لا تُقية بعد اليوم !!!

الكاتب : أبو هاجر الكحلاني   المشاهدات : 472   الردود : 1    ‏2007-01-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-01-05
  1. أبو هاجر الكحلاني

    أبو هاجر الكحلاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-11-03
    المشاركات:
    5,200
    الإعجاب :
    1
    ( لا تقية بعد اليوم )

    د. أحمد بن راشد بن سعيد * : بتاريخ 2 - 1 - 2007

    في أول أيام عيد الأضحى عند (الإسلام السني) على حد قول شبكة سي. إن. إن الأميركية, تم تنفيذ حكم (الإعدام) كما

    تقول الحكومة العراقية, أو عملية القتل الهمجية كما وصفها الاتحاد الأوروبي. قَتلُ صدام حسين وهو أسير حرب بإقرار

    الإدارة الأميركية يضفي بعدا جديدا على المأساة العراقية التي تكبر يوما بعد يوم, ويكرس الطبيعة الطائفية للنظام الذي

    يحكم بلاد الرافدين. صدام رغم كل الجرائم التي ارتكبها لم يكن طائفيا, ولم تتفجر في عهده أحقاد بين السنة والشيعة.

    لم يكن خطابه على الأقل طائفيا, ولم يستدع يوما الرموز الطائفية. كان يفتخر بإطلاق اسم (الحسين) على صاروخ مصنع

    محليا, ولم يستخدم مثلا اسم (عمر) أو (الرشيد) أو (المنصور). لكن كلنا يعرف كيف تم تدمير تمثال أبي جعفر المنصور

    في بغداد, وكيف تم تغيير أسماء الشوارع والأحياء والمدن إلى أسماء شيعية, وكيف تجري عمليات (تصفية) لمن

    يحملون أسماء (أبي بكر) و(عمر) و(عثمان) بشكل لم يسبق له مثيل في عالم اليوم, ما لفت حتى أنظار الصحف الغربية,

    التي تحدثت عن ازدهار تجارة تغيير الأسماء السنية مخافة القتل. لقد نظر الشيعة إلى عملية (إعدام) صدام بوصفها

    تتويجا لانتصارهم (التاريخي) في العراق. منذ أن احتل الأميركيون البلاد احتفل الشيعة بالحدث, واستقبلوا الأميركيين

    استقبال الفاتحين, وحرّموا مقاومتهم, وقادوا العملية السياسية تحت حراب الاحتلال, بل شاركوا في قمع وحشي

    للمقاومة, وأسرفوا في استباحة دماء أهل السنة, سيما النخب والعلماء ورجال الأعمال.



    عندما وطئت قدما محمد باقر الحكيم أرض النجف وسط الآلاف من المحتفلين بالانتصار (التاريخي) هتف بقوة: "نريد

    العدالة.. نريد العدالة". كان الرجل يصدر عن شعور عميق بالظلم, ويوحي لأتباعه أن (المظلمة التاريخية) التي وقعت على

    الشيعة قد طويت صفحتها, وحانت ساعة التغيير. لكن كيف يتم تحقيق العدل ورفع الظلم؟ لن يتم ذلك بالطبع إلا عبر

    الانتقام من الآخر المسؤول كما توحي أسطورة (المظلمة) عن معاناة الشيعة وإذلالهم وإبعادهم عن مسرح التأثير

    السياسي والاجتماعي والثقافي. إنه بلا ريب ذلك المسلم السني, أو الناصبي, أو (العامي) كما يصف فقهاء الشيعة

    المنتمي إلى أهل السنة. كان الحكيم يعد أتباعه لمعركة ضد أهل السنة, تتضمن تهميشهم وإقصاءهم ودفعهم إلى

    التشيع أو الموت أو التسليم لواقع جديد يصبح فيه الشيعة سادة العراق لأول مرة في التاريخ.



    انقضت الميليشيات الشيعية على أهل السنة تمعن فيهم قتلا وخطفا ونهبا واغتصابا, فيما كانت القيادات الرسمية

    والمدنية لأهل السنة تنأى بنفسها عن الخطاب الطائفي, وتحرّم قتل الشيعة, وتدعو إلى التسامح وتغليب القواسم

    المشتركة على ما يفرق الصفوف ويسكب الزيت على النار. كانت المسميات واللافتات والتصريحات الصادرة عن الطرف

    الشيعي ذات نكهة طائفية, فيما كان الخطاب السني أكثر تعقلا وتوازنا. هيئة علماء السنة, سمت نفسها (هيئة علماء

    المسلمين), ومؤتمر أهل العراق الذي يقوده السنة, حرص على اتخاذ اسم (العراق) الجامع هوية له, وابتعد عن المسميات

    الطائفية. لم يثبت أبدا أن قادة السنة الدينيين والسياسيين قد رفعوا شعارا طائفيا, أو حرضوا على الشيعة (باستثناء

    تنظيم القاعدة الذي لا نعتبره ممثلا لسنة العراق, ويعرف الشيعة وغيرهم أنه يفتقر إلى التمثيل الحقيقي للرأي العام

    السني).



    في تصريح له أثناء زيارته الأخيرة للعاصمة الأردنية عمان قال عبد العزيز الحكيم, إن الطرف الخاسر في أية حرب أهلية

    عراقية هم أهل السنة, ورد عليه بعض علماء السنة العراقيين بالقول إن الخاسر الأكبر هو العراق. أما الزعيم الشيعي

    مقتدى الصدر فقد خرج أمام الكاميرات ليعلن أنه لا يؤيد قتل السنة, ولكنه يؤيد قتل (النواصب), ومعلوم أن النواصب هم

    أهل السنة حسب المعتقدات الشيعية. ولما أصدرت الحكومة العراقية أمرا باعتقال الشيخ حارث الضاري الأمين العام

    لهيئة علماء المسلمين في العراق, أعلن الصدر أنه لن يدين أمر الاعتقال حتى يصدر الضاري فتوى تحرم سفك الدم

    الشيعي. ومعلوم أن الضاري والهيئة التي يمثلها أصدرت بيانات عديدة تحرم فيها قتل الشيعة وغيرهم من أبناء العراق,

    ولكن لأمر ما اختار الصدر أن يصم السمع عن تلك الفتاوى, وأن يضرب عنها صفحا.



    القتل اليومي في العراق لا يتوقف, وما لا تقوله وسائل الإعلام إن معظم الضحايا الذين تظهر على جثثهم آثار التعذيب,

    هم من أهل السنة, وإن الحكومة تدير شبكة الإرهاب الطائفية التي توزع القتل عليهم في كل شبر من أرض العراق, لا

    سيما العاصمة بغداد. التجربة الشيعية في العراق تذكر في بعض ملامحها بالمشروع الصهيوني في فلسطين, والمشروع

    الصربي في البوسنة. المشروع الصهيوني قام على أسطورة (الشعب المختار) الذي أعطاه الله وحده الأرض من النيل

    إلى الفرات, وعلى أسطورة (حائط المبكى) التي تكرس الحقد على الآخر المتسبب في خراب الهيكل كما تشير

    الأسطورة, وتدعو إلى الانتقام منه, وعلى أسطورة (الهولوكوست) التي تغرس الشعور بالظلم لدى اليهود, وترسّخ

    عقدة الذنب ليس لدى مرتكبي هذا الظلم المزعوم فحسب, بل لدى البشرية كافة, وفي مقدمهم العرب وأهل فلسطين

    تحديدا. أقام الصهاينة كيانا لقيطا في فلسطين, لفقوه على أنقاض مجتمع مسالم تم تدميره ضمن عمليات إبادة منظمة.

    وجرى تزييف الوقائع التاريخية والأثرية, كما غيّرت أسماء الشوارع والأحياء والمدن لكي تتسق مع أساطير يراد صنعها

    وتخليدها. أما الصرب, فقد قاموا بشن عدوان منقطع النظير على البوسنة والهرسك بعد إعلان استقلالها, وقتلوا مئات

    الألوف من أهلها المسلمين, واغتصبوا نساءهم وصباياهم, وهدموا مساجدهم ومتاحفهم ومكتباتهم, بدعوى الثأر لمملكة

    الصرب التي دمرها المسلمون العثمانيون قبل خمسة قرون. مسلمو البوسنة جسّدوا وحدهم إبان حرب الإبادة الصربية –

    الغربية ثقافة جميلة متحضرة في وسط غابة من أحقاد القرون الوسطى.



    الآن يكرر الطائفيون الشيعة في العراق وأنصارهم في إيران بعض ملامح سيناريو هذين المشروعين الأحاديين

    الإقصائيين. المشروع الشيعي في العراق قائم على أسطورة (الأغلبية) التي تزعم أن الشيعة هم أكثر أهل العراق,

    وعلى اعتبار ميراث البعث وصدام ميراثا سنيا, وعلى إعلاء خطاب الطائفة الشيعية المنصورة على حد تعبير عبد العزيز

    الحكيم, وعلى أسطورة (المظلمة التاريخية) التي وقعت على (أهل البيت) وأتباعهم, وعلى وجوب نفي الآخر السني,

    والانتقام منه بدعوى أنه المسؤول عن حدوث هذه المظلمة. القتل الطائفي في العراق كما القتل الطائفي في البوسنة

    كان يستهدف النخب والتجار والعلماء والأساتذة وقادة الرأي أكثر من غيرهم. وكما كان العدوان الصربي متوحشا

    وإباديا, اتخذت آلة القتل الشيعية طابعا مذهلا في إجرامها ودمويتها, حاصدة أرواح مئات الآلاف من أهل السنة, ولم

    يسلم من ذلك اللاجئون الفلسطينيون في العراق الذين تطاردهم فرق الموت وتمعن فيهم اختطافا وقتلا. الخطاب الطائفي/

    الإيراني يشبه الخطاب الصربي في البوسنة, من حيث الإصرار على مشاريع التقسيم ولو في ثوب الفيدرالية, بينما نلاحظ

    إصرار سنة العراق على وحدة البلاد شعبا وأرضا وكيانا. يحاول قادة الشيعة في العراق, ومن ورائهم إيران, إعادة

    تشكيل الواقع العراقي, من خلال تكريس عقدة اضطهاد (أهل البيت), بما في ذلك صياغة خرائط وأسماء وعناوين

    جديدة للمشهد العراقي.



    مشكلة الكثير من الشيعة أنهم يعتبرون أهل السنة (وهم السواد الأعظم في العالم الإسلامي) أعداء لهم, ويرون أن

    بإمكانهم بناء جسور من التفاهم والتقارب مع كثير من شعوب العالم ودياناته عدا أهل السنة. إن كثيرا من السنة في

    مصر والشام والمغرب العربي لم يكونوا يدركون حقيقة ما يجري في العراق, لكن الأحداث الأخيرة أكدت لهم أن الطبقة

    الحاكمة في بغداد قامت بتسليم البلاد إلى دول أجنبية طامعة أو متربصة أو ذات أجندات طائفية وشعوبية. لقد خسرت

    النخب الشيعية الحاكمة فرصة ذهبية للتعايش مع أهل السنة, وإثبات حسن النوايا, وإمكانية بناء دولة قائمة على

    التعددية والتسامح والمواطنة الصالحة. كان بإمكان هؤلاء أن يقدموا أنموذجا في بناء دولة حديثة بلا صبغة طائفية,

    وبلا أحقاد تاريخية, وبلا شهوة انتقام واندفاع محموم إلى القتل الجماعي. بيد أن الطبيعة الإيديولوجية المنغلقة حالت

    دون ذلك, فكان أن انزلقت التجربة الوليدة إلى حضيض الإبادة والنفي والتقوقع على الذات.



    في صبيحة يوم عيد الأضحى عند أهل السنة, والذي يختار الشيعة عمدا مخالفته, تم إعدام صدام مع شروق الشمس. كان

    الأولى بصانعي القرار أن يتراجعوا عن الإعدام, أو أن يؤجلوه. لكن الدوافع الإيديولوجية وقصر النظر والغباء السياسي

    حالت دون ذلك. تقدم صدام حسين إلى حبل المشنقة ثابت الخطى, أمام رجال الدين الموالين لإيران, وسخر منهم

    قائلا: "هاي مرجلة؟". لم ينبس صدام ببنت شفة طائفية واحدة, سواء أثناء فصول محاكمته الهزلية, أو حتى وهو يواجه

    الموت. لقد احتفظ برزانته, رغم الشحن الطائفي حوله. كان ذلك موقفا عملاقا يشي بحرص الرجل على وحدة شعبه,

    واستعلائه على الحقائق الطائفية الماثلة, رغم ما عرف عنه من بطش واستبداد. هتف الشيعة الذين كانوا يتفرجون على

    المشهد: اللهم صل على محمد وآل محمد, ورددوا أسماء بعض قادتهم, فما زاد صدام على النطق بالشهادتين. لقد صنع

    القتل الدرامي من صدام بطلا تاريخيا تمت تصفيته على يد حكومة مؤدلجة صنعها الاحتلال على عينه.



    هكذا سقطت ورقة التوت عن المشروع الشيعي/ الإيراني المدعوم أميركيا في العراق, ولم يعد لدى قادته ما يخفونه. لا

    تقية بعد اليوم, وربما كانت تلك نقطة إيجابية تمخضت عن عمليات إبادة أهل السنة, والتي توجت بإعدام الرئيس السابق.

    لكن الشيعة مدعوون اليوم إلى مراجعة حساباتهم, والاستماع إلى صوت العقل. حري بالشيعة أن يعيشوا في سلام تحت

    مظلة سنية بدلا من أن يعزلوا أنفسهم في (غيتوهات), أو يسعوا إلى الحكم, وهم عاجزون عن استيعاب التنوع,

    ويعانون عقدة الاضطهاد. لقد عاش الشيعة قرونا تحت الحكم الإسلامي فلم يروا ظلما ولا هضما, وليس من مصلحة التعايش

    والاستقرار أن يتصدوا لإدارة الشأن العام, ماداموا يمارسون الانغلاق, وينظرون إلى ثقافة أهل السنة بوصفها مسؤولة

    عن إرث طويل ومرير من تزييف التاريخ, وسلب الحق من أهله. لننظر مثلا إلى الفرق بين الأوضاع المأساوية لأهل السنة

    في إيران, وبين ما يتمتع به الشيعة من حقوق وامتيازات في البحرين والكويت والسعودية والتي تحكمها أنظمة سنية.

    لا مستقبل للحكم الطائفي الشيعي في العراق, ولنتذكر أن الدولة العبيدية حكمت مصرا, ورحلت دون أثر يذكر. أما موجة

    الانبهار بالتشيع والتي أعقبت الحرب الأخيرة على لبنان, فهي فورة مؤقتة, وهاهي أحداث العراق تؤذن بأفولها.

    وحده الإسلام الخالد كما يجسّده أهل السنة والجماعة في ثقافتهم وسلوكهم يمثل الحضارة والتسامح والاعتدال. أما

    عقيدة اللطم والنواح, أما أساطير النقاء العرقي والاضطهاد التاريخي والثأر من الآخر البريء, فليست من الإسلام, ولن

    تمكث في الأرض.


    * أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود

    writemee@hotmail.com


    من جريدة ( المصريون ) المصرية


    http://www.almesryoon.com/ShowDetai...ID=28611&Page=1
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-01-05
  3. أبو هاجر الكحلاني

    أبو هاجر الكحلاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-11-03
    المشاركات:
    5,200
    الإعجاب :
    1
    ( لا تقية بعد اليوم )

    د. أحمد بن راشد بن سعيد * : بتاريخ 2 - 1 - 2007

    في أول أيام عيد الأضحى عند (الإسلام السني) على حد قول شبكة سي. إن. إن الأميركية, تم تنفيذ حكم (الإعدام) كما

    تقول الحكومة العراقية, أو عملية القتل الهمجية كما وصفها الاتحاد الأوروبي. قَتلُ صدام حسين وهو أسير حرب بإقرار

    الإدارة الأميركية يضفي بعدا جديدا على المأساة العراقية التي تكبر يوما بعد يوم, ويكرس الطبيعة الطائفية للنظام الذي

    يحكم بلاد الرافدين. صدام رغم كل الجرائم التي ارتكبها لم يكن طائفيا, ولم تتفجر في عهده أحقاد بين السنة والشيعة.

    لم يكن خطابه على الأقل طائفيا, ولم يستدع يوما الرموز الطائفية. كان يفتخر بإطلاق اسم (الحسين) على صاروخ مصنع

    محليا, ولم يستخدم مثلا اسم (عمر) أو (الرشيد) أو (المنصور). لكن كلنا يعرف كيف تم تدمير تمثال أبي جعفر المنصور

    في بغداد, وكيف تم تغيير أسماء الشوارع والأحياء والمدن إلى أسماء شيعية, وكيف تجري عمليات (تصفية) لمن

    يحملون أسماء (أبي بكر) و(عمر) و(عثمان) بشكل لم يسبق له مثيل في عالم اليوم, ما لفت حتى أنظار الصحف الغربية,

    التي تحدثت عن ازدهار تجارة تغيير الأسماء السنية مخافة القتل. لقد نظر الشيعة إلى عملية (إعدام) صدام بوصفها

    تتويجا لانتصارهم (التاريخي) في العراق. منذ أن احتل الأميركيون البلاد احتفل الشيعة بالحدث, واستقبلوا الأميركيين

    استقبال الفاتحين, وحرّموا مقاومتهم, وقادوا العملية السياسية تحت حراب الاحتلال, بل شاركوا في قمع وحشي

    للمقاومة, وأسرفوا في استباحة دماء أهل السنة, سيما النخب والعلماء ورجال الأعمال.



    عندما وطئت قدما محمد باقر الحكيم أرض النجف وسط الآلاف من المحتفلين بالانتصار (التاريخي) هتف بقوة: "نريد

    العدالة.. نريد العدالة". كان الرجل يصدر عن شعور عميق بالظلم, ويوحي لأتباعه أن (المظلمة التاريخية) التي وقعت على

    الشيعة قد طويت صفحتها, وحانت ساعة التغيير. لكن كيف يتم تحقيق العدل ورفع الظلم؟ لن يتم ذلك بالطبع إلا عبر

    الانتقام من الآخر المسؤول كما توحي أسطورة (المظلمة) عن معاناة الشيعة وإذلالهم وإبعادهم عن مسرح التأثير

    السياسي والاجتماعي والثقافي. إنه بلا ريب ذلك المسلم السني, أو الناصبي, أو (العامي) كما يصف فقهاء الشيعة

    المنتمي إلى أهل السنة. كان الحكيم يعد أتباعه لمعركة ضد أهل السنة, تتضمن تهميشهم وإقصاءهم ودفعهم إلى

    التشيع أو الموت أو التسليم لواقع جديد يصبح فيه الشيعة سادة العراق لأول مرة في التاريخ.



    انقضت الميليشيات الشيعية على أهل السنة تمعن فيهم قتلا وخطفا ونهبا واغتصابا, فيما كانت القيادات الرسمية

    والمدنية لأهل السنة تنأى بنفسها عن الخطاب الطائفي, وتحرّم قتل الشيعة, وتدعو إلى التسامح وتغليب القواسم

    المشتركة على ما يفرق الصفوف ويسكب الزيت على النار. كانت المسميات واللافتات والتصريحات الصادرة عن الطرف

    الشيعي ذات نكهة طائفية, فيما كان الخطاب السني أكثر تعقلا وتوازنا. هيئة علماء السنة, سمت نفسها (هيئة علماء

    المسلمين), ومؤتمر أهل العراق الذي يقوده السنة, حرص على اتخاذ اسم (العراق) الجامع هوية له, وابتعد عن المسميات

    الطائفية. لم يثبت أبدا أن قادة السنة الدينيين والسياسيين قد رفعوا شعارا طائفيا, أو حرضوا على الشيعة (باستثناء

    تنظيم القاعدة الذي لا نعتبره ممثلا لسنة العراق, ويعرف الشيعة وغيرهم أنه يفتقر إلى التمثيل الحقيقي للرأي العام

    السني).



    في تصريح له أثناء زيارته الأخيرة للعاصمة الأردنية عمان قال عبد العزيز الحكيم, إن الطرف الخاسر في أية حرب أهلية

    عراقية هم أهل السنة, ورد عليه بعض علماء السنة العراقيين بالقول إن الخاسر الأكبر هو العراق. أما الزعيم الشيعي

    مقتدى الصدر فقد خرج أمام الكاميرات ليعلن أنه لا يؤيد قتل السنة, ولكنه يؤيد قتل (النواصب), ومعلوم أن النواصب هم

    أهل السنة حسب المعتقدات الشيعية. ولما أصدرت الحكومة العراقية أمرا باعتقال الشيخ حارث الضاري الأمين العام

    لهيئة علماء المسلمين في العراق, أعلن الصدر أنه لن يدين أمر الاعتقال حتى يصدر الضاري فتوى تحرم سفك الدم

    الشيعي. ومعلوم أن الضاري والهيئة التي يمثلها أصدرت بيانات عديدة تحرم فيها قتل الشيعة وغيرهم من أبناء العراق,

    ولكن لأمر ما اختار الصدر أن يصم السمع عن تلك الفتاوى, وأن يضرب عنها صفحا.



    القتل اليومي في العراق لا يتوقف, وما لا تقوله وسائل الإعلام إن معظم الضحايا الذين تظهر على جثثهم آثار التعذيب,

    هم من أهل السنة, وإن الحكومة تدير شبكة الإرهاب الطائفية التي توزع القتل عليهم في كل شبر من أرض العراق, لا

    سيما العاصمة بغداد. التجربة الشيعية في العراق تذكر في بعض ملامحها بالمشروع الصهيوني في فلسطين, والمشروع

    الصربي في البوسنة. المشروع الصهيوني قام على أسطورة (الشعب المختار) الذي أعطاه الله وحده الأرض من النيل

    إلى الفرات, وعلى أسطورة (حائط المبكى) التي تكرس الحقد على الآخر المتسبب في خراب الهيكل كما تشير

    الأسطورة, وتدعو إلى الانتقام منه, وعلى أسطورة (الهولوكوست) التي تغرس الشعور بالظلم لدى اليهود, وترسّخ

    عقدة الذنب ليس لدى مرتكبي هذا الظلم المزعوم فحسب, بل لدى البشرية كافة, وفي مقدمهم العرب وأهل فلسطين

    تحديدا. أقام الصهاينة كيانا لقيطا في فلسطين, لفقوه على أنقاض مجتمع مسالم تم تدميره ضمن عمليات إبادة منظمة.

    وجرى تزييف الوقائع التاريخية والأثرية, كما غيّرت أسماء الشوارع والأحياء والمدن لكي تتسق مع أساطير يراد صنعها

    وتخليدها. أما الصرب, فقد قاموا بشن عدوان منقطع النظير على البوسنة والهرسك بعد إعلان استقلالها, وقتلوا مئات

    الألوف من أهلها المسلمين, واغتصبوا نساءهم وصباياهم, وهدموا مساجدهم ومتاحفهم ومكتباتهم, بدعوى الثأر لمملكة

    الصرب التي دمرها المسلمون العثمانيون قبل خمسة قرون. مسلمو البوسنة جسّدوا وحدهم إبان حرب الإبادة الصربية –

    الغربية ثقافة جميلة متحضرة في وسط غابة من أحقاد القرون الوسطى.



    الآن يكرر الطائفيون الشيعة في العراق وأنصارهم في إيران بعض ملامح سيناريو هذين المشروعين الأحاديين

    الإقصائيين. المشروع الشيعي في العراق قائم على أسطورة (الأغلبية) التي تزعم أن الشيعة هم أكثر أهل العراق,

    وعلى اعتبار ميراث البعث وصدام ميراثا سنيا, وعلى إعلاء خطاب الطائفة الشيعية المنصورة على حد تعبير عبد العزيز

    الحكيم, وعلى أسطورة (المظلمة التاريخية) التي وقعت على (أهل البيت) وأتباعهم, وعلى وجوب نفي الآخر السني,

    والانتقام منه بدعوى أنه المسؤول عن حدوث هذه المظلمة. القتل الطائفي في العراق كما القتل الطائفي في البوسنة

    كان يستهدف النخب والتجار والعلماء والأساتذة وقادة الرأي أكثر من غيرهم. وكما كان العدوان الصربي متوحشا

    وإباديا, اتخذت آلة القتل الشيعية طابعا مذهلا في إجرامها ودمويتها, حاصدة أرواح مئات الآلاف من أهل السنة, ولم

    يسلم من ذلك اللاجئون الفلسطينيون في العراق الذين تطاردهم فرق الموت وتمعن فيهم اختطافا وقتلا. الخطاب الطائفي/

    الإيراني يشبه الخطاب الصربي في البوسنة, من حيث الإصرار على مشاريع التقسيم ولو في ثوب الفيدرالية, بينما نلاحظ

    إصرار سنة العراق على وحدة البلاد شعبا وأرضا وكيانا. يحاول قادة الشيعة في العراق, ومن ورائهم إيران, إعادة

    تشكيل الواقع العراقي, من خلال تكريس عقدة اضطهاد (أهل البيت), بما في ذلك صياغة خرائط وأسماء وعناوين

    جديدة للمشهد العراقي.



    مشكلة الكثير من الشيعة أنهم يعتبرون أهل السنة (وهم السواد الأعظم في العالم الإسلامي) أعداء لهم, ويرون أن

    بإمكانهم بناء جسور من التفاهم والتقارب مع كثير من شعوب العالم ودياناته عدا أهل السنة. إن كثيرا من السنة في

    مصر والشام والمغرب العربي لم يكونوا يدركون حقيقة ما يجري في العراق, لكن الأحداث الأخيرة أكدت لهم أن الطبقة

    الحاكمة في بغداد قامت بتسليم البلاد إلى دول أجنبية طامعة أو متربصة أو ذات أجندات طائفية وشعوبية. لقد خسرت

    النخب الشيعية الحاكمة فرصة ذهبية للتعايش مع أهل السنة, وإثبات حسن النوايا, وإمكانية بناء دولة قائمة على

    التعددية والتسامح والمواطنة الصالحة. كان بإمكان هؤلاء أن يقدموا أنموذجا في بناء دولة حديثة بلا صبغة طائفية,

    وبلا أحقاد تاريخية, وبلا شهوة انتقام واندفاع محموم إلى القتل الجماعي. بيد أن الطبيعة الإيديولوجية المنغلقة حالت

    دون ذلك, فكان أن انزلقت التجربة الوليدة إلى حضيض الإبادة والنفي والتقوقع على الذات.



    في صبيحة يوم عيد الأضحى عند أهل السنة, والذي يختار الشيعة عمدا مخالفته, تم إعدام صدام مع شروق الشمس. كان

    الأولى بصانعي القرار أن يتراجعوا عن الإعدام, أو أن يؤجلوه. لكن الدوافع الإيديولوجية وقصر النظر والغباء السياسي

    حالت دون ذلك. تقدم صدام حسين إلى حبل المشنقة ثابت الخطى, أمام رجال الدين الموالين لإيران, وسخر منهم

    قائلا: "هاي مرجلة؟". لم ينبس صدام ببنت شفة طائفية واحدة, سواء أثناء فصول محاكمته الهزلية, أو حتى وهو يواجه

    الموت. لقد احتفظ برزانته, رغم الشحن الطائفي حوله. كان ذلك موقفا عملاقا يشي بحرص الرجل على وحدة شعبه,

    واستعلائه على الحقائق الطائفية الماثلة, رغم ما عرف عنه من بطش واستبداد. هتف الشيعة الذين كانوا يتفرجون على

    المشهد: اللهم صل على محمد وآل محمد, ورددوا أسماء بعض قادتهم, فما زاد صدام على النطق بالشهادتين. لقد صنع

    القتل الدرامي من صدام بطلا تاريخيا تمت تصفيته على يد حكومة مؤدلجة صنعها الاحتلال على عينه.



    هكذا سقطت ورقة التوت عن المشروع الشيعي/ الإيراني المدعوم أميركيا في العراق, ولم يعد لدى قادته ما يخفونه. لا

    تقية بعد اليوم, وربما كانت تلك نقطة إيجابية تمخضت عن عمليات إبادة أهل السنة, والتي توجت بإعدام الرئيس السابق.

    لكن الشيعة مدعوون اليوم إلى مراجعة حساباتهم, والاستماع إلى صوت العقل. حري بالشيعة أن يعيشوا في سلام تحت

    مظلة سنية بدلا من أن يعزلوا أنفسهم في (غيتوهات), أو يسعوا إلى الحكم, وهم عاجزون عن استيعاب التنوع,

    ويعانون عقدة الاضطهاد. لقد عاش الشيعة قرونا تحت الحكم الإسلامي فلم يروا ظلما ولا هضما, وليس من مصلحة التعايش

    والاستقرار أن يتصدوا لإدارة الشأن العام, ماداموا يمارسون الانغلاق, وينظرون إلى ثقافة أهل السنة بوصفها مسؤولة

    عن إرث طويل ومرير من تزييف التاريخ, وسلب الحق من أهله. لننظر مثلا إلى الفرق بين الأوضاع المأساوية لأهل السنة

    في إيران, وبين ما يتمتع به الشيعة من حقوق وامتيازات في البحرين والكويت والسعودية والتي تحكمها أنظمة سنية.

    لا مستقبل للحكم الطائفي الشيعي في العراق, ولنتذكر أن الدولة العبيدية حكمت مصرا, ورحلت دون أثر يذكر. أما موجة

    الانبهار بالتشيع والتي أعقبت الحرب الأخيرة على لبنان, فهي فورة مؤقتة, وهاهي أحداث العراق تؤذن بأفولها.

    وحده الإسلام الخالد كما يجسّده أهل السنة والجماعة في ثقافتهم وسلوكهم يمثل الحضارة والتسامح والاعتدال. أما

    عقيدة اللطم والنواح, أما أساطير النقاء العرقي والاضطهاد التاريخي والثأر من الآخر البريء, فليست من الإسلام, ولن

    تمكث في الأرض.


    * أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود

    writemee@hotmail.com


    من جريدة ( المصريون ) المصرية


    http://www.almesryoon.com/ShowDetai...ID=28611&Page=1
     

مشاركة هذه الصفحة