"شبــاشــب" في حياتي!

الكاتب : free_bird   المشاهدات : 484   الردود : 6    ‏2007-01-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-12
  1. free_bird

    free_bird عضو

    التسجيل :
    ‏2007-01-07
    المشاركات:
    135
    الإعجاب :
    0
    د.أيمن محمد الجندي




    اسمه في اللغة الفصحى "خف " -طبعا لا أنصحك أن تذهب للبائع وتطلب منه خفا !!- في سوريا يسمونه " شحاطة " أما المصريون فيدللونه ب"الشبشب "، وعند الفلاحين " مداس ". وأيا كان مسماه، يخطئ من يظن أن كل الشباشب سواء، فالحقيقة أن الشباشب عالم معقد متنوع مثير للإلهام..فهناك شباشب وهناك شباشب !.

    شبشب ماما


    شبشب المرحومة والدتي كان من أهم معالم طفولتي؛ كان لونه أحمر قانيا وبلاستيكيا وشديد المرونة ولذلك كان يلسع بشدة، المرحومة أمي أنجبت ثلاثة أولاد أشقياء استنفذوا صبرها ولذلك فحينما كنت أشاكسها كانت تخلع شبشبها الأحمر في مرونة فائقة.. ترفع قدمها قليلا وفي رشاقة راقصات البالية تطوح بالشبشب البلاستيكي الأحمر إلى أعلى في الوقت الذي كانت تميل بجذعها لتتلقفه بيدها الصغيرة في جزء من ثانية ليهبط على أم رأسي.
    وبالمران والتجربة تعلمت حينما أضايقها أن أتتبع نظرة عينها فإذا وجدتها اتجهت لقدمها أدركت ما هو آت، وتحولت – فيما يشبه المعجزة – إلى قط صغير ينسل من بين قدميها لينجو بحياته.
    وتمر الأيام تلو الأيام، وينمو شارب خفيف لا يكاد يرى بالعين المجردة مع بروز تفاحة آدم صغيرة في العنق، وتقتنع أمي أني قد كبرت وصرت رجلا لا يليق تأديبه بالشبشب، لتنتقل المهمة المقدسة إلى حزام أبي رحمة الله عليه، وكان يلسع أيضا ولكن هذا موضوع آخر..
    ومن أعماق قلبي تخرج تنهيدة دافئة كأحضان أمي أترحم على تلك الأيام التي لن تعود وأود لو كان ممكنا أن أتنازل عن كل ما أملك مقابل ذلك الشبشب البلاستيكي الأحمر لأقبله، وأقبل فيه رائحة أمي وأيامي السعيدة .

    شبشب الحبيب


    شبشب آخر يستحق التقبيل ولكن لأسباب مختلفة عن شبشب الأم، إنه شبشب الحبيب، شبشب الهنا. كلكم لا ريب تعرفون تلك الأغنية الباسمة:
    يا شبشب الحبيب يا شبشب الهنا
    يا شبشب الحبيب يا ريتني كنت أنا

    لا تندهشوا من رغبة الشاعر الملحة في التنازل عن إنسانيته والتحول إلى شبشب! ، فهذه الأغنية تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي حينما كانت المرأة كيانا أسطوريا في مخيلة الشعراء المغرمين، طيفا جميلا يتوارى خلف المشربيات والشبابيك.
    في هذا العهد السعيد كانت المرأة معبأة بالأنوثة قبل عصر الاسترجال والشعر القصير والبنطلونات الجينز، امرأة لم تخرج للشارع ولم تصارع الرجال، امرأة بمعنى امرأة، حينما كانت الدنيا بخيرها والدجاج بلدي والرجل الذي لا يتغذى بالبط يعد نفسه محروما، حينما كانت المرأة مصنع هرمونات أنوثة لا يهمد أربعة وعشرين ساعة يوميا.

    شبشب توت غنخ آمون


    شبشب توت عنخ آمون
    شبشب توت عنخ آمون – وليس القناع الذهبي - هو أكثر ما يلفت نظري عند زيارتي للمتحف المصري بالقاهرة، بالمناسبة هو المكان الوحيد الذي تختفي فيه نظرة الاستعلاء المقيتة -والمستحقة للأسف- من عيون الأجانب لتحل محلها نظرة انبهار وتواضع وقلة، واحد من تلك الأماكن القليلة التي تنفش فيها صدرك وترفع حاجبك الأيمن -المكسور دائما يا عيني- وتقول : أنا مصري ..سليل الأجداد العظام !!.
    مقتنيات المتحف المصري تزري بمقتنيات عشر متاحف لوفر.. أنت تتحدث عن فجر التاريخ ومهد الحضارة فلا تنس هذا من فضلك، ولا تنس أيضا أن عدد الآثار المصرية المهربة أكثر من 17 مليون قطعة، وهو رقم مضحك بقدر ما هو فاجع.
    وتوت عنخ آمون لم يكن ملكا مهما في التاريخ الفرعوني لكن شهرته ترجع لكون اللصوص لم يتعرفوا الطريق للمقبرة وينهبوها ( وكانت هذه هواية عندهم !!).. بذلك يمكن تخيل مدى الترف الذي كان يحيا فيه ملوك الفراعنة.. وبالمقارنة بهم فإن أغنى أغنياء الأرض حاليا فقراء .
    القناع الذهبي الملكي الذي يعتبر تحفة لا نظير لها في تاريخ البشرية لتنوع ألوانه وأصدافه وبريق معدنه لم يلفت نظري مثل هذا الشبشب المذكور..ربما لأني أفهم كل هذا الإتقان في الصنعة من أجل القناع الملكي ولا أفهمه بالنسبة لشبشب يفترض استخدامه من أجل دخول الحمام ( ولا مؤاخذة ).
    مسكين يا بيل يا جيتس !!..مؤكد أنك لم تزر المتحف المصري ..أو ربما حرص مساعدوك على أن يحجبوه عنك ..ربما لأنهم كانوا يعلمون أنك ستنخرط في البكاء بمجرد أن تراه و( تدبدب بقدميك ) على الأرض وترثي لنفسك .. فما قيمة كل ملياراتك التي صنفتك الأغنى في العالم إذا كانت لا تجديك نفعا في الحصول على شبشب مثله؟.

    شبشب الحاج


    هذا الشبشب عادي جدا، لا هو مصنوع من الذهب ولا يحمل رائحة أمك، ولا حتى أصابع جميلة تبرز منه، فقط أصابعك المفلطحة المبللة بالعرق، ولكنك - مع ذلك -حين تفقده فكأنما فقدت روحك. إنه شبشب الحاج يا عزيزي ...
    ذلك الشبشب الذي تركته على باب المسجد الحرام لتبدأ طواف الإفاضة وسعي الحج، منهك طبعا بعد قضاء مناسك الحج دون نوم، استنشقت آلاف الأطنان من عوادم السيارات في النفرة المباركة من عرفة، وقضيت الليل كله ساهرا في مزدلفة ومع الشروق مضيت إلى منى حيث حلقت شعرك بالكامل، وها أنت ذا تجر أقدامك إلى مكة لتؤدي طواف الإفاضة وبذلك يتم الركن الأعظم من الحج الذي قضيت عمرك تدخر له .
    بمعجزة ( وبفضل من الله الكريم ) انتهيت من طواف الإفاضة وسعي الحج ..خرجت متطهرا من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.. وتنوي أن تحافظ على سجلك أبيض كبياض ثياب أحرامك.. ولا تعرف كيف.
    تجر أقدامك خارج المسجد الحرام وكل ما تتمناه أن تذهب بسرعة إلى الفندق لتأخذ حماما سريعا ثم تنام مدة عشرين عاما على الأقل، ولكنك تجد مفاجأة غير سارة أمامك لحظة خروجك من المسجد تقلب كل خططك رأسا على عقب لقد اختفى شبشبك.
    صحيح أن أمامك عشرات الآلاف من الشباشب ولن يستوقفك أحد، ولكن تصعب عليك الحجة والمعصية الأولى. صحيح أن الكل يأخذ أي شبشب وينصرف باعتبار الشباشب منفعة عامة، لكنك لا تفعل هذا في بلدك وبالأحرى لن تفعله هنا ولذلك تأخذ قرارك بالمشي حافيا رغم الأسفلت الساخن الذي يلسع قدميك وتدعو ربك أن تظهر لك بسرعة إحدى البائعات اللاتي يجلسن بجوار الحرم يبعن تلك الشباشب الثمينة.

    شبشب بابا


    كان المفروض أن يكون شبشبي أنا، لكن هذا لم يحدث والسبب سوف تعرفونه فورا. صغير الحجم ..قصير القامة، دون العاشرة بالتأكيد، أمسك بيد أبي مخترقا شارع "الخان" المزدحم ..أبي كان تعبيرا نموذجيا عن الأب كما يرسمونه في قصص الأطفال الملونة.. طويل القامة.. عريض المنكبين.. له صلعة توحي بالحكمة، وصرامة وجه "قاض" رأى الجانب المظلم من الحياة فاكتسبت ملامحه تعب الأيام.
    الطريق كان مزدحما بآلاف العابرين، والباعة منتشرون على الجانب يعرضون بضاعتهم.. ومن بينهم باعة الأحذية والشباشب.. توقف أبي فجأة وراح يرمق الشباشب بعناية ثم انتقى واحدا وطلب مني أن أختبر مقاسه ففعلت كما أمرني وخطوت خطوة واحدة على الطريق ..فإذا البائع شرس الملامح يدفعني في صدري حتى كاد أن يطرحني على الأرض من عنف الدفعة، وهو يقول بتوحش : لا تمش به في الطريق ..
    وتملكني الرعب والارتباك ..ونظرت لأبي الذي احتقن وجهه من فرط الغضب وصرخ في البائع : لا تلمسه ..أفهمت ؟ ..ثم أمسك بيدي في حزم وانصرف وسط الزحام .
    رغم السنين الطويلة فما زلت أذكر إحساسي بالخذلان لأنه لم يتصد للبائع الذي ضربني تقريبا أمامه ..كان يؤثرني بالتدليل عن سائر أخوتي فلماذا لم يدفع عني الاعتداء ؟ وتولد لدي إحساس بالقهر أن أبي رجل مسكين، كنت صغيرا جدا فلم أفطن أبدا وقتها لأهمية مركزه..لكني في كل حال سألته في عتاب: لماذا تركته وقد ضربني؟
    ما زلت أذكر كلمات أبي بعد كل هذه الأعوام، ملامحه الخاشعة وصوته المتعب وهو يقول وكأنه يكلم نفسه: لو عرف البائع أنني قاض سيصيبه الرعب ويتذلل لي ، وأنا لا طاقة لي على أن أرى ذل رجل أمامي حتى لو اعتدى على ابني ..لذلك تركته لله .
    بالنسبة لي لم يبد كلامه مقنعا، لم يكن يشفي غليلي غير انتقام مروع تسيل فيه الدماء ويعيد لي كرامتي المبعثرة، انتقام يشعرني بالأمان ( أنا الصغير الذي تقارب قامته الأرض ) ويجعلني فخورا بأبي الكبير القادر على كل شيء.
    كنت بحاجة إلى رحلة العمر لأتمكن من فهم هذا الموقف التلقائي، وأعرف أن صاحبه كان ببساطة رجلا حرا- برتبة عبد لله - يؤذيه أن يرى إخوانه من بني البشر في موقف الخضوع ولو كان له.
    وكلما مررت في شارع "الخان" المزدحم - بعد كل هذه السنين-نظرت بحنين إلى الباعة البسطاء المفترشين قارعة الطريق عارضين الأحذية والشباشب ملتمسين الرزق من صاحب الرزق تذكرت الوجه الحزين لقاض زاهد شريف والملامح المتعبة التي أنهكتها الأيام، مسحت دمعة على خدي وقرأت له الفاتحة.

    **منقول**
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-12
  3. free_bird

    free_bird عضو

    التسجيل :
    ‏2007-01-07
    المشاركات:
    135
    الإعجاب :
    0
    د.أيمن محمد الجندي




    اسمه في اللغة الفصحى "خف " -طبعا لا أنصحك أن تذهب للبائع وتطلب منه خفا !!- في سوريا يسمونه " شحاطة " أما المصريون فيدللونه ب"الشبشب "، وعند الفلاحين " مداس ". وأيا كان مسماه، يخطئ من يظن أن كل الشباشب سواء، فالحقيقة أن الشباشب عالم معقد متنوع مثير للإلهام..فهناك شباشب وهناك شباشب !.

    شبشب ماما


    شبشب المرحومة والدتي كان من أهم معالم طفولتي؛ كان لونه أحمر قانيا وبلاستيكيا وشديد المرونة ولذلك كان يلسع بشدة، المرحومة أمي أنجبت ثلاثة أولاد أشقياء استنفذوا صبرها ولذلك فحينما كنت أشاكسها كانت تخلع شبشبها الأحمر في مرونة فائقة.. ترفع قدمها قليلا وفي رشاقة راقصات البالية تطوح بالشبشب البلاستيكي الأحمر إلى أعلى في الوقت الذي كانت تميل بجذعها لتتلقفه بيدها الصغيرة في جزء من ثانية ليهبط على أم رأسي.
    وبالمران والتجربة تعلمت حينما أضايقها أن أتتبع نظرة عينها فإذا وجدتها اتجهت لقدمها أدركت ما هو آت، وتحولت – فيما يشبه المعجزة – إلى قط صغير ينسل من بين قدميها لينجو بحياته.
    وتمر الأيام تلو الأيام، وينمو شارب خفيف لا يكاد يرى بالعين المجردة مع بروز تفاحة آدم صغيرة في العنق، وتقتنع أمي أني قد كبرت وصرت رجلا لا يليق تأديبه بالشبشب، لتنتقل المهمة المقدسة إلى حزام أبي رحمة الله عليه، وكان يلسع أيضا ولكن هذا موضوع آخر..
    ومن أعماق قلبي تخرج تنهيدة دافئة كأحضان أمي أترحم على تلك الأيام التي لن تعود وأود لو كان ممكنا أن أتنازل عن كل ما أملك مقابل ذلك الشبشب البلاستيكي الأحمر لأقبله، وأقبل فيه رائحة أمي وأيامي السعيدة .

    شبشب الحبيب


    شبشب آخر يستحق التقبيل ولكن لأسباب مختلفة عن شبشب الأم، إنه شبشب الحبيب، شبشب الهنا. كلكم لا ريب تعرفون تلك الأغنية الباسمة:
    يا شبشب الحبيب يا شبشب الهنا
    يا شبشب الحبيب يا ريتني كنت أنا

    لا تندهشوا من رغبة الشاعر الملحة في التنازل عن إنسانيته والتحول إلى شبشب! ، فهذه الأغنية تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي حينما كانت المرأة كيانا أسطوريا في مخيلة الشعراء المغرمين، طيفا جميلا يتوارى خلف المشربيات والشبابيك.
    في هذا العهد السعيد كانت المرأة معبأة بالأنوثة قبل عصر الاسترجال والشعر القصير والبنطلونات الجينز، امرأة لم تخرج للشارع ولم تصارع الرجال، امرأة بمعنى امرأة، حينما كانت الدنيا بخيرها والدجاج بلدي والرجل الذي لا يتغذى بالبط يعد نفسه محروما، حينما كانت المرأة مصنع هرمونات أنوثة لا يهمد أربعة وعشرين ساعة يوميا.

    شبشب توت غنخ آمون


    شبشب توت عنخ آمون
    شبشب توت عنخ آمون – وليس القناع الذهبي - هو أكثر ما يلفت نظري عند زيارتي للمتحف المصري بالقاهرة، بالمناسبة هو المكان الوحيد الذي تختفي فيه نظرة الاستعلاء المقيتة -والمستحقة للأسف- من عيون الأجانب لتحل محلها نظرة انبهار وتواضع وقلة، واحد من تلك الأماكن القليلة التي تنفش فيها صدرك وترفع حاجبك الأيمن -المكسور دائما يا عيني- وتقول : أنا مصري ..سليل الأجداد العظام !!.
    مقتنيات المتحف المصري تزري بمقتنيات عشر متاحف لوفر.. أنت تتحدث عن فجر التاريخ ومهد الحضارة فلا تنس هذا من فضلك، ولا تنس أيضا أن عدد الآثار المصرية المهربة أكثر من 17 مليون قطعة، وهو رقم مضحك بقدر ما هو فاجع.
    وتوت عنخ آمون لم يكن ملكا مهما في التاريخ الفرعوني لكن شهرته ترجع لكون اللصوص لم يتعرفوا الطريق للمقبرة وينهبوها ( وكانت هذه هواية عندهم !!).. بذلك يمكن تخيل مدى الترف الذي كان يحيا فيه ملوك الفراعنة.. وبالمقارنة بهم فإن أغنى أغنياء الأرض حاليا فقراء .
    القناع الذهبي الملكي الذي يعتبر تحفة لا نظير لها في تاريخ البشرية لتنوع ألوانه وأصدافه وبريق معدنه لم يلفت نظري مثل هذا الشبشب المذكور..ربما لأني أفهم كل هذا الإتقان في الصنعة من أجل القناع الملكي ولا أفهمه بالنسبة لشبشب يفترض استخدامه من أجل دخول الحمام ( ولا مؤاخذة ).
    مسكين يا بيل يا جيتس !!..مؤكد أنك لم تزر المتحف المصري ..أو ربما حرص مساعدوك على أن يحجبوه عنك ..ربما لأنهم كانوا يعلمون أنك ستنخرط في البكاء بمجرد أن تراه و( تدبدب بقدميك ) على الأرض وترثي لنفسك .. فما قيمة كل ملياراتك التي صنفتك الأغنى في العالم إذا كانت لا تجديك نفعا في الحصول على شبشب مثله؟.

    شبشب الحاج


    هذا الشبشب عادي جدا، لا هو مصنوع من الذهب ولا يحمل رائحة أمك، ولا حتى أصابع جميلة تبرز منه، فقط أصابعك المفلطحة المبللة بالعرق، ولكنك - مع ذلك -حين تفقده فكأنما فقدت روحك. إنه شبشب الحاج يا عزيزي ...
    ذلك الشبشب الذي تركته على باب المسجد الحرام لتبدأ طواف الإفاضة وسعي الحج، منهك طبعا بعد قضاء مناسك الحج دون نوم، استنشقت آلاف الأطنان من عوادم السيارات في النفرة المباركة من عرفة، وقضيت الليل كله ساهرا في مزدلفة ومع الشروق مضيت إلى منى حيث حلقت شعرك بالكامل، وها أنت ذا تجر أقدامك إلى مكة لتؤدي طواف الإفاضة وبذلك يتم الركن الأعظم من الحج الذي قضيت عمرك تدخر له .
    بمعجزة ( وبفضل من الله الكريم ) انتهيت من طواف الإفاضة وسعي الحج ..خرجت متطهرا من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.. وتنوي أن تحافظ على سجلك أبيض كبياض ثياب أحرامك.. ولا تعرف كيف.
    تجر أقدامك خارج المسجد الحرام وكل ما تتمناه أن تذهب بسرعة إلى الفندق لتأخذ حماما سريعا ثم تنام مدة عشرين عاما على الأقل، ولكنك تجد مفاجأة غير سارة أمامك لحظة خروجك من المسجد تقلب كل خططك رأسا على عقب لقد اختفى شبشبك.
    صحيح أن أمامك عشرات الآلاف من الشباشب ولن يستوقفك أحد، ولكن تصعب عليك الحجة والمعصية الأولى. صحيح أن الكل يأخذ أي شبشب وينصرف باعتبار الشباشب منفعة عامة، لكنك لا تفعل هذا في بلدك وبالأحرى لن تفعله هنا ولذلك تأخذ قرارك بالمشي حافيا رغم الأسفلت الساخن الذي يلسع قدميك وتدعو ربك أن تظهر لك بسرعة إحدى البائعات اللاتي يجلسن بجوار الحرم يبعن تلك الشباشب الثمينة.

    شبشب بابا


    كان المفروض أن يكون شبشبي أنا، لكن هذا لم يحدث والسبب سوف تعرفونه فورا. صغير الحجم ..قصير القامة، دون العاشرة بالتأكيد، أمسك بيد أبي مخترقا شارع "الخان" المزدحم ..أبي كان تعبيرا نموذجيا عن الأب كما يرسمونه في قصص الأطفال الملونة.. طويل القامة.. عريض المنكبين.. له صلعة توحي بالحكمة، وصرامة وجه "قاض" رأى الجانب المظلم من الحياة فاكتسبت ملامحه تعب الأيام.
    الطريق كان مزدحما بآلاف العابرين، والباعة منتشرون على الجانب يعرضون بضاعتهم.. ومن بينهم باعة الأحذية والشباشب.. توقف أبي فجأة وراح يرمق الشباشب بعناية ثم انتقى واحدا وطلب مني أن أختبر مقاسه ففعلت كما أمرني وخطوت خطوة واحدة على الطريق ..فإذا البائع شرس الملامح يدفعني في صدري حتى كاد أن يطرحني على الأرض من عنف الدفعة، وهو يقول بتوحش : لا تمش به في الطريق ..
    وتملكني الرعب والارتباك ..ونظرت لأبي الذي احتقن وجهه من فرط الغضب وصرخ في البائع : لا تلمسه ..أفهمت ؟ ..ثم أمسك بيدي في حزم وانصرف وسط الزحام .
    رغم السنين الطويلة فما زلت أذكر إحساسي بالخذلان لأنه لم يتصد للبائع الذي ضربني تقريبا أمامه ..كان يؤثرني بالتدليل عن سائر أخوتي فلماذا لم يدفع عني الاعتداء ؟ وتولد لدي إحساس بالقهر أن أبي رجل مسكين، كنت صغيرا جدا فلم أفطن أبدا وقتها لأهمية مركزه..لكني في كل حال سألته في عتاب: لماذا تركته وقد ضربني؟
    ما زلت أذكر كلمات أبي بعد كل هذه الأعوام، ملامحه الخاشعة وصوته المتعب وهو يقول وكأنه يكلم نفسه: لو عرف البائع أنني قاض سيصيبه الرعب ويتذلل لي ، وأنا لا طاقة لي على أن أرى ذل رجل أمامي حتى لو اعتدى على ابني ..لذلك تركته لله .
    بالنسبة لي لم يبد كلامه مقنعا، لم يكن يشفي غليلي غير انتقام مروع تسيل فيه الدماء ويعيد لي كرامتي المبعثرة، انتقام يشعرني بالأمان ( أنا الصغير الذي تقارب قامته الأرض ) ويجعلني فخورا بأبي الكبير القادر على كل شيء.
    كنت بحاجة إلى رحلة العمر لأتمكن من فهم هذا الموقف التلقائي، وأعرف أن صاحبه كان ببساطة رجلا حرا- برتبة عبد لله - يؤذيه أن يرى إخوانه من بني البشر في موقف الخضوع ولو كان له.
    وكلما مررت في شارع "الخان" المزدحم - بعد كل هذه السنين-نظرت بحنين إلى الباعة البسطاء المفترشين قارعة الطريق عارضين الأحذية والشباشب ملتمسين الرزق من صاحب الرزق تذكرت الوجه الحزين لقاض زاهد شريف والملامح المتعبة التي أنهكتها الأيام، مسحت دمعة على خدي وقرأت له الفاتحة.

    **منقول**
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-01-13
  5. الحر الرياحي

    الحر الرياحي عضو

    التسجيل :
    ‏2006-09-21
    المشاركات:
    196
    الإعجاب :
    0
    مشكوووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-01-13
  7. الحر الرياحي

    الحر الرياحي عضو

    التسجيل :
    ‏2006-09-21
    المشاركات:
    196
    الإعجاب :
    0
    مشكوووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-01-13
  9. الحر الرياحي

    الحر الرياحي عضو

    التسجيل :
    ‏2006-09-21
    المشاركات:
    196
    الإعجاب :
    0
    مشكوووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-01-13
  11. الزبيري00

    الزبيري00 عضو

    التسجيل :
    ‏2006-10-18
    المشاركات:
    30
    الإعجاب :
    0
    فاضي وماعندك سالفة 000 ومعروف من اسمك ( فري)
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-01-13
  13. الزبيري00

    الزبيري00 عضو

    التسجيل :
    ‏2006-10-18
    المشاركات:
    30
    الإعجاب :
    0
    فاضي وماعندك سالفة 000 ومعروف من اسمك ( فري)
     

مشاركة هذه الصفحة