"الفتحاويون" الجدد.. انقلاب في فتح وعلى حماس

الكاتب : ياسر العرامي   المشاهدات : 363   الردود : 0    ‏2006-12-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-12-03
  1. ياسر العرامي

    ياسر العرامي كاتب صحفي

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    2,015
    الإعجاب :
    0
    بقلم : محمد جمعة**


    كم هي مثيرة ولافتة النتائج التي تمخضت عنها اجتماعات المجلس الثوري لحركة فتح مؤخرا، والتي انتهت إلى قرار مفاجئ هو انتخاب الرئيس محمود عباس قائدا عاما لحركة فتح، بكل ما ينطوي عليه ذلك من إشارات ورسائل سيكون لها تأثيرها الكبير والمباشر على ما يدور الآن من مشاورات بشأن حكومة الوحدة الوطنية، وإمكانات التوافق حول المرحلة المقبلة من عمر هذه الحكومة في حال خروجها إلى النور، بل وتأثيرها أيضا على كامل البرنامج أو المشروع الوطني الفلسطيني برمته، بالنظر إلى ما أحدثه ذلك القرار من انقلاب داخل حركة فتح، لصالح العناصر الأشد ارتباطا بمشروع التسوية، والأكثر رفضا لعسكرة الحركة.

    القادمون الجدد في فتح

    انتخاب "أبو مازن" لهذا الموقع من قبل المجلس الثوري للحركة، بعد فشل اجتماع «مركزية فتح» مرتين متتاليتين في سبتمبر وأكتوبر 2006، يأتي في إطار تعزيز صلاحيات أبو مازن، كما قال عضو المجلس الثوري لحركة فتح "محمد دحلان" لوكالة فرانس برس، ما يعني تأكيد وراثة الرجل لزعامة ياسر عرفات، وهو ما يعني انقلابا على "القسمة" الأولية التي أعقبت رحيل عرفات، والتي منحت فاروق القدومي زعامة الحركة -أمين سرها بحسب التسمية المعتمدة- مقابل رئاسة اللجنة التنفيذية ورئاسة السلطة لـ"أبو مازن".

    وفي هذا السياق يتعين لفت الانتباه إلى أن منصب القائد العام للحركة لم يعد له وجود من الناحية العملية، وإن بقي منصوصا عليه في النظام الأساسي لفتح، فالقيادة العامة -بحسب ما ورد في المادة (15) من اللائحة الداخلية للجنة المركزية- مهمة من مهام اللجنة المركزية، وهي مهمة عسكرية في الأساس، ترتبط بوجود قوات ثورية مسلحة لحركة فتح التي كانت سابقا قوات "العاصفة" تمثل هذا الجناح، وتم دمجها في قوات جيش التحرير الوطني الفلسطيني إلى جوار قوات من الفصائل الأخرى أيضا، ثم أصبحت بعد اتفاقات أوسلو ضمن قوات الشرطة والأمن الوطني، وهي من مؤسسات السلطة، ومن ثم لم يعد لها وجود في إطار الحركة، وإن كان أفرادها وضباطها من أبناء الحركة، ومن ثم فإن منصب القائد العام لم يعد موجودا كما سبقت الإشارة.

    ولو افترضنا جدلا أن كتائب شهداء الأقصى التي تشكلت أثناء انتفاضة الأقصى تم الاعتراف بها حركيا ضمن أطر «فتح»، رغم أن العديد من "المتنفذين" داخل الحركة تنصلوا من أعمالها، فإن الرئيس "أبو مازن" لا يعترف ولا يقر بخيار المقاومة المسلحة إلى جانب «النضال السياسي»، وقد أعلن موقفه بشأن ذلك بوضوح، فكيف إذن سيكون هو القائد العام لهذه القوات؟ اللهم إلا إذا أمر أبو مازن قواته العسكرية بمهاجمة المحتل، أو على الأقل التصدي بالرد على أي اعتداء يقوم به على الشعب الفلسطيني، وهو أمر مستبعد في رؤية "أبو مازن".

    المقصد إذن من هذا الاستطراد هو الإشارة إلى طبيعة ما حدث داخل «فتح»، والتأكيد على أن الحديث عن حل "إشكالية الرجل الأول" داخلها بانتخاب القائد العام لا يخرج عن كونه محاولة للالتفاف والتعدي على صلاحيات فاروق القدومي -أمين السر- وليس في إطار الإصلاحات التي تتم داخل الحركة كما يدّعي فريق "أبو مازن"، وخرقا للنظام الأساسي الذي يطالب هذا الفريق بعقد المؤتمر العام السادس للحركة التزاما ببنوده!

    وبناء على ما سبق، يمكن استنتاج الخطوة التي تعقب مثل هذا الإجراء من قِبل "أبو مازن" وفريقه، والمتمثلة دون شك في قيام عباس -ربما خلال أيام أو أسابيع من الآن- بإضافة أعضاء في المجلس الثوري، ووصولا إلى اللجنة المركزية التي لن تتوقف المساعي قبل إضافة ستة أعضاء جدد إليها، ومن المرجح أن يكونوا من فريق عباس التالي: محمد دحلان، ونبيل عمرو، وروحي فتوح، وعزام الأحمد، وحمدان عاشور، إضافة إلى مروان البرغوثي الذي تجرى الآن عملية استدراجه إلى ذات المجموعة من أجل منحها بعض المصداقية.

    تأتي جميع هذه التحولات داخل فتح في إطار تشديد قبضة تيار رفض العسكرة على الحركة، وهو تيار تبلور في فتح قبل رحيل عرفات، ويحظى بدعم واضح من الولايات المتحدة وبعض الأوروبيين، ويقوم برنامجه على عنوان عريض هو: القبول بما تتيحه موازين القوى الدولية في قراءتها الأكثر بؤسا وعجزا، أي تلك التي لا ترى على الأرض غير السطوة الأمريكية، إلى جانب عنوان آخر هو: رفض كل ما يمت إلى المقاومة المسلحة بأدنى صلة، ومن ثم تحويل «فتح» عمليا من حركة "تحرر وطني" إلى "حزب سياسي" أو "حزب سلطة" بتعبير أدق، في دولة مؤقتة كتلك التي رسم شارون ملامحها، ويسير أولمرت من أجل تحقيقها على الأرض.

    وكان هذا التيار قد بدأ جهوده للسيطرة على حركة فتح منذ عام 2002، وحاول الانقلاب بقوة السلاح على عرفات في يوليو عام 2004، لكنه فشل، كما حاول قبلها الانقلاب عليه أو تحجيمه دستوريا من خلال الضغوط الخارجية. ونتذكر في هذا السياق كيف فرض الأمريكيون على عرفات تعيين "أبو مازن" رئيسا للوزراء، ومحمد دحلان وزيرا للداخلية.

    وفي هذه الآونة يبذل التيار المذكور جهدًا مزدوجًا يتمثل شقه الأول في السعي إلى السيطرة على حركة فتح، وهي التي بدأت -كما سبقت الإشارة- منذ أيام عرفات، وحققت نجاحات كبيرة في قطاع غزة، حيث تمكن محمد دحلان عبر الأموال التي وضعت بين يديه من السيطرة على معظم مفاصل التنظيم، ثم تحقق له نجاح آخر من خلال انتخاب "أبو مازن" قائدا عاما للحركة، ولن تنتهي جهود هذا التيار حتى تتم له السيطرة على «مركزية فتح»، وتحجيم عناصرها القدامى الذين لا يتردد بعضهم في وصف القادمين الجدد ومن يساندونهم بـ «التيار الإسرائيلي».

    انقلاب "فتحاوي" على حماس

    والشق الآخر الذي لا يقل أهمية هو المتعلق بمساعي الانقلاب على حكومة حماس، بداية عبر استدراجها إلى خطاب جديد يشوهها ويمهد الطريق لإقصائها، الأمر الذي لم ينجح ليؤدي إلى التفكير في طريقة للانقلاب عليها بسطوة القوة، سواء أكان ذلك بيد الحرس الرئاسي الذي يجري الآن تفعيله بمختلف الوسائل، أم من خلال برنامج إسرائيلي يقوم على الهجوم على قطاع غزة، وتقليم الأظافر العسكرية لحماس من أجل تسهيل الانقلاب عليها.

    ومن المؤكد أن خيارات هذا التيار لا تزال مفتوحة، ولكن بوصلته تتجه صوب إنهاء الوضع القائم بأي وسيلة، اليوم أو غدا، بعد سنة أو أكثر، حتى لو استغرق ذلك ثلاث سنوات أخرى هي عمر المجلس التشريعي الحالي، لا سيما أن هؤلاء متيقنون -بناء على ضمانات عربية وأمريكية وإسرائيلية وأوروبية- من أن الأمور ستعود إلى سابق عهدها بعد قليل من الوقت؛ لأن الترتيبات التي يفكر بها أولمرت وغدت موضع إجماع أو ما يشبه الإجماع في الأوساط الإسرائيلية بعد بناء الجدار والانسحاب من غزة، إنه لا بد من سلطة فلسطينية وحزب حاكم لا يؤمن بغير المفاوضات، ويقبل تبعا لذلك بالدولة المؤقتة، حتى إن واصل رفضها والنضال من أجل تغيير واقعها من خلال الأطر السياسية فقط دون العسكرية، ومن خلال الضغوط الدولية!

    وفي السياق ذاته يمكن الإشارة إلى أن هذا «التيار الفتحاوي» باشر منذ فوز حماس بالانتخابات، ولا يزال، خياراته للانقلاب على حماس من خلال «ترقيص الحكومة خمسة بلدي» على حد قول محمد دحلان، حيث تمثلت الرقصة الأولى بالفلتان الأمني المنظم الذي قادته أجهزة وعناصر أمنية معينة، والرقصة الثانية حملة إعلامية شديدة لجهة تشويه «حماس»، وفض الناس عنها، وتحميلها مسئولية الحصار وحرب التجويع التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، والرقصة الثالثة كانت «تسمين» مكتب الرئيس عباس ليصبح مؤسسة تنتظم فيها حكومة ظل رموزها وزراء في الحكومات السابقة، تعمل على سحب الصلاحيات من حكومة حماس لجهة شلها، وإظهارها بمظهر العاجز الفاشل أمام شعبها، فيما تمثلت الرقصة الرابعة بمسرحية "وثيقة الأسرى" التي نجحت حماس باحتوائها والتوقيع عليها بعد تعديلها، حيث أصبحت سلاحا في يد حماس لا ضدها، أما الرقصة الخامسة فتمثلت في الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية واستمرار التهدئة، وهو إجراء في جوهره مجرد "وقت مستقطع" أو فاصل ضروري أملته الظروف المحلية والإقليمية والدولية بانتظار إعادة الوضع إلى نصابه. وقد يكون ضروريا كي يرتب التيار "المتنفذ" أوراقه داخل «فتح»، وفي أطر السلطة، من أجل أن تتم العودة بطريقة سلسة، وإلا فلماذا يجري الحديث عن إعادة قوات بدر من عمان إلى غزة، وتسليح الحرس الرئاسي، ومده بالأموال والمعدات اللازمة، في ذات الوقت الذي يبشرون فيه بحكومة الوحدة الوطنية والتوافق وفك الحصار؟

    فالملاحظ أن كل الخطوات السابقة، وخاصة خطوة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، تزامنت مع مساع حثيثة جرت، ولا تزال، بتكتم شديد وسرية لجهة إعادة الاعتبار لمؤسسة الرئاسة، بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بها إبان الحصار على «القائد الرمز أبو عمار»، وتسمين قوات أمن الرئاسة أو ما يعرف بـ «القوة 17» ليصل عدد أفرادها إلى (10000) مسلح، وعلى رأسهم أكفأ عناصر الأمن الوطني والشرطة من "الفتحاويين" الأقحاح، وأكثرهم إخلاصا للرئيس، إضافة إلى ضم "لواء بدر" ذي التدريب الأردني والتسليح الأمريكي إلى قوات عباس، ويقود هذه المساعي المنسق الأمني الأمريكي في الضفة وغزة الجنرال «كيث دايتون»، رغم أن كلفة التسليح والتدريب والرواتب لهذه القوات تصل إلى نحو (300) مليون دولار، قد تقتطع من أموال السلطة الفلسطينية المجمدة لدى إسرائيل (حوالي 550 مليون دولار) بعدما رفض الكونجرس الأمريكي اعتماد صرف هذه الأموال.

    وبما أن دايتون لن يسعى بالتأكيد لإنشاء قوة مسلحة قد تشكل أدنى تهديد لإسرائيل، فإن الهدف من هذه القوات هو ضمان هزيمة حركة حماس في أي مواجهة فلسطينية داخلية -لا يجب استبعادها- رغم المساعي الحثيثة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

    واللافت أنه مع بدء المشاورات لتشكيل حكومة الوحدة تم تكثيف إدخال شحنات السلاح لقوات حرس الرئاسة في الضفة والقطاع على مرأى ومسمع الجميع، بل إن أكثر من وزير إسرائيلي صرح أنه يجب تقوية ما أسموهم بـ"المعتدلين" في السلطة لمواجهة حماس، ولوقف إطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية. وقد تزامنت هذه التصريحات مع حملات عسكرية لم تنقطع على غزة، وحملة اغتيالات طالت النواة الصلبة لكتائب القسام على وجه أخص، الأمر الذي يؤكد أن هدف ذلك إضعاف حماس إلى أبعد مدى ممكن قبل أن تلوح في الأفق بوادر أي مواجهة مع «القوى المعتدلة» في مناطق السلطة.

    خلاصة القول أن ما جرى ويجري في «فتح» لا يعني الحركة وحدها، وإنما هو جزء من مخطط ترتيب أوراق القضية الفلسطينية برمتها، وما تحضر له بعض الأطراف من سيناريوهات ومخططات عبر الاستقواء بلواء بدر، والتزود بشحنات لم تنقطع من السلاح والتجهيزات العسكرية العربية والأمريكية، يعد بنظر الكثيرين التهديد الأكبر المنتظر في الساحة الفلسطينية، وأن كل ما يدور عن حكومة الوحدة بعد حرب التجويع الطويلة إنما هو مجرد مناورة لكسب المزيد من الوقت، لاستكمال الجهوزية اللازمة لتنفيذ تلك التصورات.

    ـــــــــــــــــــــ
    ** باحث متخصص في الشئون الفلسطينية.

    http://www.yemen-press.com/news.php?go=fullnews&newsid=218
     

مشاركة هذه الصفحة