انجازات كثيرة وتحديات اكثر

الكاتب : المهاجر   المشاهدات : 559   الردود : 0    ‏2002-08-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-06
  1. المهاجر

    المهاجر عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2000-07-11
    المشاركات:
    311
    الإعجاب :
    0
    صنعاء – من سعيد ثابت

    "حكم اليمن ليست مسألة صعبة، ولكن إذا توافرت الإرادة السياسية والمقدرة لا يوجد شيء اسمه مستحيل؛ فالشعب اليمني طيب والشعب اليمني كريم والشعب اليمني أمين والشعب اليمني صاحب معروف ولديه تقاليد عظيمة، وبالرغم أن شعبنا مسلح ولكنه شعب التقاليد والأعراف والقيم والخلق".

    هكذا تحدث الرئيس علي عبد الله صالح لإحدى المطبوعات بمناسبة مرور 24 سنة على توليه السلطة، مستعرضاً دواعي بقائه في منصب الرئاسة كل هذه المدة على الرغم من الاعتقاد الشائع بأنّ من يحكم اليمن لا يدوم له الأمر طويلا بسبب تعقيدات الوضع الاجتماعي والسياسي في البلاد.

    ويرى الرئيس صالح أن الانطباع بصعوبة حكم اليمن هو ما تركه النظام الإمامي، ورسخه في أذهان الآخرين بذلك الانطباع. ولا يتردد بدوره في الكشف عن سرِّ المعادلة التي جعلته على كرسي الرئاسة كل هذه المدة بقوله "بالنسبة لمن لا يعرف المعادلات السياسية؛ سيجد حكم اليمن صعباً، ومن يعرف المعادلات السياسية والموازنة فلا توجد صعوبة، وهنا نستخلص أن شعبنا وفيّ ويرعى المعروف"، على حد قوله.


    القادم من الريف إلى مؤسسة الجيش


    جاء الرئيس علي عبد الله صالح إلى أعلى مواقع صنع القرار في بلاده من أسرة فقيرة، تنحدر من أصل قبلي متواضع. والرئيس صالح من مواليد العام 1942، وتفتحت عيناه على الدنيا في قرية بيت الأحمر الواقعة في مديرية سنحان، بمحافظة صنعاء.

    ولم يتلق الرئيس صالح دراسة نظامية، نتيجة الأوضاع المأساوية التي كان اليمن يعيشها أبان تلك المرحلة، واكتفى بتلقي أوليات التعليم التقليدي في كتّاب قريته. وكعادة أبناء المحافظات الشمالية آنذاك؛ التحق علي عبد الله صالح بالجيش الإمامي، وكان عمره ستة عشرة سنة، واستطاع أن يلتحق بمدرسة صف ضباط القوات المسلحة عندما كان في الثامنة عشرة من عمره.

    وكان الحكم الإمامي الذي فرض سلطانه على اليمن قد وضعها في قفص كبير، وحرم المواطنين من التعليم، سواء كانوا مدنيين أم عسكريين.

    ولم يكن الرئيس اليمني الحالي علي عبد الله صالح من قادة الثورة التي تفجرت في السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر 1962، إذ لم يكد يتجاوز العشرين عاماً، وبحسب المعلومات التي نشرتها رئاسة الجمهورية؛ فإنّ الرئيس صالح كان آنذاك برتبة رقيب في الجيش. ولكنه كغيره من العسكر في الجيش انخرط في الدفاع عن الثورة والجمهورية اليمنية الوليدة، وحصل على ترقية برتبة مساعد، وتدرج في الترقيات العسكرية ليتولى قيادة عدد من المواقع العسكرية؛ مثل قائد فصيلة دروع، وقائد سرية دروع، وأركان حرب كتيبة دروع، ومدير تسليح المدرعات، وقائد كتيبة مدرعات، وقائد قطاع باب المندب، ثم عينه الرئيس الأسبق إبراهيم الحمدي عام 1975 قائداً للواء تعز، وكانت تعز تعدّ العاصمة الثانية في تلك المرحلة، ثم ما لبث أن تولّى أيضاً قيادة معسكر خالد بن الوليد حتى 1978.


    نجم صاعد في سماء حالكة


    برز اسم علي عبد الله صالح في المشهد السياسي اليمني بقوة؛ عندما قاد حملة عسكرية ضخمة لقمع حركة تمرد عسكرية قام بها الرائد عبد الله عبد العالم، قائد لواء الصاعقة، والمقيم حالياً في العاصمة السورية دمشق.

    وجاء ذلك التمرد احتجاجا من الرائد المذكور على إبعاده من منصبه كعضو في مجلس قيادة الثورة، بعد اغتيال صديقه الرئيس الأسبق إبراهيم الحمدي، في ملابسات غامضة، وقيام خليفته الرئيس السابق المقدم أحمد الغشمي بإلغاء مجلس قيادة الثورة، وإعلان اعتماد النظام الرئاسي في إدارة الدولة.

    بدوره، استطاع الرئيس صالح إفشال حركة التمرد تلك في منطقة الحجرية، التابعة لمحافظة تعز مسقط رأس عبد العالم، ومطاردته إلى الحدود الشطرية السابقة مع جنوب اليمن.

    ولم تكد تمضي ستة أشهر على تولي المقدم الغشمي لرئاسة الجمهورية في شمال اليمن؛ حتى اغتيل في 24 حزيران/يونيو 1978، بحقيبة ملغومة، قيل إنها كانت مرسلة من قيادة النظام الحاكم في جنوب اليمن.

    وعلى إثر هذا التطور الخطير دخلت اليمن حالة فراغ خطيرة، لكن مجلس الشورى المعين من قبل الرئيس الراحل الغشمي؛ قرّر تشكيل قيادة جماعية من خمس شخصيات، ثلاثة منها عسكرية بينها الرئيس صالح، الذي كان قائد لواء تعز، ونائب القائد العام للجيش، ورئيس هيئة الأركان، إضافة إلى شخصيتين مدنيتين، برئاسة القاضي عبد الكريم العرشي، وبدعم من أوساط عسكرية في الجيش وقوى إقليمية، خاصة المملكة العربية السعودية.

    وبناء على هذا التشكيل؛ اختير المقدم علي عبد الله صالح رئيسا للجمهورية، وقائداً للقوات المسلحة في 17 تموز/يوليو 1978، بواسطة مجلس الشورى، وكان بذلك أول رئيس عسكري يمني يصل إلى السلطة بواسطة برلمان، وإن كان غير منتخب.


    الانقلاب الفاشل والإيمان بأهمية الشوكة


    لم يكن طريق الرئيس صالح إلى القصر الجمهوري مفروشاً بالورود، وإنما بالاضطرابات والدماء. فلقد عاش اليمن، الشمالي آنذاك، منذ مقتل الرئيس الأسبق الحمدي في دوامة العنف والمقاومة المسلحة التي أعلنتها المعارضة المسلحة اليسارية ضد نظام صنعاء، وبإسناد من نظام جنوب اليمن، وعدد من الأقطار العربية المنضوية في إطار المعسكر الاشتراكي.

    لقد أمسك الرئيس صالح بزمام الحكم ببراعة وسط حقول من الألغام، على الرغم من استهدافه بمحاولة اغتيال فاشلة بعد أقل من ثلاثة أشهر فقط على توليه المنصب. ففي 15 تشرين أول/أكتوبر 1978 أخفقت محاولة انقلابية نفذها الجناح العسكري للتنظيم الناصري، وحظيت بمباركة من القيادة الليبية.

    وكان من الواضح أنّ الناصريين أفادوا في تنفيذ المحاولة من وجودهم المكثف في المؤسسة العسكرية والأمنية، منذ عهد الرئيس الأسبق الحمدي، الذي ارتبط بهم تنظيمياً عام 1976. وبدا لكثير من المهتمين بالشأن السياسي في اليمن؛ أنّ المحاولة الانقلابية الناصرية تركت أثراً كبيراً في نفسية الرئيس صالح، وأصبح ينظر بكثير من عدم الثقة إلى الأحزاب والتنظيمات السياسية القائمة في تلك المرحلة، وخاصة أنّ التيارات الحزبية اليسارية كانت هي الأخرى تقاتل ضد النظام في صنعاء، مستهدفة إسقاطه وإقامة نظام اشتراكي، شبيه بنظام عدن الذي دخل في حرب عسكرية نظامية مع نظام صنعاء، وسجّل انتصارات ميدانية، مستفيداً من ركائز المعارضة المسلحة اليسارية في شمال اليمن، والتي كانت تطلق على نفسها "الجبهة الوطنية الديمقراطية”.

    وقد دفعت هذه التطورات إلى توطيد علاقة الرئيس صالح بالحركة الإسلامية اليمنية، فهذه الأخيرة وضعت نفسها في خدمة الحكم في صنعاء لمقاومة المد الماركسي المسلح، الذي استطاع إسقاط كثير من المناطق الشمالية، وكاد أن يقترب من محاصرة العاصمة، وضغط باتجاه إجبار النظام الجديد بقيادة الرئيس صالح على توقيع اتفاق شهير باسم اتفاق يناير 1980، قضى بموجبه منح المعارضة اليسارية ست حقائب وزارية، بينها ثلاث وزارات سيادية.

    وقد استثمر الرئيس صالح في بداية حكمه ظروف الحرب الباردة، التي زادت اشتعالاً مع الغزو السوفياتي لأفغانستان، وانتصار ثورة إيران، وحصل على دعم عسكري سعودي أمريكي لمواجهة زحف النظام الاشتراكي في جنوب اليمن، والمسنود من الاتحاد السوفياتي. وباشر صالح على إثر ذلك دحر المعارضة اليسارية مطلع الثمانينيات، وعمل على تحقيق استقرار أمني في البلاد، من خلال الإعلان عن تشكيل المؤتمر الشعبي العام في نهاية آب/أغسطس 1982، واعتباره تنظيماً يجمع تحت مظلته كل القوى السياسية في البلاد، والاتفاق على ميثاق وطني يصبح المرجعية الفكرية له. وبذلك يكون الرئيس صالح قد أنجز أهم خطوة تمثلت بتحقيق مصالحة وطنية، ظلت غائبة منذ اشتعال أحداث آب/أغسطس 1968 الدموية، ومن ثم دخلت اليمن مرحلة الاستقرار السياسي والأمني.

    وأجاد الرئيس صالح لعبة التوازنات بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية، وحرص على أن يستوعبها جميعاً، ويمنحها امتيازات، ويربطها بالسلطة، وهو أسلوب ذكي يدل على براعة الرجل في إدارة بلد معقد ومضطرب.

    ويضم المؤتمر الشعبي العام شخصيات كبيرة ومؤثرة قبلياً وعسكرياً، بينما أحاط الرئيس صالح حكمه بقوى دولية وإقليمية كبيرة، وتعاطى مع الواقع اليمني وفق أجندة رسمها لنفسه، وحسب سلّم أولويات حددها لقيادته.

    وتمكن الرئيس صالح من تعزيز جماهيريته، من خلال الإفادة من الطفرة الاقتصادية القصيرة التي شهدتها البلاد مطلع الثمانينيات، فأنجز عدداً من المشروعات؛ أهمها إعادة بناء سد مأرب التاريخي بمساعدة إماراتية، وتدشين إنتاج النفط والغاز، وإحداث اكتفاء ذاتي من الثروة الزراعية، وخاصة الفواكه والخضار، وتحديث المؤسسة العسكرية وتسليحها من دول المعسكرين الشرقي والغربي، زيادة على استقرار الريال اليمني أمام الدولار. وقد كثفت المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي من مساعداتها الاقتصادية، وعمدت إلى تغطية عجز الموازنة العامة.

    ويلاحظ المراقبون أنّ الرئيس علي عبد الله صالح قرأ واقعه بشكل جيد، وعرف أنّ استقرار حكمه مرهون بتكريس نظرية الشوكة، التي تحدث عنها ابن خلدون، واقعياً، من خلال إسناد المهمات العسكرية المفتاحية لأي تغيير في الهيكل العام للسلطة إلى أقربائه، مع تأهيلهم علمياً، وكل ذلك خدم الاستقرار لسنوات قادمة اتسمت بتحولات كبيرة وعميقة.


    انتهاز الفرص في تحقيق الأحلام


    انصرف اهتمام الرئيس صالح عن التنمية الاقتصادية إلى قضية استراتيجية تمثلت بتحقيق الوحدة اليمنية؛ الحلم الذي ظل يراود اليمنيين منذ عقود طويلة جداً. وبالفعل نجح صالح في إقامتها، مستفيداً في ذلك من ظروف المرحلة دولياً وإقليمياً ومحلياً، واستغل الفرصة التاريخية التي وفرتها تلك الظروف.

    فعلى الصعيد الدولي؛ كان الاتحاد السوفياتي في طور الاحتضار، وعلى الصعيد المحلي كان نظام جنوب اليمن قد أصابته أحداث 13 كانون الثاني/يناير 1986 الدامية في مقتل، حين أودت بعشرات من أبرز القيادات التاريخية للحزب الاشتراكي الحاكم.

    وعلى الصعيد الإقليمي كانت ثمة موجة تتمثل بإقامة محاور عربية على غرار مجلس التعاون الخليجي، دخلت بموجبها صنعاء مع القاهرة وبغداد وعمان، في محور عربي أطلق عليه؛ "مجلس التعاون العربي"، إثر تنامي قوة العراق وتحقيقه لمكاسب عسكرية جراء حربه ضد إيران.

    وبالفعل؛ جاء 22 أيار/مايو 1990 بمثابة لحظة تاريخية، رُفع فيها علم الجمهورية اليمنية بمدينة عدن، وأعلنت الوحدة اليمنية التي أنهت التشطير. وفي اليوم ذاته؛ اختير العقيد علي عبد الله صالح رئيساًَ لمجلس الرئاسة للجمهورية اليمنية.

    ولكنّ النظام الوحدوي الجديد لم يسلم من ممارسات وأخطاء كادت أن تصبح قاتلة له. إذ تركت إجراءات دمج شطري اليمن تداعيات، أدخلت البلاد في دوامة جديدة من الأزمات العاصفة، وترحلت كل برامج التنمية، بل تدهورت الأوضاع العامة، لولا بقايا الإنجازات التي شهدتها البلاد في مطلع الثمانينيات.

    ووصلت الأزمة الداخلية في اليمن الموحد إلى منعطف حاد، عندما اندلعت حرب عاصفة بين أنصار الرئيس صالح وأنصار نائبه السابق علي سالم البيض، عندما أعلن الأخير انفصال جنوب اليمن في 21 أيار/مايو 1994.

    وكانت الرياح تجري هذه المرة بما لا تشتهي سفن الرئيس صالح، فكل الظروف عدا الظرف المحلي، لم تكن في صالحه. لكنه استغل الظرف المحلي ليجعله الأساس الذي يبني عليه نجاحه في الخروج من مأزق الأزمة.

    فلقد كان الظرف الدولي، ولاسيما الأميركي، غير مشجع له، بسبب مواقف الرئيس صالح إبان حرب الخليج الثانية وتأييده للعراق في مواجهة قوات التحالف الدولي. وعلى الصعيد الإقليمي كانت دول الخليج منحازة بالمطلق إلى جانب نائبه البيض.

    ورغم هذه الأبعاد الخارجية؛ اتضح للرئيس صالح أنّ المزاج الشعبي كان وحدوياً ورافضاً لأي خطوة انفصالية، واندفعت القوات المسلحة ترفدها الجماهير اليمنية بالمتطوعين وبالتبرعات. وأسهم التجمع اليمني للإصلاح، الممثل للتيار الإسلامي، في حشد الرأي العام وتعبئته لصالح الرئيس صالح. ولأول مرة أيضاً لم تسجل حوادث ذات بال على الأمن والاستقرار، على الرغم من حالة الحرب المستعرة في خطوط التماس، بين قوات ما كان يسمى بالشرعية الدستورية التابعة للرئيس صالح، وقوات الانفصال التابعة لنائبه السابق علي سالم البيض.

    وبانتهاء الحرب وما ألحقته من خسائر جمة على الاقتصاد، وبما شكلته من أعباء إضافية عليه، إلى جانب تركة اندماج نظامين شطريين عليهما مديونية ضخمة صرفاها على التسلح من معظم دول العالم؛ راح الرئيس صالح يجمع كل خيوط قيادة البلاد في يده، ويقوم بالاتفاق مع شريكه "الإصلاح" بتعديل الدستور، وإلغاء نظام القيادة الجماعية، المتمثل في مجلس الرئاسة، واعتماد النظام الرئاسي، وانتخابه رئيسا للجمهورية من قبل مجلس النواب في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1994، بعد إجراء التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان في 28 أيلول/سبتمبر 1994. وبدوره أقرّ مجلس النواب في 24 كانون الأول/ديسمبر 1997 منح الرئيس صالح رتبة مشير.


    الإمساك بجميع الخيوط وخلق مصالح للاحتواء


    ومن أجل شرعنة السيطرة المطلقة على مقاليد الأمور، وللتجربة المرة التي خاضها الرئيس صالح مع شركائه في دولة الوحدة، الذين شككوا بمشروعية حكمه وحاولوا الإطاحة به؛ أقدم على خطوة جريئة، وإن خيّمت عليها الكثير من الانتقادات، إذ أجرى انتخابات رئاسية مباشرة في 23 أيلول/سبتمبر عام 1999، فتم انتخابه رئيسا للجمهورية في أول انتخابات رئاسية تجرى في اليمن عبر الاقتراع الشعبي الحر والمباشر.

    لقد تعلم الرئيس صالح طوال السنوات الأربع والعشرين الماضية أنّ اليمن لا يمكن حكمها إلا باستخدام لعبة التوازنات بين القوى الفاعلة في المجتمع، واحتواء الشخصيات المؤثرة في هياكل الدولة وأجهزتها، وربطها بالمصالح التي تصير أشبه بالإسار الحريري، ومن ثم لا يجرؤ أحد عن الانفكاك منها.

    وأفرزت كل هذه السنوات الحافلة بالصراعات والإنجازات والتجاذبات التي عاشها الرئيس صالح في القصر الجمهوري؛ معطى جديداً، تمثل في مسألة ولاية العهد، وخاصة أنّ ثمة أبناء لمسئولين يمنيين وشخصيات قبلية نافذة أصبحوا يتمتعون بمزايا تجارية وعسكرية وسياسية، ما دفع إلى التفكير بإعداد العقيد أحمد، نجل الرئيس صالح، لأن يكون له دور سياسي فاعل، يؤهله لأن يصبح خليفة لوالده.

    وهو ما جعل مراقبين يجزمون بوجود هذا التوجه، منذ أن دفعه الرئيس صالح في أتون العمل السياسي والعسكري. وبدا التوجه بحسب مراقبين عندما شارك في الانتخابات النيابية الثانية عام 1997، فحصل على مقعد برلماني عن إحدى دوائر العاصمة، ثم تم تعيينه قائداً للحرس الجمهوري، ومن ثم قائداً للقوات الخاصة التي تأسست مع تعيينه لهذا المنصب، وهي قوات مكلفة بمكافحة الأعمال الإرهابية، وتحظى برعاية وعناية خاصة بسبب حداثة تكوينها.

    ورغم أنّ الدستور والقانون لا يمنعان تولي أي من المواطنين منصب رئاسة الجمهورية؛ فإنّ ثمة شروطاً واقعية تجعل الوصول إلى هذا المنصب يمرّ عبر المؤسسة العسكرية، وهو ما يفسِّر الجمع بين المهام المدنية والعسكرية لأي طامح لهذا المنصب.

    غير أنّ الرئيس صالح، وبعد كلِّ هذه السنين؛ يبدو أنه يمتلك تجربة خصبة من إدارة اليمن ومعرفة واسعة لشبكة العلاقات الاجتماعية وتركيبة المجتمع القبلية، ما يؤهله لأن يدير البلاد لفترات قادمة، ولكن وفق التزامه بما اعتبره هو ذاته شرطاً أساسياً للنجاح في هذه المهمة، وهو التوازن والمرونة واستيعاب جميع الشرائح من دون استثناء، وعدم إقصاء أي قوة مهما بدا أنّ هناك ظروفاً دولية تشجع على الإقدام على خطوة كهذه، ذلك أنّ محطات وتحديات تاريخية استوقفت الرئيس صالح، وكانت تتسم بسلبية الظروف الدولية، لكنه لم يعطها اهتماماً كبيراً، ونجح في اجتيازها.


    تحديات غير اعتيادية وظروف استثنائية


    يصف الإعلام اليمني الرسمي الرئيس صالح بأنه مؤسس الدولة اليمنية الحديثة، والمرتكزة على أسس ديمقراطية وتعددية وحرية الصحافة واحترام حقوق الإنسان ومبدأ التداول السلمي للسلطة. ويشير الإعلام الرسمي إلى ما سنه الرئيس صالح من سنة عدم استخدام العنف ضد الخصوم، وأنّ عهده شهد استخراج البترول والغاز وبناء سد مأرب، وعاشت اليمن في ظله في حالة استقرار نسبي.

    ويعتبر المراقبون كل هذه العوامل وغيرها أسباباً جوهرية لبقاء الرئيس صالح في القصر الرئاسي قرابة ربع القرن، وهي فترة طويلة مقارنة مع أقرانه الرؤساء الذي سبقوه، في الحكم سواء كانوا في شمال اليمن أو جنوبه.

    ولكن أعظم تحديات التجربة الرئاسية اليمنية تتمثل في كيفية تحجيم مراكز الفساد المستشرية في البلاد، وإحداث نمو اقتصادي حقيقي، ورفع مستوى المعيشة للمواطن، الذي يتدنى كل يوم، وملف الحريات العامة والصحفية والتعبيرية، وحماية التجربة الديمقراطية والدفع بها إلى آفاق أرحب، ومعالجة التجاوزات الأمنية التي شهدتها البلاد عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر، والمواءمة بين أوراق الضغط عليه لعل أهمها التلويح بتجزئة الوطن الواحد بإثارة مشاعر التخندق المناطقي، وتشجيع التكتلات الجهوية، وإيقاف المساعدات الاقتصادية التي أصبحت البلاد معتمدة عليها بالكامل، من خلال المؤسسات الدولية، وبين الاستجابة للضغوط الأمريكية في الجانب الأمني، لما يمكن أن تنجم عنه مثل هكذا وضع من انفراط العقد الجميل الذي نظمه الرئيس علي عبد الله صالح أبان تجربته في حكم اليمن.
     

مشاركة هذه الصفحة