حوار صريح مع حارث الضاري

الكاتب : ابو العتاهية   المشاهدات : 429   الردود : 0    ‏2006-11-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-28
  1. ابو العتاهية

    ابو العتاهية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-10-22
    المشاركات:
    9,979
    الإعجاب :
    0
    عندما تلتقي بالدكتور الشيخ حارث الضاري، تُدرك بأنك أمام حالةٍ خاصة لا تُمثل نفسَها وحسْب، بل تُمثل العراق جميعَه. فالرجل مَسكونٌ بوحدة العراق، وكلُّ ما يتفوه به ـ وهو قليل الكلام على كلِّ حال ـ يَصبُّ في هذه المصلحة.
    هو حالةٌ خاصةٌ لأنك كلما اقتربتَ منه، وسمعتَ عنه ومنه، علمتَ أنك لا تتحدثُ عن رجلِ المرحلة وحسْب، بل تكتشفُ بأنك تتحدثُ مع رجل جذوره ضاربةٌ في أعماق العراق، فهو وارثٌ لمنهجِ عائلةٍ قاومت المحتلَّ البريطاني في عشرينات القرن الماضي. فأنت إذن تتحدث مع تاريخ العراق. وأنت تتحدث مع رجل يمثل حاضر العراق، وهذه لا تحتاج لإقامة الدليل عليها. وهو ـ وهذا هو المهم ـ ممن تنعقدُ عليهم آمالُ المُخلصين من العراقيين؛ إنه أمل العراق بما يحمله، هو وهيئة علماء المسلمين، من مشروعٍ لقيادة العراق باتجاه حرية العراق ووحدته.
    وتقسيم العراق يُشكلُّ هاجساً وقلقاً للشيخ، وكلامُه يدور عليه، وهو يعتقد بأنه مشروعٌ صهيوني ويُدلل على ذلك بقوله:
    "إنَّ تقسيم العراق رغبةُ الصهاينة، وقد قال قائلُهم بالأمس القريب: الاحتلال إذا لم يُقسِّم العراقَ فليس ناجحاً. وقال آخر: عربٌ بلا عراق أفضلُ من عربٍ في العراق".
    والحقيقة أنَّ الشيخ لم يبالغ، ذلك أنَّ مشروع تقسيم العراق أولُ أهداف الأجندة الأمريكية الصهيونية الإيرانية. والعجب ممن لا يزال يُشكك في أطماع إيران بالعراق، ويُهوِّن من كلام القائلين بوجود هذا المشروع متهماً إياهم بالمبالغة والتهويل! مع أن كلَّ الأدلة القريبة والبعيدة تدل دلالة واضحة على وجود مثل ذلك المشروع. ورغبةً مني في إنعاش ذاكرة البعض، أعيد ما قاله الخمينيُّ عَشيةَ توقُّفِ الحرب العراقية الإيرانية عام 88، قال: كان ينبغي أن نأكل الضعيف ـ يقصد الخليج ـ ثم نلتف على العراق". وأقول للذين يتهموننا بالتهويل: لِنهوِّل أكثر، ولنفاجئكم أكثر، إننا نعتقد بأنَّ مطامع إيران لا تقف عند العراق، بل تتعداه إلى الخليج خاصة، والمنطقة عامة!
    يقول لك العراقيون، وهم الأدرى بأبعاد المشروع الفارسي:
    إنَّ مشروعهم ـ أي الفرس ـ حقيقيٌّ وذو أبعاد سياسية، واقتصادية، وقومية تاريخية:
    أما السياسي: فتحجيمُ العراق، وإضعافُ دوره في المنطقة، وذلك بإبقائه حبيسَ المشاكل، ميداناً للفتن، مجزءاً، ولذلك يُؤيدون الفدراليةَ التي يتبناها الحكيم ومن هم على شاكلته، على أمل أن يؤدي المشروعُ إلى تقسيم العراق، وإيجاد مَحميَّةٍ فيه. وهذا الهدف تشتركُ فيه أطراف أخرى غير إيران، على رأسهم اليهود والأكراد وغيرهم ...
    أما الاقتصادي: فأنْ تسيطر إيران على نسبة كبيرة من نفط العراق، ويَذكر المطلعون من العراقيين أنَّ شخصيةً خليجيةً التقت شخصيةً إيرانية، ذكر أنه من المسئولين عن الملف العراقي، فقال الإيراني: من البلاهة أن نرى العراق مسرحاً لهذه الفوضى، مفتوحَ الباب لكلِّ الجهات، ولا نسعى إلى الاستيلاء على حقل مجنون! وبالمناسبة يحتوي هذا الحقل على 4 مليار من الاحتياطي النفطي.
    أمَّا القومي التاريخي: فهو أملهم في أن يُعيدوا ما يسمونها الأجزاء التي اقتُطعت من أرض فارس، وهي عندهم من البصرة إلى المدائن، ومنهم من لا يكتفي، فيقول بل هي من البصرة إلى سامراء .
    وإذا تعجبتَ من هذا الكلام كما يتعجبُ أصحابُ النوايا الحسنة، يحتدُّ أحدُهم قائلا: هل من اللازم أن نُحضر لكم عدداً من الشيعة إلى بلادكم حتى تقتنعوا؟!
    ونعود إلى الشيخ، فليس من المعقول أن تلتقي به في هذا الوقت، ولا تسأله عن مذكرة الاعتقال الصادرة بحقِّه، لماذا، وما خلفياتها؟ فيجيب الشيخ:
    "هناك أسباب عديدة أذكرُ منها:
    1ـ جولتُنا العربية التي شملت العديد من الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية. وقد أغضبت هذه الجولةُ كثيراً من المشاركين في العملية السياسية، لأنَّها كسرت الحصار الذي كان مضروباً على هيئة علماء المسلمين منذ ثلاثة أعوام من الاحتلال وأعوانه، إذ عملوا على تشويه سمعة الهيئة عند أشقائنا العرب، وصوروها على أنها هيئةٌ إرهابية، وأنها ضد العملية السياسية، وما إلى ذلك .. فيوم سمعوا بزيارة السعودية اشتطوا غضباً، لأنهم علموا بأنَّ السعودية تأكدت بأنَّ العملية السياسية لا جدوى منها، وأنها أصبحت مأساةَ العراق، بل بوابة الشرِّ المُنتظر للعراق والمنطقة، وأنَّ الحقَّ كان مع المعارضين من البداية .
    2 ـ كان اللقاء الذي أجريتُه مع فضائية العربية قبل نحو أسبوعين، وذكرتُ فيه بعضَ الحقائق، وبعضَ العبارات التي أثارت سُخْط بعضهم، مما دعاهم لاتهامي بهذه التهم.
    3 ـ التغييرات التي جرت في واشنطن بعد الانتخابات النصفية، فهم يَخشوْن مما قد يترتب عليها من تغييرات في العراق، قد تُؤثر على مصالحهم ومشاريعهم .
    4 ـ الإخفاقات العملية في أداء الحكومة الحالية في الجوانب السياسية والأمنية، ومن ذلك فضيحة هجوم وزارة الداخلية على وزارة التعليم العالي، واختطاف مائة وخمسين من الموظفين والمراجعين".
    ورد في كلام الشيخ أنهم يتهمون الهيئةَ بالإرهاب، فما هو الإرهابُ الذي اتهموها به، يقول الشيخ:
    " يريدون بالإرهاب المقاومةَ المشروعة للاحتلال التي نُؤيدها، وهي التهمة التي يُعمِّمونها على كل مَن يعارضهم بالقول أو بالفعل".
    وأسألُ الشيخ عن نتائج هذه المذكرة، فيجيب :
    "تُعَدُّ هذه المذكرة استفتاءً على شعبية الحكومة، وشعبية المعارضين لها، إذ أظهر التأييدُ الشعبي العراقي والعربي والإسلامي للهيئة والقوى الأخرى المعارضة، واستنكارُهم لهذه المذكرة، مدى ضعفِ التأييد لهذه الحكومة، وقد أدهش هذا الاستنكارُ الحكومة، لدرجة أنه أربك تصريحاتها، فوقعت في التناقض حول الجهة التي أصدرت هذه المذكرة، ولا أظنها الآن إلا وتتمنى أنَّها لو لم تكن أصدرتها".
    فضيلة الشيخ هناك من يتهم الهيئة بالسلبية لعدم مشاركتها بالعملية السياسية:
    "أعتقدُ أنَّ دور المعارضين للعملية السياسية، وعلى رأسهم الهيئة، الرافضين للاحتلال الأمريكي وما ترتب عليه من مشاريع، هو الذي أربك مشروع الاحتلال ومشاريع عملائه على اختلاف أنواعهم، وأبقى العراق حيـاً ينتظر استعادة عافيته التي سلبها هؤلاء المجرمون جميعاً".
    وأما عن الذين اشتركوا من أهل السنة في العملية السياسية، فيقول الشيخ:
    "الذين رضوا بالعملية السياسية واشتركوا بها، كانوا عاجزين إذ لم يُمثلوا النِّديةَ المطلوبة للأطراف المُشارِكة، بل كانوا أضعفَ الفئات المشاركة، إذ كانت الهيمنةُ للأطراف الأخرى، ولذلك لم يستطيعوا تقديمَ شيء، لا على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، فكانوا مجرد عناوين لا يستطيعون ردَّ قرار، ولا فرْض أيِّ مطلبٍ على القوى الأخرى، وكان دخولهم غطاء لهذه العملية الخطيرة التي دمرت العراق والشعب العراقي من كل النواحي".
    وعن إعلان الدولة الإسلامية في المناطق السنية، قال الشيخ :
    "أعتقدُ أنَّ هذا ليس من حقهم، لأنهم لم يستشيروا غيرهم من أبناء العراق من سُنَّةٍ وغيرهم، وهذا أولاً.
    ثانياً: إعلان الدولة الإسلامية لا يكون هكذا قبل توفير مُستلزمات نجاح الدولة، ووجودها واقعياً على الأرض، وقدرتها على فرض النظام الذي تتبناه هذه الدولة. فالأرض التي أعلن عن قيام الدولة عليها، ليس أمرها عائداً إلى جهة من الجهات، بل هي ساحةُ عملياتٍ حربية.
    ثالثاً: إنَّ رئيس الدولة المُقترَح غير معروف لأهل هذه المنطقة فضلاً عن غيرهم، ومن شروط الخليفة أنْ يكون معروفاً باسمه وسيرته، وبصلاحيته الجسمية والعقلية، وبإخلاصه للمبادئ التي تقوم عليها الدولة، ولا بد من عرض اسمه على أهل المنطقة ليبايعوه إذا توفرت فيه الشروط .
    رابعاً:
    وقد أشار الشيخ إلى أن الكيان السُّني بخير، وإلى أنَّ الهيئة تتبنى الخطابَ الوطني العام، وهي تعمل من أجل مصلحة العراق، المتمثلة بحريته ووحدته وبمحافظته على هويته العربية الإسلامية.
    ... وفي النهاية، قد تتفقُ مع الشيخ وقد تختلف، ولكنك لا تملكُ إلا أن تحترم كلامَه، فهو صاحبُ رؤية ومشروع ينطلق منهما وينسجم معهما. ومما يزيد احترامك للشيخ ذلك الهدوء الذي لا تُخطئه العين، ولعلَّه ـ ذلك الهدوء ـ هو الذي يستفز أعداءه، وبالرغم من الخطر الذي يتهدده بقي الشيخ محافظاً على هدوئه، ووعيه فيما يقول ويَدَع.
     

مشاركة هذه الصفحة