التوبة النصوح

الكاتب : rayan31   المشاهدات : 435   الردود : 0    ‏2002-08-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-08-04
  1. rayan31

    rayan31 قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-07-21
    المشاركات:
    5,471
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده وهو عز وجل عليم بهم وبطباعهم ((ألا يعلم
    من خلق وهو اللطيف الخبير )) ( الملك 14). لقد علم الله سبحانه أن الناس
    بشر مهما بلغوا من التقوى والصلاح والورع فلابد أن يقارفوا بعض ما حرم عز
    وجل.

    ولهذا فتح الله لعباده باب التوبة ودعاهم إليها ((وتوبوا إلى الله جميعاً
    أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )) (النور 31).

    والحديث -أخي الكريم- عن التوبة طويل وقد أسهب فيها أهل العلم، لكن
    أشير لك إشارات عاجلة مما أرى أنك تحتاج للتذكير بها.

    أولاً: فرح الرب بتوبة عبده:-

    فالأمر لا يقف عند حد الدعوة إلى التوبة والوعد بقبولها والحث عليها ؛
    وهو وحده كاف للمسلم في حثه ودفعه لها، لكن الله عز وجل يحب توبة العبد
    ويفرح بها.

    ثبت في الصحيحين عنه ز أنه قال :" لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب
    إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه
    وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها - قد أيس من راحلته - فبينا
    هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم
    أنت عبدي وأنا ربك -أخطأ من شدة الفرح ".

    قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - :"فما الظن بمحبوب لك تحبه حباً
    شديداً أسره عدوك، وحال بينك وبينه، وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء
    العذاب، ويعرضه لأنواع الهلاك، وأنت أولى به منه، وهو غرسك وتربيتك، ثم
    إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد، فلم يفجأك إلا وهو على بابك
    يتملقك، ويترضاك، ويستعينك، ويمرغ خديه على تراب أعتابك. فكيف يكون فرحك
    به وقد اختصصته لنفسك، ورضيته لقربك، وآثرته على سواه؟ هذا ولست الذي
    أوجدته وخلقته، وأسبغت عليه نعمك، والله عز وجل هو الذي أوجد عبده وخلقه
    وكونه، وأسبغ عليه نعمه؛ وهو يحب أن يتمها عليه فيصير مظهراً لنعمه، قابلاً
    لها، شاكراً لها، محباً لوليها، مطيعاً له عابداً له، معادياً لعدوه، مبغضاً
    له،عاصياً له".

    وما أجمل تلك الحكاية التي ساقها ابن القيم رحمه الله في مدارج
    السالكين حيث قال:"وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل
    له شرود وإباق من سيده. فرأى في بعض السكك باباً قد فتح وخرج منه صبي
    يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت
    فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج
    منه، ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً. فوجد الباب مرتجاً
    فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك
    الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول:ياولدى،
    أين تذهب عنى؟ ومن يؤيك سواي؟ ألم أقل لك:لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك
    لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك؟
    ثم أخذته ودخلت. فتأمل قول الأم:لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت
    عليه من الرحمة والشفقة. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم:"لله أرحم بعباده من
    الوالدة بولدها " وأين تقع حمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟
    فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه. فإذا تاب
    إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به. فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر
    فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد
    اليأس منها. ووراء هذا ما تجفوا عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان".

    ثانياً:بادر المعصية بالتوبة:-

    حين تقع في المعصية وتلم بها فبادر بالتوبة وسارع إليها، وإياك
    والتسويف والتأجيل. فالأعمار بيد الله عز وجل، وما يدريك لو قد دعيت للرحيل
    فأجبت النداء، وودعت الدنيا وقدمت على مولاك مذنباً عاصياً.

    ثم إن التسويف والتأجيل قد يكون مدعاة لاستمراء الذنب والرضا
    بالمعصية، ولئن كنت الآن تملك الدافع للتوبة وتحمل الوازع عن المعصية فقد
    يأتيك وقت تبحث فيه عن هذا الدافع وتستحث هذا الوازع فلا يجيبك.

    لقد كان العارفون بالله عز وجل يعدون تأخير التوبة ذنباً آخر ينبغي أن
    يتوبوا منه. قال العلامة ابن القيم:"منها أن المبادرة إلى التوبة من
    الذنب فرضٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير، فإذا
    تاب من الذنب بقي عليه توبةٌ أخرى وهي توبته من تأخير التوبة، وقل أن
    تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيءٌ
    آخر، وقد بقي عليه التوبةُ من تأخير التوبة".

    ثالثاً: تذلل بين يدي مولاك:-

    يدرك أغلب العصاة أنه واقع في معصية الله، وأن التوبة فرض عليه؛ لكن
    من منهم يقدر الله حق قدره، ويخشاه، ويتذلل بين يديه؟.

    وعجباً لنا نمتع أنفسنا بلذة المعاصي وشهواتها وننغمس في أوحالها،
    وبعد ذلك لا تزيد توبتنا أن تكون استغفاراً باللسان، ونحن غافلون سادرون.
    ومن ثم فالتائب ما لم يلازم محراب الإنابة، ويسلك سبيل الخاشعين، ويخبت
    لمولاه؛ فليعد النظر في صدق توبته.

    وهو جانب أنى لابن القيم رحمه الله أن يغفله لذا فقد قال:" ومن موجبات
    التوبة الصحيحة أيضاً:كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير
    المذنب، ولا تحصل بجوع ولا رياضة، ولا حب مجرد إنما هي أمر وراء هذا كله
    تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة، قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقته
    بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً، كحال عبد آبق من سيده، فأخذ فأحضر بين
    يديه، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بداً، ولاعنه غناءً، ولا منه
    مهرباً، وعلم أن حياته، وسعادته، وفلاحه، ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم
    إحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبه لسيده، وشدة حاجته إليه، وعلمه
    بضعفه وعجزه، وقوة سيده، وذله وعز سيده. فيجتمع من هذه الأحوال كسرة، وذل
    وخضوع ما أنفعها للعبد، وما أجدى عائدها عليه، وما أعظم جبره بها، وما
    أقربه بها من سيده. فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة، والخضوع،
    والتذلل، والإخبات، والانطراح بين يديه، والاستسلام له فلله ما أحلى قوله في
    هذه الحال " أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني،
    وفقري إليك. هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك. عبيدك سواي كثير،
    وليس لي سيد سواك، ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين،
    وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من
    خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.

    يا من ألوذ به فيما أأملـــه ومن أعوذ به فيما أحـــــاذره

    لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولايهيضون عظماً أنت جابـره

    فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمن لم يجد ذلك في قلبه
    فليتهم توبته، وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة،
    وما أسهلها باللسان والدعوى، وما عالج الصادق شيئاً أشق عليه من التوبة
    الخالصة الصادقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

    والله من وراء القصد

    ابو ريان
     

مشاركة هذه الصفحة