حكم زواج المسلم بالكتابية الحلقة (4)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 533   الردود : 0    ‏2002-08-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-06
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    حكم زواج المسلم بالكتابية (4)

    فالكلام فيه ينحصر في الفصول الثلاثة الآتية:

    الفصل الأول: حكم الزواج بالكتابية في دار الإسلام.

    تمهيد:
    ورد النهي صريحاً عن نكاح المشركات وعدم حلهن للمسلمين، في آية البقرة: (( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ))، وآية الممتحنة (( ولا تمسكوا بعصم الكوافر )) وظاهر النهي العموم في كل كافرة ومشركة.

    وورد الإذن بحل طعام أهل الكتاب ونسائهم للمسلمين، على وجه الخصوص في قوله تعالى: (( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين )) [ المائدة: 5]

    وعندما نزلت هذه الآيات الحاظرة أو المبيحة، كانت الأرض تنقسم قسمين:

    القسم الأول:
    دار الإسلام التي ترتفع فيها راية الإسلام، ويقام بها هذا الدين، وتنفذ فيها أحكام الشريعة.

    القسم الثاني:
    دار الحرب التي بينها وبين المسلمين حرب، لا يوقفها إلا دخول أهلها في الإسلام، أو خضوعهم لنظامه العام ودفع الجزية، مع بقائهم على دينهم، فيكونون بذلك أهل ذمة تدخل أرضهم في دار الإسلام.

    ولم يكن المسلمون يسكنون في دار الحرب، لأن الله تعالى أمرهم بالهجرة منها إلى دار الإسلام، ونهاهم عن المقام بين ظهراني المشركين، لا فرق بين أهل مكة – قبل فتحها – وغيرها. والأصل أن الهجرة من بلاد الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة.

    والمقصود من ذكر هذا التمهيد هنا أن يعلم أن كلام علماء المسلمين في جواز نكاح الكتابية أو عدم جوازه، إذا أطلق يراد به نكاحها في دار الإسلام، أما دار الحرب فإنهم يصرحون بذكر حكم الزواج فيها، ولم يكن يدخلها من المسلمين إلا الأسير، أو التاجر، أو الرسول، كما سيأتي الكلام على ذلك.

    مذاهب أهل العلم في زواج المسلم بالكتابية في دار الإسلام:

    وقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الإسلام:

    المذهب الأول:
    مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة: وهو جواز نكاح الكتابية في أرض الإسلام، مع الكراهة.

    قال السرخسي رحمه الله:
    "ولا بأس أن يتزوج المسلم الحرة من أهل الكتاب، لقوله تعالى: (( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ))" [ المائدة: 5 المبسوط(4/210)] [ولم أتعرض لحكم الأمة الكتابية، لانقراض ذلك في هذا العصر، بخلاف الحرائر]

    وقال علاء الدين الكاساني رحمه الله:
    "ويجوز أن ينكح الكتابية لقوله عز وجل: (( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ))" [ بدائع الصنائع(3/1414)]

    وقال في تنوير الأبصار:
    " وصح نكاح كتابية " وقال شارحه في الدر المختار: " وإن كره تنزيها " [ حاشية رد المحتار(3/45)]

    وقال في الشرح الصغير على الدردير:
    "وحرمت الكافرة " أي وطؤها، حرة أو أمة بنكاح أو ملك "إلا الحرة الكتابية فيحل نكاحها" يكره "عند الإمام".

    وقال محققه:
    "وإنما حكم مالك بالكراهة في بلد الإسلام، لأنها تتغذى بالخمر والخنزير وتغذي ولدها به، وزوجها يقبلها ويضاجعها، وليس له منعها من التغذي ولو تضرر برائحته، ولا من الذهاب إلى الكنيسة، وقد تموت وهي حامل، فتدفن في مقبرة الكفار، وهي حفرة من حفر النار". [ الشرح الصغير(2/420) بتحقيق الدكتور كمال وصفي]

    وقال النووي رحمه الله:
    "ويحرم نكاح من لا كتاب لها … وتحل كتابية، لكن تكره حربية، وكذا ذمية على الصحيح".

    وقال المحشي:
    [ وكذا ] " تكره ذمية على الصحيح " [ لما مر من خوف الفتنة ] [المنهاج(3/187) وراجع روضة الطالبين(7/135-137)]

    وقال الخرقي رحمه الله:
    "وحرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلال للمسلمين ".

    وقال ابن قدامة رحمه الله – بعد أن ذكر أقوال العلماء وناقشها -:
    "إذا ثبت هذا فالأولى أن لا يتزوج كتابية" [ المغني(7/129)]

    و استدل الجمهور لما ذهبوا إليه من جواز نكاح الكتابية بالكتاب، والأثر، والمعقول:

    أما الكتاب:
    فقوله تعالى: (( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم )) كما مضى، ورأوا أن هذه الآية – وهي آية المائدة – إما مخصصة لعموم قوله تعالى في سورة البقرة: (( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ))، وإما ناسخة لها، لأن نزول سورة المائدة متأخر عن نزول سورة البقرة، وإما أن لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب. [ راجع في هذا المغني لابن قدامة(7/129) والسيل الجرار(2/252) ومجموع الفتاوى لابن تيمية(22/178) وجامع البيان عن تأويل القرآن لابن جرير(2/326) والجامع لأحكام القرآن(3/69)]

    وأما الأثر:
    فما ورد في نكاح الصحابة الكتابيات من اليهوديات والنصرانيات، منهم طلحة بن عبيد الله، وحذيفة بن اليمان، وعثمان بن عفان، رضي الله عنهم. [جامع البيان عن تأويل القرآن(2/332-376) وأحكام القرآن للجصاص(1/332/336)]

    وأما المعنى المعقول:
    فإن الكتابية – وقد آمنت في الجملة بالله وبعض كتبه واليوم الآخر وبعض الرسل – قد تميل إلى الإسلام إذا عرفت حقيقته، فرجاء إسلامها أقرب من رجاء إسلام الوثنية.

    كما قال الكاساني رحمه الله:
    " إلا أنه يجوز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها، لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل، بناء على أنها أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته. فالظاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت، وتأتي بالإيمان على التفصيل، على حسب ما كانت أتت به في الجملة، وهذا هو الظاهر من حال التي بُنِيَ أمرها على الدليل دون الهوى والطبع، والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر، فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها، فيجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة، بخلاف المشركة، فإنها في اختيارها الشرك، ما ثبت أمرها على الحجة، بل على التقليد بوجود الآباء على ذلك … " [ بدائع الصنائع(3/1414)]

    وقال في حاشية المنهاج للنووي:
    "وقد يقال باستحباب نكاحها، إذا رجي إسلامها، وقد روي أن عثمان رضي الله عنه تزوج نصرانية فأسلمت وحسن إسلامها. وقد ذكر القفال أن الحكمة في إباحة الكتابية ما يرجى من ميلها إلى دين زوجها، إذ الغالب على النساء الميل إلى أزواجهن وإيثارهم على الآباء والأمهات، ولهذا حرمت المسلمة على المشرك " [المنهاج مع الحاشية(3/187)]
     

مشاركة هذه الصفحة