زيارة إلى أرض العدو

الكاتب : yemen-1   المشاهدات : 429   الردود : 0    ‏2006-12-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-12-11
  1. yemen-1

    yemen-1 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-09-19
    المشاركات:
    1,710
    الإعجاب :
    0
    زيارة إلى أرض العدو
    "الإسلام وأزمة العصر"



    عرض وتعليق: عمر مصطفى

    قبل أن تقرأ:

    هذا كتاب يحتاج لنوع معين من الاستعداد قبل القراءة، كتاب يحتاج "كتالوج" بلا مبالغة؛ فالكتاب الذي بين يدينا اليوم، يمكننا تصنيفه تحت تصنيف "اعرف عدوك"، مؤلفه أكاديمي يعيش في الولايات المتحدة، وله توجهات متعصبة ويُعد المرجع الأهم للصقور المتشددين هناك في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط والمسلمين، "برنارد لويس" الرجل الذي يعتبرنا كعرب ومسلمين شرا ينبغي مواجهته بكل قوة وعنف، ويبدو أن صانعي القرار هناك لا يوفرون نصائحه أبداً..

    فبداية من اسم الكتاب الذي غيّره المترجم لأسباب موضوعية؛ فاسمه الأصلي (أزمة الإسلام.. حرب مقدسة وإرهاب غير مقدس). يمتلئ الكتاب بالمغالطات والافتراءات التي تم تغليفها في إطار يبدو علميا ومحايدا، ولن تستطيع أن تصدق هذا طويلاً، لكن وَجَب التنبيه..

    في هذا الكتاب يخوض القارئ العربي حقل ألغام، فالسطور مُفخخة بعشرات الأفكار والأخطاء الفادحة، التي يمكن أن تتسرب إلى ذهنك وتصدقها دون أن تشعر، فينبغي لنا ونحن نقرأ، أن ننقد ونحلل ونشك في كل ما يقوله هذا الرجل، ولكنك في النهاية ستجد أنك أمام تفسير حقيقي ومنطقي لمشاعر العداء والعدوانية المختلطة بالجهل الذي نراه اليوم تجاه العرب والمسلمين.

    ومن هذه الزاوية كانت قراءة هذا الكتاب وما شابهه من كتب واجب علينا كعرب وكمسلمين، لأن فهم عقلية (الآخر) واستيعاب دوافعه، طريقة مثالية لتجنب أذاه إن لم يكن كسب وده والاستفادة من التعامل معه على المدى البعيد أو القريب.

    عانينا كثيراً بسبب تجاهل الآخر، وتصديق أفكار جاهزة عنه نبني عليها مواقفنا التي يتضح عدم صحة بعضها مع الوقت، كما نحتاج أن نعرف كيف ينظر لنا لتصحيح الأخطاء في نظرته، وإكمال التفاصيل الناقصة في نظرتنا له.


    إنه كتاب شديد الاشتعال، فكن حذراً، وتعالَ معنا في رحلة إلى أرض العدو!


    الإسلام وأزمة العصر "حرب مقدسة وإرهاب غير مقدس"

    تأليف:
    برنارد لويس

    ترجمة:
    أحمد هيكل

    تقديم ودراسة:
    رؤوف عباس


    الطبعة الأولى 2004 – المجلس الأعلى للثقافة.
    شارع الجبلاية بالأوبرا – الجزيرة – القاهرة.



    صانع الأزمات



    يعتبر "برنارد لويس" في الولايات المتحدة (عميداً لدراسات الشرق الأوسط في الغرب)، و(حُجة الإسلام وتاريخ العرب)، و(حكيم العصر) وأشياء من هذا القبيل.. في حين أنه لم يضف إلى الدراسات التاريخية الخاصة بالإسلام غير رسالته للدكتوراه عن "الطائفة الاسماعيلية وجماعة الحشاشين" والتي أصبحت قديمة وتم تجاوزها الآن.

    تبنى "لويس" مشروعاً ظاهره علمي ولكن جوهره سياسي محض. وهو تقديم صورة سلبية عن الإسلام تخدم توجهه الصهيوني المحض. وهذا الكتاب أحد النماذج الفجّة لأفكاره تلك التي تلقى رواجاً كبيراً في الولايات المتحدة.

    ويعلق الأستاذ "رءوف عباس" الذي قام بعمل دراسة على الكتاب على أسلوب "لويس"، فيشير للآتي:

    يحرص "لويس" على إيهام القارئ بأن ما يقدمه له يمثل رؤية علمية محايدة منزهة عن الهوى، وموضوعية، في حين أن أفكاره تبتعد عن استخدام القواعد العلمية السليمة، وتنـْضح بالكراهية للإسلام والعرب والمسلمين، وتنحاز باستمرار للصهيوينة. فقدم الإسلام باعتباره خطراً على الغرب وأن الإسلام عدو للمسيحية، بل وأنه يرفض ما غيره من الأديان والأفكار. وأننا بسبب تخلفنا وعدم قدرتنا على اللحاق بالغرب حضارياً بحثنا عن كبش فداء، فاخترنا الغرب.

    فالمسلمون في رأيه قوم أوغاد بطبعهم ويكرهون الآخر ويريدون ذبح الغرب واليهود انتقاماً لعجزهم وتخلفهم. وكانت أحداث 11 سبتمبر 2001 بمثابة الفرصة الأكبر له لنشر أفكاره المسمومة أكثر وأكثر، وتزيد الحفاوة به أكثر وأكثر كرجل يعرف كيف يتم التعامل مع هؤلاء (الأوغاد) الذين يعرفهم هو جيداً.

    وهذا الكتاب ليس محاولته الوحيدة لنشر تلك الهراءات، فقد ألف كتبا عديدة لخدمة ذات الغرض، مليئة بالافتراءات والمغالطات. ولتأكيد صحة نظرياته فقد اعتمد "لويس" استخدام "أسامة بن لادن" كرمز (واقعي) للإسلام في عصرنا هذا بكل نواياه التدميرية الشريرة المعلنة، وينسى أو يتناسى "لويس" أن "بن لادن" باعتراف كتاب ومفكرين غربيين هو صنيعة الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الأمر يتلخص في أن "السحر قد انقلب على الساحر".



    برنارد لويس وأزمة الضمير

    ومازلنا مع أ."رءوف عباس" في تعليقه المهم على الكتاب الذي اخترنا منه بعض الأفكار والتعليقات المهمة..

    الحقيقة أن الكتاب الذي بين يدينا مليء بعشرات المغالطات المقصودة، والتي لها ردود قديمة لدى مفكرين غربيين آخرين، مثل المستشرق البريطاني الشهير "مونتجمري واط" والذي يعد -حسب مُراجع الكتاب- حجة في تاريخ الإسلام وثقافته، ولو أنه ليس بشهرة "لويس بالطبع".

    فلا يدرس "واط" الإسلام بعيداً عن المجتمعات التي نشأ بها وثقافتها وما لهذه الثقافات وتغيرها مع الزمن في التأثير على الفكر السياسي لها، موضحاً أن القرآن والسنة لا يشيران إلى النظام السياسي الذي يجب أن تقام عليه دولة الإسلام وأن ذلك يرجع لاجتهاد المسلمين أنفسهم. وهكذا جاء الفكر السياسي الإسلامي معبراً عن إبداع فقهاء المسلمين.

    وشهد شاهدٌ..

    ويطرح "واط" في كتاباته ما يلغي اتهامات "لويس" حول (النبي القيصر)، وعن ادعاء طرد اليهود والنصارى من الجزيرة العربية، فيرد "واط" من خلال "الدستور" الذي وضعه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في دولة المدينة، والذي يكفل بوضوح الحقوق لغير المسلمين معتبراً إياهم من الأمة ماداموا قد التزموا بالنظام العام، وأدوا ما عليهم من حقوق الدفاع المشترك وعدم خيانة الأمانة والتعاون لخير الجميع.

    وبالرغم من خيانة اليهود لهذه العهود فإنه ليس من دليل واحد على طردهم من الجزيرة العربية وقد ظل لهم وجود في أطراف الجزيرة وفي اليمن.

    ويدحض "واط" الادعاء بانتشار الإسلام بحد السيف أو فرضه غصباً على الشعوب، مؤكداً احترام الإسلام لحقوق أهل الذمة من أمن وأمان وحقوق ودخولهم في النسيج الاجتماعي للدولة والاستعانة بهم في أمور كثيرة. فلم يكن الإسلام عدوانياً ولم يكن النبي قيصراً.

    الخلافة

    ويضع "واط" الخلافة في إطارها الصحيح، فبيّن كيف واجه الصحابة مشكلة قيادة الأمة عند موت الرسول دون أن يكون لديهم من الكتاب والسنة ما يدلهم على كيفية التصرف فماتت فكرة الخلافة التي اهتدت إليها نخبة الصحابة؛ لتكون خلافةً للرسول في رئاسة الجماعة وإمامة الصلاة وليست خلافة للنبوة، فقد كان محمد (ص) خاتم النبيين. واهتدى الخلفاء في إدارة شئون الدولة بالكتاب والسنة وكانوا عقلانيين في هذا الأمر، وأخذوا الكثير من القرارات الصعبة كقادة وبشر.

    وقد استخدمت فكرة الخلافة لاحقاً طوال التاريخ الإسلامي لتحقيق مكاسب وأهداف سياسية دون أن يكون هذا عيباً في فكرة الخلافة نفسها، وكان انهيارها في نهاية القرن التاسع عشر أمراً طبيعياً وبعيداً عن الإسلام نفسه، إذ كانت لعبة سياسة من البداية.

    الجهاد.. كيف نفهمه؟

    ويشكل "الجهاد" المحور الأساسي في كتاب لويس "أزمة الإسلام"، وقد اختار له اسم "الحرب المقدسة" التي تخدم فكرة (عدوانية الإسلام) التي يروج لها، وهو الأمر الذي شرحه مستشرقون آخرون أكثر موضوعية وعلماً من "لويس"؛ فشرحوا للقارئ الغربي معنى الجهاد الواسع، الذي ينطوي على معان عديدة غير الحرب، مثل السعي للعيش والتعلم وغيرها.

    أما الجهاد بالسيف فللدفاع عن الوطن والمال والعرض ولتوسيع رقعة الإسلام، ولا ينسون ذكر أن جزءاً كبيراً من الأراضي التي انضمت للإسلام خاصة في آسيا لم تكن نتيجة قتال، إنما نتيجة دعوة وتعايش بين التجار المسلمين وأهل تلك البلاد.

    احذروهم!

    وبنفس الطريقة يتحدث "برنارد لويس" عن مفهوم (دار الإسلام) و(دار الحرب) ليعطي الانطباع لدى القارئ أن لدى المسلمين النية الدائمة لـ(أسلمة) العالم كله بالقوة، وأن هذا من صميم دينهم وعقيدتهم!

    وهو بهذا يستعدي الغرب على المسلمين ويبرر ما تفعله إسرائيل باعتباره دفاعاً عن النفس ويزيد من العنصرية تجاه الجاليات المسلمة في الغرب.

    ويذهب "لويس" إلى أن الإسلام والمسيحية دينان لا يطيقان النقاش معاً، وأنهما في صدام دائم، في شكل (فعل ورد فعل)، فيعتبر الحروب الصليبية نوعاً من رد الفعل التاريخي على (الغزو) الإسلامي لأوروبا، وأن العداء الإسلامي الحالي -كما يدّعي- هو نتيجة للشعور بالمهانة وبسبب التخلف الذي يعيشه المسلمون مقارنة بالغرب فيكون رد الفعل تدميريا مثلما حدث في نيويورك في 11 سبتمبر على سبيل الانتقام.

    وهى كلها اتهامات لا منطقية ولا تقوم على أي أساس علمي أو تاريخي واضح، اللهم أقوال مرسلة لا دليل عليها.



    بين الصفحات

    انظروا لأسامة.. هؤلاء هم المسلمون!!

    يبدأ "لويس" كتابه بالحديث عن "أسامة بن لادن" المتهم الرئيسي في انفجارات الحادي عشر من سبتمبر كرمز لأزمة الإسلام مع الغرب في هذا العصر، ويربط "لويس" بين فكر "بن لادن" وبين إشارات صريحة من الأخير في تسجيلاته، عن التاريخ الاستعماري للغرب في بلاد العرب والمسلمين منذ هزيمة السلطان العثماني نهائياً على يد الغرب سنة 1918 وإلغاء الخلافة، وإعادة تقسيم المنطقة إلى دول لم تكن موجودة واستمرار هذا التدخل والاحتلال إلى اليوم.

    ويشرح "لويس" كيف أن الخلافة ظلت حلماً لدى المسلمين منذ إلغائها، وأن "بن لادن" نفسه قد يكون متطلعاً لإعادة نظام الخلافة، وأن يصبح هو نفسه الخليفة! ويشير كذلك لبيانات منسوبة إلى "بن لادن" وجماعات تابعة له، يبررون فيها حربهم ضد الغرب بأن (الصليبيين) لا زالوا يرتعون في بلادنا يدنسونها وينهبونها في العراق وفلسطين ويتحكمون في باقي البلاد، وأن هذا يعد إعلاناً صريحاً للحرب منهم، يستلزم من المؤمنين الجهاد، وأن قتل كل الأمريكيين ونهبهم أينما وجدوا في الأرض فرض عين على المسلمين.

    وينسب "لويس" إلى سيدنا "عمر بن الخطاب" -رضي الله عنه- أمره بطرد اليهود والمسيحيين من الجزيرة العربية- حسب وصية يدعي أنها للرسول- لأنهم يدنسونها! وهو مع هذا يحاول أن يبدو محايداً بقوله إن قراراً كهذا كان أرحم بكثير من الوحشية التي طـُرد بها مسلمون ويهود من أوروبا في عصور مختلفة.



    ويتحدث "لويس" عن عودة هؤلاء (المطرودين) مجدداً إلى الجزيرة العربية بسبب ظهور البترول تزامناً مع ظهور الحركة الوهابية المتشددة التي يعتبر "بن لادن" وأمثاله رموزاً لفكرها اليوم. وأنه بالرغم من عدم موافقة مسلمين كثيرين على أسلوب وفكر "بن لادن"، فإن كثيرين منهم أيضاً متعاطفون معه وبعضهم يتمنى لو انضم لجهاده، في إشارة إلى أن المسلمين يشكلون خطراً على الغرب لـ(مجرد وجودهم).

    تعريف الإسلام:

    يفرّق "لويس" بين الإسلام كعقيدة وبين كونه حضارة عمرها 14 قرناً من الزمان ينتسب لها حوالي مليار وثلث المليار من البشر في رقعة جغرافية هائلة، وأن هذا التنوع الثقافي الرهيب يجعل من الصعب إطلاق أحكام مطلقة على الإسلام.

    ويقر "لويس" بفضل الحضارة الإسلامية على البشرية بعلومها وفنونها وآدابها، لكنه يعود للقول بأن التخلف الذي حل بها عن الغرب في القرون الماضية، لهو أزمة حقيقية للعالم كله اليوم. كما يؤكد على تقارب الإسلام والمسيحية بشكل لافت، ولكنه يشير إلى اختلاف جوهري في رأيه بين الدينيين، وهو أن المسيحية لم تكن معنيّة بالسياسة منذ بداياتها، في حين أن الإسلام -في رأيه- معني بالسياسة منذ أول يوم له مستشهداً بفكرة الدولة والخلافة والجهاد.

    ويشير إلى نموذج سيئ في رأيه لفكرة الثورة في الإسلام وهي الثورة الإسلامية في إيران، التي يراها شر مطلق في الداخل على الإيرانيين أنفسهم في شكل تضييق للحريات واضطهاد وغيره، وفي الخارج في شكل إرهاب وتخريب.

    وبالرغم من اعتراف "برنارد" بعظمة الإسلام كدين كبير وفضله على البشرية في أوقات معينة، إلا أنه في رأيه يمر بمرحلة من الكراهية الشديدة للغرب، على الغرب أن يواجهها، وأن الأصوليين يعادون الغرب فقط لأنهم يحتاجون لعدو، على اختلاف تصنيف أولئك الأصوليين، ما بين مهاجم متحمس، وبين هادئ متربص إلى حين.


    يريدون مهاجمتنا.. أترون؟!

    تطور الجهاد كمعنى وكأسلوب في رأي "لويس" خلال تاريخ الإسلام، من جهاد معنوي في البداية، إلى جهاد حربي بعد تنامي قوة المسلمين تدريجياً، وتطورت فكرة "الحرب المقدسة" والتي أصبح لها فقه وأحكام خاصة بها، مليئة بالتفاصيل، دلالة على أنها جزء أساسي من العقيدة الإسلامية.

    وينسب "لويس" إلى المسلمين تقسيمهم للعالم إلى قسمين، (دار الإسلام) حيث يتولى الحُكم حكومات إسلامية وتسود الشريعة الإسلامية، و(دار الحرب) وتشمل بقية العالم الذي يقطنه ويحكمه الكفار. وأن الجهاد مستمر حتى يعتنق العالم كله العقيدة الإسلامية أو يخضع للحكم الإسلامي!!!

    ويعترف الكاتب للإسلام بإرساءه قواعد شريفة وراقية للحرب؛ من احترام العهود وعدم قتل أبرياء وحسن معاملة الأسرى. وبعد استعراض جانب من الفتوحات الإسلامية التي يسميها غزواً، يطرح "لويس" مدى التشابه بين الجهاد والحروب الصليبية..

    فيقول إنه صحيح أن كلا المفهومين (الجهاد والحروب الصليبية) يعبران عن فكرة الحرب الدينية ضد الكفار لإعلاء كلمة الدين، لكنه يقف فيقول إن الفرق الجوهري إن الحروب الصليبية لا (تعبر) عن جوهر المسيحية الحقيقي، وإنها مجرد تطور متأخر في التاريخ المسيحي لا يخلو من رد الفعل تجاه الغزو الإسلامي المبكر لأوروبا.

    في حين أن الجهاد أو الحرب المقدسة في الإسلام مفهوم أصيل وقديم منذ بداية الدعوة للإسلام وهي الفكرة التي لا يزال لها جاذبية إلى اليوم لدى مسلمين كثيرين.

    ومع ذلك لا ينكر حقيقة إقرار الإسلام لحقوق أهل الذمة من غير المسلمين في البلاد المفتوحة، من حقوق مدنية كاملة مقابل أداء الجزية. إذن الرجل يريد أن يوضح أن المسلمين غزاة بطبعهم، الأمر لديهم امتلاك وحكم وليس دينا أو قضية، عكس المسيحية الأوروبية المسالمة التي (اضطرت) ألا تكون كذلك رداً على هجمات المسلمين غير المبررة.



    لماذا يريدون القدس؟!

    يحكي "برنارد لويس" أن قرناً كاملاً من الزمان استغرقه المسلمون لاستعادة القدس بعد سقوطها في يد الصليبيين سنة 1099 م، والذين لم يفكروا في استعادتها إلا بعد أن استفزت "صلاح الدين" غارات أمير صليبي يدعى "رينالد دي شاتييون" على قوافل المسلمين التجارية وقوافل الحجيج، فأعلن "صلاح الدين" الحرب التي استعاد فيها القدس عام 1187، النصر الذي ظل مصدر إلهام للقادة العرب لزمن طويل وإلى اليوم.

    ويحاول "لويس" إقناع القارئ بأن القدس لم تكن أبداً بتلك القدسية والأهمية لدى المسلمين بدليل -كما يدّعي- أن أحد خلفاء "صلاح الدين" تنازل عن المدينة ببساطة للإمبراطور "فردريك الثاني" كجزء من اتفاق سياسي تم التوصل إليه، ولم يكن أبداً الاهتمام الإسلامي الغامض –على حد تعبيره- بالمدينة كما كان في أواخر القرن التاسع عشر، بدءاً بالمناوشات بين القوى الأوروبية لحماية الأماكن المسيحية المقدسة، ثم مع (الهجرة) اليهودية الحديثة.

    وقد شهدت نفس الفترة (والكلام للكاتب) بدء الاهتمام من جانب المسلمين لأول مرة بالحروب الصليبية باعتبارها نموذجاً مبكراً للتوسع الإمبريالي الغربي في العالم الإسلامي.

    ويواصل "لويس" الحديث عن التراجع الإسلامي في أوروبا وتحوُّل كفة القوة لصالح الأوروبيين بعد أن بدأ الأتراك العثمانيون في التراجع منذ القرن الخامس عشر، حتى أصبحوا في موقف الدفاع لا الهجوم، حتى كُسرت شوكتهم تماماً في القرن الثامن عشر. ويبدأ فصل آخر من فصول (الصراع) كما يحب الكاتب أن يصوّره، مبرزاً تناقضاً في رأيه، بين قبول المسلمين لأن يغزوا ويحكموا الأوروبيين دون إرغامهم على اعتناق الإسلام، ورفضهم لغزو الأوروبيين لهم في المقابل وكأنه حق مطلق للمسلمين وحدهم.

    ومع اعترافه بأن الاحتلال الأوروبي للشرق كان وَبال شؤم على تلك البلاد بشكل أو بآخر (وهو ما لا يمكن أن ينكره عاقل)، إلا أنه يبرز (مزايا) للاحتلال استفادت منها البلاد المحتلة! فمثلاً كان هناك بعض المنافع في رأيه مثل البنى الأساسية وإلغاء الرق (العبودية) والحد من تعدد الزوجات –وإن لم يكن قد قضي عليه تماماً على حد تعبيره– وتنظيم التعليم. فهو يحاول أن يخرج بنتيجة عامة أن البلاد التي عانت من الاحتلال، هي حضارياً أصبحت أرقى من البلاد التي لم تُحتل!

    ويعتبر "لويس" انهيار (الحلفاء البدلاء) للعرب مثل الألمان في الحرب العالمية الثانية، والاتحاد السوفيتي حتى أواخر الثمانينيات، يعتبره سبباً أدعى للأصوليين لأن يصبحوا أكثر عزلة وبالتالي أكثر شراسة، وأن همهم الأساسي الآن هو محو الشر الأوحد وهو الولايات المتحدة من الوجود، وكأن الرجل يقول: "احذروهم، إنهم خطرون جداً.. بل يستحقون أن تمحوهم من الوجود".



    أمريكا "الشريرة"؟!

    يتحدث "برنارد لويس" عن تطوّر نظرة العرب والمسلمين للولايات المتحدة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن..

    قبل الحرب العالمية الثانية كانت المعلومات التي تصل عن أمريكا إلى العالم العربي والإسلامي معلومات قليلة ومقتضبة وغير واضحة، فلم يكن لذلك الكيان الجديد ساعتها، ذاك التأثير الذي يجعل الناس في الشرق الأوسط يهتمون بشأنه كثيراً، فكانت، ولم تزل، بريطانيا العظمى وروسيا وألمانيا وفرنسا وغيرها من رموز الإمبريالية القديمة نجوم المشهد العالمي وخاصة في العالم العربي، الذي كان يحلم باليوم الذي سيتخلص فيه منها.

    وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأت ملامح الصورة الأمريكية تتكون هنا، فسمع الناس عن الحرية والعدالة والفرص المتاحة للجميع، وعن السينما والتليفزيون والحرية والأحلام، وفي نفس الوقت خرجت أصوات غاضبة من أوروبا ومن البعض في العالم العربي تهاجم النموذج الأمريكي وتتهمه بالزيف وعدم الأصالة بل وبالانحلال، وخاصة مع تنامي النزعة الاشتراكية في مقابل الرأسمالية الأمريكية (الشريرة)..

    لكن الحرب قد انتهت، والشبل الصغير أصبح أسداً شاباً يصول ويجول في غابة العالم، لقد جاءت أمريكا لتعلن عن نفسها أمام كل المؤيدين والمعارضين، جاءت مع البترول والإعمار وتصدير الثقافة الجديدة بكل مستلزماتها من سلع وخدمات لن يستغني عنها الجميع بسهولة بعدها. بدأت النجوم القديمة في الأفول، بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها، الكل يلعق في جراحه وينسحب من المشهد بهدوء مفسحا المجال للنجم الجديد.. أمريكا.

    بدأت أمريكا توسع سطوتها وتدخلها هنا وهناك، إيران، مصر، السعودية، العراق وغيرها منتهجة منهج المصلحة البحتة: "شريكي من يستطيع خدمتي الآن، وغداً يوم جديد"، فأصبحت لاعباً رئيسياً في يوم وليلة، وتخلت عن الأساليب المباشرة القديمة إلى أساليب أكثر خفاء، ولم يعد لمشاهدة الفيلم متعة من دونها.

    ويضيف أيضاً أن فكراً جديداً بدأ في التأصل في المنطقة ضد (أمريكا الشريرة)، وكان من رموز هذا الفكر الناشئ "سيد قطب" الأصولي المصري الشهير، والذي أُعدم عام 1966، وكان يعتبر أمريكا رمزاً لوثنية وجاهلية جديدة في العالم بنشرها لأفكار وسياسات من شأنها تهديد الإسلام في الصميم. وهو ما يعتبره "لويس" جذوراً جديدة نبتت أطرافها اليوم للعداء ضد الإسلام، وما "سيد قطب" إلا مثال في رأيه.. مجرد مثال.



    أنيروا مستقبلكم بالقنابل

    يبدو أن الشكوى والشعور بالظلم في أماكن مختلفة من العالم بسبب السياسة الأمريكية لا يرجع فقط إلى ما يراه الناس من أهداف إمبريالية لهذه السياسة أو مؤازرة لإسرائيل في حالة المنطقة العربية حسبما يقول "برنارد"، ولكن أيضاً لدعمها مجموعة من النظم الحاكمة في ظل معاناة حقيقية للسواد الأعظم من الناس بداية من فرص العمل وحتى الحرية.

    مع شراسة العولمة يوماً بعد يوم وتزايد شعور الناس بعمق الفجوة بينهم وبين الشعوب الأخرى، تزداد مشاعر الإحباط والكراهية، بل والرغبة في الانتقام أحياناً، (وهنا يضيء لويس ضوءاً أحمر).

    الوهابية لا زالت هناك:

    يسرد "لويس" علاقة الحركة الوهابية بآل سعود في الجزيرة العربية منذ القرن الثامن عشر، حيث كان آل سعود من حكام منطقة نجد، بينما كانت الحركة الوهابية تنمو في ظل دعوة أصولية إلى تحرير الإسلام من المستجدات والبدع التي (أفسدته)، وهو التعاون الذي استُخدم فيه السيف لتحقيق (مصالح مشتركة) فاستولوا معاً على أجزاء من الحجاز والعراق.

    ورغم تدخل الإمبراطورية العثمانية لوقف هذا الخطر ونجاحها جزئياً في هذا، فإن الخطر لم يتوقف، واستمرت العلاقة (الوهابية – السعودية) حتى أُعلنت المملكة كثمرة لهذا التعاون الطويل.

    ولا يزال الكلام لـ"برنارد"، الذي يصف الوهابيين بالوحشية والبربرية في تطبيق أفكارهم التي وصلت للقتل والحرق والتنكيل بكل صاحب فكر ومعارض، إلى أن تدفق البترول فأعطى المزيد من الاستقرار لتلك الحركة وأوصل أفكارها لكل العالم الإسلامي تقريباً.

    ويمكن القول إن الأصوليين الإسلاميين (مثل الوهابيين تحديداً) يرون أن متاعب العالم الإسلامي في العصر الحاضر لا ترجع إلى عدم كفاية التحديث، بل إلى الإفراط فيه، وهو في نظرهم خيانة للقيم الإسلامية الصحيحة، والحل في نظرهم هو العودة للإسلام بما في هذا من إلغاء كافة القوانين وغيرها من الأنماط الاجتماعية المستعارة من الغرب، وإعادة العمل بالشريعة الإسلامية، وهؤلاء لهم نوعان من الأعداء، أعداء من الخارج مثل الولايات المتحدة بالطبع، وأعداء في الداخل يعتبرونهم مسلمين مزيفين مرتدين.


    تصاعد الإرهاب:

    يقول "لويس" في إحدى أكثر الجمل تعبيراُ عن فكره: "إن معظم المسلمين ليسوا أصوليين كما أن معظم الأصوليين ليسوا إرهابيين، لكن معظم الإرهابيين في عصرنا مسلمون ويفخرون بوصف أنفسهم بهذا". ويقارن "لويس" بين هؤلاء الإرهابيين المسلمين وبين الإرهابيين الأيرلنديين أو الإسبان في إقليم الباسك، ويقول: "إن الفرق أن هؤلاء لا يقدمون أنفسهم كمسيحيين، وأنه حتى لو تعارضت أفعال وأفكار أولئك الإرهابيين مع تعاليم وأفكار الإسلام، فإنهم محسوبون على الإسلام شئنا أم أبينا".

    ويتهمهم "برنارد لويس" بلي عنق القواعد الدينية والأحكام والنصوص حسب مزاجهم الشخصي وإطلاق الفتاوى المكفرة أو المهدرة لدم أحدهم مثل "سلمان رشدي" صاحب كتاب "آيات شيطانية" والذي أهدر "الخميني" في إيران دمه. ويحاول أن يعود "لويس" بجذور هذه الأفكار إلى عهد الخلفاء الراشدين الذين اغتيل ثلاثة منهم، والاختلاف حول مدى إباحة هذا القتل إذا اعتقد القاتل أن الحاكم لا يأمر بما أنزل الله!

    ويتحول للحديث عن العمليات الانتحارية ومدى مشروعيتها في الإسلام، ويذكر مثالاً على هذا منظمات مثل حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، والتي اتبعت أسلوب الهجمات الانتحارية الذي لا يزال يثير جدلأً بين المسلمين أنفسهم، ويستدعي هنا أحداث 11 سبتمبر مجدداً ويتساءل إن كان لهذا تبرير في الإسلام، ويجيب: بالطبع لا.

    ويقول أيضاً إن "أسامة بن لادن" يعتبر أن إعلانه الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية إنما هو علامة على استئناف الصراع من أجل (السيطرة الدينية على العالم). فتلك بالنسبة لـ"أسامة" ولأتباعه اللحظة التي لا ينبغي أن تُفوّت، فأمريكا اليوم تمثل الحضارة السائدة وتجسد زعامة (دار الحرب) وقد أصابها الانحلال وأصبحت مجهزة للقضاء عليها.

    وهنا يبرز "لويس" الأزمة قائلاً بأنه إلى أن تتحقق الحرية الحقيقية في الشرق الأوسط، فإن هناك مشكلة أكثر إلحاحاً، فإذا استطاع زعماء "القاعدة" أن يقنعوا العالم الإسلامي بقبول آرائهم وقيادتهم فإن صراعاً مريراً وطويلاً سيكون في انتظارنا، وهو ما يعني مستقبلا مظلما يجب مواجهته، (وها هم يواجهونه).



    وختاماً

    حتى نعبر الأزمة..
    إذن فإن "برنارد لويس" يعتقد أن الإسلام لا يحض على العنف أو الكراهية بشكل مباشر، وإن كان أتباع له يفعلون هذا باسمه، والمشكلة في نظره ليست فقط في هؤلاء الفاعلين، ولكن تكمن في التعاطف المحتمل معهم من باقي العالم الإسلامي، نظراً لظروف التخلف والإحباط والعولمة الظالمة وغيرها..

    يقول "لويس" إن "كل المسلمين ليسوا إرهابيين، ولكن معظم الإرهابيين مسلمون"، لقد وضَعَنا على المحَك، في المواجهة مع القوة الأكبر في العالم والتي بدأت في الهجوم بالفعل اتباعاً لنصائحه وأمثاله، وهي النصائح التي تروقها فيما يبدو، إذ تخدم مصالح كثيرة لها.

    لا يبدو أن الكتاب دعوة للتعقل –وهذا رأيي- أو للتواصل أو للفهم، أو حل المشاكل بشكل صحيح، ولكنها دعوة لمحو الآخر، بحجة أن (الآخر يريد محوي).. هكذا ببساطة يلخص "برنارد لويس" الأمر، ليصبح البقاء للأقوى، ولتُبرّر كل أفعال أمريكا وحلفائها رغم كل بشاعاتها التي طالتها هى شخصياً..

    نحن لا ندعو بنشرنا لعرض هذا الكتاب إلى التعصب الأعمى ضد أحد، أو إلى التفكير بنفس طريقة العدو –هذا إن اتفقنا على أنه عدو- ولكن علينا أن نبدأ بأنفسنا، بإصلاح ذواتنا وديننا وأوطاننا، وأن نكون نحن من ننقل الصورة الأصح عن أنفسنا للآخرين، وأن نكون في حيطة من أمرنا على أية حال.

    ويجب أن نعرف أننا في مأزق حقيقي، وأن بيننا من تركوا العنان لأنفسهم في التفكير في الانتقام، ولكنه ليس زمن الحلول الفردية العنيفة، علينا أن نجتمع مجدداً وأن نقرر ماذا نحن فاعلون.

     

مشاركة هذه الصفحة