسهم واستكانتهم.

    فالفكر القومي الذي آمن به جمال عبد الناصر ما كان يوماً دعوة إلى تغييب الديمقراطية أو القفز من فوقها، ولا وجهاً من وجوه القمع والفاشية أو رديفاً للدكتاتورية الفردية، بصرف النظر عما أُلصق بالتجربة الناصرية من سلبيات بهذا الخصوص قد يكون البعض منها صحيحاً وقد يكون مَرَدُ ذلك لِقصر عمر هذه التجربة والإفرازات السلبية الكبيرة التي ورثتها عن مراحل الاستعمار والحكم الملكي الاستبدادي الذي ثارت عليه... ناهيك عما سبق الإشارة إليه من تكالب القوى المعادية في الداخل والخارج.

    إن كل ما قيل ويقال عن التجربة الناصرية والثورة والقائد بهذا الخصوص تمَّ تقييمه من قبل العارفين ببواطن الأمور في إطار خطة مدروسة وحملة ترويج شرسة للنزعات القطرية البحتة التي استشرت في الوطن العربي بعد رحيل عبد الناصر، تلك النزعات التي حوّلت الأقطار العربية إلى إقطاعيات ومزارع قطرية للقمع والفاشية والدكتاتورية تحت سمع وبصر العالم بما فيه الولايات المتحدة الأميركية "صاحبة الفضيلة والحريصة على إرساء الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان" في الوطن العربي!!

    أتوقف عند ميلاد عبد الناصر وثورته وتجربته وفي ذهني جميع أشكال القتل والفتك والإبادة والإذلال والانتهاكات اليومية التي يمارسها "الإسرائيليون" في الأراضي الفلسطينية المحتلة والأميركيون فوق تراب العراق.

    أتوقف عند المناسبة العظيمة متشبثاً بما تبقى عندنا من كرامة كان لعبد الناصر الفضل الأكبر في إرساء دعائمها وزرعها في نفس وعقل وقلب كل إنسان عربي على مساحة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. نعم من المحيط إلى الخليج.

    أتوقف عند المناسبة العظيمة لشعوري الصادق والأمين بأننا أحوج ما نكون اليوم لأمثال هذا الرجل الكبير، الذي كبّر بأُمته وكبرت أمته به.

    ألسنا بحاجة إلى كرامة لطالما افتقدناها مع رحيله ومع توالي التجارب السياسية العربية التي تلت التجربة الناصرية على مدار العقود الأربعة الأخيرة... تلك التجارب التي قفزت فوق التجربة الناصرية وتنكرت لها وتعمدت عدم محاكاتها والبناء عليها، إلى أن آل الوضع العربي إلى ما هو عليه من تراجع وانحدار وفقدان للكرامة والإرادة؟

    ترى هل تهبّ رياح "صدمة عودة الوعي" من حيث ندري أو لا ندري، لتخرج القادة العرب من غيبوبتهم وتجعلهم يتصالحون مع شعوبهم ويتخلّون عن نزعاتهم القطرية الضّيقة ومصالحهم الذاتية الأضيق، ليحاكوا التجربة الناصرية بكل ما لها وما عليها ويبنوا عليها ويعيدوا الكرامة لبلدانهم وأمتهم؟

    ألم يقل المثل العربي أن "لا كرامة لمواطن خارج وطنه"؟ فكيف الحال الآن ونحن لا نرى كرامة لمواطن حتى داخل وطنه؟! أنت منا وما أحوجنا إليك يا عبد الناصر الآن!! أنت منا وما أحوجنا لحضورك الدائم بيننا!!

    ****
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-01-16
  5. محمد الجشاش

    محمد الجشاش عضو

    التسجيل :
    ‏2007-01-14
    المشاركات:
    87
    الإعجاب :
    0
    والله مقال جيد يا اخ محسن وانشاء الله نسمع منك في المره القادمه اخوك محمد
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-01-16
  7. محمد الجشاش

    محمد الجشاش عضو

    التسجيل :
    ‏2007-01-14
    المشاركات:
    87
    الإعجاب :
    0
    والله مقال جيد يا اخ محسن وانشاء الله نسمع منك في المره القادمه اخوك محمد
     

مشاركة هذه الصفحة