جمال أنعم على هامش المشنقة

الكاتب : الثلايا   المشاهدات : 490   الردود : 1    ‏2007-01-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-14
  1. الثلايا

    الثلايا عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-07-15
    المشاركات:
    332
    الإعجاب :
    0
    أيها الموت: أنت الآن سيد هذا القفر، أنت السلطان، أنت القائد والمتصدر، "لك الصدر ولنا القبر".

    يحيا الموت، يحيا القتلة، يموت القتلة، تحيا الرايات، تحيا داحس والغبراء.

    أيها الموت: كم وجْبَتُك هذا اليوم؟ كم صيدك؟ في بغداد؟ في لبنان؟ بفلسطين؟ في الصومال؟ كم صرعاك الآن؟ وكم أعددت لبطن الغد؟.

    العيد شجنٌ وسؤالٌ معاد لأبٍ كبير في الشعر والأسى والغياب، لإبراهيم جوهر من المراوعة.

    يا عيد ما لك بادي الهم مكتئبٌ

    يبدو عليك الأسى والحزن والتعب؟

    يا أبتي أضف إلى مصفوفة الأسى هذه صدام في لحظات الشنق صبيحة يوم النحر.

    تابعت المشهد وتابعت تناول الفول أيضاً كأي مهانٍ فقد القدرة على المبالاة لكنني كنت أبكي من الداخل، أتصدع، أتمزق، أشنق ألف مرة.

    كانت لحظة رعب فارقة احتشدت فيها الرقاب ودورات العقاب، لحظة كثيفة اختزلت تاريخاً من الموت المسوغ، تاريخاً من الخيانات والخيبات والأوهام والثرثرات ومشاريع السقوط المريع.

    كانت لحظة ملتبسة غامضة فيها شعور ممض بالاهانة، مقت للحقراء الصامتين، كراهية

    لانتقام العاجز، ازدراء العدالة الأسيرة، حكم الأسير على الأسير، سخرية من المحيط المتواطئ الجبان

    لم يكن الحزن الخالص إنما هو الحزن غير المتعين وذاك أقسى الأحزان.

    دعوني أفجعكم بمسائلة الكرامة المنجرحة!!

    أكانت الفجيعة بشنق العيد؟ بقتل الفرحة؟ هل آذت مشاعركم أكثر مما آذت الرئيس المشنوق؟ هل كنا سنبدو أقل تفجعا لو أجّل التنفيذ؟.

    أيها القوم لقد وقعتم جميعا على هذا الحكم لحظة دخول "هولاكو" الجديد بغداد.

    الأكثر مأساوية هذا الادعاء المتأخر للحزن.

    كأن العراق لم يسقط بعد تحت الاحتلال!! كأن صدام لم يسقط بعد، لم يحاكم حقيقة مذ أخذ مخفورا بيد الأمريكان، أو كأننا لم نصدق بعد أن زعيماً عربياً سيذهب مشنوقا على هذا النحو كأضحية في يوم عيد دونما مفتدٍ بروح ٍ أو دم!!.

    في كل يوم ٍ لنا قتلى هنا أو هناك، قتلى معتادون، موتهم لا يثير، مجرد أشلاء في الصورة، أرقام في الخبر، كائنات سهلة النفوق بلا ملامح، موت "بدون" بلا مجد ولا شهادة ذائعة الصيت، وعيٌ يستحق المسائلة.

    لم يكن "صدام" محظياً بالطبع بهذي القتلة

    ولا محظوظاً أيضاً بكثرة الندابين المحتاجين كل يوم ٍ لشهيد، يلطمون عليه خدودا زهد فيها اللطم، لشهيد يشهد كم هم زائفون عجزة، كذابون وشهود عار.

    كم هم قتلة.

    يسقط المواطن فيسقط الوطن الزعيم ليس مركز تجسيد الكرامة الوطنية إنما هو موظفٌ عام لا كرامة لمنصبة في ذاته إلا كونه معبرا عن أرادة مواطنيه .

    ونحن كائنات النظم الفردية الأخيرة مازلنا مسكونين بوعي ينتقص من المواطنة إزاء الوطن الزعيم.

    لا استطيع تجاهل هذا الموت.

    الذي يتخطفُ الأرواح والأعراض والحقوق هنا أو هناك حين أتحدث عن تلك اللحظة الشانقة لزعيم عربيٍ شهير.

    ما حدث لأنيسة الشعيبي داخل سجن البحث الجنائي بأمانة العاصمة من انتهاك وحشي قذر، حالة إعدامٍ لا تقل رعباً عن تلك اللحظة، ما حدث لـ"حمدان درسي" من اعتداءٍ همجي وتعذيب على يد ممسوس، مسكون بالبشاعة وسطوة محمية بالانتماء لحزبٍ يدير دفة الحكم يمثل اغتيالاً مستفزاً لضمير الوطن لا يقل استفزازاً واستثارة عن تلك اللحظة.

    شعرت بالرعب وأنا أتابع تفاصيل هذا الجرم فقد تجاوز "الفاشق" هذه المرة موس الحلاق إلى حلاقةٍ بالغة الدناءة.

    هذا رجل ملك من الشجاعة ما يصدم الجلاد ويصم الجلادين، وأن تبلغ الهمجية بمعذبه هذا الحد مؤشرٌ على انتهاك أكبر مسكوت عنه إما خوفاً أو جبناً أو عجزاً سيما في بيئة نائية قصية يسهل للشيطان جعلها مسرح جريمة بعيدة عن المسائلة.

    العدالة اليوم أمام اختبار في مواجهة "الفاشق" وأشباه "الفاشق".

    ما حدث من إضاعة لدم الحامدي المغدور والسمحي والبحري وغرقى حنيش من أبناء مؤسستنا العسكرية غرقى البحر والصمت باعتبار موتهم سراً عسكرياً ممنوعٌ تقليبه حتى وإن انقلب قارب بعد آخر.

    ما يحدث من موت كثير مبرر على الطرقات، ما يحدث من سقوط للقضايا ونسيان للمصائر لا يكاد ينفصل عن تلك اللحظة.

    شنقت أوطان وأعدمت شعوب وصفيت أنظمة وديست زعامات حين هان المواطن، حين سقط في الهوان، حين تصالح مع الإهانة، حين تصالح مع الموت.

    اختار صدام نهايته، واختار الموت العراق من قبل ومن بعد واخترنا الفرجة وحيث لا نختار الحياة يختارنا الموت.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-14
  3. الثلايا

    الثلايا عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-07-15
    المشاركات:
    332
    الإعجاب :
    0
    أيها الموت: أنت الآن سيد هذا القفر، أنت السلطان، أنت القائد والمتصدر، "لك الصدر ولنا القبر".

    يحيا الموت، يحيا القتلة، يموت القتلة، تحيا الرايات، تحيا داحس والغبراء.

    أيها الموت: كم وجْبَتُك هذا اليوم؟ كم صيدك؟ في بغداد؟ في لبنان؟ بفلسطين؟ في الصومال؟ كم صرعاك الآن؟ وكم أعددت لبطن الغد؟.

    العيد شجنٌ وسؤالٌ معاد لأبٍ كبير في الشعر والأسى والغياب، لإبراهيم جوهر من المراوعة.

    يا عيد ما لك بادي الهم مكتئبٌ

    يبدو عليك الأسى والحزن والتعب؟

    يا أبتي أضف إلى مصفوفة الأسى هذه صدام في لحظات الشنق صبيحة يوم النحر.

    تابعت المشهد وتابعت تناول الفول أيضاً كأي مهانٍ فقد القدرة على المبالاة لكنني كنت أبكي من الداخل، أتصدع، أتمزق، أشنق ألف مرة.

    كانت لحظة رعب فارقة احتشدت فيها الرقاب ودورات العقاب، لحظة كثيفة اختزلت تاريخاً من الموت المسوغ، تاريخاً من الخيانات والخيبات والأوهام والثرثرات ومشاريع السقوط المريع.

    كانت لحظة ملتبسة غامضة فيها شعور ممض بالاهانة، مقت للحقراء الصامتين، كراهية

    لانتقام العاجز، ازدراء العدالة الأسيرة، حكم الأسير على الأسير، سخرية من المحيط المتواطئ الجبان

    لم يكن الحزن الخالص إنما هو الحزن غير المتعين وذاك أقسى الأحزان.

    دعوني أفجعكم بمسائلة الكرامة المنجرحة!!

    أكانت الفجيعة بشنق العيد؟ بقتل الفرحة؟ هل آذت مشاعركم أكثر مما آذت الرئيس المشنوق؟ هل كنا سنبدو أقل تفجعا لو أجّل التنفيذ؟.

    أيها القوم لقد وقعتم جميعا على هذا الحكم لحظة دخول "هولاكو" الجديد بغداد.

    الأكثر مأساوية هذا الادعاء المتأخر للحزن.

    كأن العراق لم يسقط بعد تحت الاحتلال!! كأن صدام لم يسقط بعد، لم يحاكم حقيقة مذ أخذ مخفورا بيد الأمريكان، أو كأننا لم نصدق بعد أن زعيماً عربياً سيذهب مشنوقا على هذا النحو كأضحية في يوم عيد دونما مفتدٍ بروح ٍ أو دم!!.

    في كل يوم ٍ لنا قتلى هنا أو هناك، قتلى معتادون، موتهم لا يثير، مجرد أشلاء في الصورة، أرقام في الخبر، كائنات سهلة النفوق بلا ملامح، موت "بدون" بلا مجد ولا شهادة ذائعة الصيت، وعيٌ يستحق المسائلة.

    لم يكن "صدام" محظياً بالطبع بهذي القتلة

    ولا محظوظاً أيضاً بكثرة الندابين المحتاجين كل يوم ٍ لشهيد، يلطمون عليه خدودا زهد فيها اللطم، لشهيد يشهد كم هم زائفون عجزة، كذابون وشهود عار.

    كم هم قتلة.

    يسقط المواطن فيسقط الوطن الزعيم ليس مركز تجسيد الكرامة الوطنية إنما هو موظفٌ عام لا كرامة لمنصبة في ذاته إلا كونه معبرا عن أرادة مواطنيه .

    ونحن كائنات النظم الفردية الأخيرة مازلنا مسكونين بوعي ينتقص من المواطنة إزاء الوطن الزعيم.

    لا استطيع تجاهل هذا الموت.

    الذي يتخطفُ الأرواح والأعراض والحقوق هنا أو هناك حين أتحدث عن تلك اللحظة الشانقة لزعيم عربيٍ شهير.

    ما حدث لأنيسة الشعيبي داخل سجن البحث الجنائي بأمانة العاصمة من انتهاك وحشي قذر، حالة إعدامٍ لا تقل رعباً عن تلك اللحظة، ما حدث لـ"حمدان درسي" من اعتداءٍ همجي وتعذيب على يد ممسوس، مسكون بالبشاعة وسطوة محمية بالانتماء لحزبٍ يدير دفة الحكم يمثل اغتيالاً مستفزاً لضمير الوطن لا يقل استفزازاً واستثارة عن تلك اللحظة.

    شعرت بالرعب وأنا أتابع تفاصيل هذا الجرم فقد تجاوز "الفاشق" هذه المرة موس الحلاق إلى حلاقةٍ بالغة الدناءة.

    هذا رجل ملك من الشجاعة ما يصدم الجلاد ويصم الجلادين، وأن تبلغ الهمجية بمعذبه هذا الحد مؤشرٌ على انتهاك أكبر مسكوت عنه إما خوفاً أو جبناً أو عجزاً سيما في بيئة نائية قصية يسهل للشيطان جعلها مسرح جريمة بعيدة عن المسائلة.

    العدالة اليوم أمام اختبار في مواجهة "الفاشق" وأشباه "الفاشق".

    ما حدث من إضاعة لدم الحامدي المغدور والسمحي والبحري وغرقى حنيش من أبناء مؤسستنا العسكرية غرقى البحر والصمت باعتبار موتهم سراً عسكرياً ممنوعٌ تقليبه حتى وإن انقلب قارب بعد آخر.

    ما يحدث من موت كثير مبرر على الطرقات، ما يحدث من سقوط للقضايا ونسيان للمصائر لا يكاد ينفصل عن تلك اللحظة.

    شنقت أوطان وأعدمت شعوب وصفيت أنظمة وديست زعامات حين هان المواطن، حين سقط في الهوان، حين تصالح مع الإهانة، حين تصالح مع الموت.

    اختار صدام نهايته، واختار الموت العراق من قبل ومن بعد واخترنا الفرجة وحيث لا نختار الحياة يختارنا الموت.
     

مشاركة هذه الصفحة