مؤتمر المانحين بلندن والحاجة الي ربط الدعم المالي بالاصلاح السياسي في اليمن

الكاتب : معاوية بن اسحاق   المشاهدات : 359   الردود : 2    ‏2006-11-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-23
  1. معاوية بن اسحاق

    معاوية بن اسحاق عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-12
    المشاركات:
    79
    الإعجاب :
    0
    مؤتمر المانحين بلندن والحاجة الي ربط الدعم المالي بالاصلاح السياسي في اليمن
    د. محمد علي السقاف

    23/11/2006

    انعقد في لندن في الفترة من 15 ـ 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري مؤتمر المانحين بحضور ممثلين عن مجلس التعاون الخليجي، والبنك الدولي، والبرنامج الأنمائي للامم المتحدة، والاتحاد الاوروبي ووزارة التنمية البرلمانية والدول والمنظمات المانحة بهدف مساعدة اليمن في عملية اندماج الاقتصاد اليمني مع اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، الذي تطمح اليمن بالانضمام الي عضويته. ولتحقيق ذلك وضعت اليمن برنامجا استثماريا طموحا لخطة التنمية الاقتصادية الثالثة 2006 ـ 2010 يقدر بمبلغ 25 بليون دولار، تصل الفجوة التمويلية فيها الي 10.2 بليون دولار، والتي قد تخفض الي 7.8 بليون دولار في حالة التركيز علي اولويات محددة في البرنامج الاستثماري وفق تصريحات وزير التخطيط اليمني. بعد عامين من اندلاع الحرب الاهلية في اليمن في صيف عام 1994 تقدمت اليمن بطلب رسمي الي قمة مؤتمر الدوحة في عام 1966 للانضمام الي عضوية مجلس التعاون الخليجي ولم يول هذا الطلب بالاهتمام الكافي من قبل معظم اعضاء دول المجلس، حتي انعقاد مؤتمر القمة في مسقط في عام 2001 الذي قبل مشاركة اليمن الجزئية في بعض انشطة هيئات مجلس التعاون الخليجي. ومن الملاحظ هنا ان قمة مسقط جاءت بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001. ومن الملاحظ ايضا ان موضوع تأهيل اليمن اقتصاديا تقرر في قمة ابو ظبي في كانون الاول (ديسمبر) 2005، في ظل التوترات الاقليمية من الازمة العراقية الي الازمة النووية الايرانية والارتفاع الكبير في اسعار النفط العالمية. مجمل هذه التطورات لا شك انها ساهمت في تفعيل طلب اليمن للانضمام الي مجلس التعاون الخليجي وعقد مؤتمر المانحين بلندن. ولكن السؤال المطروح: لماذا تم اشراك منظمات دولية، ودول اجنبية كالولايات المتحدة الامريكية وبعض دول الاتحاد الاوروبي الي جانب منظمة الاتحاد الاوروبي بدلا من ان ينحصر مؤتمر لندن علي دول مجلس التعاون الخليجي واليمن، علما ان القسط الاكبر من الدعم سيقدم من الجانب الخليجي؟ هل يعود سبب التدويل الي عدم وجود قناعة كاملة لدي بعض دول مجلس التعاون الخليجي في مساعدة نظام سياسي انقلبت عليهم قيادته السياسية اثناء حرب الخليج الثانية، واظـــــهر في تعامله مع شركائه في الجنوب لتحقيق الوحدة اليمنية من خلال محاكمتهم وتهمـــيشهم سياسيا ثقافـــــة ميكيافيلية تهتم بتحــــقيق اهدافها دون مراعاة لوسائل تحقيقها؟ من هنا يظــــهر سبب ترددهم بقبول عضوية اليمن داخل البيت الخليجي وجاءت موافقتهم بتأهيل الاقتصاد اليمني كنتيجة لضغوط خارجية خاصة امريكية والتي حرصت علي المشاركة في مؤتمر المانحين.
    وقد يكون سبب التدويل يهدف الي تحقيق هدفين في آن واحد. فمن جهة حجم احتياجات الاقتصاد اليمني كبيرة يصعب علي مؤسسات التمويل الدولية تحمل اعباء اصلاحه دون ان يكون ذلك علي حساب بقية التزاماتها الدولية الاخري وبإشراك دول الوفرة المالية في الخليج ليخفف ذلك من اعباء الجهات الدولية المانحة. ومن جهة اخري الاصلاحات السياسية كشرط للحصول علي المعونات الدولية بإمكان الدول الغربية المانحة فرضه في حين هذا الشرط غير مرتبط بالمساعدات الخليجية للدول المستفيدة. وبذلك تحقق الدول المانحة سياستها بدمقرطة دول المنطقة بتمويل القسط الاكبر منها فيما يخص اليمن من قبل دول الخليج نفسها.
    وفي الحقيقة وضع اليمن سيئ علي مستويين: فتقارير المنظمات الدولية (كمنظمات الشفافية الدولية، والاتحاد الاوروبي، وتقارير صندوق النقد والبنك الدوليين) صنفت الاقتصاد اليمني في السنوات الاخيرة ضمن الاقتصاديات الهشة ويأتي في آخر قائمة الدول من حيث مناخ الاستثمار، وتفشي الفساد في الادارة الحكومية، واعتبارها ضمن الدول الفاشلة. ومن جهة اخري تمثل اليمن احد نماذج الدول في سوء ادارة موارد البلاد الشحيحة وغياب الشفافية وافضل مثال علي ذلك في طريقة ادارة الحكومة لفوائض النفط بعد ارتفاع اسعاره في السنوات الاخيرة، فاليمن منتج صغير للنفط، يصدر نحو 380.000 برميل يوميا ويمثل نحو 95% من اجمالي قيمة صادراته، وتحتل ايرادات النفط نحو 78% من موارد الموازنة العامة للدولة وكثروة نامية يفترض ان يخصص الجزء الرئيسي من فائض عائداته لاقامة مشروعات تعطي دخلا اكثر استمرارية من النفط نفسه وتجنب الاستفادة منه في الخدمات او في مشروعات غير انمائية. وما يحدث في اليمن بسبب الفساد وسوء ادارة الثروة النفطية لا يقتصر علي اعطاء اولويات الانفاق في الموازنة العامة للدولة للقطاعات العسكرية والامنية فحسب، بل بلغ الامر مداه مع الزيادات الكبيرة في اسعار النفط الي اتباع الحكومة سياسية منهجية منظمة بطلب الحصول علي اعتمادات اضافية للموازنة من مجلس النواب، مما يجعل من اليمن حالة فريدة لدولة تعمل بموازنتين في العام الواحد. الاستثناء الذي سمح به الدستور والقانون المالي رقم (8) لسنة 1990 وتعديلاته بإمكان طلب الحكومة اعتمادات اضافية في اضيق الحدود وان تقتصر علي حالات الضرورة القصوي.. وفق نص المادة (31) من القانون المذكور تحول الاستثناء الي قاعدة وسياسة منهجية للحكومة تتبعها منذ عام 2000 حتي هذا الوقت من سنة 2006، حيث تقوم الحكومة في الاشهر الثلاثة من نهاية السنة بطلب الاعتمادات الاضافية التي يوافق عليها مجلس النواب بفضل الاغلبية الساحقة التي في حوزة الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام الذي يترأسه رئيس الجمهورية وامينه العام رئيس الحكومة!
    فقد ادي ارتفاع اسعار النفط المستمر منذ عام 2000 وبلغ ذروته في 2005 ثم تراجع قليلا في هذا العام ساهم ذلك كما هو موضح في الجدول الي ارتفاع تصاعدي في ارقام الموازنة العامة للدولة، بلغت في عام 2006 نحو ثلاثة اضعاف تقديرات النفقات لعام 2000، وازدادت ايضا مبالغ الفوائض النفطية، الناتجة عن فارق السعر التقديري الذي تضعه الحكومة في الموازنة والسعر الفعلي في الاسواق العالمية.
    فبدلا من استغلال الفوائض النفطية في تخفيض الدين العام كسلطنة عمان، او تسديد مسبق لديونها التجارية قبل مواعيد استحقاقها كما عملته الجزائر، او العمل علي انشاء صندوق احتياط للاجيال القادمة كالكويت او ايران ولو بتخصيص نسبة صغيرة من قيمة الفوائض النفطية فضلت الحكومة اليمنية تبذير موارد الدولة في شكل طلبات الاعتمادات الاضافية التي بلغت في عام 2005 نسبة 54% من اجمالي النفقات، واكثر من 40% في هذه السنة! وهذا عمليا يعني ترتيب موازنة ثانية في العام نفسه كما ان توقيت تقديم طلبات الاعتمادات مثل طلب هذا العام الذي ارسل الي البرلمان بتاريخ 7 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري قبل شهر من نهاية الموازنة لا يعنـــــي اكثر من اعطاء غطــــاء شرعي من البرلمان لاعتمادات تم انفاقها اصلا والبالغة 2.166 مليار دولار! وبنفس هذه الطريقة اتبعتها الحكومة في طلبات الاعوام السابقة.
    كما درجت علي تبويب اوجه الصرف للاعتمادات الاضافية علي مسميات ومصطلحات مبهمة مثل: ـ
    ـ حتمية التنفيذ الفعلي لرئاسة الجمهورية وكذا لرئاسة الوزراء.
    ـ حتميات التنفيذ الفعلي للاعتمادات المركزية ولوزارات الدفاع والداخلية.
    ـ التزامات فعلية لمشاريع قيد التنفيذ.. الخ. ويري عدد من الاقتصاديين اليمنيين الي اعتبار طلبات التمويل ليست الا تكرارا لتمويل بنود وردت اصلا في الموازنة العامة. واكثر ما يلفت النظر غياب مخصصات التعليم والصحة او ضآلة المبالغ المخصصة لهما مقارنة بما يخصص للانفاق العسكري والامني. فعلي سبيل المثال في الاعتمادات الاضافية لعام 2005، لم يخصص شيئ للتعليم، واعتمد لوزارة الصحة مبلغ 745 مليون ريال يمني فقط مقابل اكثر من 75 بليون ريال للانفاق العسكري، وفي اعتمادات 2006، رصدت لوزارة الصحة اعتمادات اضافية بمبلغ 1.9 بليون ريال وللتعليم بفروعه المختلفة مبلغ 553 مليون ريال مقابل اكثر من 48 بليونا للدفاع، واكثر من 14 بليون للداخلية والامـــــن، علما ان توصيات الامم المتحدة للدول الاعضاء تنص علي ضرورة ان يكون الانفاق علي التعليم والصحة اعلي من مستوي النفقات العسكرية.
    من الواضح ان تكرار طلبات الاعتمادات الاضافية في السنوات السبع الاخيرة يؤكد تقارير منظمة الشفافية الدولية علي استفحال الفساد في كافة اجهزة الدولة اليمنية وعلي اعلي المستويات. فاجمالي طلبات الاعتمادات الاضافية للفترة 2000 ـ 2006 يبلغ 7.854 بليون دولار وهو تحديدا المبلغ الذي تسعي الحكومة اليمنية للحصول عليه من مؤتمر المانحين بلندن والذي كان بامكان اليمن تمويل كامل خططها التنموية الثلاث بمواردها الذاتية دون حاجة الي التمويل الخارجي. والحكومة بسياستها هذه لم تحافظ علي حقوق الاجيال القادمة في ثروة البترول فحسب، بل ستكبلها اضافة الي ذلك بأعباء الديون الخارجية.
    من هنا من الاهمية بمكان ان لا يقتصر دور المانحين في اجتماع لندن بوضع آلية مراقبة استخدام المساعدات الانمائية التي ستقرر لليمن بل من الواجب عليهم الاهتمام في كيفية ادارة اليمن لمواردها الذاتية. وفي هذا النطاق لماذا لا يستفاد من تجربة البنك الدولي في علاقته بحكومة تشاد والذي قضي بفتح حساب مصرفي مشترك بينهما تودع فيه عائدات النفط الذي بموجب الاتفاق بينهما يتم انفاقها علي القطاع الصحي اولا ثم التعليم ومكافحة الفقر، وتودع في حساب ثان منفصل ولأمد طويل عشرة في المئة من العائدات للاجيال القادمة وما تبقي يمكن استخدامه من دون اي اشراف من البنك الدولي لبقية متطلبات الموازنة العامة.
    آلية مثل هذا النموذج ذات الطابع الفني لا تكفي وحدها لاصلاح الاوضاع في اليمن، والاصلاحات الاقتصادية وحدها لا تكفي ايضا برغم اهمــــيتها، واذكر هنا طالما ان اجتماع المانحين يجتمع بلندن ما قالته رئيســـــة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت ثاتشـــــر في احد اجتماعات المجلس الاوروبي لجاك ديلور الرئيس السابق للجنة الاوروبية انه من المهم التركــيز اولا علي اقامة دول اوروبــــا الوسطي والشرقية الحــــريات والديمقراطــــية كشــــروط مسبقة لاي اصلاحـــات اقتصادية حسبما جاء في مذكرات جاك ديلور.
    فاليمن بحاجة حقيقية لاصلاحات سياسية جذرية بعد ما شهدته من ردة ديمقراطية بعد حرب صيف عام 1994، فمعايير الحكم الصالح مفقودة وقد رأينا احد نماذجها في طريقة ادارة المال العام والفوائض النفطية. والديمقراطية الشكلية القائمة لا تخدع احدا بتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية ومحليات معروفة نتائجها مسبقا، ويكفي ملاحظة غياب اي تداول سلمي للسلطة ووجود رئيس الدولة في قمة السلطة منذ 28 عاما لا يحظي مثله اي من رؤساء دول مجلس التعاون الخليجي بمدة قريبة او مماثلة في السلطة. كما ان الكاتب يزعم ان ما يملكه رئيس الدولة في اليمن بشكل منفرد من اختصاصات واسعة لا يتمتع بها ملوك وامراء دول مجلس التعاون، هذا علي المستوي الوطني ككل اما في اطار العلاقة بين شطري دولة الوحدة سابقا فيجب التذكير بقراري مجلس الامن برقمي 924 و931 بتاريخ 1 و29 حزيران (يونيو) 1994 اثناء الحرب الاهلية والداعية الي استئناف الحوار السياسي بين شريكي دولة الوحدة بدون اي شروط مسبقة قد يشكل القراران الدوليان مدخلا للاصلاح السياسي في اليمن بقوة القانون الدولي ودعم الدول المانحة فدعوات المصالحة والاصلاحات السياسية المنادية بها القوي الداخلية في اليمن لم تنجح من تمسك اطراف النظام الحالي بسلطاتهم وصلاحياتهم، فاذا لم تستخدم المعونات الاقتصادية والقرارات الدولية في تغيير طبيعة النظام نحو اصلاح سياسي جاد له فان المعونات التي ستقدم له لن تساهم في اصلاح الاحوال المعيشية للمواطنين الذين لم يستفيدوا شيئا من ثروتهم النفطية وفي ظل ذلك فان جدوي المساعدات المقدمة من الدول المانحة لن تحـــقق اهدافها في استقرار وأمن المنطقة.

    اليمنيون بحاجة الي التعرف على أسباب فقرهم وبؤسهم , ورى الدكتور السقاف قد ألقى الضوء على صلب العلة , كنت أتمنى لو أنه توسع أكثر في المقارنات الرقمية عبرسنوات مالية , وأطلب من الدكتور الاستمرار في تبصيرنا بأسباب شقائناالمعاصر:confused:
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-11-23
  3. معاوية بن اسحاق

    معاوية بن اسحاق عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-12
    المشاركات:
    79
    الإعجاب :
    0
    مؤتمر المانحين بلندن والحاجة الي ربط الدعم المالي بالاصلاح السياسي في اليمن
    د. محمد علي السقاف

    23/11/2006

    انعقد في لندن في الفترة من 15 ـ 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري مؤتمر المانحين بحضور ممثلين عن مجلس التعاون الخليجي، والبنك الدولي، والبرنامج الأنمائي للامم المتحدة، والاتحاد الاوروبي ووزارة التنمية البرلمانية والدول والمنظمات المانحة بهدف مساعدة اليمن في عملية اندماج الاقتصاد اليمني مع اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، الذي تطمح اليمن بالانضمام الي عضويته. ولتحقيق ذلك وضعت اليمن برنامجا استثماريا طموحا لخطة التنمية الاقتصادية الثالثة 2006 ـ 2010 يقدر بمبلغ 25 بليون دولار، تصل الفجوة التمويلية فيها الي 10.2 بليون دولار، والتي قد تخفض الي 7.8 بليون دولار في حالة التركيز علي اولويات محددة في البرنامج الاستثماري وفق تصريحات وزير التخطيط اليمني. بعد عامين من اندلاع الحرب الاهلية في اليمن في صيف عام 1994 تقدمت اليمن بطلب رسمي الي قمة مؤتمر الدوحة في عام 1966 للانضمام الي عضوية مجلس التعاون الخليجي ولم يول هذا الطلب بالاهتمام الكافي من قبل معظم اعضاء دول المجلس، حتي انعقاد مؤتمر القمة في مسقط في عام 2001 الذي قبل مشاركة اليمن الجزئية في بعض انشطة هيئات مجلس التعاون الخليجي. ومن الملاحظ هنا ان قمة مسقط جاءت بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001. ومن الملاحظ ايضا ان موضوع تأهيل اليمن اقتصاديا تقرر في قمة ابو ظبي في كانون الاول (ديسمبر) 2005، في ظل التوترات الاقليمية من الازمة العراقية الي الازمة النووية الايرانية والارتفاع الكبير في اسعار النفط العالمية. مجمل هذه التطورات لا شك انها ساهمت في تفعيل طلب اليمن للانضمام الي مجلس التعاون الخليجي وعقد مؤتمر المانحين بلندن. ولكن السؤال المطروح: لماذا تم اشراك منظمات دولية، ودول اجنبية كالولايات المتحدة الامريكية وبعض دول الاتحاد الاوروبي الي جانب منظمة الاتحاد الاوروبي بدلا من ان ينحصر مؤتمر لندن علي دول مجلس التعاون الخليجي واليمن، علما ان القسط الاكبر من الدعم سيقدم من الجانب الخليجي؟ هل يعود سبب التدويل الي عدم وجود قناعة كاملة لدي بعض دول مجلس التعاون الخليجي في مساعدة نظام سياسي انقلبت عليهم قيادته السياسية اثناء حرب الخليج الثانية، واظـــــهر في تعامله مع شركائه في الجنوب لتحقيق الوحدة اليمنية من خلال محاكمتهم وتهمـــيشهم سياسيا ثقافـــــة ميكيافيلية تهتم بتحــــقيق اهدافها دون مراعاة لوسائل تحقيقها؟ من هنا يظــــهر سبب ترددهم بقبول عضوية اليمن داخل البيت الخليجي وجاءت موافقتهم بتأهيل الاقتصاد اليمني كنتيجة لضغوط خارجية خاصة امريكية والتي حرصت علي المشاركة في مؤتمر المانحين.
    وقد يكون سبب التدويل يهدف الي تحقيق هدفين في آن واحد. فمن جهة حجم احتياجات الاقتصاد اليمني كبيرة يصعب علي مؤسسات التمويل الدولية تحمل اعباء اصلاحه دون ان يكون ذلك علي حساب بقية التزاماتها الدولية الاخري وبإشراك دول الوفرة المالية في الخليج ليخفف ذلك من اعباء الجهات الدولية المانحة. ومن جهة اخري الاصلاحات السياسية كشرط للحصول علي المعونات الدولية بإمكان الدول الغربية المانحة فرضه في حين هذا الشرط غير مرتبط بالمساعدات الخليجية للدول المستفيدة. وبذلك تحقق الدول المانحة سياستها بدمقرطة دول المنطقة بتمويل القسط الاكبر منها فيما يخص اليمن من قبل دول الخليج نفسها.
    وفي الحقيقة وضع اليمن سيئ علي مستويين: فتقارير المنظمات الدولية (كمنظمات الشفافية الدولية، والاتحاد الاوروبي، وتقارير صندوق النقد والبنك الدوليين) صنفت الاقتصاد اليمني في السنوات الاخيرة ضمن الاقتصاديات الهشة ويأتي في آخر قائمة الدول من حيث مناخ الاستثمار، وتفشي الفساد في الادارة الحكومية، واعتبارها ضمن الدول الفاشلة. ومن جهة اخري تمثل اليمن احد نماذج الدول في سوء ادارة موارد البلاد الشحيحة وغياب الشفافية وافضل مثال علي ذلك في طريقة ادارة الحكومة لفوائض النفط بعد ارتفاع اسعاره في السنوات الاخيرة، فاليمن منتج صغير للنفط، يصدر نحو 380.000 برميل يوميا ويمثل نحو 95% من اجمالي قيمة صادراته، وتحتل ايرادات النفط نحو 78% من موارد الموازنة العامة للدولة وكثروة نامية يفترض ان يخصص الجزء الرئيسي من فائض عائداته لاقامة مشروعات تعطي دخلا اكثر استمرارية من النفط نفسه وتجنب الاستفادة منه في الخدمات او في مشروعات غير انمائية. وما يحدث في اليمن بسبب الفساد وسوء ادارة الثروة النفطية لا يقتصر علي اعطاء اولويات الانفاق في الموازنة العامة للدولة للقطاعات العسكرية والامنية فحسب، بل بلغ الامر مداه مع الزيادات الكبيرة في اسعار النفط الي اتباع الحكومة سياسية منهجية منظمة بطلب الحصول علي اعتمادات اضافية للموازنة من مجلس النواب، مما يجعل من اليمن حالة فريدة لدولة تعمل بموازنتين في العام الواحد. الاستثناء الذي سمح به الدستور والقانون المالي رقم (8) لسنة 1990 وتعديلاته بإمكان طلب الحكومة اعتمادات اضافية في اضيق الحدود وان تقتصر علي حالات الضرورة القصوي.. وفق نص المادة (31) من القانون المذكور تحول الاستثناء الي قاعدة وسياسة منهجية للحكومة تتبعها منذ عام 2000 حتي هذا الوقت من سنة 2006، حيث تقوم الحكومة في الاشهر الثلاثة من نهاية السنة بطلب الاعتمادات الاضافية التي يوافق عليها مجلس النواب بفضل الاغلبية الساحقة التي في حوزة الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام الذي يترأسه رئيس الجمهورية وامينه العام رئيس الحكومة!
    فقد ادي ارتفاع اسعار النفط المستمر منذ عام 2000 وبلغ ذروته في 2005 ثم تراجع قليلا في هذا العام ساهم ذلك كما هو موضح في الجدول الي ارتفاع تصاعدي في ارقام الموازنة العامة للدولة، بلغت في عام 2006 نحو ثلاثة اضعاف تقديرات النفقات لعام 2000، وازدادت ايضا مبالغ الفوائض النفطية، الناتجة عن فارق السعر التقديري الذي تضعه الحكومة في الموازنة والسعر الفعلي في الاسواق العالمية.
    فبدلا من استغلال الفوائض النفطية في تخفيض الدين العام كسلطنة عمان، او تسديد مسبق لديونها التجارية قبل مواعيد استحقاقها كما عملته الجزائر، او العمل علي انشاء صندوق احتياط للاجيال القادمة كالكويت او ايران ولو بتخصيص نسبة صغيرة من قيمة الفوائض النفطية فضلت الحكومة اليمنية تبذير موارد الدولة في شكل طلبات الاعتمادات الاضافية التي بلغت في عام 2005 نسبة 54% من اجمالي النفقات، واكثر من 40% في هذه السنة! وهذا عمليا يعني ترتيب موازنة ثانية في العام نفسه كما ان توقيت تقديم طلبات الاعتمادات مثل طلب هذا العام الذي ارسل الي البرلمان بتاريخ 7 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري قبل شهر من نهاية الموازنة لا يعنـــــي اكثر من اعطاء غطــــاء شرعي من البرلمان لاعتمادات تم انفاقها اصلا والبالغة 2.166 مليار دولار! وبنفس هذه الطريقة اتبعتها الحكومة في طلبات الاعوام السابقة.
    كما درجت علي تبويب اوجه الصرف للاعتمادات الاضافية علي مسميات ومصطلحات مبهمة مثل: ـ
    ـ حتمية التنفيذ الفعلي لرئاسة الجمهورية وكذا لرئاسة الوزراء.
    ـ حتميات التنفيذ الفعلي للاعتمادات المركزية ولوزارات الدفاع والداخلية.
    ـ التزامات فعلية لمشاريع قيد التنفيذ.. الخ. ويري عدد من الاقتصاديين اليمنيين الي اعتبار طلبات التمويل ليست الا تكرارا لتمويل بنود وردت اصلا في الموازنة العامة. واكثر ما يلفت النظر غياب مخصصات التعليم والصحة او ضآلة المبالغ المخصصة لهما مقارنة بما يخصص للانفاق العسكري والامني. فعلي سبيل المثال في الاعتمادات الاضافية لعام 2005، لم يخصص شيئ للتعليم، واعتمد لوزارة الصحة مبلغ 745 مليون ريال يمني فقط مقابل اكثر من 75 بليون ريال للانفاق العسكري، وفي اعتمادات 2006، رصدت لوزارة الصحة اعتمادات اضافية بمبلغ 1.9 بليون ريال وللتعليم بفروعه المختلفة مبلغ 553 مليون ريال مقابل اكثر من 48 بليونا للدفاع، واكثر من 14 بليون للداخلية والامـــــن، علما ان توصيات الامم المتحدة للدول الاعضاء تنص علي ضرورة ان يكون الانفاق علي التعليم والصحة اعلي من مستوي النفقات العسكرية.
    من الواضح ان تكرار طلبات الاعتمادات الاضافية في السنوات السبع الاخيرة يؤكد تقارير منظمة الشفافية الدولية علي استفحال الفساد في كافة اجهزة الدولة اليمنية وعلي اعلي المستويات. فاجمالي طلبات الاعتمادات الاضافية للفترة 2000 ـ 2006 يبلغ 7.854 بليون دولار وهو تحديدا المبلغ الذي تسعي الحكومة اليمنية للحصول عليه من مؤتمر المانحين بلندن والذي كان بامكان اليمن تمويل كامل خططها التنموية الثلاث بمواردها الذاتية دون حاجة الي التمويل الخارجي. والحكومة بسياستها هذه لم تحافظ علي حقوق الاجيال القادمة في ثروة البترول فحسب، بل ستكبلها اضافة الي ذلك بأعباء الديون الخارجية.
    من هنا من الاهمية بمكان ان لا يقتصر دور المانحين في اجتماع لندن بوضع آلية مراقبة استخدام المساعدات الانمائية التي ستقرر لليمن بل من الواجب عليهم الاهتمام في كيفية ادارة اليمن لمواردها الذاتية. وفي هذا النطاق لماذا لا يستفاد من تجربة البنك الدولي في علاقته بحكومة تشاد والذي قضي بفتح حساب مصرفي مشترك بينهما تودع فيه عائدات النفط الذي بموجب الاتفاق بينهما يتم انفاقها علي القطاع الصحي اولا ثم التعليم ومكافحة الفقر، وتودع في حساب ثان منفصل ولأمد طويل عشرة في المئة من العائدات للاجيال القادمة وما تبقي يمكن استخدامه من دون اي اشراف من البنك الدولي لبقية متطلبات الموازنة العامة.
    آلية مثل هذا النموذج ذات الطابع الفني لا تكفي وحدها لاصلاح الاوضاع في اليمن، والاصلاحات الاقتصادية وحدها لا تكفي ايضا برغم اهمــــيتها، واذكر هنا طالما ان اجتماع المانحين يجتمع بلندن ما قالته رئيســـــة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت ثاتشـــــر في احد اجتماعات المجلس الاوروبي لجاك ديلور الرئيس السابق للجنة الاوروبية انه من المهم التركــيز اولا علي اقامة دول اوروبــــا الوسطي والشرقية الحــــريات والديمقراطــــية كشــــروط مسبقة لاي اصلاحـــات اقتصادية حسبما جاء في مذكرات جاك ديلور.
    فاليمن بحاجة حقيقية لاصلاحات سياسية جذرية بعد ما شهدته من ردة ديمقراطية بعد حرب صيف عام 1994، فمعايير الحكم الصالح مفقودة وقد رأينا احد نماذجها في طريقة ادارة المال العام والفوائض النفطية. والديمقراطية الشكلية القائمة لا تخدع احدا بتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية ومحليات معروفة نتائجها مسبقا، ويكفي ملاحظة غياب اي تداول سلمي للسلطة ووجود رئيس الدولة في قمة السلطة منذ 28 عاما لا يحظي مثله اي من رؤساء دول مجلس التعاون الخليجي بمدة قريبة او مماثلة في السلطة. كما ان الكاتب يزعم ان ما يملكه رئيس الدولة في اليمن بشكل منفرد من اختصاصات واسعة لا يتمتع بها ملوك وامراء دول مجلس التعاون، هذا علي المستوي الوطني ككل اما في اطار العلاقة بين شطري دولة الوحدة سابقا فيجب التذكير بقراري مجلس الامن برقمي 924 و931 بتاريخ 1 و29 حزيران (يونيو) 1994 اثناء الحرب الاهلية والداعية الي استئناف الحوار السياسي بين شريكي دولة الوحدة بدون اي شروط مسبقة قد يشكل القراران الدوليان مدخلا للاصلاح السياسي في اليمن بقوة القانون الدولي ودعم الدول المانحة فدعوات المصالحة والاصلاحات السياسية المنادية بها القوي الداخلية في اليمن لم تنجح من تمسك اطراف النظام الحالي بسلطاتهم وصلاحياتهم، فاذا لم تستخدم المعونات الاقتصادية والقرارات الدولية في تغيير طبيعة النظام نحو اصلاح سياسي جاد له فان المعونات التي ستقدم له لن تساهم في اصلاح الاحوال المعيشية للمواطنين الذين لم يستفيدوا شيئا من ثروتهم النفطية وفي ظل ذلك فان جدوي المساعدات المقدمة من الدول المانحة لن تحـــقق اهدافها في استقرار وأمن المنطقة.

    اليمنيون بحاجة الي التعرف على أسباب فقرهم وبؤسهم , ورى الدكتور السقاف قد ألقى الضوء على صلب العلة , كنت أتمنى لو أنه توسع أكثر في المقارنات الرقمية عبرسنوات مالية , وأطلب من الدكتور الاستمرار في تبصيرنا بأسباب شقائناالمعاصر:confused:
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-11-23
  5. معاوية بن اسحاق

    معاوية بن اسحاق عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-12
    المشاركات:
    79
    الإعجاب :
    0
    مؤتمر المانحين بلندن والحاجة الي ربط الدعم المالي بالاصلاح السياسي في اليمن
    د. محمد علي السقاف

    23/11/2006

    انعقد في لندن في الفترة من 15 ـ 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري مؤتمر المانحين بحضور ممثلين عن مجلس التعاون الخليجي، والبنك الدولي، والبرنامج الأنمائي للامم المتحدة، والاتحاد الاوروبي ووزارة التنمية البرلمانية والدول والمنظمات المانحة بهدف مساعدة اليمن في عملية اندماج الاقتصاد اليمني مع اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، الذي تطمح اليمن بالانضمام الي عضويته. ولتحقيق ذلك وضعت اليمن برنامجا استثماريا طموحا لخطة التنمية الاقتصادية الثالثة 2006 ـ 2010 يقدر بمبلغ 25 بليون دولار، تصل الفجوة التمويلية فيها الي 10.2 بليون دولار، والتي قد تخفض الي 7.8 بليون دولار في حالة التركيز علي اولويات محددة في البرنامج الاستثماري وفق تصريحات وزير التخطيط اليمني. بعد عامين من اندلاع الحرب الاهلية في اليمن في صيف عام 1994 تقدمت اليمن بطلب رسمي الي قمة مؤتمر الدوحة في عام 1966 للانضمام الي عضوية مجلس التعاون الخليجي ولم يول هذا الطلب بالاهتمام الكافي من قبل معظم اعضاء دول المجلس، حتي انعقاد مؤتمر القمة في مسقط في عام 2001 الذي قبل مشاركة اليمن الجزئية في بعض انشطة هيئات مجلس التعاون الخليجي. ومن الملاحظ هنا ان قمة مسقط جاءت بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001. ومن الملاحظ ايضا ان موضوع تأهيل اليمن اقتصاديا تقرر في قمة ابو ظبي في كانون الاول (ديسمبر) 2005، في ظل التوترات الاقليمية من الازمة العراقية الي الازمة النووية الايرانية والارتفاع الكبير في اسعار النفط العالمية. مجمل هذه التطورات لا شك انها ساهمت في تفعيل طلب اليمن للانضمام الي مجلس التعاون الخليجي وعقد مؤتمر المانحين بلندن. ولكن السؤال المطروح: لماذا تم اشراك منظمات دولية، ودول اجنبية كالولايات المتحدة الامريكية وبعض دول الاتحاد الاوروبي الي جانب منظمة الاتحاد الاوروبي بدلا من ان ينحصر مؤتمر لندن علي دول مجلس التعاون الخليجي واليمن، علما ان القسط الاكبر من الدعم سيقدم من الجانب الخليجي؟ هل يعود سبب التدويل الي عدم وجود قناعة كاملة لدي بعض دول مجلس التعاون الخليجي في مساعدة نظام سياسي انقلبت عليهم قيادته السياسية اثناء حرب الخليج الثانية، واظـــــهر في تعامله مع شركائه في الجنوب لتحقيق الوحدة اليمنية من خلال محاكمتهم وتهمـــيشهم سياسيا ثقافـــــة ميكيافيلية تهتم بتحــــقيق اهدافها دون مراعاة لوسائل تحقيقها؟ من هنا يظــــهر سبب ترددهم بقبول عضوية اليمن داخل البيت الخليجي وجاءت موافقتهم بتأهيل الاقتصاد اليمني كنتيجة لضغوط خارجية خاصة امريكية والتي حرصت علي المشاركة في مؤتمر المانحين.
    وقد يكون سبب التدويل يهدف الي تحقيق هدفين في آن واحد. فمن جهة حجم احتياجات الاقتصاد اليمني كبيرة يصعب علي مؤسسات التمويل الدولية تحمل اعباء اصلاحه دون ان يكون ذلك علي حساب بقية التزاماتها الدولية الاخري وبإشراك دول الوفرة المالية في الخليج ليخفف ذلك من اعباء الجهات الدولية المانحة. ومن جهة اخري الاصلاحات السياسية كشرط للحصول علي المعونات الدولية بإمكان الدول الغربية المانحة فرضه في حين هذا الشرط غير مرتبط بالمساعدات الخليجية للدول المستفيدة. وبذلك تحقق الدول المانحة سياستها بدمقرطة دول المنطقة بتمويل القسط الاكبر منها فيما يخص اليمن من قبل دول الخليج نفسها.
    وفي الحقيقة وضع اليمن سيئ علي مستويين: فتقارير المنظمات الدولية (كمنظمات الشفافية الدولية، والاتحاد الاوروبي، وتقارير صندوق النقد والبنك الدوليين) صنفت الاقتصاد اليمني في السنوات الاخيرة ضمن الاقتصاديات الهشة ويأتي في آخر قائمة الدول من حيث مناخ الاستثمار، وتفشي الفساد في الادارة الحكومية، واعتبارها ضمن الدول الفاشلة. ومن جهة اخري تمثل اليمن احد نماذج الدول في سوء ادارة موارد البلاد الشحيحة وغياب الشفافية وافضل مثال علي ذلك في طريقة ادارة الحكومة لفوائض النفط بعد ارتفاع اسعاره في السنوات الاخيرة، فاليمن منتج صغير للنفط، يصدر نحو 380.000 برميل يوميا ويمثل نحو 95% من اجمالي قيمة صادراته، وتحتل ايرادات النفط نحو 78% من موارد الموازنة العامة للدولة وكثروة نامية يفترض ان يخصص الجزء الرئيسي من فائض عائداته لاقامة مشروعات تعطي دخلا اكثر استمرارية من النفط نفسه وتجنب الاستفادة منه في الخدمات او في مشروعات غير انمائية. وما يحدث في اليمن بسبب الفساد وسوء ادارة الثروة النفطية لا يقتصر علي اعطاء اولويات الانفاق في الموازنة العامة للدولة للقطاعات العسكرية والامنية فحسب، بل بلغ الامر مداه مع الزيادات الكبيرة في اسعار النفط الي اتباع الحكومة سياسية منهجية منظمة بطلب الحصول علي اعتمادات اضافية للموازنة من مجلس النواب، مما يجعل من اليمن حالة فريدة لدولة تعمل بموازنتين في العام الواحد. الاستثناء الذي سمح به الدستور والقانون المالي رقم (8) لسنة 1990 وتعديلاته بإمكان طلب الحكومة اعتمادات اضافية في اضيق الحدود وان تقتصر علي حالات الضرورة القصوي.. وفق نص المادة (31) من القانون المذكور تحول الاستثناء الي قاعدة وسياسة منهجية للحكومة تتبعها منذ عام 2000 حتي هذا الوقت من سنة 2006، حيث تقوم الحكومة في الاشهر الثلاثة من نهاية السنة بطلب الاعتمادات الاضافية التي يوافق عليها مجلس النواب بفضل الاغلبية الساحقة التي في حوزة الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام الذي يترأسه رئيس الجمهورية وامينه العام رئيس الحكومة!
    فقد ادي ارتفاع اسعار النفط المستمر منذ عام 2000 وبلغ ذروته في 2005 ثم تراجع قليلا في هذا العام ساهم ذلك كما هو موضح في الجدول الي ارتفاع تصاعدي في ارقام الموازنة العامة للدولة، بلغت في عام 2006 نحو ثلاثة اضعاف تقديرات النفقات لعام 2000، وازدادت ايضا مبالغ الفوائض النفطية، الناتجة عن فارق السعر التقديري الذي تضعه الحكومة في الموازنة والسعر الفعلي في الاسواق العالمية.
    فبدلا من استغلال الفوائض النفطية في تخفيض الدين العام كسلطنة عمان، او تسديد مسبق لديونها التجارية قبل مواعيد استحقاقها كما عملته الجزائر، او العمل علي انشاء صندوق احتياط للاجيال القادمة كالكويت او ايران ولو بتخصيص نسبة صغيرة من قيمة الفوائض النفطية فضلت الحكومة اليمنية تبذير موارد الدولة في شكل طلبات الاعتمادات الاضافية التي بلغت في عام 2005 نسبة 54% من اجمالي النفقات، واكثر من 40% في هذه السنة! وهذا عمليا يعني ترتيب موازنة ثانية في العام نفسه كما ان توقيت تقديم طلبات الاعتمادات مثل طلب هذا العام الذي ارسل الي البرلمان بتاريخ 7 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري قبل شهر من نهاية الموازنة لا يعنـــــي اكثر من اعطاء غطــــاء شرعي من البرلمان لاعتمادات تم انفاقها اصلا والبالغة 2.166 مليار دولار! وبنفس هذه الطريقة اتبعتها الحكومة في طلبات الاعوام السابقة.
    كما درجت علي تبويب اوجه الصرف للاعتمادات الاضافية علي مسميات ومصطلحات مبهمة مثل: ـ
    ـ حتمية التنفيذ الفعلي لرئاسة الجمهورية وكذا لرئاسة الوزراء.
    ـ حتميات التنفيذ الفعلي للاعتمادات المركزية ولوزارات الدفاع والداخلية.
    ـ التزامات فعلية لمشاريع قيد التنفيذ.. الخ. ويري عدد من الاقتصاديين اليمنيين الي اعتبار طلبات التمويل ليست الا تكرارا لتمويل بنود وردت اصلا في الموازنة العامة. واكثر ما يلفت النظر غياب مخصصات التعليم والصحة او ضآلة المبالغ المخصصة لهما مقارنة بما يخصص للانفاق العسكري والامني. فعلي سبيل المثال في الاعتمادات الاضافية لعام 2005، لم يخصص شيئ للتعليم، واعتمد لوزارة الصحة مبلغ 745 مليون ريال يمني فقط مقابل اكثر من 75 بليون ريال للانفاق العسكري، وفي اعتمادات 2006، رصدت لوزارة الصحة اعتمادات اضافية بمبلغ 1.9 بليون ريال وللتعليم بفروعه المختلفة مبلغ 553 مليون ريال مقابل اكثر من 48 بليونا للدفاع، واكثر من 14 بليون للداخلية والامـــــن، علما ان توصيات الامم المتحدة للدول الاعضاء تنص علي ضرورة ان يكون الانفاق علي التعليم والصحة اعلي من مستوي النفقات العسكرية.
    من الواضح ان تكرار طلبات الاعتمادات الاضافية في السنوات السبع الاخيرة يؤكد تقارير منظمة الشفافية الدولية علي استفحال الفساد في كافة اجهزة الدولة اليمنية وعلي اعلي المستويات. فاجمالي طلبات الاعتمادات الاضافية للفترة 2000 ـ 2006 يبلغ 7.854 بليون دولار وهو تحديدا المبلغ الذي تسعي الحكومة اليمنية للحصول عليه من مؤتمر المانحين بلندن والذي كان بامكان اليمن تمويل كامل خططها التنموية الثلاث بمواردها الذاتية دون حاجة الي التمويل الخارجي. والحكومة بسياستها هذه لم تحافظ علي حقوق الاجيال القادمة في ثروة البترول فحسب، بل ستكبلها اضافة الي ذلك بأعباء الديون الخارجية.
    من هنا من الاهمية بمكان ان لا يقتصر دور المانحين في اجتماع لندن بوضع آلية مراقبة استخدام المساعدات الانمائية التي ستقرر لليمن بل من الواجب عليهم الاهتمام في كيفية ادارة اليمن لمواردها الذاتية. وفي هذا النطاق لماذا لا يستفاد من تجربة البنك الدولي في علاقته بحكومة تشاد والذي قضي بفتح حساب مصرفي مشترك بينهما تودع فيه عائدات النفط الذي بموجب الاتفاق بينهما يتم انفاقها علي القطاع الصحي اولا ثم التعليم ومكافحة الفقر، وتودع في حساب ثان منفصل ولأمد طويل عشرة في المئة من العائدات للاجيال القادمة وما تبقي يمكن استخدامه من دون اي اشراف من البنك الدولي لبقية متطلبات الموازنة العامة.
    آلية مثل هذا النموذج ذات الطابع الفني لا تكفي وحدها لاصلاح الاوضاع في اليمن، والاصلاحات الاقتصادية وحدها لا تكفي ايضا برغم اهمــــيتها، واذكر هنا طالما ان اجتماع المانحين يجتمع بلندن ما قالته رئيســـــة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت ثاتشـــــر في احد اجتماعات المجلس الاوروبي لجاك ديلور الرئيس السابق للجنة الاوروبية انه من المهم التركــيز اولا علي اقامة دول اوروبــــا الوسطي والشرقية الحــــريات والديمقراطــــية كشــــروط مسبقة لاي اصلاحـــات اقتصادية حسبما جاء في مذكرات جاك ديلور.
    فاليمن بحاجة حقيقية لاصلاحات سياسية جذرية بعد ما شهدته من ردة ديمقراطية بعد حرب صيف عام 1994، فمعايير الحكم الصالح مفقودة وقد رأينا احد نماذجها في طريقة ادارة المال العام والفوائض النفطية. والديمقراطية الشكلية القائمة لا تخدع احدا بتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية ومحليات معروفة نتائجها مسبقا، ويكفي ملاحظة غياب اي تداول سلمي للسلطة ووجود رئيس الدولة في قمة السلطة منذ 28 عاما لا يحظي مثله اي من رؤساء دول مجلس التعاون الخليجي بمدة قريبة او مماثلة في السلطة. كما ان الكاتب يزعم ان ما يملكه رئيس الدولة في اليمن بشكل منفرد من اختصاصات واسعة لا يتمتع بها ملوك وامراء دول مجلس التعاون، هذا علي المستوي الوطني ككل اما في اطار العلاقة بين شطري دولة الوحدة سابقا فيجب التذكير بقراري مجلس الامن برقمي 924 و931 بتاريخ 1 و29 حزيران (يونيو) 1994 اثناء الحرب الاهلية والداعية الي استئناف الحوار السياسي بين شريكي دولة الوحدة بدون اي شروط مسبقة قد يشكل القراران الدوليان مدخلا للاصلاح السياسي في اليمن بقوة القانون الدولي ودعم الدول المانحة فدعوات المصالحة والاصلاحات السياسية المنادية بها القوي الداخلية في اليمن لم تنجح من تمسك اطراف النظام الحالي بسلطاتهم وصلاحياتهم، فاذا لم تستخدم المعونات الاقتصادية والقرارات الدولية في تغيير طبيعة النظام نحو اصلاح سياسي جاد له فان المعونات التي ستقدم له لن تساهم في اصلاح الاحوال المعيشية للمواطنين الذين لم يستفيدوا شيئا من ثروتهم النفطية وفي ظل ذلك فان جدوي المساعدات المقدمة من الدول المانحة لن تحـــقق اهدافها في استقرار وأمن المنطقة.

    اليمنيون بحاجة الي التعرف على أسباب فقرهم وبؤسهم , ورى الدكتور السقاف قد ألقى الضوء على صلب العلة , كنت أتمنى لو أنه توسع أكثر في المقارنات الرقمية عبرسنوات مالية , وأطلب من الدكتور الاستمرار في تبصيرنا بأسباب شقائناالمعاصر:confused:
     

مشاركة هذه الصفحة