الحياة الابدية..............الشهادة

الكاتب : كهلان   المشاهدات : 468   الردود : 1    ‏2006-11-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-20
  1. كهلان

    كهلان عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-06-30
    المشاركات:
    310
    الإعجاب :
    0
    الشهيد هو ذلكم الميت الحي .. الغائب عن دنياه .. الشاهد في مجالي النعيم وجناه .. الموصول الرزق المتجدد العمر .. المنقول بحياته وهيكله الجسماني والروحاني من دار محنة زائلة .. إلى مستقر منحة دائمة ، ولذة مشبوهة متنوعة ، وملك لا يزال ، ورضوان لا يتغير ولا يحول ..


    والنصوص القرآنية الكريمة ، تتضافر مع الأحاديث النبوية الصحيحة في تأكيد هذا المفهوم ، وإبراز حقائقه ، وتصوير وقائعه بأساليب مختلفة العبارة ، متفاوتة التأثير بحيث تملأ نفس المؤمن بحقائق الغائب المنتظر ، ووقائع الشاهد المؤمل مجرد من ضباب الشك والتأويل ، منزهة عن احتمالات التجوز في مدلولاتها ، أو التوقف في استيعاب مضامينها .. حتى لنحيل لمن يتأملها عن قناعة ، ويتفحصها في روية أنه يعيش واقعها الثابت ، ويتمثل بناظريه كيانها المتجسد .


    فحياة الشهداء الذين يجودون بأثمن ما يمتلكون ، ويبذلون عن عقيدة أعز ما يحتازون .. دماءهم وأرواحهم وحاضرهم ومستقبلهم ، لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلي .. هذه الحياة عند الله حقيقة ماثلة ، يكتنفها طيب المقام ، وكرم المنزل ، وتلون الرزق وتنوع النعيم بلا انقطاع ولا اقتناع ، ولا جهد ولا عناء .. رزقا حيا ملموسا مشاهدا رأى العين كما يرزق الأخيار في دنيانا تلك مأكلا ومشربا وملبسا وحركة وسرورا ، ومتعة لكل من الروح والجسد معا على ما يعلم الله تعالى وفق ما قدره وقضى به .. إذا المقام هنا ليس مقام قياس غائب على شاهد ولا نظر للشهيد خلال مقاييس الحي عندنا ، ولا مقارنة بين ما هو في طريقه إلى خصائص الخلود والدوام ..


    فالمقام هنا مقام تسليم وتفويض ، وبراءة أمام قدرة الله تعالى من مظنة العجز أو توهم العصور بعد أن قامت الدلائل على أنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، ويولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، ويفلق الحب والنوى ، ويسوق الماء إلى الأرض الجرز فيخرج حبا ونباتا ، وجنات ألفافا ..


    والإيمان بحياة الشهيد الموصولة ، ورزقه المتجدد جزء لا يتجزأ من الإيمان بالغيب ، والتصديق بما وراء الطبيعة من عوالم الآخرة وحقائق الغيوب ، وما تحتويه من أعاجيب وغرائب ، وأسرار وبدائع .. لا تستعصي على القوة القاهرة ، والقدرة الباهرة ، وإمكانية التكوين بقوله تعالى : ( كُن فَيَكُونُ ) ( البقرة : 117 ) وهذا الإيمان أول ركيزة في أول آية لأول سورة في القرآن الكريم وفيها يخطط القرآن الكريم السمات الأساسية للمتقين في سورة البقرة حيث جعل أولها الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )( البقرة : 3 ) .
    يقول الجزولي : وحياة الشهيد غير مكيفة ، ولا معقولة للبشر ، ويجب الإيمان بها على ما جاء به ظاهر الشرع ، كما يجب الكف عن الخوض في كيفيتها .. إذ لا طريق للعلم بها الأمن الخبر .


    ومفهوم الحياة كما تمليه علينا طبيعة الحياة الراهنة .. هو كيفية يلزمها الحس والحركة والإرادة .. أو يصح لمن قامت به أن يكون أهلا للعلم والإدراك ، ولا تعقل في نظرنا حياة بدون هذا التصور ، والحياة التي أثبتها القرآن الكريم للشهداء بعد رحيلهم .. لن يخرج من ظاهرها عن هذا الإطار .. فاللفظ عربي صريح ، لم يرد فيه تأويل ، ولم يخرجه عن ظاهره تفسير ولا تحوير ولا يمكن التصرف فيه إلا في دائرة الحقيقة اللغوية المتداولة .. وهو أمر لا يخرج عن طوق الإمكان الإلهي اللامحدود .. والذي تفرد بخرق العادات ، وخلق المعجزات .. وعلينا الإيمان به كما ورد .. بدون أن ندع للسؤال بكيف منفذا يعكر علينا صفو هذا الإيمان الخاص ، والتسليم المطلق .


    وفي تفسير قوله تعالى : ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ( آل عمران : 169-170 ) . جاءت أضواء كثيرة في رحاب السنة المطهرة لكشف بعض جوانب هذا النعيم المقيم والسرور الشامل فمن ذلك ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ذكر الشهيد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجاته من الحور العين ، وفي يد كل واحدة منها حلة خير من الدنيا وما فيها " . وفي مسند أحمد من حديث طويل : " فلما وجدوا أي الشهداء طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا : من يبلغ عنا إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق ، لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عن الحرب " ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش " .


    ويقول المفسرون : ( أن الشهداء يستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يلحقوا بهم بعد .. بعد أن تبين لهم في عالم الغيب ما ينتظرهم من أمن وكرامة ، ومساواة في الأجر والمثوبة ، فتطمئن أرواحهم ، وتهدأ خواطرهم على إخوانهم في الكفاح ، وشركائهم في القتال ، وبهذا يتضاعف سرورهم ، وتزداد بهجتهم ، وفي هذا بعث للأحياء على شحذا لهم ، وموالاة الجهاد والطاعة والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم ، وتنويه بشأن من يتمنى لغيره من الخير مثل ما هو فيه منه ) .


    وقد فسر وجود أرواح الشهداء في أجواف طير خضر بعدة معان على قدر ما أسعفت المجتهدين من العلماء قرائحهم ، وجادت به أفهامهم .. منها : إنها تركب تلك الطير وتكون فوقها فهي مثل قوله تعالى : ( وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) ( طه : 71 ) أي على جذوعها ، وإطلاق الحواصل على الطير مجاز .. وهذا لا يتنافى مع ما سبق من أن النعيم للروح والجسد معا فالله لا يعجزه هذا الربط بينهما على هذا الوضع .
    وقيل : معناه أن يدخل الشهداء أجواف الطير بعد أن تتسع لها أبعادها وتصير كالهوادج الشفافة الفسيحة ثم تضرب في طول الجنان وعرضها .
    وقيل : معناه أن الشهداء يصيرون في حركتهم ، ويسر انتقالهم وحرية تصرفهم كالطير التي تتمتع في جوها - الطليق بتلك الميزات ويكون الكلام من باب التمثيل البلاغي ، أو من باب الكناية بذكر اللازم في سرعة قطع المسافات البعيدة بجهد يسير .. أو بلا جهد أصلا .


    وقيل معناه : أن هياكل الشهداء بتمامها تعمر أجساما أخرى بحيث تدبرها وتحيا بها كما تحيا الأجسام بأرواحها وتكون لها كالبيت لئلا يلزم القول بالتناسخ المحظور ومع كل هذه الأقوال التي تمخضت عنها أفهام المفكرين فإن الخير كل الخير كما أسلفنا في صدر المقال أن نترك الخوض في كيفية تلك الحياة جانبا ، وأن نلزم جادة الحذر والحيطة في تلقي تلك النصوص وأمثالها مما لا يحيط به إدراكنا ، أو يرقى إليه اجتهادنا ، ولنسلم الأمر كله أولا وأخرا وظاهرا وباطنا لله تعالى وتعلم تمام العلم أن القدرة صالحة لكل شيء وأن ما جاء به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة حق لا ريب فيه ، وواقع لا مفر منه فحياة الشهداء ثابتة ، وأرزاقهم موصولة ، ونعيمهم متجدد ..


    ويجب علينا ألا نحسبهم أمواتا .. بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم من فضله ولنترك التفسيرات التي لا دليل عليها ، ولنأخذ اللغة العربية بأساليبها كما جاءت وإن تنوعت عباراتها ، وتعددت إطارات صورها فالحقيقة واحدة لا تختلف والحياة للشهداء قائمة لا تختلف ، وتلون الأداء في العبارة من أخص خصائص لغتنا التي بها نزل القرآن وبها تحددت مسارات البيان والله أعلم بحقيقة الحال ، وجوهر المقال وهو على كل شيء قدير .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-11-20
  3. كهلان

    كهلان عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-06-30
    المشاركات:
    310
    الإعجاب :
    0
    الشهيد هو ذلكم الميت الحي .. الغائب عن دنياه .. الشاهد في مجالي النعيم وجناه .. الموصول الرزق المتجدد العمر .. المنقول بحياته وهيكله الجسماني والروحاني من دار محنة زائلة .. إلى مستقر منحة دائمة ، ولذة مشبوهة متنوعة ، وملك لا يزال ، ورضوان لا يتغير ولا يحول ..


    والنصوص القرآنية الكريمة ، تتضافر مع الأحاديث النبوية الصحيحة في تأكيد هذا المفهوم ، وإبراز حقائقه ، وتصوير وقائعه بأساليب مختلفة العبارة ، متفاوتة التأثير بحيث تملأ نفس المؤمن بحقائق الغائب المنتظر ، ووقائع الشاهد المؤمل مجرد من ضباب الشك والتأويل ، منزهة عن احتمالات التجوز في مدلولاتها ، أو التوقف في استيعاب مضامينها .. حتى لنحيل لمن يتأملها عن قناعة ، ويتفحصها في روية أنه يعيش واقعها الثابت ، ويتمثل بناظريه كيانها المتجسد .


    فحياة الشهداء الذين يجودون بأثمن ما يمتلكون ، ويبذلون عن عقيدة أعز ما يحتازون .. دماءهم وأرواحهم وحاضرهم ومستقبلهم ، لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلي .. هذه الحياة عند الله حقيقة ماثلة ، يكتنفها طيب المقام ، وكرم المنزل ، وتلون الرزق وتنوع النعيم بلا انقطاع ولا اقتناع ، ولا جهد ولا عناء .. رزقا حيا ملموسا مشاهدا رأى العين كما يرزق الأخيار في دنيانا تلك مأكلا ومشربا وملبسا وحركة وسرورا ، ومتعة لكل من الروح والجسد معا على ما يعلم الله تعالى وفق ما قدره وقضى به .. إذا المقام هنا ليس مقام قياس غائب على شاهد ولا نظر للشهيد خلال مقاييس الحي عندنا ، ولا مقارنة بين ما هو في طريقه إلى خصائص الخلود والدوام ..


    فالمقام هنا مقام تسليم وتفويض ، وبراءة أمام قدرة الله تعالى من مظنة العجز أو توهم العصور بعد أن قامت الدلائل على أنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، ويولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، ويفلق الحب والنوى ، ويسوق الماء إلى الأرض الجرز فيخرج حبا ونباتا ، وجنات ألفافا ..


    والإيمان بحياة الشهيد الموصولة ، ورزقه المتجدد جزء لا يتجزأ من الإيمان بالغيب ، والتصديق بما وراء الطبيعة من عوالم الآخرة وحقائق الغيوب ، وما تحتويه من أعاجيب وغرائب ، وأسرار وبدائع .. لا تستعصي على القوة القاهرة ، والقدرة الباهرة ، وإمكانية التكوين بقوله تعالى : ( كُن فَيَكُونُ ) ( البقرة : 117 ) وهذا الإيمان أول ركيزة في أول آية لأول سورة في القرآن الكريم وفيها يخطط القرآن الكريم السمات الأساسية للمتقين في سورة البقرة حيث جعل أولها الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )( البقرة : 3 ) .
    يقول الجزولي : وحياة الشهيد غير مكيفة ، ولا معقولة للبشر ، ويجب الإيمان بها على ما جاء به ظاهر الشرع ، كما يجب الكف عن الخوض في كيفيتها .. إذ لا طريق للعلم بها الأمن الخبر .


    ومفهوم الحياة كما تمليه علينا طبيعة الحياة الراهنة .. هو كيفية يلزمها الحس والحركة والإرادة .. أو يصح لمن قامت به أن يكون أهلا للعلم والإدراك ، ولا تعقل في نظرنا حياة بدون هذا التصور ، والحياة التي أثبتها القرآن الكريم للشهداء بعد رحيلهم .. لن يخرج من ظاهرها عن هذا الإطار .. فاللفظ عربي صريح ، لم يرد فيه تأويل ، ولم يخرجه عن ظاهره تفسير ولا تحوير ولا يمكن التصرف فيه إلا في دائرة الحقيقة اللغوية المتداولة .. وهو أمر لا يخرج عن طوق الإمكان الإلهي اللامحدود .. والذي تفرد بخرق العادات ، وخلق المعجزات .. وعلينا الإيمان به كما ورد .. بدون أن ندع للسؤال بكيف منفذا يعكر علينا صفو هذا الإيمان الخاص ، والتسليم المطلق .


    وفي تفسير قوله تعالى : ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ( آل عمران : 169-170 ) . جاءت أضواء كثيرة في رحاب السنة المطهرة لكشف بعض جوانب هذا النعيم المقيم والسرور الشامل فمن ذلك ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ذكر الشهيد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجاته من الحور العين ، وفي يد كل واحدة منها حلة خير من الدنيا وما فيها " . وفي مسند أحمد من حديث طويل : " فلما وجدوا أي الشهداء طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا : من يبلغ عنا إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق ، لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عن الحرب " ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش " .


    ويقول المفسرون : ( أن الشهداء يستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يلحقوا بهم بعد .. بعد أن تبين لهم في عالم الغيب ما ينتظرهم من أمن وكرامة ، ومساواة في الأجر والمثوبة ، فتطمئن أرواحهم ، وتهدأ خواطرهم على إخوانهم في الكفاح ، وشركائهم في القتال ، وبهذا يتضاعف سرورهم ، وتزداد بهجتهم ، وفي هذا بعث للأحياء على شحذا لهم ، وموالاة الجهاد والطاعة والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم ، وتنويه بشأن من يتمنى لغيره من الخير مثل ما هو فيه منه ) .


    وقد فسر وجود أرواح الشهداء في أجواف طير خضر بعدة معان على قدر ما أسعفت المجتهدين من العلماء قرائحهم ، وجادت به أفهامهم .. منها : إنها تركب تلك الطير وتكون فوقها فهي مثل قوله تعالى : ( وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) ( طه : 71 ) أي على جذوعها ، وإطلاق الحواصل على الطير مجاز .. وهذا لا يتنافى مع ما سبق من أن النعيم للروح والجسد معا فالله لا يعجزه هذا الربط بينهما على هذا الوضع .
    وقيل : معناه أن يدخل الشهداء أجواف الطير بعد أن تتسع لها أبعادها وتصير كالهوادج الشفافة الفسيحة ثم تضرب في طول الجنان وعرضها .
    وقيل : معناه أن الشهداء يصيرون في حركتهم ، ويسر انتقالهم وحرية تصرفهم كالطير التي تتمتع في جوها - الطليق بتلك الميزات ويكون الكلام من باب التمثيل البلاغي ، أو من باب الكناية بذكر اللازم في سرعة قطع المسافات البعيدة بجهد يسير .. أو بلا جهد أصلا .


    وقيل معناه : أن هياكل الشهداء بتمامها تعمر أجساما أخرى بحيث تدبرها وتحيا بها كما تحيا الأجسام بأرواحها وتكون لها كالبيت لئلا يلزم القول بالتناسخ المحظور ومع كل هذه الأقوال التي تمخضت عنها أفهام المفكرين فإن الخير كل الخير كما أسلفنا في صدر المقال أن نترك الخوض في كيفية تلك الحياة جانبا ، وأن نلزم جادة الحذر والحيطة في تلقي تلك النصوص وأمثالها مما لا يحيط به إدراكنا ، أو يرقى إليه اجتهادنا ، ولنسلم الأمر كله أولا وأخرا وظاهرا وباطنا لله تعالى وتعلم تمام العلم أن القدرة صالحة لكل شيء وأن ما جاء به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة حق لا ريب فيه ، وواقع لا مفر منه فحياة الشهداء ثابتة ، وأرزاقهم موصولة ، ونعيمهم متجدد ..


    ويجب علينا ألا نحسبهم أمواتا .. بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم من فضله ولنترك التفسيرات التي لا دليل عليها ، ولنأخذ اللغة العربية بأساليبها كما جاءت وإن تنوعت عباراتها ، وتعددت إطارات صورها فالحقيقة واحدة لا تختلف والحياة للشهداء قائمة لا تختلف ، وتلون الأداء في العبارة من أخص خصائص لغتنا التي بها نزل القرآن وبها تحددت مسارات البيان والله أعلم بحقيقة الحال ، وجوهر المقال وهو على كل شيء قدير .
     

مشاركة هذه الصفحة