من ثمرات الايمان

الكاتب : الناصح السلفى   المشاهدات : 460   الردود : 0    ‏2006-12-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-12-02
  1. الناصح السلفى

    الناصح السلفى عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-12
    المشاركات:
    7
    الإعجاب :
    0
    هذا فصل من كتاب تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن
    للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى
    فصل في ذكر الفوائد و الثمرات المترتبة على التحقق بهذه العقائد الجليلة
    اعلم أن خير الدنيا و الآخرة من ثمرات الإيمان الصحيح ؛ وبه يحيى العبد حياة طيبة في الدارين ؛ و به ينجو من المكاره والشرور ؛ وبه تخف الشدائد و تُدْرَك جميع المطالب ، ولنشر إلى هذه الثمرات على وجه التفصيل ، فإن معرفة فوائد الإيمان و ثمراته من أكبر الدواعي إلى التزود منها .
    فمن ثمرات الإيمان :
    • أنه سبب رضى الله . الذي هو أكبر شيء ؛ فما نال أحد رضا الله في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان و ثمراته . بل صرح الله به في كتابه في مواضع كثيرة ، و إذا رضي الله عن العبد قَبِل اليسير من عمله و نمّاه ، و غفر الكثير من زلله ومحاه .
    • و منها : أن ثواب الآخرة ودخول الجنة والتنعم بنعيمها ، و النجاة من النار وعقابها؛ إنما يكون بالإيمان ، فأهل الإيمان هم أهل الثواب المطلق ، و هم الناجون من جميع الشرور .
    • و منها :أن الله يدفع و يدافع عن الذين آمنوا شرور الدنيا و الآخرة ، فيدفع عنهم كيد شياطين الإنس والجن،ولهذا قال تعالى:{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(99)(سورة النحل).
    و لما ذكر إنجاءه ذا النون قال : { وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} (88) ( سورة الأنبياء ) .أي من الشدائد و المكاره إذا وقعوا فيها . و الإيمان بنفسه و طبيعته يدفع الإقدام على المعاصي ، و إذا وقعت من العبد دفع عقوباتها بالمبادرة إلى التوبة كما قال  : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ...) إلى أخر الحديث . فبين أن الإيمان يدفع وقوع الفواحش ؛ و قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}(201) ( سورة الأعراف ) .
    • و منها : أن الله وعد المؤمنين القائمين بالإيمان بالنصرة وأحقه على نفسه ، فمن قام بالإيمان و لوازمه و متمماته فله النصرة في الدنيا والآخرة ؛ وإنما ينتصر أعداء المؤمنين عليهم إذا ضيعوا الإيمان و ضيعوا حقوقه و وجباته المتنوعة .
    • و منها : أن الهداية من الله للعلم و العمل و لمعرفة الحق و سلوكه ، هي بحسب الإيمان والقيام بحقوقه ، قال تعالى : {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ } (16) ( سورة المائدة ) .
    و معلوم أن إتباع رضوان الله _ الذي هو حقيقة الإخلاص _ هو روح الإيمان و ساقه الذي يقوم عليها ، قال تعالى :{ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } (11) ( سورة التغابن ) . فهذه هداية عملية ،هداية توفيق و إعانة على القيام بوظيفة الصبر عند حلول المصائب إذا علم أنها من عند الله فرضي وسلم و انقاد .
    • و منها : أن الإيمان يدعو إلى الزيادة من علومه و أعماله الظاهرة و الباطنة ، فالمؤمن بحسب إيمانه لا يزال يطلب الزيادة من العلوم النافعة و الأعمال النافعة ظاهراً وباطناً ، و بحسب قوة إيمانه يزيد إيمانه و رغبته وعمله ؛ كم قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } (15) (سورة الحجرات).
    {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (2)( سورة الأنفال ) .
    { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } (124) (سورة التوبة) .
    • و منها : أن المؤمنين بالله و بكماله و عظمته و كبريائه و مجدة ، أعظم الناس يقيناً و طمأنينة و توكلاً على الله ، و ثقة بوعده الصادق ، ورجاءً لرحمة و خوفاً من عقابه ، و أعظمهم إجلالاً لله و مراقبة ، و أعظمهم إخلاصاً وصدقاً ، و هذا هو صلاح القلوب ، لا سبيل إليه إلا بالإيمان .
    • و منها : أنه لا يمكن للعبد أن يقوم بالإخلاص لله و لعباد الله و نصيحتهم على وجه الكمال إلا بالإيمان ، فإن المؤمن تحمله عبودية الله و طلب التقرب إلى الله و رجاء ثوابه و الخشية من عقابه على القيام بالواجبات التي لله و التي لعباد الله .
    • و منها : أن المعاملات بين الخلق لا تتم و تقوم إلا على الصدق و النصح و عدم الغش بوجه من الوجوه ، و هل يقوم بها على الحقيقة إلا المؤمنون ؟ .
    • و منها : إن الإيمان اكبر عون على تحمل المشقات ، و القيام بأعباء الطاعات ، و ترك الفواحش التي في النفوس داعٍ قوي إلى فعلها . فلا تتم هذه الأمور إلا بقوة الإيمان .
    • و منها : إن العبد لابد أن يصاب بشيء من الخوف و الجوع ، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. و هو بين أمرين : إما أن يجزع و يضعف صبره ، فيفوته الخير و الثواب، و يستحق على ذلك العقاب ، و مصيبته لم تقلع ولم تخف، بل الجزع يزيدها. و إما أن يصبر فيحظى بثوابها، و الصبر لا يقوم إلا على الإيمان. و إما الصبر الذي لا يقوم على الإيمان كالتجلد و نحوه، فما اقل فائدته، و ما أسرع ما يعقبه الجزع. فالمؤمنون أعظم الناس صبرا و يقينا و ثباتا في مواضع الشدة .
    • و منها : أن الإيمان يوجب للعبد قوة التوكل على الله ؛ لعلمه و إيمانه أن الأمور كلها راجعة إلى الله و مندرجة في قضائه و قدره ، و أن من اعتمد عليه كفاه، ومن توكل على الله فقد توكل على القوي العزيز القهار . و مع انه يوجب قوة التوكل ، فإنه يوجب السعي و الجد في كل سبب نافع لان الأسباب النافعة نوعان : دينية و دنيوية .
    فالأسباب الدينية : هي إيمان ، و هي من لوازم الإيمان .
    و الأسباب الدنيوية قسمان :
    سبب : معين على الدين و يحتاج إليه الدين ، فهو أيضا من الدين ، كالسعي في القوة المعنوية و المادية التي فيها قوة المؤمنين .
    وسبب : لم يوضع في الأصل معينا على الدين و لكن المؤمن لقوة إيمانه ورغبته فيما عند الله من الخير يسلك إلى ربه و ينفذ إليه مع كل سبب وطريق ، فيستخرج من المباحات بنيته و صدق معرفته و لطف علمه بابا يكون به معينا على الخير ، مجمّاً للنفس ، مساعدا لها على القيام بحقوق الله و حقوق عباده الواجبة و المستحبة ؛ فيكون هذا المباح حسنا في حقه ، عبادة لله ؛ لما صخبه من النية الصادقة ، حتى إن بعض المؤمنين الصادقين في إيمانهم و معرفتهم ربما نوى في نومه و راحته و لذاته القوي على الخير و تربية البدن على العبادات و تقويته على الخير ، و كذلك في أدويته و علاجاته التي يحتاجها . و ربما نوى في اشتغاله في المباحات أو بعضها الاشتغال عن الشر ، و ربما نوى بذلك جذب من خالطه و عاشره بمثل هذه الأمور على فعل خير أو إنكفاف عن شر .
    و ربما نوى بمعاشرته الحسنة إدخال السرور و الانبساط على قلوب المؤمنين ، و لا ريب إن ذلك كله من الإيمان و لوازمه . و لما كان الإيمان بهذا الوصف ، قال تعالى في عدة آيات من كتابه : {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (23) (سورة المائدة) .
    • ومنها : إن الإيمان يشجع العبد و يزيد الشجاع شجاعة ؛ فانه لاعتماده على الله العزيز الحكيم و لقوة رجائه و طمعه فيما عنده تهون عليه المشقات ، و يقدم على المخاوف واثقا بربه راجيا له راهبا من نزوله من عينه لخوفه من المخلوقين ؛ و من الأسباب لقوة الشجاعة أن المؤمن يعرف ربه حقا و يعرف الخلق حقا ، فيعرف إن الله هو النافع الضار المعطي المانع ، الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ، و لا يدفع السيئات إلا هو ، و انه الغني من جميع الوجوه ، و انه ارحم بعباده من الوالدة بولدها و ألطف به من كل احد ، و أن الخلق بخلاف ذلك كله . ولا ريب أن هذا داعٍ قوي عظيم يدعو إلى قوة الشجاعة وقصر خوف العبد و رجائه على الله ، وأن ينتزع من قلبه خوف الخلق و رجاءهم وهيبتهم .
    • و منها : إن الإيمان هو السبب الأعظم لتعلق القلب بالله في جميع مطالبه الدينية و الدنيوية ؛ و الإيمان القوي يدعو إلى هذا المطلب الذي هو أعلى الأمور على الإطلاق ، و هو غاية سعادة العبد ؛ و في مقابلة هذا يدعو إلى التحرر من رق القلب للمخلوقين ، و من التعلق بهم ؛ و من تعلق بالخالق دون المخلوق في كل أحواله حصلت له الحياة الطيبة ، و الراحة الحاضرة ، و التوحيد الكامل ، كما أن مَنْ عكس القضية نقص إيمانه و توحيده ، و انفتحت عليه الهموم و الحسرات. ولا ريب أن هذين الأمرين تبع لقوة الإيمان و ضعفه ، و صدقه و كذبه ، و تحققُّه حقيقةً أو دعواه و القلب خال منه .
    • ومنها : أن الإيمان يدعو إلى حسن الخلق مع جميع طبقات الناس ، كما قال النبي  :( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) . و جماع حسن الخلق : أن يتحمل العبد الأذى منهم ، و يبدل إليهم ما أستطاع من المعروف القولي و البدني و المالي ، وأن يخالقهم بحسب أحوالهم بما يحبون إذا لم يكن في ذلك محذور شرعي ، وأن يدفع السيئة بالتي هي أحسن ، و لا يقوم بهذا الأمر إلا المؤمنون الكُمّل ؛ قال تعالى :{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (35) (سورة فصلت) .
    و إذا ضعف الإيمان أو نقص أو انحرف ، أثّر ذلك في أخلاق العبد انحرافاً بحسب بُعده عن الإيمان .
    • و منها : أن الإيمان الكامل يمنع من دخول النار بالكلية ، كما منع صاحبه في الدنيا من عمل المعاصي ، ومن الإصرار على ما وقع منه منها ، و الإيمان الناقص يمنع الخلود في النار و إن دخلها كما تواترت بذلك النصوص بأنه يخرج من النار من كان معه مثقال حبة خردل من إيمان .
    • و منها : أن الإيمان يوجب لصاحبه أن يكون مُعْتَبَراً عند الخلق أميناً ، ويوجب للعبد العفة عن دماء الناس و أموالهم و أعراضهم ؛ و في الحديث: ( المؤمن من أمنه الناس على دمائهم و أموالهم )؛ و أي شرف دنيوي أبلغ من هذا الشرف الذي يبلغ بصاحبه أن يكون من الطبقة العالية من الناس لقوة إيمانه و تمام أمانته ، ويكون محل الثقة عندهم و إليه المرجع في أمورهم ، وهذه من ثمرات الإيمان الجليلة الحاضرة .
    • و منها : أن قوي الإيمان يجد في قلبه من ذوق حلاوته ولذة طعمه و استحلاء آثاره ، و التلذذ بخدمة ربه و أداء حقوقه و حقوق عباده – التي هي موجب الإيمان و أثره – ما يُزري بلذات الدنيا كلها بأسرها ، فإنه مسرور وقت قيامه بواجبات الإيمان و مستحباته ، و مسرور بما يرجوه و يؤمله من ربه من ثوابه و جزائه العاجل و الآجل ، ومسرور بأنه ربح وقته الذي هو زهرة عمره و أصل مكسبه ، و محشوُّ قلبه أيضاً من لذة معرفته بربه و معرفته بكماله و كمال بره ، وسعة جوده و إحسانه و لذة محبته و الإنابة إليه الناشئة عن معرفيه بأوصافه ، و عن مشاهدة إحسانه و مننه .
    فالمؤمن يتقلب في لذات الإيمان و حلاوته المتنوعة ، و لهذا كان الإيمان مسلَّياً عن المصيبات مهوناً للطاعات ، و مانعاً من وقوع المخالفات ، جاعلاً إرادة العبد و هواه تبعاً لما يحبه الله ويرضاه ، كما قال النبي  : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) .
    • و منها : أن الإيمان هو السبب الوحيد للقيام بذروة سنام الدين ، و هو : الجهاد البدني و المالي و القولي ، جهاد الكفار بالسيف و السنان ، و جهاد الكفار و المنافقين و المنحرفين في أصول الدين و فروعه بالحكمة و الحجة و البرهان ، فكلم قوي إيمان العبد علماً ومعرفة و إرادة و عزيمة قوي جهاده ، و قام بكل ما يقدر عليه بحسب حاله و مرتبته ، فنال الدرجة العالية و المنزلة الرفيعة ؛ و إذا ضعف الإيمان ترك العبد مقدوره من الجهاد القولي بالعلم و الحجة و النصيحة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و ضعف جهاد البدني لعدم الحامل على ذلك ، و لهذا قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (15) (سورة الحجرات) .
    فصادق الإيمان يحمله صدقه على القيام بهذه المرتبة التي هي مرتبة الطبقتين العاليتين بعد النبيين : طبقة الصديقين المجاهدين بالعلم والحجة والتعليم و النصيحة ، و طبقة الشهداء الذين قاتلوا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا من دون قتل ؛ و هذا كله من ثمرات الإيمان و من تمامه و كماله . و بالجملة فخير الدنيا و الآخرة كله فرع عن الإيمان و مترتب عليه ، و الهلاك و النقص إنما يكون بفقد الإيمان و نقصه ، و الله المستعان .


    منقول......
     

مشاركة هذه الصفحة