ماسئ الاطفال قديمة عبر التاريخ ...

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 539   الردود : 0    ‏2002-07-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-31
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    الاطفال على امتداد التاريخ.. وحتى التاريخ الموغل في القدم، كانوا دائما مستهدفين من قبل ميثولوجيا العبادات الموروثة. وعندما زرت متحف تونس الروماني، وقفت على قصة تقشعر لها الابدان لما احتوت عليه من حادثة هي اقرب ما تكون الى المحرقة (هولوكست)، الا ان ضحاياها لم تتجاوز اعمارهم سن الخمس سنوات فقط!! واداتها لم تكن الحرق، وانما كانت الذبح بالسكين!!

    الحادث الرهيب!!

    قد يتجاوز المؤرخون الحقيقة، ويكذبون لاغراض متباينة.. لكن الحفريات العلمية لا تكذب، فالارض صادقة ابدا، حيث وقع الحادث المخيف، والمذهل عام 310 قبل الميلاد، ورواه المؤرخ اليوناني المعروف باسم (تيودور الصقلي)، كذبه كثيرون من علماء التاريخ.. ولهم العذر، فالحادث يتنافى مع الطبيعة البشرية التي جبلت على الرحمة بالاطفال وحب الطفولة، وقبل ان نبدأ بقراءة ما قالته الحفريات، لنوجز ما ذكره (تيودور الصقلي)، الذي تحدث عن تلك المهرجانات التي تجوب شوارع المدينة، احتفالا لمواكب الاسرى والاسيرات، الذين انتصر عليهم الجيش القرطاجي، فقرطاجة سيدة البحر الابيض في تلك الايام، واساطيلها تغزو كل شواطئ اوروبا، وتعود منها بالغنائم والاسلاب، ويحرصون اشد الحرص على ان يأتوا بالشباب والشابات مأسورين، وهاهم يسيرون في مهرجان، ويلقي الناس عليهم بالزهور والرياحين.. وقد اعدت لهم بيوت جميلة، وسوف يقام لهم احتفال يوم زفاف جماعي كبير. ولكن الصقلي يشير الى ان هؤلاء الاسرى، يسيرون وسط هذه الحفاوة المهرجانية، بينما هم يذرفون الدمع الهتون ويبكون وينوحون.. فكيف يبتهج القرطاجيون بأسراهم ويكرمونهم ويحتفلون بهم ويسكنونهم في اماكن مريحة، بينما اولئك الاسرى المحتفى بهم يسيرون وسط هذه الحفاوة بالبكاء والنواح؟!
    يقول «الصقلي»:
    «ان الاسرى يفعلون ذلك، لانهم مقبلون على احداث فظيعة!! فهم لا يكرمون من اجل التكريم، ولا تعد لهم احتفالات الزفاف، من اجل ان يعيشوا حياتهم الطبيعية، ولكنهم يستخدمون كوسيلة بقصد (الاستفحال)، الذي هدفه الانجاب، ثم ينتزع القرطاجيون اطفالهم منهم، ليذبحوهم قربانا لمعبودهم (بعل)، والى معبودتهم (تانيت)، اذ لا بد من ان يذبح في المعبد عدد من الاطفال، على مشهد من الجميع، تماما كما يتقرب الآخرون الى ربهم بشاة او ببقرة او بناقة.
    واذا لم يفعل القرطاجيون ذلك يوميا في تقديم القرابين من اطفال اسراهم، فعليهم ان يذبحوا اطفالهم هم.. لأن عبادة آلهتهم تقتضي، ان تقدم كل اسرة طفلا من اطفالها قربانا للآلهة ولو لمرة واحدة في العمر. ومن لا يفعل ذلك فليتوقع ما تنزله به الآلهة من الشرور والكوارث التي لا تنتهي.. واذا وجد من لا يطاوعه قلبه على ذبح ولده او ابنته، حينئذ من حق الكهنة اقتحام الدار، وأخذ الطفل بالقوة..!!
    ولهذا اراد القرطاجيون الخروج من تلك القاعدة، من دون ان يستثيروا غضب (بعل) و(تانيت)، فصاروا (يستفحلون) اسراهم ليحل اطفال اولئك الاسرى محل اطفالهم، وقد سكت الكهنة على ذلك.. حتى جاء عام 310 قبل الميلاد، وكان عاما حاسما من تاريخ قرطاجة، فالعداء بين صقلية وقرطاجة، كان دائما مجالا لشن حروب لا تنتهي بينهما، وفي ذلك العام اتخذ حاكم صقلية قرارا بمهاجمة قرطاجة في عقر دارها، وأعد القائد (اجاتوكل) جيشا يتكون من 14 ألف مقاتل، وتوجه به ليحيط قرطاجة بهدف عزلها عن كل الجوانب التي تمكنها من النفاذ الى خارج حدودها.. وبعد ان احكم الطوق على قرطاجة اخذ يسرق وينهب ويحرق ويقتل، فعانى اهل قرطاجة من ويلات العذاب والحصار وما يتعرضون له من اعتداءات احرقت الاخضر واليابس في بلادهم مما دفع بكهنة قرطاجة الى ان يصرخوا في الطرقات بأهلها قائلين: يا أهل قرطاجة، انما وقعت هزائمكم بقضاء من الاله (بعل)، والآلهة (تانيت): لانكم تذبحون قرابين زائفة. وخدعتم آلهتكم. وقدمتم لهما اطفالا ليسوا من اصلابكم او ارحام نسائكم. ذبحتم لهما اطفال الاسرى. ولقد سكت (بعل)، وسكتت (تانيت) عن الخديعة زمنا، عسى ان ترتدعوا، وتكفروا عن خطاياكم، فلم تفعلوا!! فأوقعوا بكم العذاب. وانزلوا بقرطاجة الهزيمة والهوان. وقد آن لكم يا أهل قرطاجة، ان تكفروا عن ذنبكم العظيم، وتذبحوا اطفالا من اصلابكم وارحام نسائكم لـ (بعل) العظيم، و(تانيت) الجميلة..
    وبالفعل، (600) رضيع تقدمت بهم امهاتهم على مدى ثلاثة ايام كقرابين لـ (بعل) و(تانيت).
    ووقف (بومايكار) حاكم قرطاجة عند اقدام الآلهة، وبيده سكينة ذبح ليمارس عمله الرهيب اياما ثلاثة، يتناول من كبير الكهنة الرضيع تلو الرضيع، ويذبح الواحد منهم من الوريد الى الوريد وهو يصيح: يا (بعل) العظيم، ويا (تانيت) الجميلة، ارفعا عنا غضبكما ولترضيا عن شعب قرطاجة.
    وكانت الأم تقدم رضيعها الى الكاهن الذي يتناوله بدوره منها، ثم يدفع به الى (بومايكار) الذي يقوم بذبحه.

    حقيقة الرواية!!

    اما ما مدى الصدق في رواية المؤرخ (تيودور الصقلي)، وهو يوناني وعداؤه للشعب القرطاجي معروف ومشهور؟ فليس هناك من تصدى له بالتكذيب!! ولكن بعد قرن من ذلك الحادث، حينما احرق (سيبيون) كل مدينة قرطاجة، ودمر بيوتها ومزارعها ومعابدها، ظلت مطمورة حتى العصور المتأخرة، حيث تمت الحفريات التي اظهرت لنا حقيقة تلك الحادثة الرهيبة، وبهذا الصدد يقول الدكتور سليم حسن عالم الحفريات، الذي اشترك مع البعثة الفرنسية ـ الانجليزية في حفريات قرطاجة عام 1921:
    «لقد كنت كلما قرأت ما كتبه المؤرخ تيودور الصقلي عن ذلك الحادث يدخلني الشك في صدقه، الى ان عثرنا في الحفريات على حجر بالغ الاهمية، يشبه المسلة الصغيرة.. عثرنا عليه بين ما يمكن ان تسميه مقبرة كبيرة تحت معبد (بعل) حافلة بعظام متكلسة، لما يزيد على 600 جثة لاطفال لا يزيد عمر اكبرهم عن خمس سنوات».
    وكما اشرت فإن هذا الحجر موجود في متحف تونس الروماني، ويستطيع الناظر اليه ان يرى رسما بالغ الوضوح، محفورا عليه رجل يقدم طفلا رضيعا لتمثال كبير يمثل (الاله بعل)..!!
    اذا، لقد اكدت الحفريات صدق ما ذكره المؤرخ (تيودور الصقلي) عن حادثة نحر 600 من الاطفال الرضع، وتقديمهم كقرابين في ثلاثة ايام للآلهة.
    واذا كان برنامج (أبرياء) الذي صور استغلال اطفال جنوب شرق آسيا ابشع استغلال قد قادنا الى استحضار تلك الواقعة التاريخية التي حدثت وقائعها قديما في قرطاجة، فإن ما بين تلك الحادثة وزماننا الراهن، مرت قرون وقرون، كان الاطفال فيها ضحايا سوء تقدير الكبار، فكان الاطفال يتسربلون ما بين الجوع والامراض التي كانت تفتك بهم، ناهيك مما كانوا يتعرضون له من انتهاكات اخرى لا يتسع المجال لشرحها، بل في زماننا الراهن، تتحدث الاحصائيات المخيفة عن ارقام مهولة لاطفال مشردين في امريكا اللاتينية، وخاصة في البرازيل، وما اكثر ما شاهدنا عبر شاشات التلفزيون اطفالا، يفتك بهم الجوع في اغنى القارات (افريقيا).
    اما عن الممارسات اللااخلاقية التي يقوم بها الكبار، ويكون ضحيتها الصغار، فالحديث عنها مخجل ومهين للذات الانسانية، وما الصيحات التي ارتفعت في الشارع الكويتي في الاسابيع الماضية، مطالبة بانزال اشد العقوبات بأولئك الذين مارسوا ابشع القذارات مع الطفلة امينة يوم اعتدوا عليها ثم قاموا بتقطيعها. الا دليل على ان النفس السوية ترفض المساس ببراءة الطفولة.
    وللطفولة المنتهكة حقوقها الانسانية فوق ارض فلسطين فهي بحاجة الى مجلدات لا يحدها الحصر.
    * * *
    وما زال الحديث يدور عن ان هناك منظمة ترعى الطفولة في العالم، وهذا كلام صحيح.. فمنظمة الطفولة العالمية موجودة، ولكن اين؟! انهم هناك في مدينة نيويورك يتنقلون بعربات فارهة، ويقضون سهرات لياليهم على موائد اطعمة، فيها كل ما لذ وطاب، ويقارعون اجود انواع الخمور، لأنهم اصحاب مناصب عليا، في منظمة الطفولة العالمية التابعة لمنظمة الامم المتحدة، وهي مؤسسة تقوم على اموال الشعوب.
    ويا ليت ان جزءا من تلك الاموال يوضع في مكانه الصحيح.. ليأكل الاطفال المشردون في مانيللا، وريو دي جانيرو، ربع ما تأكله كلاب وقطط بيفرلي هيلز!!

    من مقالة للدكتور / نجم عبدالكريم في 27/7/2002
     

مشاركة هذه الصفحة