مؤتمر المانحين فرصة أخيره ... أم رصاصة رحمة ؟

الكاتب : زعيم الغلابه   المشاهدات : 439   الردود : 0    ‏2006-11-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-24
  1. زعيم الغلابه

    زعيم الغلابه عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-22
    المشاركات:
    8
    الإعجاب :
    0
    23/11/2006
    مؤتمر المانحين: فرصة أخيرة.. أم رصاصة الرحمة؟
    عن كلام صالح المهين للمؤسسة الرسمية، ونظرية باجمال عن حصص الفساد
    د.احمد الغزالي - نقلا عن صحيفة الوسط:


    المحصلة المالية الكبيرة التي نتجت عن مؤتمر المانحين في لندن، أساءت اليها تصريحات الرئيس المتكررة عن عدم الثقة الدولية في أي من أجهزة الدولة التي تتخبط قياداتها، في مستنقع العشوائية وانعدام الكفاءة، والفساد. وكلام الرئيس المهين للمؤسسات الرسمية اليمنية، برهان جديد على فشل اعتدنا على سماع مبرراته الواهية، وأصبحنا لا نثق معه في كل كلمات التوسل المهينة. وعجيب أن تشيد به أجهزة الإعلام الرسمية.
    يأتي قبول الرئيس بنظرية أن الدولة اليمنية غير قادرة ولا مؤهلة ولا موثوق في ذمتها، برهاناً يضاف الى براهين الواقع المعاش. وهي المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة، أمام الملأ، بأن مؤسسات حكمه قد أدمنت الفساد الى درجة أصبح معها الإنكار، مثار سخرية المانحين الذين يعلمون عبر مستثمريهم وسفاراتهم، تفاصيل مغامرات الاستثمار في اليمن، وكيف انتهت القروض والمساعدات التي تم تقديمها الى اليمن خلال 28 عاماً.
    وفي هذه المناسبة، وعلى سبيل العبرة، نتذكر كيف قام ولي العهد السعودي بتقديم رسالة بالغة الأهمية الى المؤسسات الرسمية اليمنية، ولم يثق بها لتنفيذ مشروع طريق صبر بمدينة تعز، بل كلف بيتا تجاريا مشهودا له بالأمانة والذمة.
    في لندن اعترف الرئيس بأن 28 عاما من حكمه لم تتمكن من تأهيل مؤسسة واحدة يستطيع أن يقدمها كدليل على نجاح النظام في أداء مهامه التنموية والاقتصادية. وزاد أن تحدث عن «القربة المخزوقة».. و«لجنة المناقصات».. وزعم «استقلالية القضاء»... وتحدث عن انشاء هيئة جديدة لمكافحة الفساد، وهي التي من المفترض أن يكون عملها هو الأسهل بين أخواتها، ذاك أنها يمكنها أن ترى بالعين المجردة ممتلكات المسئولين وأقاربهم، ويمكنها أن توجه لهم أصابع الاتهام دون جهد كبير.
    وإذ يذكر وزير التخطيط والتعاون الدولي (أن اليمن يعاني من انحسار الموارد النفطية، والحاجة الى إيجاد وتوفير مصادر غير نفطية وتحقيق النمو للفقراء، ورأس مال بشري ضعيف، وندرة في المياه، وبنى تحتية ضعيفة، ووصول محدود الى الخدمات الاجتماعية). فماذ بقي بعد كل ذلك ليتباهى به النظام، بعد 28 عاما ونيف. كل ذلك جاء على لسان وزير قريب من الحكم وشديد الصلة به، ولم تقله المعارضة ولا الصحف المستقلة.
    إن شهادات العالم كله على النجاح لن تلقى لدى المواطنين، آذاناً صاغية، ولا قلوبا مفتوحة، ولا عقولا مدركة، إذا لم يعلم الرئيس أن المحك والاختبار الحقيقيين هما في اعتراف المواطن بأن القائمين على أمره هم من ذوي الكفاءة لا من أهل الثقة. إن قوة النظام هي في قوة الرجال الذين يمثلونه، ولا يقنعون بتنفيذ التوجيهات دون أن تكون لديهم الشجاعة لمخالفته إن كان رديئا، ويتحملون مسئوليته، دون الاكتفاء بالعمل حسب التوجيهات التي يصدرها مكتب رئاسة الجمهورية الذي انتزع صلاحيات الحكومة والوزراء والمحافظين، وصار مسيطرا مباشرا على أجهزة الدولة المدنية والأمنية.
    من الممكن أن تمثل المرحلة القادمة تحولا جادا نحو بناء مؤسسي يستطيع استيعاب المبالغ التي تبرعت بها الدول المانحة أو أقرضتها. لكن دعونا نتساءل هل الإرادة السياسية قد بلغت الحد الذي تستطيع معه تجاوز الذين عاثوا فسادا في البلاد، واستنزفوا ثرواته دون رقيب، بل وفي بعض الأحيان بتشجيع وتغييب لفعل القوانين وما أكثرها.
    لا شك أن اليمن قد تقدم خطوات في اتجاه تطوير النظام السياسي، ولكن لم يصاحب ذلك تفعيل لأدوات الحكم ووسائله. لذا فإن النظرة السريعة الى الممسكين بمفاصل الحكم الحقيقية، منذ 28 عاماً، والتعرف على القادرين على حسم الأمور، ينتمون في غالبيتهم العظمى الى دائرة واحدة ضيقة، هي دائرة الثقة لا دائرة الكفاءة والمواطنة المتساوية اللتين تتيحان للجميع فرصا متكافئة لتبوء المواقع التي يستحقونها عن جدارة واستحقاق، وتمكن القادرين من تحقيق طموحاتهم المشروعة الغير مستندة الى انتماء أسري ومناطقي وحق آلهي، ويكون معيارها الكفاءة الحقيقية، كمستند وحيد.
    إن المحاولات الأخيرة لتلميع الصورة الخارجية وتنفيذ متطلبات الحصول على العون الخارجي، عبر قوانين جديدة وهيئات مستحدثة، لن يغير الواقع الآسن. فليس هناك حاجة إلا لتفعيل ما هو موجود من قوانين وأجهزة ولوائح. وما من ضرورة لوجود هيئة جديدة للمناقصات (قال الرئيس أنه يعلم أن اللجنة السابقة كانت مثار لغط كبير في اليمن، فهل حاسب أحدا من الذين عرقلوا مشاريع التنمية لمصالح خاصة: ميناء عدن، مثال فاضح لذلك)، واستقلالية القضاء هل تتحقق بقرار جمهوري، أم بوجود قضاة يتمتعون بالحصانة الكاملة ولا يتدخل في عملهم موظف حكومي معين بقرار جمهوري؟. وعلى الرئيس - إن كان جادا - أن يحيل كل من ذكرتهم تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة الى النائب العام ليحاسبهم، دون حاجة الى أجهزة مستحدثة، إرضاء للجهة التي اقترحتها مقابل مساعدات رغبت السلطة في الحصول عليها، لا لغياب القوانين ولكن لعدم الرغبة في تطبيقها.
    إن حضور الرئيس الى لندن بنفسه، كان إدراكاً متأخراً وتوجيها لأصابع الاتهام بالقصور وعدم القدرة لرئيس الوزراء. لكن الإنصاف يلزمنا أن نعترف أن عبدالقادر باجمال لم يكن أكثر من محام ضعيف عن اختلال الأوضاع، وفسادها، ومدركا ماهرا لمتطلبات العهد التي أتاحت له فرصة القفز الى الموقع الرفيع، وهو صاحب نظرة منصفة بأحقيته في الحصول على حصة متساوية كحصص الأقارب والمقربين. لقد استطاع باجمال أن يقود الحكومة لخمس سنوات كاملة وأشهر سبعة -حتى الآن-، مرر خلالها ستة اعتمادات إضافية دون أن يرف له جفن، وبلغ إجماليها أكثر من سبعة مليارات دولار. هذه الاعتمادات الإضافية التي لم يجرؤ رئيس وزراء في العهد الجمهوري أن يقبلها، هي التي منحته الحصانة الكاملة ضد تقلبات المزاج. تريليون ونيف من الريالات لم تنفق في مشروعات تنمية، ولم يشعر المواطنون بأثرها. لكن من المعروف أنها ذهبت لشراء معدات لا تحتاجها البلاد، ولا تشبع جائعا، ولا تضع سقفا ولا تبني جداراً يقي طفلا من لهيب شمس حارقة أو رياح باردة. بهذه المبالغ الفلكية، كان بإمكان النظام أن يستغني عن طلب المساعدات الخارجية، وأن يحافظ على أموال الأجيال القادمة.
    لكن هل باجمال يتحمل منفردا، مسئولية هذا التبذير في موارد الشعب؟ الجواب يعلمه الجميع، ولكن خطوطا حمراء كثيرة تضع حجابا كثيفا يمنع الكل من رفع أصبعه نحو المشاركين الآثمين معه في استنزاف هذه الأموال.
    ما حدث في لندن، فرصة أخيرة للنظام ليثبت أنه راغب في التخفيف من معاناة المواطنين، وليس من المنطق استمرار الإبقاء على الاسطوانة المشروخة حول نجاح الانتخابات، والديمقراطية اليمنية، لأن الناخب سيعي قريبا إن كانت الوعود التي أطلقها الرئيس، مجردة من الصدق، أم نابعة من القلب؟.
    العالم لن يعيد هذه التجربة مرة أخرى، ما لم تتحقق إصلاحات حقيقية، لا عمليات تجميلية، لن تكون مجدية في المرحلة القادمة. والمانحون استمعوا الى اعترافات الرئيس بفشل النظام الحصول على ثقة خارجية، ويكاد يفقد ما تبقى له من ثقة في الداخل. فالأموال التي تم تجميعها بعد عرض تلك الصورة القاتمة عن اليمن، لن تشجع مستثمرا على دخول بلد لا يثق رئيسه بأعوانه الذين اختارهم بمحض ارادته ومنحهم ثقته، وتغاضى عن فسادهم، وقصورهم.
    ليس المقصود، الحديث عن تغيير حكومي، لأن ذلك حدث كثيرا ولم يؤد الى النتائج التي كان المواطنون يمنون أنفسهم بها. المطلوب رجال جدد، يحترمون القسم الذي حنث بها من سبقوهم، ويتمتعون باحترام الذات والترفع أمام الصغائر، ويرفضون الإهانة والإذلال اللذين أصبحا قيمتين تدفعان بمن يتقبلهما الى أعلى المواقع، وتمنحان الحصانة وتمنعان المحاسبة.
    العالم يعلم أن اليمن به ثروات غير مستغلة، بسبب فساد إدارته. واليمنيون يعلمون أن المسألة ليست في قوانين إضافية، يصوغها «ترزية» مأجورون، وما لم تتغير الدائرة التي يبحث داخلها الرئيس عن رجالات جدد، ويجول بنظره الى أبعد من اسوار دار الرئاسة ومرتاديه، وما لم يغلق أبوابه أمام تقارير مزيفة، فإن مؤتمر لندن سيكون رصاصة الرحمة، التي لن يلتفت بعدها أحد الى اليمن وستغلق أبواب العالم أمامها، فأمة لا تحترم نفسها، لن يحترمها أحد، مهما تشدقنا بالمنجزات، وعبثنا بأهم قيمنا: الكرامة الوطنية، والمواطنة المتساوية.
     

مشاركة هذه الصفحة