مكة المكرمة كما وصفها الرواة في كتب التاريخ في عهد سيدنا ابراهيم

الكاتب : ابو العتاهية   المشاهدات : 567   الردود : 0    ‏2006-12-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-12-25
  1. ابو العتاهية

    ابو العتاهية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-10-22
    المشاركات:
    9,979
    الإعجاب :
    0
    في قلب الصحراء ، وفي واد قفور بين سلسلتين من الجبال الصخرية تحجبانها فلا يحس الحاج بلوغها حتى يقع نظره على شوارعها. وبين تلال صخرية سود ، تمتد عدة أميال حتى ليخال المرء أن لا نهاية لتلك التلال الجرداء ، ولا تلك الصحراء المترامية التي يكاد ضوئها يذهب بالأبصار ، ولا يأمل المرء أن يختلس برهة ينجو فيها من حرارتها اللافحة ، فحصاها وصخرها الصم تبعث إلى السماء بخارها فتبدو كأنها فحم يحترق ويصعد إلى السماء دخانه. وإذا استثنينا بضع شجرات السنط المتناثرة ، بدت معالم الحياة كأنما جمدت في تلك الفلاة ، فالوحشة تامة ، والسكون مسيطر ، ولا يصك أذنيك إلا صفير الريح الصرصر العاتية. حتى السراب الذي يخدع المسافر فيجعله يأمل في النخيل أو ظلال الحدائق الرطبة لا وجود له ، فلا نخيل هناك ، ولا حدائق توحي بالتفكير فيها وتمنيها ، فما من شيء ينبت والليل هو الملاذ الوحيد من حرارة الشمس الملتهبة الكاوية.
    فقد خطر لإبراهيم عليه السلام أن يلتمس لولده ملاذاً في حمى البيت العتيق أول بيت عُبد فيه الله سبحانه وتعالى في الأرض ، وانتهى بهم المسير عند مكة المكرمة وهي حينئذ مقفرة خلاء لا يكاد يلم بها سوى نفر من البدو الرحل وقوم من العماليق كانوا يعيشون خارجها ويتنقلون من حين إلى آخر التماساً لماء أو انتجاعاً لمرعى. وعند ربوة هناك حيث أطلال البيت العتيق ترك " إبراهيم " " هاجر " وولدها وترك لها جراء تمر وسقاء فيه ماء وأمرها أن تتخذ لها عريشاً ثم هم بالرجوع إلى حيث جاء. فارتاعت " هاجر " من وحشة البرية وتضرعت إلى سـيدها " إبراهيم " ألا يدعها وولدها في ذاك القـفر المرهـوب ، لكنه أشاح بوجهه عنها ، لا يلتفت ولا يُجِب ، كأنما يخشى أن تخونه عاطفته أمام الأم الوالهة الحيرى رحمة بابنه الوحيد المنبوذ مع أمه في العراء وأعادت " هاجر " سؤالها أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء ؟ وهو منصرف عنها ماض في سبيله لا يلوي على شيء حتى إذا بلغ منعرج الوادي سمع صوتها الضارع يسأل في لهفة آلله أمرك بهذا ؟ فقال: وهو لا يلتفت إليها (نعم) فقالت " هاجر " في استسلام خاشع: إذن فالله لا يضيعنا ، أطرقت صامتة فلم تر إبراهيم وقد رفع يديه إلى السماء حين غيبته ثنية الوادي واستقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات:
    {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ }إبراهيم37
    ثم استأنف مسيره عائداً إلى زوجته السيدة " ساره " في ارض كنعان (فلسطين)
    لقد آثر الله تعالى هذه الأم برعاية " إسماعيل " الوليد وإنقاذه من الهلاك إذ تركهما أبوه " إبراهيم " بواد قفر غير ذي زرع فكانت لهفتها على الصغير والألم الذي ذاقته حين رأته يكابد حرقة الظمأ ومسعاها المثير في سبيل نجاته حديث التاريخ وعبرة مدى الدهر وصورة تُخلد فيها الأمومة وتتقدس آلامها إلى حيث تغدو عبادة ومنسكاً.
    وجعلت " هاجر " ترضع ولدها وتشرب من ذلك الماء القليل وهي تستمد من ولدها الأنس والعزاء وكادت تنسى به محنة الرق ومأساة الهجر ، وقد شغلت بالنظر إلى وجهه اللطيف الحبيب فلم تشعر أول الأمر بوحدتها الرهيبة في البرية القفر ولم تدرك حق الإدراك قسوة موقفها بالوادي الأجرد بين الصخور الكالحة والجبال الصم الصلاب. حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها فجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهة أن تنظر إليه وبدا لها أن تصعد إلى علٍ ، فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض فإذا " الصفا " قريب منها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي هل ترى أحداً ؟ وتسمعت هل تؤنس صوتاً ؟ فلما لم تجد إلا الوحشة والصمت وأجهدها السعي بين " الصفا والمروة " شوطاً بعد شوط فعلت ذلك سبع مرات فلقد كان لهاث ولدها الظامي يمزق قلبها ويفري كبدها وكان مرآه (شكله) والحياة تتسرب منه وتنطفئ رويداً رويداً أقسى من أن تحتملها أمومتها ، فجمعت كل ما بقي من قوة وزحفت بعيداً عن ولدها المحتضر.
    وأمسك الكون أنفاسه ولم يبق من صوت سوى لهاث المحتضر وأنين أمه يتردد صداها في البقاع المقفرة مختلطاً بعواء وحوش الفلاة وسعار السباع الجائعة المحمومة على المكان كأنها ترقب الخفقة الأخيرة في فريستها المنتظرة .. ثم كانت النجاة .. ونبع ماء زمزم ومرت رفقة من جرهم مقبلة فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً ، فقالوا إن هذا الطير لحائم على ماء فعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، وأرسلوا دليلهم ، فعاد ومضى بهم إلى حيث كانت هاجر وولدها عند النبع المبارك. فقالوا لها إن شئت كنا معك فآنسناكِ ، والماء ماؤك ، فأذنت لهم ، ونزلوا معها وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم وتعلم " إسماعيل " العربية منهم وأعجبهم حين شب ، فلما أدرك زوجوه منهم وفي جوار البيت العتيق شب " إسماعيل " فلما بلغ معه السعي جاءه أبوه فقص عليه رؤياه:
    {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات).



    ويأمر الله تعالى " إبراهيم " أن يؤذن في الناس بالحج واستجاب الله تعالى للدعاء فبعث في ذريتهما رسوله المصطفى عليه السلام صفوة الصفوة من ولد " إسماعيل ابن إبراهيم " من السيدة " هاجر " أم العرب العدنانية التي دخلت التاريخ بهموم أمومتها وصار مسعاها بين الصفا والمروة شعيرة من شعائر الحج والعمرة في ديننا الحنيف وعيداً للأمومة بموسم الحج من كل عام.

    أي هامات انحنت في هذه البقعة من الأرض وسط الوادي الأجرد تحف به الصخور السود والجبال الصم والفيافي المهجورة الموحشة. منذ جعل الله البيت مثابة للناس وأمناً وحرماً وملاذا يطمئن فيه المخالف ويأمن فيه المُروَع ، ويُحقن عنده الدم المُهدر وتُحمى في حماه حياة كانت إذ ذاك مستباحة في شرعة الصحراء وضراوة البيداء.
     

مشاركة هذه الصفحة