لماذا ازداد الاهتمام بالخطاب الديني المعتدل؟

الكاتب : ابن الفخر   المشاهدات : 409   الردود : 1    ‏2007-01-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-14
  1. ابن الفخر

    ابن الفخر عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-10-18
    المشاركات:
    908
    الإعجاب :
    0


    ضمن لقاء نشره موقع يمن تايمز مع
    الداعية الاسلامي الحبيب علي الجفري

    اللقاء باللغة الانجليزية من موقع يمن تايمز

    لماذا ازداد الاهتمام بالخطاب الديني المعتدل؟
    إن الأصل في الخطاب الديني هو الاعتدال لكن طرأت على الأمة في مراحل مختلفة من تاريخها ظروف اقتضت أن تعلو فيها أصوات التطرف المقابل للاعتدال، وهذا يوجد في كل أمة وفى كل منهج، لأن من خصائص المجتمع الإنساني أن يوجد فيه المتطرف والمعتدل حسب ظروف ونفسيات تتعلق بالمتطرف والمعتدل، لكن في حالة استقرار الأمة فإن أصحاب الغلو لا يجدون مجالاً للتمدد في مساحة الأمة، بل ينحصرون على أنفسهم و يتبوتقون بحيث لا يكون لهم أثر على واقع الأمة، إلى أن تمر الأمة بمراحل ضعف، فإذا مرت الأمة بمرحلة ضعف بدأت فرصة التمدد للآراء الشاذة استغلالاً للضعف. وإذا رجعت إلى التاريخ وجدت القرامطة والخوارج لم يكن لهم الأثر إلا في مراحل ضعف الأمة. سنة الله في الأرض أن المتشدد والمتنطع لا يمكن أن يستمر ولأن التطرف بطبيعته لا يحمل مقومات البقاء، فهو يحمل مقومات الانتشار في حال وجود الفراغات.. ومن ثم يعجز عن البقاء والاستمرار.
    والدعوات المنادية بالاعتدال لها خلفيتان: الأولى متعلقة بما يسمى بالحرب على الإرهاب وما يترتب عليها، لكن هناك سبباً أو ميداناً ثانياً أصيلاً أعمق في نفوس الناس وهو أن التطرف والتشدد بطبيعته منفر للنفوس السليمة، وأن الاعتدال هو الأصل في الخطاب الإسلامي؛ وإنما لم تكن أصوات الاعتدال تسمع بسبب أن بعض القوى التي تنادي بالحرب على الإرهاب اليوم هي التي كانت تدعم الأصوات المتطرفة بالأمس إبان الحرب الباردة، ولولا هذا الدعم للتطرف بالأمس لما استطاع أن يستمر مرتفعا كل هذه المدة.. واليوم عندما تحولت القوى الداعمة للتطرف إلى مضادة له بدأت أصوات الاعتدال تسمع في المجتمع. إن أصوات الاعتدال لم تتوقف بالأمس لكن مكبر الصوت هو الذي اقترب منها اليوم.

    من المسؤول عن تشويه صورة الإسلام المشرقة؟ وما هي الطريقة لإرجاعها؟
    الكل يحمل نصيباً من المسؤولية بقدر مكانته في المجتمع. فالحاكم مسؤول والعالم مسؤول (وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فهي مسؤولية مشتركة غير أن الناس تتفاوت في هذه المسؤولية. فمسؤولية العالم في التوعية ومسؤولية ولي الأمر بإتاحة المجال للمعتدلين ليقوموا بالتوعية وأيضا في الأخذ على أيدي المتطرفين لينزجروا. ومسؤولية المثقف في إبراز الاعتدال الإسلامي بدلاً من الاكتفاء فقط بمهاجمة التطرف، فهي مسؤولية مشتركة.

    ما هي تأثيرات أحداث الحادي عشر من سبتمبر على عملكم الدعوي؟ وأين كنتم في ذلك اليوم؟
    كنت في ولاية فرجينيا في طريقي إلى ولاية نيويورك، ومررنا بالبنتاجون قبل أن يضرب بحوالي ساعة إلا ربع وكانت لدي محاضرة في المركز الإسلامي هناك، ثم جاء الخبر بالهاتف فرجعنا إلى البيت ورأينا الأثر السلبي لهذه الأحداث على المسلمين في أمريكا. و رأينا أثرها أيضا بعد ذلك في الشرق فيما حصل في أفغانستان وفي العراق.
    ولاشك أن مثل هذه الأحداث جعلت المتطرفين عندنا يعطون المتطرفين في الغرب فرصة بأن يستثمروا هذا الحدث ضد المسلمين.

    في لقاء تلفزيوني بقناة اقرأ وفى برنامجكم الأسبوعي (الميزان) قلتم إنكم تستطيعون الدعوة إلى الله في كثير من الدول غير المسلمة أكثر من بعض الدول العربية المسلمة. ما حقيقة وجود ضغوطات عليكم من قبل بعض الدول الإسلامية؟
    صحيح، الذي يريد أن يخدم الإسلام يتوقع الأذى في كل مكان. قصدت من هذه العبارة أن بعض الدول الإسلامية لا يزال فكر التخوف من التشدد الديني والنظرية الأمنية القاصرة هو الذي يقود القرار فيها، ولا يزال التعامل مع الإسلام يتم بشيء من السطحية وغياب للإدراك بأن الإسلام هو الدين الشامل الذي لا يزال مؤثراً في الشعوب. وبالتالي لا سبيل لتأمين البلاد إلا بوجود الخطاب الديني المعتدل.. وهذا الوعي غائب عن بعض الأنظمة عندنا في العالم الإسلامي وقد أرخى بظلاله على العمل الدعوي، فكان كثير من الدعاة لا يستطيعون أن يعقد أحدهم حلقة فيها أربعة أو خمسة أشخاص ولو لدرس في النحو إلا وهو معرض للمساءلة والمناقشة. كما أن البنت المحجبة تؤذى ولا تستطيع أن تمشي في الشارع بأمان وهذه الأشياء لا نجدها في كثير من الدول الغربية.

    أدت مدرسة حضرموت دوراً كبيراً في نشر الإسلام في أصقاع الأرض. لكن في الآونة الأخيرة ظهرت جماعات تقلل من هذا الدور الكبير، ما هو ردكم؟
    لأني من أبناء هذه المدرسة فإني لا أريد أن أكثر الثناء عليها والواقع يشهد. عندما تجد أن أكثر من ثلث المسلمين على ظهر هذه الأرض صاروا مسلمين بنتائج دعوة هذه المدرسة، وذلك بسبب المنهج السلمي الراقي المعتدل الذي تحمله هذه المدرسة، تدرك عظمة هذه المدرسة.. وعندما تجد مساحات كبيرة في الخريطة قد تغيرت من بلدان غير مسلمة إلى بلدان مسلمة على أيدي رجال هذه المدرسة، تدرك أيضاً عظمة هذه المدرسة. وعندما ترى امتداد هذه المدرسة لأكثر من ألف سنة على نحو يندر وجوده في هذا العصر، تعلم أنه لا شك بأن هذه المدرسة عظيمة، لا سيما أنه في المرحلة الماضية القريبة (مرحله الشيوعية) كان حجم الجرائم التي ارتكبت بحق رجالات هذه المدرسة هائلاً وبالرغم من ذلك فهي لا زالت تعطي.
    إن عناصر نجاح هذه المدرسة هو الإخلاص والصلة بالسند المتصل والاعتدال والوسطية إضافة إلى اللطف في المعاملة مع الناس بالحجة البينة الواضحة. وأما الذين يقللون من شأن مدرسة حضرموت فليسوا أول من جاء لمحاربة هذه المدرسة، ولو عقلوا لراجعوا تاريخ من سبقهم في ذلك كيف أنهم وإن حققوا بعض النجاح السطحي لكنهم سرعان ما ذابوا وانتهوا والمدرسة باقية. والذين أحسنوا التعامل مع هذه المدرسة من أفراد وجماعات وأنظمة ذهبوا وبقي ذكرهم الجميل وأجرهم الجزيل.

    يؤخذ على كثير من الدعاة المسلمين بأنهم يسمحون لأنفسهم بالدعوة في الغرب ولا يسمحون للمبشرين بالدعوة إلى المسيحية في العالم الإسلامي، وأيضا تبنى المساجد في العالم الغربي ولا يسمح ببناء الكنائس في الدول الإسلامية. ألا يعتبر هذا نوعاً من النفاق؟
    الجواب على هذا السؤال في ثلاثة نقاط :-
    الأولى: أن الغرب الذي فسح المجال للدعوة الإسلامية وبناء المساجد هو الغرب الليبرالي وليس الغرب المسيحي وبالتالي فالمقارنة خاطئة... "نحن سمحنا لكم ببناء المساجد، فاسمحوا لنا ببناء الكنائس"، الغرب في غالب حكوماته لا يمثل المسيحية وإنما يتبنى الرؤية العلمانية التي تقبل حسن التعايش مع الدين.. يهودية أو مسيحية أو إسلام أو بوذية، إذاً فالمقارنة من أصلها خطأ.. ولا أظن أن هناك داعياً لنستدعي تاريخ تعامل الكنيسة مع الإسلام والملل الأخرى في أوروبا.
    الثانية: أن بناء الكنائس في البلدان الإسلامية التي يوجد من أبنائها من يدين بالمسيحية غير ممنوع.. وإذا زرت مصر أو سوريا ستجد الكنائس معمورة وظاهرة، والحديث عن وجود اضطهاد للمسيحيين في العالم الإسلامي لا يخلو من مبالغة.
    الثالثة: أن الإشكال في العمل التنصيري لا يقوم على الحجة والإقناع ولو قام على ذلك لما منعناه وأتينا له بالحجة والإقناع وظهر الحق عند أي من الطرفين. إن العمل التنصيري في كثير من أحواله قائم على الاستغلال لفقر أو مرض أو جهل أو مشاكل اجتماعية، حيث يتم من خلال هذه الأشياء تمرير التنصير، وهذا الشيء مرفوض عندنا لأنه استغلال سيء لحاجة الإنسان وليس إقناعا له. فالذي عنده حجة ويريد أن يقنع يأتي ونرحب به. إن تاريخنا حافل بالمناظرات التي قامت بين المسلمين والمسيحيين وبين المسلمين واليهود حتى بين المسلمين واللادينيين. ولقد عاش المسيحيون واليهود في ظل الدولة الإسلامية عيشة كريمة، فلا إشكال بيننا وبين من يختلف معنا في الدين، لكن إرادة استغلال مرحلة الضعف التي نعيشها هو المرفوض. وشيء قبيح أن تستغل حاجة إنسان لتأخذه إليك.

    ما هو تقييمكم لحرية الدعوة إلى الله في العالم الغربي؟
    حرية الدعوة إلى الله في الغرب مكفولة وموجودة بالرغم من وجود عناصر متطرفة في بعض دول الغرب تحاول أن تحارب كل ما هو إسلامي وتتتبع أخطاء وزلات الدعاة لتضعهم في قائمة الإرهاب، لكن هذه الحرية غير مطلقة. إن من الخطأ القول أن هناك حرية رأي مطلقة.. في أمريكا أو أوروبا أو أي مكان آخر توجد نسبة كبيرة من الحرية يستطيع من خلالها المسلمون التعريف بدينهم لكن المشكلة في كيفية تعامل المسلمين معها. إن إساءة التعامل مع الحرية من قبل كثير من المسلمين ساهمت في إعطاء صوراً سلبية عن الإسلام؛ وهذا الشيء الذي يجب أن يعالج.

    هل صحيح أنكم منعتم من الدخول إلى بعض الدول العربية أو طلب منكم الارتحال منها؟
    بالفعل حصل أن طُلب مني أن أرتحل من بعض الدول العربية، ونحن نكن لهذه الدول كل المحبة والتقدير.

    هلا حدثتنا عن دار المصطفى؟
    أسست دار المصطفى على ثلاثة مقاصد. الأول هو العلم وإحياؤه بالسند المتصل رواية و دراية. الثاني السلوك وتربية النفس والأخلاق سيراً إلى الله. الثالث إحياء فكر الدعوة إلى الله وجهده، والمزج بين هذه المقاصد الثلاثة في نفسية الطالب الذي يتعلم في الدار.
    ودار المصطفى هي ثمرة من ثمار مدرسة حضرموت؛ إذ إن مؤسس الدار الحبيب عمر بن حفيظ هو من رجالات هذه المدرسة. و يأتي إلى الدار طلاباً من مختلف أنحاء العالم، ويوجد فيها مسكن داخلي لمن أراد السكن. وللدار فروع في اليمن وخارجه أسسها طلاب تخرجوا منها مثل الفروع الموجودة في اندونيسيا وشرق إفريقيا. وتوجد أيضاً في مدينة تريم بحضرموت دار الزهراء وهى شبيهة بدار المصطفى ولكنها خاصة بالنساء.

    هل يواجه الطلاب الأجانب في دار المصطفى أية ضغوطات من قبل الدولة؟
    على العكس وجدنا تعاونا جيداً من المسؤولين في الدولة، وإن كلام البعض عن مضايقة الدولة لطلاب الشريعة الوافدين من الخارج فيه قلب للحقائق.. الواقع أن الدولة وكذلك الشعب في اليمن لا يقبلون أن تتحول اليمن ذات التاريخ العريق في تخريج الدعاة المعتدلين الذين اقنعوا شعوباً باعتناق الإسلام، إلى بلد مصدّر للغلو والتطرف. توجد في اليمن بعض الأماكن التي تدرس الطلاب الوافدين وحمل هؤلاء الطلاب إلى بلدانهم فكراً متشدداً، وحُسِب ذلك على اليمن وعلى المنهج المعتدل في اليمن، وهذا بالطبع لن يكون مقبولاً.

    كيف استطعتم أن تجعلوا دار المصطفى وجهة كثير من الطلاب من مختلف أنحاء العالم؟
    السبب الأول هو أن مدرسة حضرموت لها أيادي طيبة في جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا، ويوجد هناك ممن كانوا في الهند وارتحلوا إلى الدول الغربية؛ فهؤلاء حملوا معهم المنهج الذي أخذوه عن أهلهم وأجدادهم وقاموا بالحديث عن ذلك، مما أدى إلى مجيء كثير ممن أسلموا إلى مشايخ هذه المدرسة في حضرموت. السبب الثاني وجود العلاقات بين الحبيب عمر وكثير من المشايخ الذين اعتنقوا الإسلام أدت إلى قيام هؤلاء المشايخ بإيفاد طلابهم للدراسة في دار المصطفى، وكانت الثمرة أن رجع هؤلاء إلى بلدانهم بالعلم والسلوك الحسن والأخلاق الطيبة فشوقوا الذين من حواليهم للذهاب إلى حضرموت.
    وهناك سبب ثالث هو وجود البيئة الروحانية في تريم، فهي بلد علم ونور وصلاح وروحانية، وإن الداخل إليها يشعر بالسكينة والطمأنينة وكان لهذا الأثر في أولئك الذين يبحثون عن الطمأنينة.

    ما هو تقييمكم للدعوة الإسلامية بشكل عام في العالم اليوم؟
    الدعوة إلى الله في العالم تمر اليوم بمرحلة مخاض، إذ يتمثل هذا المخاض في قلة بروز المرجعيات الناضجة التي يرجع الناس إليها في حالة اضطراب الخطاب الإسلامي و وجود الفتن؛ فبيت الدعوة إلى الله يحتاج إلى إعادة ترتيب من جديد .
    وإن الفرصة المتوفرة بالنسبة للدعوة كبيرة وكثيرة وذلك لإقبال الشباب على الإسلام و وجود قابلية التفهم لدى كثير من الناس في ظل مفاهيم العولمة، وهذا من محاسنها أن جعلت العالم وعاء حيث يمكن أن يبرز الكل ما عندهم. إن ثورة المعلومات والاتصالات أعطت فرصه لإيصال صوت الإسلام إلى العالم. والفرصة الأخرى هي تعب الناس في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية من وطأة المادية وتعب الناس في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية من الظلم، وهذا التعب هنا وهناك أوجد قابلية لدى الناس أن تنصت إلى من يحسن العرض.

    تتهم مدرسة حضرموت من قبل بعض الجماعات بأنها مسايرة للحاكم بمعنى أنها تقف دائماً إلى جنب الحاكم؟ ما هو ردكم؟
    قبل عشر سنوات كانت الحالة على العكس، كان الحاكم مع الجماعات التي ينتمي إليها موجهو هذه التهم، بل كانوا هم المشاركون في الحكم. ونحن لا نريد أن نعيش حالة التراشق.. لكن يمكن أن نرد عليهم بالقول أن الحاكم في يوم من الأيام وبالتحالف معكم ضرب خصمه ثم أحالكم جانباً. وإن تاريخ مدرسة حضرموت معروف.. والذي دفع ثمن مرحلة الشيوعية من ذبح وقتل وضرب هم علماء مدرسة حضرموت ولستم أنتم. لكننا لا نريد أن ندخل هذا المساق الضيق. الحمد لله هناك تفهم من قبل بعض قيادات هذه الجماعات، ويوجد فيهم عقلاء وبيننا وبينهم تواصل ومودة واحترام، ولقد أظهر عدد منهم عدم الرضا عن مثل هذه التهم.
    أما مسالة الحاكم فكلام أهل العلم واضح، وهو أن الحاكم المسلم لا يُخرج عليه إلا إذا رؤي منه كفر بواح، ولا يطاع في معصية الله وله علينا حق النصيحة. لا يوجد للحاكم ولاء مطلق ولا يوجد له عداء مطلق.. نحن في مرحله نحتاج إلى لملمة جراحنا جميعاً، الحاكم والمحكوم والداعي والمدعو والسياسي والاجتماعي. إن المرحلة صعبة ولا يمكن أن نتجاوزها إلا بقلوب مجتمعة. ولهذا أقول: إخواني دعوا مثل هذا الكلام.. فأمامنا ما هو أهم.

    إن تعدد المذاهب في العالم الإسلامي نتيجة لتعدد الأفكار فلا تكاد توجد دوله إسلامية إلا ويوجد فيها مذاهب متعددة. هل أنت مع هذا التعدد في المذاهب والأفكار؟
    التنوع والتعدد في الأفكار ليس بخطأ بل ربما يكون مؤشراً ايجابياً. الخطأ هو عندما يتحول هذا التنوع والتعدد إلى وسيلة تحصيل مكتسبات ذاتية لأفراد قائمين على هذه الجماعات أو المذاهب، فيتحول التعامل مع التنوع من وسيلة فيها رحمة لاستيعاب الناس إلى ميدان تنافس قبيح على من ينتزع أكبر قدر من الناس ويكتسب أكبر قدر من المكتسبات الشخصية أو الفئوية فتتحول الوسيلة إلى غاية. فهذا خطأ يجب أن نتجاوزه.

    أصبح مفهوم الجهاد من المفاهيم المشكلة التي تثير كثيراً من الجدل. ما هو المفهوم الإسلامي الصحيح للجهاد؟
    الجهاد في اللغة من الجهد بضم الجيم وهو بذل الوسع، ومن الجهد بفتح الجيم وهو إجهاد النفس أي إتعابها، والمقصود بذل الوسع وإجهاد النفس لتكون كلمة الله هي العليا، والجهاد أنواع منها جهاد الكلمة كما في الحديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وجهاد التبليغ (الدعوة) وهو بذل الوسع في إبلاغ كلمة الله إلى الخلق.. وجهاد القتال في سبيل الله إما لرد معتدٍ على النفس أو الأرض أو العرض.. وهو شيء سامٍ أن تضحي بروحك من أجل دينك أو أرضك أو عرضك.. وجهاد سد الثغور العلمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها. والجهاد هو ذروة سنام الإسلام، والإشكال عندما يستعمل الجهاد لاستغلال عواطف الناس الغاضبة والحانقة على وضع سيء، ويخرج عن مسلك الشريعة الإسلامية، فينحرف عن الروح الشمولية للجهاد ويختزل فقط في القتال.. ثم يختزل مرة أخرى في القتل. الإشكال الثاني عندما يؤدى الجهاد على ارض المعركة على نحو مخالف للشريعة الإسلامية إلى الصد عن الله أو إعطاء الذريعة لأعداء الإسلام الذين هم أعداء الإنسانية لينفذوا مخططاتهم القائمة على المصالح الضيقة.

    تمر الأمة الآن بمرحله عصيبة من تاريخها، فقد تكالب الأعداء عليها، وفى كل مكان يوجد جزء منها مجروح. برأيكم، ما هو المخرج من هذه الأزمة؟
    الإجابة والمخرج لا يكون من خلال لقاء صحفي. المخرج هو منهج يشترك فيه العلماء والحكام والمفكرون والسياسيون، تجتمع فيه الأمة على كلمه سواء لتعالج جراحها.. أما السؤال عن مخرج جاهز في لقاء صحفي هي من الإشكالات التي زادت الأمة جراحاً أن يظن الإنسان أن من خلال هذا اللقاء الصحفي يمكن أن يعطى الحل ومن ثم ينصرف؛ فالمسالة أكبر من ذلك. ما نعيشه اليوم هو عبارة عن تراكمات معقدة من الأخطاء صدرت من عده جهات تتعلق بالتقاعس عن فهم الدين فهماً صحيحاً، وبالتالي تقاعست عن العمل به. وإن نتيجة هذه التراكمات هو التفكك داخل المجتمع وانعدام الثقة بين المسلمين. هذه الأحداث تحتاج إلى حل بنفس طويل.

    ما هي رسالتكم إلى الناس الغاضبين بسبب ما يحصل للمسلمين؟
    الناس الغاضبون اليوم من الصعب أن يسمعوا الرسالة، لكن رسالتنا إلى العقلاء الذين يختلطون بالناس الغاضبين أن ذكّروا الناس بأصل المشكلة وهو الإعراض عن الله، والذي أدى إلى تسلط أعداء الله علينا بسبب ذنوبنا ومعاصينا. نحن بحاجة إلى تذكر أنه مع الألم الشديد الذي يعتصر قلوبنا على إخواننا في كل مكان ينبغي أن نشعر بالألم الأكبر تجاه الذين يذبحون بسكين المعصية والمخالفة لأمر الله. نحن بحاجة إلى أن نبكي أكثر على المسلمين الذين يبيتون سكارى ويملؤون الحانات والمراقص. وما دامت الأمة تتألم من القتل والذبح أكثر من تألمها من المعاصي، فإن الأمة في تأخر كبير وليست في تقدم.. في عهد أمتنا الزاهر كان الخوف من المعصية أكبر من الخوف من القتل؛ بل كانت ترى القتل شهادة وشرف يتقرب به إلى الله عز وجل.
    أيهما أكثر إيلاما لقلبي رؤيتي لمسلم وهو مقتول وهو على ملة الإسلام، كأن أصاب مسجده صاروخ وخر على الأرض شهيداً، أم حال المسلم أو المسلمة اللذين يخونان بعضهما أو أمتهما، إنما هو حال المسلم أو المسلمة اللذين يشهد أحدهما الزور أو يرتشي أو يغش أو يبيت يرقص في صالة الديسكو ويحتسي الخمر. أنا هنا لا أخفف من حجم المأساة وعظمها ولكن أحاول الغوص للبحث عن الأسباب التي أوصلتنا إلى ذلك.

    بعد الأحداث التي تبعت نشر الصور الكرتونية المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام توجهتم أنتم وعدد من الدعاة إلى الدنمرك. ماذا كان هدف الزيارة وما هي نتائجها؟
    كان الذهاب إلى الدنمرك امتثالاً لأمر الله تعالى باغتنام فرص الدعوة أينما كانت هذه الفرص. ذهبنا بدعوة للحوار وكان بحمد الله إنجازاً كبيراً أكثر مما كنا نتوقعه، من فتح لعقليات كثير من الناس، وتقبل كثير منهم الأمر، وقد تأكد لنا أن الحادث الأخير ما هو إلا محاولة من جهات مغرضة لإيجاد سدود لامتداد المسلمين في الغرب وتقبل الناس للإسلام هناك. وبعد ذهابنا إلى الدنمرك جاء مجموعة من الدنمركيين إلى أبوظبي حيث أقمنا لهم مؤتمراً حوارياً. كما ذهب مجموعة من الطلاب الدنمركيين من أبناء المسلمين وكذلك من الذين أسلموا هناك لحضور الدورة الصيفية في دار المصطفى. والمشكلة أن الناس يخلطون بين الحوار والتفاوض، لذلك يقولون ما الذي حققتموه هناك وهل اعتذروا؟ التفاوض ينبغي أن تقوم به جهة كمنظمة المؤتمر الإسلامي لأنها المخولة بذلك، وليس على مستوى أفراد ولا حتى جماعات.

    هل يوجد تواصل بينكم والدعاة الآخرين؟
    الصلة ولله الحمد صلة حب واحترام.. وفي كثير من الأحيان ترقى إلى مستوى التعاون، لأن النظرة من منطلق أن هناك حمل ثقيل كلما زاد أعداد الأكتاف التي تحمله خف الحمل على الحاملين.

    هل أتيحت لكم زيارة ونصيحة أحد من الحكام؟
    أتيحت عدد من الفرص وكان هناك نصح كما كان هناك من التقبل الشيء الكثير، بل كانت هناك نتائج على أرض الواقع. إن نصيحة الحكام ينبغي أن لا تكون محلاً للتباهي واكتساب الشعبية أبداً. وهناك فرق بين من ينصح وبين من يظهر تهجمه على الحكام على المنابر و وسائل الإعلام ليثبت أنه شجاع وغير مرائٍ أو مداهن، فيخرج عن مراءاة ومداهنة الحكام إلى مراءاة ومداهنة الشعوب بالعزف على أوتار مشاعرها وقضاياها وهمومها.

    هل لديكم من كلمه أخيرة؟
    كل من لديه إمكانية في مجال من مجالات الحياة ينبغي أن يوجه هذه الإمكانية إلى أعلى ما يمكن أن يرتقى به وهو خدمه دين الله عز وجل، وينبغي على المسلم أن يراجع نفسه ويسأل ما الذي قدمته لأمتي ولمجتمعي ولأسرتي؟.. وأخيراً، أن نعيش نظرة الرحمة التي كان يعيشها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسلم والكافر.

    مصدر هذا اللقاء


     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-14
  3. ابن الفخر

    ابن الفخر عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-10-18
    المشاركات:
    908
    الإعجاب :
    0


    ضمن لقاء نشره موقع يمن تايمز مع
    الداعية الاسلامي الحبيب علي الجفري

    اللقاء باللغة الانجليزية من موقع يمن تايمز

    لماذا ازداد الاهتمام بالخطاب الديني المعتدل؟
    إن الأصل في الخطاب الديني هو الاعتدال لكن طرأت على الأمة في مراحل مختلفة من تاريخها ظروف اقتضت أن تعلو فيها أصوات التطرف المقابل للاعتدال، وهذا يوجد في كل أمة وفى كل منهج، لأن من خصائص المجتمع الإنساني أن يوجد فيه المتطرف والمعتدل حسب ظروف ونفسيات تتعلق بالمتطرف والمعتدل، لكن في حالة استقرار الأمة فإن أصحاب الغلو لا يجدون مجالاً للتمدد في مساحة الأمة، بل ينحصرون على أنفسهم و يتبوتقون بحيث لا يكون لهم أثر على واقع الأمة، إلى أن تمر الأمة بمراحل ضعف، فإذا مرت الأمة بمرحلة ضعف بدأت فرصة التمدد للآراء الشاذة استغلالاً للضعف. وإذا رجعت إلى التاريخ وجدت القرامطة والخوارج لم يكن لهم الأثر إلا في مراحل ضعف الأمة. سنة الله في الأرض أن المتشدد والمتنطع لا يمكن أن يستمر ولأن التطرف بطبيعته لا يحمل مقومات البقاء، فهو يحمل مقومات الانتشار في حال وجود الفراغات.. ومن ثم يعجز عن البقاء والاستمرار.
    والدعوات المنادية بالاعتدال لها خلفيتان: الأولى متعلقة بما يسمى بالحرب على الإرهاب وما يترتب عليها، لكن هناك سبباً أو ميداناً ثانياً أصيلاً أعمق في نفوس الناس وهو أن التطرف والتشدد بطبيعته منفر للنفوس السليمة، وأن الاعتدال هو الأصل في الخطاب الإسلامي؛ وإنما لم تكن أصوات الاعتدال تسمع بسبب أن بعض القوى التي تنادي بالحرب على الإرهاب اليوم هي التي كانت تدعم الأصوات المتطرفة بالأمس إبان الحرب الباردة، ولولا هذا الدعم للتطرف بالأمس لما استطاع أن يستمر مرتفعا كل هذه المدة.. واليوم عندما تحولت القوى الداعمة للتطرف إلى مضادة له بدأت أصوات الاعتدال تسمع في المجتمع. إن أصوات الاعتدال لم تتوقف بالأمس لكن مكبر الصوت هو الذي اقترب منها اليوم.

    من المسؤول عن تشويه صورة الإسلام المشرقة؟ وما هي الطريقة لإرجاعها؟
    الكل يحمل نصيباً من المسؤولية بقدر مكانته في المجتمع. فالحاكم مسؤول والعالم مسؤول (وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فهي مسؤولية مشتركة غير أن الناس تتفاوت في هذه المسؤولية. فمسؤولية العالم في التوعية ومسؤولية ولي الأمر بإتاحة المجال للمعتدلين ليقوموا بالتوعية وأيضا في الأخذ على أيدي المتطرفين لينزجروا. ومسؤولية المثقف في إبراز الاعتدال الإسلامي بدلاً من الاكتفاء فقط بمهاجمة التطرف، فهي مسؤولية مشتركة.

    ما هي تأثيرات أحداث الحادي عشر من سبتمبر على عملكم الدعوي؟ وأين كنتم في ذلك اليوم؟
    كنت في ولاية فرجينيا في طريقي إلى ولاية نيويورك، ومررنا بالبنتاجون قبل أن يضرب بحوالي ساعة إلا ربع وكانت لدي محاضرة في المركز الإسلامي هناك، ثم جاء الخبر بالهاتف فرجعنا إلى البيت ورأينا الأثر السلبي لهذه الأحداث على المسلمين في أمريكا. و رأينا أثرها أيضا بعد ذلك في الشرق فيما حصل في أفغانستان وفي العراق.
    ولاشك أن مثل هذه الأحداث جعلت المتطرفين عندنا يعطون المتطرفين في الغرب فرصة بأن يستثمروا هذا الحدث ضد المسلمين.

    في لقاء تلفزيوني بقناة اقرأ وفى برنامجكم الأسبوعي (الميزان) قلتم إنكم تستطيعون الدعوة إلى الله في كثير من الدول غير المسلمة أكثر من بعض الدول العربية المسلمة. ما حقيقة وجود ضغوطات عليكم من قبل بعض الدول الإسلامية؟
    صحيح، الذي يريد أن يخدم الإسلام يتوقع الأذى في كل مكان. قصدت من هذه العبارة أن بعض الدول الإسلامية لا يزال فكر التخوف من التشدد الديني والنظرية الأمنية القاصرة هو الذي يقود القرار فيها، ولا يزال التعامل مع الإسلام يتم بشيء من السطحية وغياب للإدراك بأن الإسلام هو الدين الشامل الذي لا يزال مؤثراً في الشعوب. وبالتالي لا سبيل لتأمين البلاد إلا بوجود الخطاب الديني المعتدل.. وهذا الوعي غائب عن بعض الأنظمة عندنا في العالم الإسلامي وقد أرخى بظلاله على العمل الدعوي، فكان كثير من الدعاة لا يستطيعون أن يعقد أحدهم حلقة فيها أربعة أو خمسة أشخاص ولو لدرس في النحو إلا وهو معرض للمساءلة والمناقشة. كما أن البنت المحجبة تؤذى ولا تستطيع أن تمشي في الشارع بأمان وهذه الأشياء لا نجدها في كثير من الدول الغربية.

    أدت مدرسة حضرموت دوراً كبيراً في نشر الإسلام في أصقاع الأرض. لكن في الآونة الأخيرة ظهرت جماعات تقلل من هذا الدور الكبير، ما هو ردكم؟
    لأني من أبناء هذه المدرسة فإني لا أريد أن أكثر الثناء عليها والواقع يشهد. عندما تجد أن أكثر من ثلث المسلمين على ظهر هذه الأرض صاروا مسلمين بنتائج دعوة هذه المدرسة، وذلك بسبب المنهج السلمي الراقي المعتدل الذي تحمله هذه المدرسة، تدرك عظمة هذه المدرسة.. وعندما تجد مساحات كبيرة في الخريطة قد تغيرت من بلدان غير مسلمة إلى بلدان مسلمة على أيدي رجال هذه المدرسة، تدرك أيضاً عظمة هذه المدرسة. وعندما ترى امتداد هذه المدرسة لأكثر من ألف سنة على نحو يندر وجوده في هذا العصر، تعلم أنه لا شك بأن هذه المدرسة عظيمة، لا سيما أنه في المرحلة الماضية القريبة (مرحله الشيوعية) كان حجم الجرائم التي ارتكبت بحق رجالات هذه المدرسة هائلاً وبالرغم من ذلك فهي لا زالت تعطي.
    إن عناصر نجاح هذه المدرسة هو الإخلاص والصلة بالسند المتصل والاعتدال والوسطية إضافة إلى اللطف في المعاملة مع الناس بالحجة البينة الواضحة. وأما الذين يقللون من شأن مدرسة حضرموت فليسوا أول من جاء لمحاربة هذه المدرسة، ولو عقلوا لراجعوا تاريخ من سبقهم في ذلك كيف أنهم وإن حققوا بعض النجاح السطحي لكنهم سرعان ما ذابوا وانتهوا والمدرسة باقية. والذين أحسنوا التعامل مع هذه المدرسة من أفراد وجماعات وأنظمة ذهبوا وبقي ذكرهم الجميل وأجرهم الجزيل.

    يؤخذ على كثير من الدعاة المسلمين بأنهم يسمحون لأنفسهم بالدعوة في الغرب ولا يسمحون للمبشرين بالدعوة إلى المسيحية في العالم الإسلامي، وأيضا تبنى المساجد في العالم الغربي ولا يسمح ببناء الكنائس في الدول الإسلامية. ألا يعتبر هذا نوعاً من النفاق؟
    الجواب على هذا السؤال في ثلاثة نقاط :-
    الأولى: أن الغرب الذي فسح المجال للدعوة الإسلامية وبناء المساجد هو الغرب الليبرالي وليس الغرب المسيحي وبالتالي فالمقارنة خاطئة... "نحن سمحنا لكم ببناء المساجد، فاسمحوا لنا ببناء الكنائس"، الغرب في غالب حكوماته لا يمثل المسيحية وإنما يتبنى الرؤية العلمانية التي تقبل حسن التعايش مع الدين.. يهودية أو مسيحية أو إسلام أو بوذية، إذاً فالمقارنة من أصلها خطأ.. ولا أظن أن هناك داعياً لنستدعي تاريخ تعامل الكنيسة مع الإسلام والملل الأخرى في أوروبا.
    الثانية: أن بناء الكنائس في البلدان الإسلامية التي يوجد من أبنائها من يدين بالمسيحية غير ممنوع.. وإذا زرت مصر أو سوريا ستجد الكنائس معمورة وظاهرة، والحديث عن وجود اضطهاد للمسيحيين في العالم الإسلامي لا يخلو من مبالغة.
    الثالثة: أن الإشكال في العمل التنصيري لا يقوم على الحجة والإقناع ولو قام على ذلك لما منعناه وأتينا له بالحجة والإقناع وظهر الحق عند أي من الطرفين. إن العمل التنصيري في كثير من أحواله قائم على الاستغلال لفقر أو مرض أو جهل أو مشاكل اجتماعية، حيث يتم من خلال هذه الأشياء تمرير التنصير، وهذا الشيء مرفوض عندنا لأنه استغلال سيء لحاجة الإنسان وليس إقناعا له. فالذي عنده حجة ويريد أن يقنع يأتي ونرحب به. إن تاريخنا حافل بالمناظرات التي قامت بين المسلمين والمسيحيين وبين المسلمين واليهود حتى بين المسلمين واللادينيين. ولقد عاش المسيحيون واليهود في ظل الدولة الإسلامية عيشة كريمة، فلا إشكال بيننا وبين من يختلف معنا في الدين، لكن إرادة استغلال مرحلة الضعف التي نعيشها هو المرفوض. وشيء قبيح أن تستغل حاجة إنسان لتأخذه إليك.

    ما هو تقييمكم لحرية الدعوة إلى الله في العالم الغربي؟
    حرية الدعوة إلى الله في الغرب مكفولة وموجودة بالرغم من وجود عناصر متطرفة في بعض دول الغرب تحاول أن تحارب كل ما هو إسلامي وتتتبع أخطاء وزلات الدعاة لتضعهم في قائمة الإرهاب، لكن هذه الحرية غير مطلقة. إن من الخطأ القول أن هناك حرية رأي مطلقة.. في أمريكا أو أوروبا أو أي مكان آخر توجد نسبة كبيرة من الحرية يستطيع من خلالها المسلمون التعريف بدينهم لكن المشكلة في كيفية تعامل المسلمين معها. إن إساءة التعامل مع الحرية من قبل كثير من المسلمين ساهمت في إعطاء صوراً سلبية عن الإسلام؛ وهذا الشيء الذي يجب أن يعالج.

    هل صحيح أنكم منعتم من الدخول إلى بعض الدول العربية أو طلب منكم الارتحال منها؟
    بالفعل حصل أن طُلب مني أن أرتحل من بعض الدول العربية، ونحن نكن لهذه الدول كل المحبة والتقدير.

    هلا حدثتنا عن دار المصطفى؟
    أسست دار المصطفى على ثلاثة مقاصد. الأول هو العلم وإحياؤه بالسند المتصل رواية و دراية. الثاني السلوك وتربية النفس والأخلاق سيراً إلى الله. الثالث إحياء فكر الدعوة إلى الله وجهده، والمزج بين هذه المقاصد الثلاثة في نفسية الطالب الذي يتعلم في الدار.
    ودار المصطفى هي ثمرة من ثمار مدرسة حضرموت؛ إذ إن مؤسس الدار الحبيب عمر بن حفيظ هو من رجالات هذه المدرسة. و يأتي إلى الدار طلاباً من مختلف أنحاء العالم، ويوجد فيها مسكن داخلي لمن أراد السكن. وللدار فروع في اليمن وخارجه أسسها طلاب تخرجوا منها مثل الفروع الموجودة في اندونيسيا وشرق إفريقيا. وتوجد أيضاً في مدينة تريم بحضرموت دار الزهراء وهى شبيهة بدار المصطفى ولكنها خاصة بالنساء.

    هل يواجه الطلاب الأجانب في دار المصطفى أية ضغوطات من قبل الدولة؟
    على العكس وجدنا تعاونا جيداً من المسؤولين في الدولة، وإن كلام البعض عن مضايقة الدولة لطلاب الشريعة الوافدين من الخارج فيه قلب للحقائق.. الواقع أن الدولة وكذلك الشعب في اليمن لا يقبلون أن تتحول اليمن ذات التاريخ العريق في تخريج الدعاة المعتدلين الذين اقنعوا شعوباً باعتناق الإسلام، إلى بلد مصدّر للغلو والتطرف. توجد في اليمن بعض الأماكن التي تدرس الطلاب الوافدين وحمل هؤلاء الطلاب إلى بلدانهم فكراً متشدداً، وحُسِب ذلك على اليمن وعلى المنهج المعتدل في اليمن، وهذا بالطبع لن يكون مقبولاً.

    كيف استطعتم أن تجعلوا دار المصطفى وجهة كثير من الطلاب من مختلف أنحاء العالم؟
    السبب الأول هو أن مدرسة حضرموت لها أيادي طيبة في جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا، ويوجد هناك ممن كانوا في الهند وارتحلوا إلى الدول الغربية؛ فهؤلاء حملوا معهم المنهج الذي أخذوه عن أهلهم وأجدادهم وقاموا بالحديث عن ذلك، مما أدى إلى مجيء كثير ممن أسلموا إلى مشايخ هذه المدرسة في حضرموت. السبب الثاني وجود العلاقات بين الحبيب عمر وكثير من المشايخ الذين اعتنقوا الإسلام أدت إلى قيام هؤلاء المشايخ بإيفاد طلابهم للدراسة في دار المصطفى، وكانت الثمرة أن رجع هؤلاء إلى بلدانهم بالعلم والسلوك الحسن والأخلاق الطيبة فشوقوا الذين من حواليهم للذهاب إلى حضرموت.
    وهناك سبب ثالث هو وجود البيئة الروحانية في تريم، فهي بلد علم ونور وصلاح وروحانية، وإن الداخل إليها يشعر بالسكينة والطمأنينة وكان لهذا الأثر في أولئك الذين يبحثون عن الطمأنينة.

    ما هو تقييمكم للدعوة الإسلامية بشكل عام في العالم اليوم؟
    الدعوة إلى الله في العالم تمر اليوم بمرحلة مخاض، إذ يتمثل هذا المخاض في قلة بروز المرجعيات الناضجة التي يرجع الناس إليها في حالة اضطراب الخطاب الإسلامي و وجود الفتن؛ فبيت الدعوة إلى الله يحتاج إلى إعادة ترتيب من جديد .
    وإن الفرصة المتوفرة بالنسبة للدعوة كبيرة وكثيرة وذلك لإقبال الشباب على الإسلام و وجود قابلية التفهم لدى كثير من الناس في ظل مفاهيم العولمة، وهذا من محاسنها أن جعلت العالم وعاء حيث يمكن أن يبرز الكل ما عندهم. إن ثورة المعلومات والاتصالات أعطت فرصه لإيصال صوت الإسلام إلى العالم. والفرصة الأخرى هي تعب الناس في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية من وطأة المادية وتعب الناس في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية من الظلم، وهذا التعب هنا وهناك أوجد قابلية لدى الناس أن تنصت إلى من يحسن العرض.

    تتهم مدرسة حضرموت من قبل بعض الجماعات بأنها مسايرة للحاكم بمعنى أنها تقف دائماً إلى جنب الحاكم؟ ما هو ردكم؟
    قبل عشر سنوات كانت الحالة على العكس، كان الحاكم مع الجماعات التي ينتمي إليها موجهو هذه التهم، بل كانوا هم المشاركون في الحكم. ونحن لا نريد أن نعيش حالة التراشق.. لكن يمكن أن نرد عليهم بالقول أن الحاكم في يوم من الأيام وبالتحالف معكم ضرب خصمه ثم أحالكم جانباً. وإن تاريخ مدرسة حضرموت معروف.. والذي دفع ثمن مرحلة الشيوعية من ذبح وقتل وضرب هم علماء مدرسة حضرموت ولستم أنتم. لكننا لا نريد أن ندخل هذا المساق الضيق. الحمد لله هناك تفهم من قبل بعض قيادات هذه الجماعات، ويوجد فيهم عقلاء وبيننا وبينهم تواصل ومودة واحترام، ولقد أظهر عدد منهم عدم الرضا عن مثل هذه التهم.
    أما مسالة الحاكم فكلام أهل العلم واضح، وهو أن الحاكم المسلم لا يُخرج عليه إلا إذا رؤي منه كفر بواح، ولا يطاع في معصية الله وله علينا حق النصيحة. لا يوجد للحاكم ولاء مطلق ولا يوجد له عداء مطلق.. نحن في مرحله نحتاج إلى لملمة جراحنا جميعاً، الحاكم والمحكوم والداعي والمدعو والسياسي والاجتماعي. إن المرحلة صعبة ولا يمكن أن نتجاوزها إلا بقلوب مجتمعة. ولهذا أقول: إخواني دعوا مثل هذا الكلام.. فأمامنا ما هو أهم.

    إن تعدد المذاهب في العالم الإسلامي نتيجة لتعدد الأفكار فلا تكاد توجد دوله إسلامية إلا ويوجد فيها مذاهب متعددة. هل أنت مع هذا التعدد في المذاهب والأفكار؟
    التنوع والتعدد في الأفكار ليس بخطأ بل ربما يكون مؤشراً ايجابياً. الخطأ هو عندما يتحول هذا التنوع والتعدد إلى وسيلة تحصيل مكتسبات ذاتية لأفراد قائمين على هذه الجماعات أو المذاهب، فيتحول التعامل مع التنوع من وسيلة فيها رحمة لاستيعاب الناس إلى ميدان تنافس قبيح على من ينتزع أكبر قدر من الناس ويكتسب أكبر قدر من المكتسبات الشخصية أو الفئوية فتتحول الوسيلة إلى غاية. فهذا خطأ يجب أن نتجاوزه.

    أصبح مفهوم الجهاد من المفاهيم المشكلة التي تثير كثيراً من الجدل. ما هو المفهوم الإسلامي الصحيح للجهاد؟
    الجهاد في اللغة من الجهد بضم الجيم وهو بذل الوسع، ومن الجهد بفتح الجيم وهو إجهاد النفس أي إتعابها، والمقصود بذل الوسع وإجهاد النفس لتكون كلمة الله هي العليا، والجهاد أنواع منها جهاد الكلمة كما في الحديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وجهاد التبليغ (الدعوة) وهو بذل الوسع في إبلاغ كلمة الله إلى الخلق.. وجهاد القتال في سبيل الله إما لرد معتدٍ على النفس أو الأرض أو العرض.. وهو شيء سامٍ أن تضحي بروحك من أجل دينك أو أرضك أو عرضك.. وجهاد سد الثغور العلمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها. والجهاد هو ذروة سنام الإسلام، والإشكال عندما يستعمل الجهاد لاستغلال عواطف الناس الغاضبة والحانقة على وضع سيء، ويخرج عن مسلك الشريعة الإسلامية، فينحرف عن الروح الشمولية للجهاد ويختزل فقط في القتال.. ثم يختزل مرة أخرى في القتل. الإشكال الثاني عندما يؤدى الجهاد على ارض المعركة على نحو مخالف للشريعة الإسلامية إلى الصد عن الله أو إعطاء الذريعة لأعداء الإسلام الذين هم أعداء الإنسانية لينفذوا مخططاتهم القائمة على المصالح الضيقة.

    تمر الأمة الآن بمرحله عصيبة من تاريخها، فقد تكالب الأعداء عليها، وفى كل مكان يوجد جزء منها مجروح. برأيكم، ما هو المخرج من هذه الأزمة؟
    الإجابة والمخرج لا يكون من خلال لقاء صحفي. المخرج هو منهج يشترك فيه العلماء والحكام والمفكرون والسياسيون، تجتمع فيه الأمة على كلمه سواء لتعالج جراحها.. أما السؤال عن مخرج جاهز في لقاء صحفي هي من الإشكالات التي زادت الأمة جراحاً أن يظن الإنسان أن من خلال هذا اللقاء الصحفي يمكن أن يعطى الحل ومن ثم ينصرف؛ فالمسالة أكبر من ذلك. ما نعيشه اليوم هو عبارة عن تراكمات معقدة من الأخطاء صدرت من عده جهات تتعلق بالتقاعس عن فهم الدين فهماً صحيحاً، وبالتالي تقاعست عن العمل به. وإن نتيجة هذه التراكمات هو التفكك داخل المجتمع وانعدام الثقة بين المسلمين. هذه الأحداث تحتاج إلى حل بنفس طويل.

    ما هي رسالتكم إلى الناس الغاضبين بسبب ما يحصل للمسلمين؟
    الناس الغاضبون اليوم من الصعب أن يسمعوا الرسالة، لكن رسالتنا إلى العقلاء الذين يختلطون بالناس الغاضبين أن ذكّروا الناس بأصل المشكلة وهو الإعراض عن الله، والذي أدى إلى تسلط أعداء الله علينا بسبب ذنوبنا ومعاصينا. نحن بحاجة إلى تذكر أنه مع الألم الشديد الذي يعتصر قلوبنا على إخواننا في كل مكان ينبغي أن نشعر بالألم الأكبر تجاه الذين يذبحون بسكين المعصية والمخالفة لأمر الله. نحن بحاجة إلى أن نبكي أكثر على المسلمين الذين يبيتون سكارى ويملؤون الحانات والمراقص. وما دامت الأمة تتألم من القتل والذبح أكثر من تألمها من المعاصي، فإن الأمة في تأخر كبير وليست في تقدم.. في عهد أمتنا الزاهر كان الخوف من المعصية أكبر من الخوف من القتل؛ بل كانت ترى القتل شهادة وشرف يتقرب به إلى الله عز وجل.
    أيهما أكثر إيلاما لقلبي رؤيتي لمسلم وهو مقتول وهو على ملة الإسلام، كأن أصاب مسجده صاروخ وخر على الأرض شهيداً، أم حال المسلم أو المسلمة اللذين يخونان بعضهما أو أمتهما، إنما هو حال المسلم أو المسلمة اللذين يشهد أحدهما الزور أو يرتشي أو يغش أو يبيت يرقص في صالة الديسكو ويحتسي الخمر. أنا هنا لا أخفف من حجم المأساة وعظمها ولكن أحاول الغوص للبحث عن الأسباب التي أوصلتنا إلى ذلك.

    بعد الأحداث التي تبعت نشر الصور الكرتونية المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام توجهتم أنتم وعدد من الدعاة إلى الدنمرك. ماذا كان هدف الزيارة وما هي نتائجها؟
    كان الذهاب إلى الدنمرك امتثالاً لأمر الله تعالى باغتنام فرص الدعوة أينما كانت هذه الفرص. ذهبنا بدعوة للحوار وكان بحمد الله إنجازاً كبيراً أكثر مما كنا نتوقعه، من فتح لعقليات كثير من الناس، وتقبل كثير منهم الأمر، وقد تأكد لنا أن الحادث الأخير ما هو إلا محاولة من جهات مغرضة لإيجاد سدود لامتداد المسلمين في الغرب وتقبل الناس للإسلام هناك. وبعد ذهابنا إلى الدنمرك جاء مجموعة من الدنمركيين إلى أبوظبي حيث أقمنا لهم مؤتمراً حوارياً. كما ذهب مجموعة من الطلاب الدنمركيين من أبناء المسلمين وكذلك من الذين أسلموا هناك لحضور الدورة الصيفية في دار المصطفى. والمشكلة أن الناس يخلطون بين الحوار والتفاوض، لذلك يقولون ما الذي حققتموه هناك وهل اعتذروا؟ التفاوض ينبغي أن تقوم به جهة كمنظمة المؤتمر الإسلامي لأنها المخولة بذلك، وليس على مستوى أفراد ولا حتى جماعات.

    هل يوجد تواصل بينكم والدعاة الآخرين؟
    الصلة ولله الحمد صلة حب واحترام.. وفي كثير من الأحيان ترقى إلى مستوى التعاون، لأن النظرة من منطلق أن هناك حمل ثقيل كلما زاد أعداد الأكتاف التي تحمله خف الحمل على الحاملين.

    هل أتيحت لكم زيارة ونصيحة أحد من الحكام؟
    أتيحت عدد من الفرص وكان هناك نصح كما كان هناك من التقبل الشيء الكثير، بل كانت هناك نتائج على أرض الواقع. إن نصيحة الحكام ينبغي أن لا تكون محلاً للتباهي واكتساب الشعبية أبداً. وهناك فرق بين من ينصح وبين من يظهر تهجمه على الحكام على المنابر و وسائل الإعلام ليثبت أنه شجاع وغير مرائٍ أو مداهن، فيخرج عن مراءاة ومداهنة الحكام إلى مراءاة ومداهنة الشعوب بالعزف على أوتار مشاعرها وقضاياها وهمومها.

    هل لديكم من كلمه أخيرة؟
    كل من لديه إمكانية في مجال من مجالات الحياة ينبغي أن يوجه هذه الإمكانية إلى أعلى ما يمكن أن يرتقى به وهو خدمه دين الله عز وجل، وينبغي على المسلم أن يراجع نفسه ويسأل ما الذي قدمته لأمتي ولمجتمعي ولأسرتي؟.. وأخيراً، أن نعيش نظرة الرحمة التي كان يعيشها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسلم والكافر.

    مصدر هذا اللقاء


     

مشاركة هذه الصفحة