رســـائــل الإعــــــدام المهـــــيـن

الكاتب : salem yami   المشاهدات : 384   الردود : 2    ‏2007-01-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-10
  1. salem yami

    salem yami عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-05-03
    المشاركات:
    2,198
    الإعجاب :
    0
    رســـائــل الإعــــــدام المهـــــيـن

    فهمـي هـويـــدي
    الأهرام
    9-1-2007


    لا أفقنا من الصدمة‏,‏ ولا فارقنا الشعور بالمهانة والخزي‏.‏ ولا نجحت الأيام العشرة التي مرت في إزالة آثار البصقة التي ألقيت في وجوهنا صبيحة يوم العيد‏.‏ لكن ذلك ينبغي ألا يمنعنا من فض حزمة الرسائل التي تلقيناها من العواصم المعنية منذ وقعت الواقعة‏.‏

    ‏(1)‏
    ثمة حقيقة يتعين الاعتراف بها قبل فض تلك الرسائل‏,‏ وهي أن الذين أهانوا الرئيس السابق صدام حسين وارادوا إذلاله والانتقام منه‏,‏ قدموا له من حيث لايحتسبون خدمة جليلة لم يحلم بها وهو في محبسه‏,‏ إذ حولوه من رمز للجبروت والطغيان إلي رمز للكبرياء والشجاعة‏,‏ حيث رآه الناس في مشهد إعدامه صامدا وثابت الجنان‏,‏ بينما ظهر جلادوه أقزاما تخفوا وراء الأقنعة وجرذانا مذعورة تحاول أن تتخفي من أعين التاريخ‏.‏

    إن الذين تخيروا ساعة النحر يوم عيد الأضحي موعدا لشنقه‏,‏ وحرصوا علي تصوير ماجري لحظة بلحظة‏,‏ كأنما أعمي الله بصيرتهم فأوقعهم في شر أعمالهم‏.‏ إذا بدا واضحا أن الغباء وشهوة الانتقام والحقد‏,‏ هذه العوامل حين اجتمعت فيهم‏,‏ فإنها غيبت عنهم إدراك جلال مناسبة العيد التي تمس شغاف قلوب مئات الملايين من المسلمين‏,‏ وعن المعاني السامية والنبيلة التي يستحضرها المسلمون في تلك اللحظات‏.‏ كما أعمتهم عن تمثل أبسط القيم التي تقرر للناس حق الكرامة في لحظات الموت‏,‏ ناهيك عن أنهم تخلوا في تلك اللحظات عن مقتضيات المروءة والشهامة التي يجلها العرب والشرفاء في كل مكان‏.‏

    حين عموا عن ذلك كله وصموا‏,‏ فإنهم لم يهينوا صدام حسين وحده‏,‏ وإنما اهانوا عيد المسلمين‏,‏ وملايين المسلمين‏,‏ ومشاعر العرب أجمعين‏.‏ ولأن غباءهم بدا مفرطا وبلا حدود‏,‏ فإنهم حولوا مراسم الإعدام إلي طقس شيعي‏,‏ فصوبوا سهما مسموما إلي العلاقة التي أصابها الوهن في العراق بين الشيعة والسنة‏.‏ الأمر الذي حول مشهد الإعدام الي قنبلة ملوثة شديدة الانفجار‏,‏ انتشرت شظاياها في أنحاء العالم العربي والاسلامي‏.‏

    بشاعة تصرفهم جعلت كثيرين ينسون سجل صدام حسين وفظائعه‏,‏ ويتذكرون فقط لحظات الثبات التي وقفها وهو مقبل علي حبل المشنقة‏.‏ ناهيك عن أن منهم من أصبح يترحم علي ايامه حين يقارنها بالخراب الذي عم البلاد وأهلك العباد بعد التحرير‏.‏ كما أن التشفي فيه ومحاولة اهانته دفعا الأغلبية الساحقة الي الانحياز للضحية‏,‏ ومن ثم الإعجاب بشجاعته والتعاطف معه‏.‏ وهناك آخرون انضموا الي صفوف الغاضبين والناقمين‏,‏ ليس احتجاجا علي ما أصاب الرجل‏,‏ وإنما غضبا لحرمة عيدهم الذي تم ابتذاله وانتهكت كرامته‏,‏ ولحرمة انتمائهم العقيدي الذي تعرض للتجريح والإهانة‏,‏ وغيرة علي قيم المروءة والنخوة التي أهدرت في المشهد‏.‏

    ‏(2)‏
    في العدد الأخير من مجلة نيوزويك وصف رئيس تحريرها فريد زكريا مشهد الإعدام بأنه انتقام المنتصرين ووصف آداء فريق الرئيس بوش في العراق بأنه كان مزيجا غريبا من الجهل والسذاجة‏.‏ لكني لا أري في هذه الأوصاف تشخيصا دقيقا ولاتفسيرا كافيا لاختيار اعدام الرئيس العراقي السابق بهذه الطريقة في ذلك التوقيت الحساس‏.‏ أعني في ساعة النحر صبيحة اليوم الأول من عيد الأضحي‏.‏ علما بأنه تم تجاوز اللغط حول صلة الأمريكيين بتحديد موعد الاعدام‏,‏ بعدما ثبت أنهم العنصر الأساسي في حسم جميع تفاصيل العملية‏.‏ وأن كل مافعلته الحكومة العراقية أنها قامت بالتنفيذ واعتبرته فرصة للانتقام والتشفي‏.‏

    صحيح أن الانتقام وارد وأن الجهل والسذاجة باتا من السمات الأصيلة لقرارات الإدارة الأمريكية في العراق‏,‏ لكن إجراء الإعدام وتوقيته صبيحة يوم العيد سلط الضوء علي ماهو أبعد وأعمق من مضمون تلك المصطلحات‏.‏ الأمر الذي يضعنا بازاء حالة تجلي فيها الأزدراء والاحتقار في اسطع صوره‏.‏ ذلك أن إلقاء تلك البصقة الجارحة في وجوه مليار و‏300‏ مليون مسلم دفعة واحدة في يوم عيدهم لايمكن الاكتفاء في تفسيره بحسبانه نابعا من مجرد الجهل والسذاجة‏.‏ فخطوة بهذه الجسامة لايمكن لراشد أن يغفل عن تداعياتها في الظروف العادية‏.‏ ولايمكن لصاحب القرار أن يقدم عليها في مناسبة عيد ديني هو الأكبر عند المسلمين‏,‏ إلا إذا كان قد تعامل مع الطرف الآخر فيها‏(‏ العرب والمسلمون‏)‏ بحسبانهم كائنات لا قيمة لها ولا كرامة‏.‏ وليس لديهم مايستحق الاعتبار‏,‏ لا العقيدة ولا التقاليد أو الأعراف‏,‏ وأن ثقافتهم مما يمكن دوسه واستباحته دون قلق من ردود الفعل‏.‏

    لو أن الرئيس بوش وفريقه خطر ببالهم للحظة أنهم يتعاملون مع أمة فيها نبض حياة وتخيلوا أن ثقافتها تستحق الاحترام‏,‏ وأن شعوبها لها شيء من الكرامة وتعرف معني الغضب لترددوا ألف مرة قبل أن يقدموا علي فعلتهم‏,‏ ولما أوي الرئيس بوش إلي فراشه متهللا في تلك الليلة‏,‏ حاظرا علي الجميع ايقاظه تحت أي ظرف‏..(‏ كما نشرت الصحف‏)‏ ـ ولم لايستريح ضميره ويهنأ باله‏,‏ وهو يعلم أن غاية ما سوف يحدث في الصباح التالي أن تسقط جثة فرد فوق سطح جثة أمة لم يرها إلا فاقدة الحراك ومعدومة الاعتبار؟‏!.‏

    تلك هي الرسالة الأهم التي يتعين استلامها مما جري‏.‏ ومن يريد منها استزادة أو توثيقا لخلفيات موقف الازدراء الأمريكي التقليدي بالآخر‏,‏ فعليه أن يقرأ كتاب الباحث منير العكش‏:‏ حق التضحية بالآخر ـ أمريكا والإبادات الجماعية‏.‏ وهو من سجل بتفصيل مثير قصة الوحشية الأمريكية في ابادة الهنود الحمر‏,‏ ـ أول آخر صادفهم ـ الذين كان الأمريكيون يمعنون في إذلالهم وتحقيرهم ويصفونهم بأنهم عرب‏!‏

    ‏(3)‏
    اذا كان الاحتقار هو مفتاح قراءة الموقف الأمريكي‏,‏ فإن الانتقام هو مفتاح موقف السلطة العراقية‏.‏ ولا يخلو من مبالغة وصفها بأنها سلطة‏,‏ لأنها لا تملك من الأمر شيئا في حين أن السلطة الفعلية هي للأمريكيين علي مستوي‏,‏ وللإيرانيين علي مستوي آخر‏,‏ وكل الذين يتحركون علي مسرح السلطة خيوطهم مشدودة إلي هذا الطرف أو ذاك‏.‏ كما أن كل الذي يشاع عن اقامة الاحتلال لدولة ديمقراطية يسودها القانون ومجتمع مدني تتعدد فيه المؤسسات‏,‏ هو هراء ومحض أكاذيب‏.‏ فنحن بازاء أنقاض واشلاء دولة تمكنت منها جماعات لها دوافعها الطائفية‏,‏ التي تريد اعادة صياغة العراق وكتابة تاريخه من هذه الزاوية‏.‏ وهم في ذلك لم يختلفوا كثيرا عن صدام حسين في تبنيهم للعنف‏,‏ بل ربما كانوا أسوأ منه‏.‏ أقله لأن الرجل كان جلادا لحساب الوطن‏,‏ بينما هم جلادون لحساب بالطائفة‏.‏ وهذه هي الرسالة الثانية التي تلقيناها في ثنايا مشهد الاعدام المهين‏.‏ دعك من اهدار القانون في تشكيل المحكمة بواسطة حكومة الاحتلال‏,‏ وفي اجراءات التحقيق والمرافعة‏,‏ وفي تنفيذ الاعدام في يوم العيد الكبير‏(‏ الممنوع بحسب القانون وطبقا للاعراف السائدة في العالم المتحضر‏),‏ وفي شنق الرجل في
    حين أنه كان ينبغي أن يعدم رميا بالرصاص باعتباره أسير حرب‏,‏ إلي غير ذلك من الممارسات التي ندد بها المنصفون والراشدون‏,‏ وفضحت أكذوبة دولة القانون‏.‏ إذا غضضت الطرف عن ذلك كله وسألت‏:‏ لماذا اعدم الرجل بتهمة قتل‏138‏ مواطنا عراقيا‏(‏ هم حصيلة يوم واحد في المقتلة الدائرة حاليا‏),‏ ولم يحاسب علي قتل خمسة آلاف كردي عراقي بالغاز السام في حلبجة‏,‏ ولا علي غزوه للكويت‏,‏ أو حربه ضد ايران‏,‏ أو الجرائم الأخري التي ارتكبت بحق معارضيه السياسيين ؟

    ستلوح فكرة الانتقام في الأفق حين تتحري الاجابة‏.‏ اذ ستلاحظ أن الذين حاولوا اغتيال الرئيس السابق قبل ربع قرن‏,‏ اثناء حربه ضد إيران‏,‏ هم من شيعة قرية الدجيل‏,‏ الذين بطش بهم الرجل اثر فشل المحاولة‏.‏ ولأن الجماعات الشيعية هي صاحبة السهم المعلي في الوضع الراهن‏,‏ فإن إشباع رغبتها في الانتقام اقتضي ان يعدم صدام حسين بسبب ما اقترفه بحقهم‏.‏

    واذا كان الأبالسة الذين اخرجوا المشهد قد وفروا للمتعصبين فرصتهم في التشفي‏,‏ إلا أنهم حققوا من وراء الاعدام غرضا آخر كسبوا به نقطة أراحت خواطرهم‏.‏ فإلي جانب مجاملتهم للشبعة‏,‏ فإنهم تخلصوا من الرجل وأسكتوه إلي الأبد‏.‏ حتي لا يفضي بما لديه من اسرار ويكشف مخزون فضائح الممارسات السياسية التي تمت في عهده‏,‏ والتي كانت الدول الغربية وبعض العربية ضالعة فيها‏.‏ ذلك أن الغاز السام الذي قتل به الاكراد في حملة الانفال لم يكن منتجا عراقيا ولكنه قدم اليه من الدول الغربية الصديقة‏.‏ وحربه ضد ايران كانت مؤيدة بالدعم الامريكي والعربي‏,‏ حتي غزوه للكويت لم يسلم من اللغط الذي جري الزج في ثناياه بدور للدبلوماسية الأمريكية‏.‏ وخلال سنوات حكمه التي استمرت ربع قرن فانه لم يكن يتصرف لوحده دائما‏.‏ وانما تداخلت مع وتقاطعت اطراف أخري خارجية بصورة أو أخري‏.‏ وذلك كله يمكن أن يفجر ويفضح اذا ما حوكم الرجل عن تلك الجرائم‏.‏ ولأن اسكاته غدا مطلبا ملحا لإغلاق الملفات الأخري‏,‏ فإن الاعدام كان هو الحل‏.‏

    ‏(4)‏
    بقيت عندي رسالتان‏,‏ إحداهما جاءتنا من طهران‏,‏ والثانية بعثت بها عواصم العرب‏.‏ الأولي عبرت عنها تصريحات المسئولين في العاصمة الايرانية‏,‏ الذين رحبوا بشنق صدام حسين‏.‏ واعتبروه نصرا للعراقيين‏(‏ حميد رضا آصفي نائب وزير الخارجية‏)‏ ـ وهنأوا شعب العراق لأن الرجل ذهب إلي الجحيم‏(‏ علاء الدين يروجردي رئيس لجنة الأمن في مجلس الشوري‏)..‏ وهو ما سوغ لوكالات الأنباء أن تصنف الجمهورية الاسلامية مع اسرائيل والولايات المتحدة‏,‏ في موقفها من الحفاوة بعملية الاعدام‏.‏

    لقد شعرت بمرارة في حلقي حين وقعت علي ذلك التصنيف‏.‏ لكن المرارة اقترنت بحزن لم أستطع اخفاءه لأن طهران انضمت إلي الشامتين‏,‏ ولم يستوقفها انتهاك حرمة العيد ولا ما اصاب مشاعر ملايين المسلمين من أذي ومهانة جراء تنفيذ الاعدام صبيحة يومه الأول‏,‏ ورأيت في تلك التصريحات ايران أخري غير التي عرفتها أو تمنيتها‏.‏ غلبت فيها فرحة الانتقام للطائفة علي الغضب لما اصاب كرامة عامة المسلمين من انتهاك وازدراء وهو ما جعلني اتساءل قائلا‏:‏ لو أنها كانت ايران الشاهنشاهية‏,‏ هل كان الأمر يختلف عما عبرت به ايران الاسلامية؟

    أما رسالة عواصم العرب فقد عبرت عنها الاصداء القوية لحدث الاعدام في مشرق العالم العربي ومغربه‏,‏ والتي اختلط فيها الغضب لما اصاب الذات من جرح بمشاعر الاعجاب والافتتان بالصورة التي ظهر بها الرئيس السابق في مشهد الاعدام‏.‏ حتي الذين آذاهم صدام حسين واجرم بحقهم نسوا ما اصابهم وأكبروا موقفه‏,‏ الأمر الذي يشي بحقيقة يتعين الانتباه اليها‏,‏ وهي أن العالم العربي ضاق ذرعا بالانكسار والاستخذاء‏.‏ ومنذ سنوات وهو يبحث جاهدا عن رمز يجسد له الصمود والكبرياء والعزة‏.‏ ذلك أنه مع كل صفعة نتلقاها‏,‏ أو مهانة تحل بنا‏,‏ فان الناس ما برحوا يهرعون إلي الواجهات باحثين عن قشة كبرياء يتعلقون بها أو رمز للعزة يصطفون وراءه‏,‏ إلا أنهم في كل مرة يردون إلي أعقابهم محبطين‏.‏ ولولا بعض ومضات الأمل في محيطهم لاستسلموا لليأس والكمد‏.‏ بسبب من ذلك‏,‏ فما أن رأوا صدام حسين منتصب الهامة ومرفوع الرأس ومتحديا لكل ما أحاط به من قهر وذل‏,‏ حتي غفروا له جرائمه وغسلوا يديه من دمائهم ورفعوه فوق رؤوسهم عاليا‏,‏ شاكرين له أنه استدعي إلي وعيهم في ومضة نادرة ما يفتقدونه في واقعهم الذي يخيم عليه العجز والمهانة‏.‏
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-10
  3. salem yami

    salem yami عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-05-03
    المشاركات:
    2,198
    الإعجاب :
    0
    رســـائــل الإعــــــدام المهـــــيـن

    فهمـي هـويـــدي
    الأهرام
    9-1-2007


    لا أفقنا من الصدمة‏,‏ ولا فارقنا الشعور بالمهانة والخزي‏.‏ ولا نجحت الأيام العشرة التي مرت في إزالة آثار البصقة التي ألقيت في وجوهنا صبيحة يوم العيد‏.‏ لكن ذلك ينبغي ألا يمنعنا من فض حزمة الرسائل التي تلقيناها من العواصم المعنية منذ وقعت الواقعة‏.‏

    ‏(1)‏
    ثمة حقيقة يتعين الاعتراف بها قبل فض تلك الرسائل‏,‏ وهي أن الذين أهانوا الرئيس السابق صدام حسين وارادوا إذلاله والانتقام منه‏,‏ قدموا له من حيث لايحتسبون خدمة جليلة لم يحلم بها وهو في محبسه‏,‏ إذ حولوه من رمز للجبروت والطغيان إلي رمز للكبرياء والشجاعة‏,‏ حيث رآه الناس في مشهد إعدامه صامدا وثابت الجنان‏,‏ بينما ظهر جلادوه أقزاما تخفوا وراء الأقنعة وجرذانا مذعورة تحاول أن تتخفي من أعين التاريخ‏.‏

    إن الذين تخيروا ساعة النحر يوم عيد الأضحي موعدا لشنقه‏,‏ وحرصوا علي تصوير ماجري لحظة بلحظة‏,‏ كأنما أعمي الله بصيرتهم فأوقعهم في شر أعمالهم‏.‏ إذا بدا واضحا أن الغباء وشهوة الانتقام والحقد‏,‏ هذه العوامل حين اجتمعت فيهم‏,‏ فإنها غيبت عنهم إدراك جلال مناسبة العيد التي تمس شغاف قلوب مئات الملايين من المسلمين‏,‏ وعن المعاني السامية والنبيلة التي يستحضرها المسلمون في تلك اللحظات‏.‏ كما أعمتهم عن تمثل أبسط القيم التي تقرر للناس حق الكرامة في لحظات الموت‏,‏ ناهيك عن أنهم تخلوا في تلك اللحظات عن مقتضيات المروءة والشهامة التي يجلها العرب والشرفاء في كل مكان‏.‏

    حين عموا عن ذلك كله وصموا‏,‏ فإنهم لم يهينوا صدام حسين وحده‏,‏ وإنما اهانوا عيد المسلمين‏,‏ وملايين المسلمين‏,‏ ومشاعر العرب أجمعين‏.‏ ولأن غباءهم بدا مفرطا وبلا حدود‏,‏ فإنهم حولوا مراسم الإعدام إلي طقس شيعي‏,‏ فصوبوا سهما مسموما إلي العلاقة التي أصابها الوهن في العراق بين الشيعة والسنة‏.‏ الأمر الذي حول مشهد الإعدام الي قنبلة ملوثة شديدة الانفجار‏,‏ انتشرت شظاياها في أنحاء العالم العربي والاسلامي‏.‏

    بشاعة تصرفهم جعلت كثيرين ينسون سجل صدام حسين وفظائعه‏,‏ ويتذكرون فقط لحظات الثبات التي وقفها وهو مقبل علي حبل المشنقة‏.‏ ناهيك عن أن منهم من أصبح يترحم علي ايامه حين يقارنها بالخراب الذي عم البلاد وأهلك العباد بعد التحرير‏.‏ كما أن التشفي فيه ومحاولة اهانته دفعا الأغلبية الساحقة الي الانحياز للضحية‏,‏ ومن ثم الإعجاب بشجاعته والتعاطف معه‏.‏ وهناك آخرون انضموا الي صفوف الغاضبين والناقمين‏,‏ ليس احتجاجا علي ما أصاب الرجل‏,‏ وإنما غضبا لحرمة عيدهم الذي تم ابتذاله وانتهكت كرامته‏,‏ ولحرمة انتمائهم العقيدي الذي تعرض للتجريح والإهانة‏,‏ وغيرة علي قيم المروءة والنخوة التي أهدرت في المشهد‏.‏

    ‏(2)‏
    في العدد الأخير من مجلة نيوزويك وصف رئيس تحريرها فريد زكريا مشهد الإعدام بأنه انتقام المنتصرين ووصف آداء فريق الرئيس بوش في العراق بأنه كان مزيجا غريبا من الجهل والسذاجة‏.‏ لكني لا أري في هذه الأوصاف تشخيصا دقيقا ولاتفسيرا كافيا لاختيار اعدام الرئيس العراقي السابق بهذه الطريقة في ذلك التوقيت الحساس‏.‏ أعني في ساعة النحر صبيحة اليوم الأول من عيد الأضحي‏.‏ علما بأنه تم تجاوز اللغط حول صلة الأمريكيين بتحديد موعد الاعدام‏,‏ بعدما ثبت أنهم العنصر الأساسي في حسم جميع تفاصيل العملية‏.‏ وأن كل مافعلته الحكومة العراقية أنها قامت بالتنفيذ واعتبرته فرصة للانتقام والتشفي‏.‏

    صحيح أن الانتقام وارد وأن الجهل والسذاجة باتا من السمات الأصيلة لقرارات الإدارة الأمريكية في العراق‏,‏ لكن إجراء الإعدام وتوقيته صبيحة يوم العيد سلط الضوء علي ماهو أبعد وأعمق من مضمون تلك المصطلحات‏.‏ الأمر الذي يضعنا بازاء حالة تجلي فيها الأزدراء والاحتقار في اسطع صوره‏.‏ ذلك أن إلقاء تلك البصقة الجارحة في وجوه مليار و‏300‏ مليون مسلم دفعة واحدة في يوم عيدهم لايمكن الاكتفاء في تفسيره بحسبانه نابعا من مجرد الجهل والسذاجة‏.‏ فخطوة بهذه الجسامة لايمكن لراشد أن يغفل عن تداعياتها في الظروف العادية‏.‏ ولايمكن لصاحب القرار أن يقدم عليها في مناسبة عيد ديني هو الأكبر عند المسلمين‏,‏ إلا إذا كان قد تعامل مع الطرف الآخر فيها‏(‏ العرب والمسلمون‏)‏ بحسبانهم كائنات لا قيمة لها ولا كرامة‏.‏ وليس لديهم مايستحق الاعتبار‏,‏ لا العقيدة ولا التقاليد أو الأعراف‏,‏ وأن ثقافتهم مما يمكن دوسه واستباحته دون قلق من ردود الفعل‏.‏

    لو أن الرئيس بوش وفريقه خطر ببالهم للحظة أنهم يتعاملون مع أمة فيها نبض حياة وتخيلوا أن ثقافتها تستحق الاحترام‏,‏ وأن شعوبها لها شيء من الكرامة وتعرف معني الغضب لترددوا ألف مرة قبل أن يقدموا علي فعلتهم‏,‏ ولما أوي الرئيس بوش إلي فراشه متهللا في تلك الليلة‏,‏ حاظرا علي الجميع ايقاظه تحت أي ظرف‏..(‏ كما نشرت الصحف‏)‏ ـ ولم لايستريح ضميره ويهنأ باله‏,‏ وهو يعلم أن غاية ما سوف يحدث في الصباح التالي أن تسقط جثة فرد فوق سطح جثة أمة لم يرها إلا فاقدة الحراك ومعدومة الاعتبار؟‏!.‏

    تلك هي الرسالة الأهم التي يتعين استلامها مما جري‏.‏ ومن يريد منها استزادة أو توثيقا لخلفيات موقف الازدراء الأمريكي التقليدي بالآخر‏,‏ فعليه أن يقرأ كتاب الباحث منير العكش‏:‏ حق التضحية بالآخر ـ أمريكا والإبادات الجماعية‏.‏ وهو من سجل بتفصيل مثير قصة الوحشية الأمريكية في ابادة الهنود الحمر‏,‏ ـ أول آخر صادفهم ـ الذين كان الأمريكيون يمعنون في إذلالهم وتحقيرهم ويصفونهم بأنهم عرب‏!‏

    ‏(3)‏
    اذا كان الاحتقار هو مفتاح قراءة الموقف الأمريكي‏,‏ فإن الانتقام هو مفتاح موقف السلطة العراقية‏.‏ ولا يخلو من مبالغة وصفها بأنها سلطة‏,‏ لأنها لا تملك من الأمر شيئا في حين أن السلطة الفعلية هي للأمريكيين علي مستوي‏,‏ وللإيرانيين علي مستوي آخر‏,‏ وكل الذين يتحركون علي مسرح السلطة خيوطهم مشدودة إلي هذا الطرف أو ذاك‏.‏ كما أن كل الذي يشاع عن اقامة الاحتلال لدولة ديمقراطية يسودها القانون ومجتمع مدني تتعدد فيه المؤسسات‏,‏ هو هراء ومحض أكاذيب‏.‏ فنحن بازاء أنقاض واشلاء دولة تمكنت منها جماعات لها دوافعها الطائفية‏,‏ التي تريد اعادة صياغة العراق وكتابة تاريخه من هذه الزاوية‏.‏ وهم في ذلك لم يختلفوا كثيرا عن صدام حسين في تبنيهم للعنف‏,‏ بل ربما كانوا أسوأ منه‏.‏ أقله لأن الرجل كان جلادا لحساب الوطن‏,‏ بينما هم جلادون لحساب بالطائفة‏.‏ وهذه هي الرسالة الثانية التي تلقيناها في ثنايا مشهد الاعدام المهين‏.‏ دعك من اهدار القانون في تشكيل المحكمة بواسطة حكومة الاحتلال‏,‏ وفي اجراءات التحقيق والمرافعة‏,‏ وفي تنفيذ الاعدام في يوم العيد الكبير‏(‏ الممنوع بحسب القانون وطبقا للاعراف السائدة في العالم المتحضر‏),‏ وفي شنق الرجل في
    حين أنه كان ينبغي أن يعدم رميا بالرصاص باعتباره أسير حرب‏,‏ إلي غير ذلك من الممارسات التي ندد بها المنصفون والراشدون‏,‏ وفضحت أكذوبة دولة القانون‏.‏ إذا غضضت الطرف عن ذلك كله وسألت‏:‏ لماذا اعدم الرجل بتهمة قتل‏138‏ مواطنا عراقيا‏(‏ هم حصيلة يوم واحد في المقتلة الدائرة حاليا‏),‏ ولم يحاسب علي قتل خمسة آلاف كردي عراقي بالغاز السام في حلبجة‏,‏ ولا علي غزوه للكويت‏,‏ أو حربه ضد ايران‏,‏ أو الجرائم الأخري التي ارتكبت بحق معارضيه السياسيين ؟

    ستلوح فكرة الانتقام في الأفق حين تتحري الاجابة‏.‏ اذ ستلاحظ أن الذين حاولوا اغتيال الرئيس السابق قبل ربع قرن‏,‏ اثناء حربه ضد إيران‏,‏ هم من شيعة قرية الدجيل‏,‏ الذين بطش بهم الرجل اثر فشل المحاولة‏.‏ ولأن الجماعات الشيعية هي صاحبة السهم المعلي في الوضع الراهن‏,‏ فإن إشباع رغبتها في الانتقام اقتضي ان يعدم صدام حسين بسبب ما اقترفه بحقهم‏.‏

    واذا كان الأبالسة الذين اخرجوا المشهد قد وفروا للمتعصبين فرصتهم في التشفي‏,‏ إلا أنهم حققوا من وراء الاعدام غرضا آخر كسبوا به نقطة أراحت خواطرهم‏.‏ فإلي جانب مجاملتهم للشبعة‏,‏ فإنهم تخلصوا من الرجل وأسكتوه إلي الأبد‏.‏ حتي لا يفضي بما لديه من اسرار ويكشف مخزون فضائح الممارسات السياسية التي تمت في عهده‏,‏ والتي كانت الدول الغربية وبعض العربية ضالعة فيها‏.‏ ذلك أن الغاز السام الذي قتل به الاكراد في حملة الانفال لم يكن منتجا عراقيا ولكنه قدم اليه من الدول الغربية الصديقة‏.‏ وحربه ضد ايران كانت مؤيدة بالدعم الامريكي والعربي‏,‏ حتي غزوه للكويت لم يسلم من اللغط الذي جري الزج في ثناياه بدور للدبلوماسية الأمريكية‏.‏ وخلال سنوات حكمه التي استمرت ربع قرن فانه لم يكن يتصرف لوحده دائما‏.‏ وانما تداخلت مع وتقاطعت اطراف أخري خارجية بصورة أو أخري‏.‏ وذلك كله يمكن أن يفجر ويفضح اذا ما حوكم الرجل عن تلك الجرائم‏.‏ ولأن اسكاته غدا مطلبا ملحا لإغلاق الملفات الأخري‏,‏ فإن الاعدام كان هو الحل‏.‏

    ‏(4)‏
    بقيت عندي رسالتان‏,‏ إحداهما جاءتنا من طهران‏,‏ والثانية بعثت بها عواصم العرب‏.‏ الأولي عبرت عنها تصريحات المسئولين في العاصمة الايرانية‏,‏ الذين رحبوا بشنق صدام حسين‏.‏ واعتبروه نصرا للعراقيين‏(‏ حميد رضا آصفي نائب وزير الخارجية‏)‏ ـ وهنأوا شعب العراق لأن الرجل ذهب إلي الجحيم‏(‏ علاء الدين يروجردي رئيس لجنة الأمن في مجلس الشوري‏)..‏ وهو ما سوغ لوكالات الأنباء أن تصنف الجمهورية الاسلامية مع اسرائيل والولايات المتحدة‏,‏ في موقفها من الحفاوة بعملية الاعدام‏.‏

    لقد شعرت بمرارة في حلقي حين وقعت علي ذلك التصنيف‏.‏ لكن المرارة اقترنت بحزن لم أستطع اخفاءه لأن طهران انضمت إلي الشامتين‏,‏ ولم يستوقفها انتهاك حرمة العيد ولا ما اصاب مشاعر ملايين المسلمين من أذي ومهانة جراء تنفيذ الاعدام صبيحة يومه الأول‏,‏ ورأيت في تلك التصريحات ايران أخري غير التي عرفتها أو تمنيتها‏.‏ غلبت فيها فرحة الانتقام للطائفة علي الغضب لما اصاب كرامة عامة المسلمين من انتهاك وازدراء وهو ما جعلني اتساءل قائلا‏:‏ لو أنها كانت ايران الشاهنشاهية‏,‏ هل كان الأمر يختلف عما عبرت به ايران الاسلامية؟

    أما رسالة عواصم العرب فقد عبرت عنها الاصداء القوية لحدث الاعدام في مشرق العالم العربي ومغربه‏,‏ والتي اختلط فيها الغضب لما اصاب الذات من جرح بمشاعر الاعجاب والافتتان بالصورة التي ظهر بها الرئيس السابق في مشهد الاعدام‏.‏ حتي الذين آذاهم صدام حسين واجرم بحقهم نسوا ما اصابهم وأكبروا موقفه‏,‏ الأمر الذي يشي بحقيقة يتعين الانتباه اليها‏,‏ وهي أن العالم العربي ضاق ذرعا بالانكسار والاستخذاء‏.‏ ومنذ سنوات وهو يبحث جاهدا عن رمز يجسد له الصمود والكبرياء والعزة‏.‏ ذلك أنه مع كل صفعة نتلقاها‏,‏ أو مهانة تحل بنا‏,‏ فان الناس ما برحوا يهرعون إلي الواجهات باحثين عن قشة كبرياء يتعلقون بها أو رمز للعزة يصطفون وراءه‏,‏ إلا أنهم في كل مرة يردون إلي أعقابهم محبطين‏.‏ ولولا بعض ومضات الأمل في محيطهم لاستسلموا لليأس والكمد‏.‏ بسبب من ذلك‏,‏ فما أن رأوا صدام حسين منتصب الهامة ومرفوع الرأس ومتحديا لكل ما أحاط به من قهر وذل‏,‏ حتي غفروا له جرائمه وغسلوا يديه من دمائهم ورفعوه فوق رؤوسهم عاليا‏,‏ شاكرين له أنه استدعي إلي وعيهم في ومضة نادرة ما يفتقدونه في واقعهم الذي يخيم عليه العجز والمهانة‏.‏
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-01-10
  5. salem yami

    salem yami عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-05-03
    المشاركات:
    2,198
    الإعجاب :
    0
    رســـائــل الإعــــــدام المهـــــيـن

    فهمـي هـويـــدي
    الأهرام
    9-1-2007


    لا أفقنا من الصدمة‏,‏ ولا فارقنا الشعور بالمهانة والخزي‏.‏ ولا نجحت الأيام العشرة التي مرت في إزالة آثار البصقة التي ألقيت في وجوهنا صبيحة يوم العيد‏.‏ لكن ذلك ينبغي ألا يمنعنا من فض حزمة الرسائل التي تلقيناها من العواصم المعنية منذ وقعت الواقعة‏.‏

    ‏(1)‏
    ثمة حقيقة يتعين الاعتراف بها قبل فض تلك الرسائل‏,‏ وهي أن الذين أهانوا الرئيس السابق صدام حسين وارادوا إذلاله والانتقام منه‏,‏ قدموا له من حيث لايحتسبون خدمة جليلة لم يحلم بها وهو في محبسه‏,‏ إذ حولوه من رمز للجبروت والطغيان إلي رمز للكبرياء والشجاعة‏,‏ حيث رآه الناس في مشهد إعدامه صامدا وثابت الجنان‏,‏ بينما ظهر جلادوه أقزاما تخفوا وراء الأقنعة وجرذانا مذعورة تحاول أن تتخفي من أعين التاريخ‏.‏

    إن الذين تخيروا ساعة النحر يوم عيد الأضحي موعدا لشنقه‏,‏ وحرصوا علي تصوير ماجري لحظة بلحظة‏,‏ كأنما أعمي الله بصيرتهم فأوقعهم في شر أعمالهم‏.‏ إذا بدا واضحا أن الغباء وشهوة الانتقام والحقد‏,‏ هذه العوامل حين اجتمعت فيهم‏,‏ فإنها غيبت عنهم إدراك جلال مناسبة العيد التي تمس شغاف قلوب مئات الملايين من المسلمين‏,‏ وعن المعاني السامية والنبيلة التي يستحضرها المسلمون في تلك اللحظات‏.‏ كما أعمتهم عن تمثل أبسط القيم التي تقرر للناس حق الكرامة في لحظات الموت‏,‏ ناهيك عن أنهم تخلوا في تلك اللحظات عن مقتضيات المروءة والشهامة التي يجلها العرب والشرفاء في كل مكان‏.‏

    حين عموا عن ذلك كله وصموا‏,‏ فإنهم لم يهينوا صدام حسين وحده‏,‏ وإنما اهانوا عيد المسلمين‏,‏ وملايين المسلمين‏,‏ ومشاعر العرب أجمعين‏.‏ ولأن غباءهم بدا مفرطا وبلا حدود‏,‏ فإنهم حولوا مراسم الإعدام إلي طقس شيعي‏,‏ فصوبوا سهما مسموما إلي العلاقة التي أصابها الوهن في العراق بين الشيعة والسنة‏.‏ الأمر الذي حول مشهد الإعدام الي قنبلة ملوثة شديدة الانفجار‏,‏ انتشرت شظاياها في أنحاء العالم العربي والاسلامي‏.‏

    بشاعة تصرفهم جعلت كثيرين ينسون سجل صدام حسين وفظائعه‏,‏ ويتذكرون فقط لحظات الثبات التي وقفها وهو مقبل علي حبل المشنقة‏.‏ ناهيك عن أن منهم من أصبح يترحم علي ايامه حين يقارنها بالخراب الذي عم البلاد وأهلك العباد بعد التحرير‏.‏ كما أن التشفي فيه ومحاولة اهانته دفعا الأغلبية الساحقة الي الانحياز للضحية‏,‏ ومن ثم الإعجاب بشجاعته والتعاطف معه‏.‏ وهناك آخرون انضموا الي صفوف الغاضبين والناقمين‏,‏ ليس احتجاجا علي ما أصاب الرجل‏,‏ وإنما غضبا لحرمة عيدهم الذي تم ابتذاله وانتهكت كرامته‏,‏ ولحرمة انتمائهم العقيدي الذي تعرض للتجريح والإهانة‏,‏ وغيرة علي قيم المروءة والنخوة التي أهدرت في المشهد‏.‏

    ‏(2)‏
    في العدد الأخير من مجلة نيوزويك وصف رئيس تحريرها فريد زكريا مشهد الإعدام بأنه انتقام المنتصرين ووصف آداء فريق الرئيس بوش في العراق بأنه كان مزيجا غريبا من الجهل والسذاجة‏.‏ لكني لا أري في هذه الأوصاف تشخيصا دقيقا ولاتفسيرا كافيا لاختيار اعدام الرئيس العراقي السابق بهذه الطريقة في ذلك التوقيت الحساس‏.‏ أعني في ساعة النحر صبيحة اليوم الأول من عيد الأضحي‏.‏ علما بأنه تم تجاوز اللغط حول صلة الأمريكيين بتحديد موعد الاعدام‏,‏ بعدما ثبت أنهم العنصر الأساسي في حسم جميع تفاصيل العملية‏.‏ وأن كل مافعلته الحكومة العراقية أنها قامت بالتنفيذ واعتبرته فرصة للانتقام والتشفي‏.‏

    صحيح أن الانتقام وارد وأن الجهل والسذاجة باتا من السمات الأصيلة لقرارات الإدارة الأمريكية في العراق‏,‏ لكن إجراء الإعدام وتوقيته صبيحة يوم العيد سلط الضوء علي ماهو أبعد وأعمق من مضمون تلك المصطلحات‏.‏ الأمر الذي يضعنا بازاء حالة تجلي فيها الأزدراء والاحتقار في اسطع صوره‏.‏ ذلك أن إلقاء تلك البصقة الجارحة في وجوه مليار و‏300‏ مليون مسلم دفعة واحدة في يوم عيدهم لايمكن الاكتفاء في تفسيره بحسبانه نابعا من مجرد الجهل والسذاجة‏.‏ فخطوة بهذه الجسامة لايمكن لراشد أن يغفل عن تداعياتها في الظروف العادية‏.‏ ولايمكن لصاحب القرار أن يقدم عليها في مناسبة عيد ديني هو الأكبر عند المسلمين‏,‏ إلا إذا كان قد تعامل مع الطرف الآخر فيها‏(‏ العرب والمسلمون‏)‏ بحسبانهم كائنات لا قيمة لها ولا كرامة‏.‏ وليس لديهم مايستحق الاعتبار‏,‏ لا العقيدة ولا التقاليد أو الأعراف‏,‏ وأن ثقافتهم مما يمكن دوسه واستباحته دون قلق من ردود الفعل‏.‏

    لو أن الرئيس بوش وفريقه خطر ببالهم للحظة أنهم يتعاملون مع أمة فيها نبض حياة وتخيلوا أن ثقافتها تستحق الاحترام‏,‏ وأن شعوبها لها شيء من الكرامة وتعرف معني الغضب لترددوا ألف مرة قبل أن يقدموا علي فعلتهم‏,‏ ولما أوي الرئيس بوش إلي فراشه متهللا في تلك الليلة‏,‏ حاظرا علي الجميع ايقاظه تحت أي ظرف‏..(‏ كما نشرت الصحف‏)‏ ـ ولم لايستريح ضميره ويهنأ باله‏,‏ وهو يعلم أن غاية ما سوف يحدث في الصباح التالي أن تسقط جثة فرد فوق سطح جثة أمة لم يرها إلا فاقدة الحراك ومعدومة الاعتبار؟‏!.‏

    تلك هي الرسالة الأهم التي يتعين استلامها مما جري‏.‏ ومن يريد منها استزادة أو توثيقا لخلفيات موقف الازدراء الأمريكي التقليدي بالآخر‏,‏ فعليه أن يقرأ كتاب الباحث منير العكش‏:‏ حق التضحية بالآخر ـ أمريكا والإبادات الجماعية‏.‏ وهو من سجل بتفصيل مثير قصة الوحشية الأمريكية في ابادة الهنود الحمر‏,‏ ـ أول آخر صادفهم ـ الذين كان الأمريكيون يمعنون في إذلالهم وتحقيرهم ويصفونهم بأنهم عرب‏!‏

    ‏(3)‏
    اذا كان الاحتقار هو مفتاح قراءة الموقف الأمريكي‏,‏ فإن الانتقام هو مفتاح موقف السلطة العراقية‏.‏ ولا يخلو من مبالغة وصفها بأنها سلطة‏,‏ لأنها لا تملك من الأمر شيئا في حين أن السلطة الفعلية هي للأمريكيين علي مستوي‏,‏ وللإيرانيين علي مستوي آخر‏,‏ وكل الذين يتحركون علي مسرح السلطة خيوطهم مشدودة إلي هذا الطرف أو ذاك‏.‏ كما أن كل الذي يشاع عن اقامة الاحتلال لدولة ديمقراطية يسودها القانون ومجتمع مدني تتعدد فيه المؤسسات‏,‏ هو هراء ومحض أكاذيب‏.‏ فنحن بازاء أنقاض واشلاء دولة تمكنت منها جماعات لها دوافعها الطائفية‏,‏ التي تريد اعادة صياغة العراق وكتابة تاريخه من هذه الزاوية‏.‏ وهم في ذلك لم يختلفوا كثيرا عن صدام حسين في تبنيهم للعنف‏,‏ بل ربما كانوا أسوأ منه‏.‏ أقله لأن الرجل كان جلادا لحساب الوطن‏,‏ بينما هم جلادون لحساب بالطائفة‏.‏ وهذه هي الرسالة الثانية التي تلقيناها في ثنايا مشهد الاعدام المهين‏.‏ دعك من اهدار القانون في تشكيل المحكمة بواسطة حكومة الاحتلال‏,‏ وفي اجراءات التحقيق والمرافعة‏,‏ وفي تنفيذ الاعدام في يوم العيد الكبير‏(‏ الممنوع بحسب القانون وطبقا للاعراف السائدة في العالم المتحضر‏),‏ وفي شنق الرجل في
    حين أنه كان ينبغي أن يعدم رميا بالرصاص باعتباره أسير حرب‏,‏ إلي غير ذلك من الممارسات التي ندد بها المنصفون والراشدون‏,‏ وفضحت أكذوبة دولة القانون‏.‏ إذا غضضت الطرف عن ذلك كله وسألت‏:‏ لماذا اعدم الرجل بتهمة قتل‏138‏ مواطنا عراقيا‏(‏ هم حصيلة يوم واحد في المقتلة الدائرة حاليا‏),‏ ولم يحاسب علي قتل خمسة آلاف كردي عراقي بالغاز السام في حلبجة‏,‏ ولا علي غزوه للكويت‏,‏ أو حربه ضد ايران‏,‏ أو الجرائم الأخري التي ارتكبت بحق معارضيه السياسيين ؟

    ستلوح فكرة الانتقام في الأفق حين تتحري الاجابة‏.‏ اذ ستلاحظ أن الذين حاولوا اغتيال الرئيس السابق قبل ربع قرن‏,‏ اثناء حربه ضد إيران‏,‏ هم من شيعة قرية الدجيل‏,‏ الذين بطش بهم الرجل اثر فشل المحاولة‏.‏ ولأن الجماعات الشيعية هي صاحبة السهم المعلي في الوضع الراهن‏,‏ فإن إشباع رغبتها في الانتقام اقتضي ان يعدم صدام حسين بسبب ما اقترفه بحقهم‏.‏

    واذا كان الأبالسة الذين اخرجوا المشهد قد وفروا للمتعصبين فرصتهم في التشفي‏,‏ إلا أنهم حققوا من وراء الاعدام غرضا آخر كسبوا به نقطة أراحت خواطرهم‏.‏ فإلي جانب مجاملتهم للشبعة‏,‏ فإنهم تخلصوا من الرجل وأسكتوه إلي الأبد‏.‏ حتي لا يفضي بما لديه من اسرار ويكشف مخزون فضائح الممارسات السياسية التي تمت في عهده‏,‏ والتي كانت الدول الغربية وبعض العربية ضالعة فيها‏.‏ ذلك أن الغاز السام الذي قتل به الاكراد في حملة الانفال لم يكن منتجا عراقيا ولكنه قدم اليه من الدول الغربية الصديقة‏.‏ وحربه ضد ايران كانت مؤيدة بالدعم الامريكي والعربي‏,‏ حتي غزوه للكويت لم يسلم من اللغط الذي جري الزج في ثناياه بدور للدبلوماسية الأمريكية‏.‏ وخلال سنوات حكمه التي استمرت ربع قرن فانه لم يكن يتصرف لوحده دائما‏.‏ وانما تداخلت مع وتقاطعت اطراف أخري خارجية بصورة أو أخري‏.‏ وذلك كله يمكن أن يفجر ويفضح اذا ما حوكم الرجل عن تلك الجرائم‏.‏ ولأن اسكاته غدا مطلبا ملحا لإغلاق الملفات الأخري‏,‏ فإن الاعدام كان هو الحل‏.‏

    ‏(4)‏
    بقيت عندي رسالتان‏,‏ إحداهما جاءتنا من طهران‏,‏ والثانية بعثت بها عواصم العرب‏.‏ الأولي عبرت عنها تصريحات المسئولين في العاصمة الايرانية‏,‏ الذين رحبوا بشنق صدام حسين‏.‏ واعتبروه نصرا للعراقيين‏(‏ حميد رضا آصفي نائب وزير الخارجية‏)‏ ـ وهنأوا شعب العراق لأن الرجل ذهب إلي الجحيم‏(‏ علاء الدين يروجردي رئيس لجنة الأمن في مجلس الشوري‏)..‏ وهو ما سوغ لوكالات الأنباء أن تصنف الجمهورية الاسلامية مع اسرائيل والولايات المتحدة‏,‏ في موقفها من الحفاوة بعملية الاعدام‏.‏

    لقد شعرت بمرارة في حلقي حين وقعت علي ذلك التصنيف‏.‏ لكن المرارة اقترنت بحزن لم أستطع اخفاءه لأن طهران انضمت إلي الشامتين‏,‏ ولم يستوقفها انتهاك حرمة العيد ولا ما اصاب مشاعر ملايين المسلمين من أذي ومهانة جراء تنفيذ الاعدام صبيحة يومه الأول‏,‏ ورأيت في تلك التصريحات ايران أخري غير التي عرفتها أو تمنيتها‏.‏ غلبت فيها فرحة الانتقام للطائفة علي الغضب لما اصاب كرامة عامة المسلمين من انتهاك وازدراء وهو ما جعلني اتساءل قائلا‏:‏ لو أنها كانت ايران الشاهنشاهية‏,‏ هل كان الأمر يختلف عما عبرت به ايران الاسلامية؟

    أما رسالة عواصم العرب فقد عبرت عنها الاصداء القوية لحدث الاعدام في مشرق العالم العربي ومغربه‏,‏ والتي اختلط فيها الغضب لما اصاب الذات من جرح بمشاعر الاعجاب والافتتان بالصورة التي ظهر بها الرئيس السابق في مشهد الاعدام‏.‏ حتي الذين آذاهم صدام حسين واجرم بحقهم نسوا ما اصابهم وأكبروا موقفه‏,‏ الأمر الذي يشي بحقيقة يتعين الانتباه اليها‏,‏ وهي أن العالم العربي ضاق ذرعا بالانكسار والاستخذاء‏.‏ ومنذ سنوات وهو يبحث جاهدا عن رمز يجسد له الصمود والكبرياء والعزة‏.‏ ذلك أنه مع كل صفعة نتلقاها‏,‏ أو مهانة تحل بنا‏,‏ فان الناس ما برحوا يهرعون إلي الواجهات باحثين عن قشة كبرياء يتعلقون بها أو رمز للعزة يصطفون وراءه‏,‏ إلا أنهم في كل مرة يردون إلي أعقابهم محبطين‏.‏ ولولا بعض ومضات الأمل في محيطهم لاستسلموا لليأس والكمد‏.‏ بسبب من ذلك‏,‏ فما أن رأوا صدام حسين منتصب الهامة ومرفوع الرأس ومتحديا لكل ما أحاط به من قهر وذل‏,‏ حتي غفروا له جرائمه وغسلوا يديه من دمائهم ورفعوه فوق رؤوسهم عاليا‏,‏ شاكرين له أنه استدعي إلي وعيهم في ومضة نادرة ما يفتقدونه في واقعهم الذي يخيم عليه العجز والمهانة‏.‏
     

مشاركة هذه الصفحة