محاضرة مستر كراين عن اليمن في جمعية الرابطة الشرقية - مجلة المنار مايو 1927م

الكاتب : أبو عبدالعزيز   المشاهدات : 684   الردود : 4    ‏2006-12-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-12-08
  1. أبو عبدالعزيز

    أبو عبدالعزيز عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-06-29
    المشاركات:
    1,300
    الإعجاب :
    1

    ( من الحديدة إلى صنعاء ) ذهبت من مصوع إلى الحديدة ميناء صنعاء , وقد أعد لي الإمام جميع أسباب الراحة , واستقبلني حاكم الحديدة أحسن استقبال .
    وهذه البلاد اليمانية الإسلامية العجيبة منزوية عن العالم أكثر من القطب الشمالي , ولا يزال طراز الحياة فيها كما كان عليه قبل مئات السنين , ولكنه يختلف كثيرًا عنه في نجد لوجود جبال عالية بين صنعاء والحديدة .
    ركبنا في رحلتنا البغال ؛ لأن البغال تسلك حيث لا تسلك الخيل ولا الجمال , وبعد ما انقضى على سفرنا من الحديدة يومان ابتدأنا نشاهد هندسة البناء في اليمن تختلف اختلافًا كليًّا عن هندسة البناء في الحجاز , وقد شاهدنا في طريقنا حقول شجر البن في بطون الجبال والوديان .
    إن هندسة البناء في جدة , ومكة متقنة , وجميلة ، وتدل نوافذها الكثيرة الواسعة , وأبوابها الكبيرة التي تفتح , وتغلق بسهولة على حب القوم للضيافة ، وعلى عراقتهم في المدنية , وميلهم إلى ضبط الأمن ، بعكس اليمن التي تدل عزلة قراها , وانفرادها في الأماكن العالية الوعرة التي لا يصل الإنسان إليها إلا بصعوبة على خوف اليمانيين من غزو بعضهم بعضًا , وعلى عدم استتباب الأمن [1] وتشبه أبنية هذه القرى القلاع الحصينة , والدور الأول منها يخصص للحيوانات , والدور الثاني للحبوب والذخيرة , ولا يوجد في هذين الدورين منافذ للنور ولا الهواء , وأما الأدوار الباقية , وهي عادة اثنان فما فوق ؛ فتخصص للسكن , ونوافذها صغيرة جدًّا لا يكاد يدخل منها الهواء , ولا النور , وجميع هذه الأعمال تدل أن تلك الأبنية على هذا الشكل ؛ قصد الدفاع عن النفس .
    ومن المعلوم أن القطرين اليمن والحجاز يختلف بعضهما عن بعض اختلافًا عظيمًا , ففي الحجاز سهول واسعة , وصحار مقفرة , وأما اليمن , ففيه الجبال المرتفعة , والوديان المنخفضة [2] , وتختلف الحياة الاجتماعية فيهما اختلافًا عظيمًا , فالحجاز المقدس بنظر المسلمين تأتيه الحجاج من جميع أطراف المعمورة سنويًّا ؛ لقضاء مناسك الحج , ولذلك ترى أهل الحجاز مضطرين بحكم الضرورة إلى ضمان راحة سكان الأرض , وقلما يأتيها الزوار , أو السياح , وأهلها يخشى بعضهم من بعض , ويخشون الدسائس التي يدسها لهم جيرانهم ؛ فلذلك تراهم معتادين شظف العيش , ومعتصمين بالقلاع في رؤوس الجبال .
    على أن الإمام أعد لي جميع وسائل السفر , وكنت أينما حللت بالمساء ؛ أجد غرفة معدة لنزولي بها , ولكنني اضطررت أحيانًا إلى النزول في بعض الخانات القديمة الواقعة على طريق القوافل بين عدن والقدس .
    ولهذه الخانات أبواب , ولكن لا نوافذ لها , وفيها ممر طويل , وغرفة واسعة خصص قسم منها بالحيوانات , والقسم الآخر بالعائلة صاحبة الخان , وبديهي أن كثيرًا من الأولاد يولدن في هذه الخانات , وقد خطر لي عند ما رأيتها أن المسيح ولد في مزود خان كهذه الخانات .
    إن المناظر الطبيعية بين الحديدة وصنعاء جميلة للغاية , وقد مررنا بطرقات تعلو تسعة آلاف قدم عن سطح البحر , ونزلنا في وديان عميقة حارة , وقد وصلنا إلى صنعاء في الليل على حين غرة , ولما كانت الشوارع لا تضاء بالأنوار ؛ وصلنا إلى الدار المعدة لسكنانا بصعوبة شديدة على ما كان من معونة أنوار الجند لنا .
    وأما الدار التي نزلنا بها , فهي مؤلفة من دورين مبنيين بناءً حديثًا جيدًا , وفيها حديقة تبلغ مساحتها أكثر من فدان أرض , وقيل لنا : إن هذه الدار بيعت منذ بضعة أشهر بمبلغ ( 150 ) ريال أميركي أي : ثلاثين جنيهًا مصريًّا .
    وقد أخبرنا بعض الجنود الذين رافقونا في الطريق أن الجندي منهم يتناول راتبًا يبلغ ريالين ونصف أميركيين في الشهر , ويتناول ثلاثة أرغفة من الخبز لا يبلغ وزنها تسعمائة غرام , ولا يأكل الجند تقريبًا غير الخبز , ولكن بعضهم يشتركون مع بعض أحيانًا , ويبتاعون شيئًا من اللحم , ويطبخونه لأنفسهم مرة أو مرتين في الأسبوع , ومن العجب العجاب أن يرى الإنسان هذه الجنود رغم تناولها المقادير القليلة من الغذاء تحمل البنادق الثقيلة , وتتمنطق بالعتاد الكثير , وتركض على أرجلها مسافات شاسعة غير مبالية بالتعب , أو شاعرة بالجوع .
    زارنا ذات يوم أحد أمناء سر الإمام المدعو محمد راغب بك , وهو تركي الأصل , ولد في القسطنطينية , وترعرع في ضواحي البوسفور قرب المدارس الأميركية التي لي بها علاقات منذ زمن بعيد , وقد حدثني عنها حديثًا طويلاً , ومما قاله : إن بعض أقربائه درسوا فيها , وهذا كان لحسن حظي ؛ إذ أدخلني إلى حالة الوئام مع حضرة الإمام , وكان باستطاعته أن يتوسط بيننا بطريق حكيمة .
    وفي اليوم الثاني قابلنا الإمام على انفراد في غاية الحفاوة والإكرام , فقال لي أنه يأذن لي أن أذهب حيث شئت بتمام الحرية , وأن آخذ رسم ما أريد أيًّا كان ما عدا رسم شخصه , وأنه لم يسمح لأحد غيري قدر ما سمح لي من الحرية في صنعاء .
    إن الإمام في أوائل العقد الخامس من عمره قوي البنية نشيط الحركة , ولما كانت ولاية حكمه ضيقة الرقعة ؛ كان شديد الرغبة في أن يتولى إدارة شؤونها كلها بيده من جليلها إلى حقيرها .
    فهو يجلس كل صباح في مجلس يقصده فيه من يشاء ؛ ليسأل ما يشاء , ويعرض ما لديه من أنواع الشكاوى والدعاوى , وعلاوة على ذلك , فإنه يذهب يوميًّا إلى أحد الأماكن العامة دون حارس , ولا تابع من الجند , فيصرف فيه نحو ساعة , وقد يكون منفردًا تحت أشعة الشمس , ولا يرافقه إلا رجل بمظلة الشمسية حيث يستمع الدعاوى , وينظر في المعروضات المرفوعة إليه , فهو بذلك جامع في شخصه بين مقامي السلطان , والخليفة معًا مستمدًّا قوة نفوذه من أنه سلالة الإمام علي الصحيح الخلافة .
    وأما ساعة ذهابه إلى المسجد يوم الجمعة , فتلك ساعة خطيرة الشأن جلالاً وبهاءً يشترك في إقامة معالمها الناس أجمعون ؛ لأنه يوم المهرجان كل أسبوع , وعندما يمر راكبًا في العربة عائدًا من الصلاة , فلأقل إشارة يبديها أحد الشعب يقف المركبة ؛ ليتقبل أي معروض , أو يعنى بأي أمر يرى الناس فيه على أتم استعداد لقبوله , والخضوع له .
    وفي المملكة اليمانية جيش نظامي , وجند من المتطوعة , وكثيرًا ما يشتركان بالإنشاد العسكري يضجان فيه بأصوات خشنة , وهو يتضمن أبياتًا يرنمون بها بما أعطوا من قوة وحماسة , ويقال : إنها أنشودة قديمة العهد .
    ثم إن الإمام - وإن أبدى لي حين مقابلته مزيد المجاملة , وأباح لي الحديث على غاية الإخلاص - لم ير من الحكمة أن يظهر فرط العناية بي أمام الجمهور ؛ إذ كان من الضروري له أن يحتفظ بمقام الاستقلال العظيم , بل بشيء من الاستخفاف بالأجانب مراعاة القبائل الحربية المتعصبين في الحدود الشرقية من البلاد .
    فإن سلطانه , وأحكامه نافذة في مملكته نظير ابن السعود ؛ لمجيئها عن طريق الدين , وعليها مسحة من الشدة فيه كأنه يتخذ في السلطة نوع الحكم المتحد المزدوج ؛ لأنه مع كونه زيدي المذهب شخصيًّا , ومدار أحكامه على هذه القاعدة ، فإن ثلث شعبه [3] على جانب البحر الأحمر من أهل السنة , ومنهم عدد معين يشغل بعض المقامات الصغرى في حكومته .
    *** ( الضرائب ) أهل اليمن من ذوي الفقر والبؤس الشديد ، ولكنهم لانزوائهم في بقعتهم , وانحباسهم عن العالم الخارجي لا يشعرون بهذه الحال .
    وإن المرء ليأخذه العجب : كيف يستطاع في هذه الفاقة أن تفرض الضرائب على اليمنيين , وتجبى إلى الحد المؤذن بإقامة حكومة , ولا سيما في تجهيز جيش في تلك المملكة كبير ؟ ذلك لا ريب عائد إلى حذق من الإمام فريد , والظاهر أن معظم واردات الحكومة هو من ضريبة العشر المفروضة على الحاصلات في عامة أنواعها ، على أن الناس باحوا لي أن العشر قد يترقى - بعسرهم والتضييق عليهم - إلى الربع ! وإنهم لذلك متألمون ناقمون .
    *** ( المباني ) قل أن ترى في مباني اليمن ما يقل عن ست من الطباق ( أو الأدوار ) , وأما البناء فعلى درجة عظيمة من مخالفات الجمال , ولم أر إلا القليل مما يدل على حسن الذوق سواء أكان في هيئة البناء , أو مواده , أم في ملابس الناس وغنائهم , وإنما يستثنى من ذلك بناء الجوامع , فإن منها عددًا يبدو فيه شيء من الجمال النسبي على ما فيه من بساطة الهندسة , والرسم خلافًا لبناء المنازل .
    وبعض تلك الجوامع يرجع تاريخ تشييدها إلى عدة قرون , وقد ظننت لأول الأمر أن البنائين أتوا من القسطنطينية لهندستها , وبنائها ، ولكنهم أكدوا لي أن كلا الأمرين من صنع أهل البلاد أنفسهم .
    *** ( تعرفي إلى الناس ) لم يكد يستقر بي المقام في صنعاء حتى بادر إلى زيارتي الجم الغفير من أهلها ، وكلما أردت أن أدرس وجهًا من وجوه حياة اليمن كان أمري ينتشر بين الطبقات , فكان يوافيني واحد , أو جماعة من أهل ذلك الشأن , فقابلت الرؤساء , والبنائين , والتجار , ورجال العسكرية , ولا سيما العلماء , وفيهم القاضي الكبير الذي يحمل سمة المسلم التاريخي القديم , وبلغ بيننا التعرف مبلغه حتى أقبل لزيارتي المرار العديدة .
    ولقب ( القاضي ) في اليمن له معنى خاص ؛ فإنه يطلق عادة على طائفة ممتازة من جميع طلاب العلم , كما أن كلمة ( شيخ ) تستعمل كذلك في الشمال .
    *** ( سبأ وسد مأرب ) كنت شديد الرغبة في الرحلة إلى سبأ , وعلى الخصوص لمشاهدة السد القديم الذي كان مصدر خصبها , وزهوها .
    إن مؤسس هذه المدينة هو ( عبد شمس ) الذي ابتدع عبادة البعل , أو الشمس , ثم أضاف إليها القمر , وخمسة كواكب سيارة أخرى , فتم بذلك عددها ؛ أي : السيارات السبع , فكان هذا العدد أصل تلك المدينة ( سبأ ) , وقد بنى أيضًا سدًّا عظيمًا بين جبلين بحيث ينشأ به خزان من الماء يحيي المدينة , وما حولها من الأرجاء , ويهب لها الخصب والنماء .
    ثم بعد 1500 عام تصدعت جوانب السد ؛ فطغى الماء على المدينة , وما جاورها من البلاد , ودمر كثيرًا من القرى , ولعل هذه الكارثة كانت أصل الحديث ( الطوفان ) .
    وأما الإمام , فمع أنه شديد الحرص على إعطائي كل ما أطلب إلا أنه قال لي في شأن هذه الأمنية : إن هذه الرحلة من المستحيلات , ومع أن سبأ لا تبعد عن صنعاء أكثر من 75 ميلاً , فهو لم يتمكن من الذهاب إليها إلا بعد أن اتخذ أشد الاحتياط لما أن قبائل تلك الناحية على أعظم جانب من التعصب ( الذميم ) يعدون ذواتهم حراس الكنز العظيم المقدس الباقي من آثار تلك العاصمة القديمة , فلا يأذنون لأجنبي أن تطأها قدمه , أو يقترب منها , ومما قال لي الإمام : إن بعثة ألمانية ذهبت للبحث في تلك الناحية قبل الحرب العالمية , فلم يبق البدو على أحد من رجالها .
    *** ( حفلة استقبال لرجوع ابن الإمام من سفره ) لم ينقض على نزولي صنعاء عدة أيام حتى ورد نبأ بمجيء ابن الإمام ولي عهد إمامته بعد يوم واحد , وكان غائبًا عنها ثلاث سنين على رأس فرقة من الجند في القسم الشمالي من البلاد - أي ( صعدة ) - حيث يتشعب الطريق شعبتين : إحداهما تتجه إلى مكة , والأخرى إلى نجد ، فكانت عودته بالطبع حادثة ذات شأن , فخرجت إلى بعد خمسة أميال من المدينة مع أكثر الأهالي , ولا سيما الجيش , وقفتا لاستقبال القادم الكريم على أحسن ما يقال في الإجلال , والاحتفال مما يدل على سمو مكانة ذلك الشاب عند عامة الشعب , ذلك أن الإمام إنما يرتقي سدة الإمامة والحكم بانتخاب العظماء من شيوخ البلاد في اجتماع خاص .
    ولما كان ولي عهده في الحكم أحد بنيه الأحياء حق له هذا الاحتفاء والإكرام .
    وبعد قدوم ذلك الأمير الخطير بأيام زرته , فتوسمت فيه مخايل الحزم , والعزم , ودلائل الجد في الأعمال على شخصية جذابة , ولكنها على صورة أضعف من شخصية والده العظيم .
    ( للكلام بقية )
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-12-08
  3. أبو عبدالعزيز

    أبو عبدالعزيز عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-06-29
    المشاركات:
    1,300
    الإعجاب :
    1
    ( يهود اليمن ) إن قسمًا يذكر من أهالي صنعاء يهود ، وهم يسكنون في حي خاص بهم , ويقولون : إنهم لقرنين مضيا كان يؤذن لهم بالسكون فيها حيث أرادوا , ولكن الحاكم في ذلك الحين أمر بذلك الفصل .
    وإنهم مع السماح لهم بالطواف أين شاؤوا لقضاء الأعمال لم يكن يؤذن لهم بركوب غير الحمير من الدواب .
    وقد زرت حيَّ اليهودِ هناك مرارًا عديدة وقابلت ربانيهم ومعابدهم فرأيتهم كسائر مواطنيهم من أهل الفاقة ؛ ولكنهم بفضل ما أوتوا من الحذق والقبض على أزمة الحرف تراهم أرقى شيئًا من إخوانهم مما ينيلهم شيئًا من عطف الحكام مع ما بينهم وبين المسلمين من بلوى التفرقة المذهبية .
    وقد تعسر عليك التفرقة بين اليهودي والمسلم العربي لولا فارق من الشعر يتحتم عليه اتخاذه شعارًا له .
    ثم إن هناك مسألة تاريخية تتعلق باليهود , ولا سيما أول ظهورهم في اليمن , قال لي الإمام والشيوخ : إن اليهود كانوا في اليمن منذ فجر التاريخ , ويروى أن ( يارم ) يعرب الملك الذي ملك قبل المسيح بألفي سنة فصل العبرية عن العربية , على أن الربانيين يقولون : إن اليهود أتوا إلى اليمن من أورشليم سنة 200 قبل المسيح تقريبًا .
    وكنت حيث أذهب في اليمن نحو الجنوب ؛ أجد يهودًا حتى في أحقر القرى , وأفقرها , وقد كان من بواعث دهشتي أني لقيت في قرية غاية في الفقر مبنية من القش يهوديًّا مر عليه فيها ثلاث سنين في حالة لا بأس بها يشتغل فيها صائغًا , فلم يكن ينجلي لي كيف يمكن وجود سوق للصياغة في مثل تلك القرية من بلاد الدنيا ؟ ولكني فطنت للأمر لما علمت أن اليمينين مولعون بزينة واحدة تستهوي أفئدتهم , وهي الخناجر المنحنية ذات المقابض والأغماد المزينة أو المموهة بصنع الصياغ .
    *** ( أعمال الإمام العمرانية ) لقد وضح أن هم الإمام الأعظم هو جيشه العزيز , ومع ذلك فهو يقول : إنه كثير العناية , والاهتمام بأمر التعليم - والحق أن ذلك على قياس ضئيل محدود - وبإصلاح الطرق أيضًا .
    فقال لي : إنه أصدر الأوامر لكل حاكم مدينة أن يقوم بشغل معين كل سنة يتعلق بإصلاح الطرق التي في نطاق حكمه , ويظهر أن بعض الحكام أتوا شيئًا من هذا الإصلاح مع بناء الجسور ( الكباري ) , وكنا في طريقنا إلى عدن نسلك في الأحايين آثارًا من طرق قديمة لا بد أن تكون قد بنيت بحذق , وحسن نظر قبل الإسلام بنحو ألفي سنة على ما قيل .
    وفي سفرنا نحو الجنوب , وعلى إحدى طرق القوافل المستغرقة في القدم الآتية من عدن إلى أورشليم كان من بواعث دهشتنا كثرة ما وجدنا من آثار التجارة , فكثيرًا ما كنا نمر وسط قافلة صغيرة من الجمال أو الحمير أو البغال وهي تسير بغاية المشقة بسبب رداءة الطرق , فكان مشيها شديد الإيلام , والتعسر , وهي تتسلق المسالك العالية الوعرة .
    والظاهر أن من أسباب تلك التعسيرات في الطرق هو أن يجعلوها صعبة السلوك على الأجانب الذين يقصدن تلك الجهات .
    *** ( من كلامي في وداع الإمام ) في حديثي الأخير مع الإمام قبل الوداع تكلمنا في كثير من الشؤون المتعلقة ببلاده عسى أن أجد شيئًا أستطيع فيه خدمة ما له ، فذكر أنه يوجد في اليمن قدر وافر من المعادن الثمنية , وأنه يرغب في الحصول على أهل العلم الواسع في المعدنيات ؛ ليقوموا بدرس الموجود فيها .
    إنه يعسر جدًّا على هؤلاء الفقراء أن يزيدوا كثيرًا على ما عندهم من أدوات الزينة , وكل ما يأتونه من الجهود العقلية في هذا السبيل يؤسف له , ويرثى ؛ فإن الجندي هناك شديد الولوع بأن يشكل في وعاء رأسه عذقًا صغيرًا أخضر اللون ، وأما الرجال والنساء ، فلرغبتهم في زيادة التجمل ؛ كثيرًا ما يلجؤون إلى النيلة , وما تجديهم إلا قليلاً .
    إن حاكم ( صعدة ) السابق المؤتلف الآن مع الإمام أنبأنا أن في ( صعدة ) , وحولها اعتاد الناس من قرون أن يرقصوا نوعين من الرقص يشترك فيها الرجال , والنساء يشبهان نوعين آخرين من رقص أهل الغرب .
    يوجد في اليمن جنسان آخران من الشعوب , أو القبائل غير اليهود ( أحدهما ) يزعم أنه من سلالة قحطان , أو ( يقطن ) , وهو من أخلص الأجناس البشرية ، حسن البنية والشكل ، وقوي البأس ، عادم اللحية ، ربعة القوام , عريض الجهة ، يميل جلده إلى اللون النحاسي على اختلاف في المقدار ، وآحاد هذه القبيلة يقلون من الملابس بحكم البيئة حتى إن شيوخهم ومقدميهم الذين يذهبون إلى عدن يضطرون اضطرارًا إلى زيادة شيء من الملابس المصنوعة لهذا الغرض , وأما الجنس الثاني , فإنسانه أطول قامة , وعليه مسحة من الجمال , وتراه على الغالب كامل اللحية كثير الملابس .
    ولما كانت درجة الحرارة الجوية واحدة في كل من البقعتين ؛ نرى أن مذهب الفيلسوف هربوت سنبسر تنجلي حقيقته في حال هذا الشعب , ( وهو أن الزينة تسبق الاكتساء ) , وأما أصل هذا الجنس الثاني فيقال : إنه من ذرية إسماعيل صلى الله عليه وسلم ، وإنه أتى من الشمال , وإن دمه ودم اليهود مشتركان .
    *** ( همة اليمني في العمل ) إن اليمني بما يتيسر له من عدة العمل الحاضرة ؛ يمكنه زيادة إنتاجه بكده , وكدحه في العمل الذي يمتد من شروق الشمس إلى غروبها حالة كون الأميركي بما له من تفوق العدة , والأدوات تقدر قوته قوة أربعين حصانًا , أو ما يعادل 250 من قوة اليمني , وتكون نتاج عمله على هذه النسبة .
    وإن من اعتاد حياة الغرب ليحار في هذا السؤال وهو : كيف يتأتى لشعب كأهل اليمن أن يعيشوا في بيئة كبيئته حيث أحوال الحياة تكاد تكون واحدة للإنسان , والحيوان ؟ وكيف يستطيعون تحمل مشاقها وشظفها ؟ لكنا بالرغم من ذلك كله نراهم عائشين مع قلة وسائل العيشة والراحة ونصب العمل دون أن تبدو منهم أمارات الشكوى المؤلمة ، ولقد انقضى على سكان اليمن القرون وهم في هذه الحالة من بؤس العيش وخلوهم من مادة البقاء لا يدرون شيئًا من حالة غيرهم في أمور المعيشة , ومع ذلك تراهم على الجملة قانعين راضين يحمون أرضهم وحكومتهم التي منها وعن يدها تنتج لهم هذه الأحوال .
    أما بلاد الغرب , فهي مع وجود أسباب الراحة , والهناء حتى لا أقول : معدات اللذات , والمسرات ؛ ترى الناس لا ينقطعون عن التشكي , والتبرم من أحوالهم , وهم أبدًا على قدم الانفجار , والقيام بإيقاد نيران الثورات كلما أتاحت لهم الفرصة , وأتاحت لهم الأقدار ذلك .
    إن سكان الجبال في جميع الأرض معروفون بحب الاستقلال , وإيثاره على كل ما سواه من أمور الحياة , مشهورون بقوة البدن , وشدة البأس على نسبة بيئتهم , وشظف حياتها , ومما يحسن ذكره ووقعه على الخواطر أني لقيت رجلين يمنيين : أحدهما يهودي , والآخر مسلم زارا أميركا , وبعد أن أقاما فيها عدة أعوام غلبهما الحنين إلى تلك الجبال اليمنية التي ولدا فيها ورضعا لبانها وغذيا بهوائها ومائها ؛ وإذ جد بهما الوجد واستحكم الهيام ؛ عادا أخيرًا إلى تلك الربوع ؛ ليقضيا فيها ما كتب لهما من بقية العمر .
    ثم إن اليمنيين لم يكونوا يطيقون حكم الأتراك بحال , ولا بوجه من الوجوه , فلم يحولوا عن الاعتقاد بأن إمامهم هو الخليفة الحقيقي , وأن لا خليفة إلا من تحدر من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم .
    على أن هناك من ذراريه قومًا يدعون بالأسياد ( على ما تعلمون ) .
    *** ( الطب والعلاج في اليمن ) ليس في اليمن شيء يسمى دواءً وطبًّا حتى أن أحقر عشبة من أعشاب الأرض التي يتداوى بها أحيانًا غير معروفة , فإذا أصيب أحدهم بألم ؛ لم يجد مفرًّا من تحمله ، وإذا غلبته عادية الداء ؛ قضى نحبه بحكم الطبع بلا علاج , ولا دواء .
    على أن هناك عشبة يغلب استعمالها عندهم هي ( القات ) , فقد أتي بها من بلاد الحبشة أيام أتي بشجرة القهوة أيضًا .
    وعلى مقربة من ساحل البحر مدينة أشهر , فيها شجرتان غرستا فيها في بادئ الأمر , وهما شجرة ( القات ) , وشجرة ( القهوة ) , وقد تمكنت في اليمني عادة كعادة الإنكليز , وهي أنهم في نحو الساعة الرابعة من ظهر كل يوم يجلسون جماعات ؛ لتناول ( القات ) ؛ إذ يعدونه ممضوغًا منبهًا , ويزيدونه بهجة ولذة بتعاطي أقداح الحديث كما يتعاطى الندامى كؤوس المدام .
    ومع ما في هذا النبات من أذى إضعاف الأعصاب , فإن كل يمني حتى الجندي العادي على أجره الذي لا يستحق الذكر يجتهد في اقتصاد شيء ما في سبيل تناول ( القات ) وكأن ذلك يذكرنا بعادة الكوكايين عند أهل الغرب .
    *** ( عند ولادة الأولاد ) إن طريقة ولادة الأم في اليمن شديدة القسوة , فالأمر الوحيد المساعد لها حينئذٍ هو الإتيان بمن ترقص على بطن المتألمة البائسة مدة المخاض , ومع كثرة النسل , فإن متوسط الوفيات منهم وافر جدًّا , وقد قال لي أحد حكام المدن الكبيرة : إنه قد فقد 22 صبيًّا وهو عدد يستحق الذكر ويستلفت الأنظار حتى في أسرة عادية أمريكية , ومع ذلك فقد أبقت له العناية ثمانية أولاد على حالة حسنة من الصحة .​
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-12-08
  5. أبو عبدالعزيز

    أبو عبدالعزيز عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-06-29
    المشاركات:
    1,300
    الإعجاب :
    1
    يسعدني تبادل التعليقات والآراء بشأن ما تضمنه المقال.. مع خالص تحياتي
    محمدأبوعبدالعزيز
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-12-08
  7. الرجل الاخر

    الرجل الاخر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-10-22
    المشاركات:
    4,947
    الإعجاب :
    0
    مقال رائع استمتعت بقراءته حرفا حرفا
    و لا ادري لماذا احس و كأنه يحكي حال اليمن و اليمنيين الان و ليس في العشرينات
    حيث هنالك شبه كبييييير بين الحالان...مازال شعبنا الى الان شعب قنوووع و مكتفي باقل الاشياء
    ...و شبه كبير ايضا بين الامام و الرئيس صالح
    خاصة اهتمامهما الكبير بالجيش و تجاهلهم للتعليم و الصحة...الظاهر رئيسنا خريج مدرسة الامام

    شكرا يا عزيزي على المقال
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-12-09
  9. سهيل اليماني

    سهيل اليماني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2000-10-12
    المشاركات:
    5,779
    الإعجاب :
    1
    معلومات تاريخية قيّمة
     

مشاركة هذه الصفحة