لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ـ الحلقة (1)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 496   الردود : 0    ‏2002-07-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-27
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ـ الحلقة (1)

    من هو هذا المؤمن؟!

    قفز إلى ذهني بدون مقدمات تساؤل عمن هو "المؤمن" الذي قصده الرسول صلى الله عليه وسلم، في هذا لحديث الذي أخرجه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث: " لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"

    فقد أصبح هذا الحديث -الذي هو من جوامع الكلم التي آتاها الله رسوله صلى الله عليه وسلم- مثلا سائرا في العربية.... يستعمله الكبير والصغير... والمتعلم والعامي... وقد لا يدري كثير من الناس... أنه خرج من مشكاة النبوة...

    والجملة مكونة من حرفين: هما "لا" و"مِن"... وفعل واحد مبني للمجهول، وهو "يلدغ" وأربعة أسماء... وهي: "المؤمن، جحر، واحد، مرتين"

    وكل كلمة منه مقصودة واقعة في موقعها الذي يناسبها....

    و"اللدغ" هو اللذع -أو اللسع- الشديد... كلدغ العقرب أو الحية أو غيرهما من الهوام...

    وهنا يرد سؤال، وهو:
    لماذا خص الرسول صلى الله عليه وسلم "المؤمن" بالحذر من تكرر اللسع من جحر واحد؟ أليس كل الناس داخلين في هذا الحذر؟ لأن اللسع من الأضرار المادية التي يحسها كل واحد منهم، فيفر هاربا مبتعدا من هذا الجحر!

    ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم الجحر بالوحدة معقول، لأن الحذِر من هذا الجحر، قد يجاور جحرا آخر، لا يدري عنه، فيصاب بلسعة أخرى منه، ولا يلام على ذلك لأنه لم تسبق له تجربة فيه، بخلاف من لدغ من جحر واحد مرتين، فإن ذلك يدل على ضعف عقله وقلة اهتمامه بأمر نفسه.

    إن هذا المثل غير مقصود لذاته، وإنما المقصود به التنبيه بالأمر المحسوس الحاضر على الأمر المعنوي الغائب....

    فكرت قليلا في هذا السؤال... فإذا القرآن الكريم، والسنة المشرفة، والسيرة الكريمة كلها تسعفني بالإجابة عنه:

    لقد واجه الرسولَ صلى الله عليه وسلم وأصحابه حروبٌ ومؤامراتٌ، من أعداء الإسلام، من المشركين، واليهود والمنافقين.

    وكانت الحروب السافرة من أولئك الأعداء أخف وطأة على المسلمين من المؤامرات الحاقدة، لأن المسلمين يعدون ما يقدرون عليه من العدة واتخاذ أسباب النصر في ساح المعارك... لوضوحها... وقد يحالفهم النصر الحاسم، كما في معركة بدر، أو الابتلاء والتمحيص وتكون العاقبة النصر، كما في معركة أحد.

    أما مؤامرات الأعداء وخداعهم وإبرامهم الأمور بليل، ونقضهم العهود والمواثيق، دون إنذار سابق، أو نبذ صريح، فذلك ما يطعن المسلمين في ظهورهم، على غفلة من أمرهم...

    وهذا ما حصل من المشركين في مكة عندما نقضوا العهد الذي عقد بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية... كما حصل من طوائف اليهود الثلاث: بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير... وقصصهم كلهم معروفة في السيرة النبوية...

    وكان للمنافقين الحظ الوافر في محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بالدسائس والمكايد مع المشركين واليهود،وهم آمنون مطمئنون، لأنهم يظهرون الإسلام الذي يمنحهم معاملة المسلمين بحسب ما يظهرون....ومكايدهم معروفة معلومة كذلك... وقد أبدى القرآن الكريم في كشف مؤامراتهم وصفاتهم وأعاد، وكذلك السنة النبوية...

    ولنذكر لكل صنف من الأصناف المذكورة (المشركين... واليهود... والمنافقين) مثالا واحدا من مؤامراتهم... مع بيان مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم الحاسمة من تلك المؤامرات... عملا بالتوجيهات الربانية له ولأصحابه رضوان الله عليهم.

    المثال الأول: نقض مشركي قريش العهد وموقف الرسول الحاسم منه:

    فقد منعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وهم في الحديبية سنة ست للهجرة، من أداء العمرة، وتم بينه وبينهم عهد، قبل فيه الرسول شروطهم المجحفة، التي لم يقبلها أصحابه إلا طاعة لهن لما فيها من الظلم والعدوان.

    وكان من بنود تلك المعاهدة:
    إن من أراد أن يدخل في عهد محمد وأصحابه، فله ذلك، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش، فله ذلك، فدخلت خزاعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش.

    ثم اعتدت بنو بكر على خزاعة، وأعانتهم قريش، فشكت خزاعة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بد ناصر حلفاءه من خزاعة.. فأوفدت قريش أبا سفيان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ليشد العهد وبثبته ويطلب زيادة المدة.

    وحاول التوسط بأصحاب الرسول الله عليه وسلم، ليقبل ما جاء من أجله، فلم يجد منهم إلا الرفض... وكلم الرسول الله صلى الله عليه وسلم...فلم يرد عليه، فرجع خائبا...

    وأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش، فغزاهم سنة ثمان للهجرة، وكان فتح مكة... كما فصلت ذلك كتب السيرة وكتب التفسير... [راجع تفسير القرآن العظيم لابن كثير 0(4/114)]نشر دار طيبة.

    المثال الثاني: نقض القبائل اليهودية الثلاث عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:

    وهم "بنو قينقاع" [تاريخ الطبري (2/48)] و"بنو قريظة" [تاريخ الطبري (2/98) يراجع في قصتها في سورة الأحزاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير وغيره] و"بنو النضير" [تاريخ الطبري(4/74) ويراجع تفسير سورة الحشر في تفسير القرآن العظيم لابن كثير... وغيره]

    نقضت هذه القبائل الواحدة تلو الأخرى العهد الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبينها عند قدومه إلى المدينة مهاجرا من مكة..

    وقد أدب الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القبائل، كل منها بما تستحق كما أدب مشركي قريش... وتفصيلها مسطور في السيرة النبوية لابن هشام... وغيره من كتب التاريخ...كالبداية والنهاية... وتاريخ الطبري..

    المثال الثالث: مؤامرات المنافقين على المسلمين.

    وهؤلاء هم أخطر أصناف أعداء الإسلام، لأنهم يظهرون الإيمان، وتكون لهم من الحقوق ما لسائر المسلمين، فلا فرق بينهم وبين غيرهم من المسلمين في الأحكام، فهم يصاهرونهم، ويؤاكلونهم ويشاربونهم، ويطلعون على أسرارهم في وقت السلم والحرب، ويوالون غير المسلمين ويتآمرون معهم عليهم، عندما يغيبون عن أعين المسلمين، ويسعون بالوشاية والنميمة بين المسلمين لشق صفهم، وإحداث العداوة بينهم، وينشرون الدعايات الكاذبة والإشاعات الغادرة بينهم، وبخاصة في وقت الحروب...

    ولهذا كثر في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، التحذير منهم...وكان له صلى الله عليه وسلم أمين سر خاص لحفظ سجلاته، وهو حذيفة بن اليمان رضي الله عنه...

    فقد ذكر الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة بعض صفات المؤمنين، في أربع آيات... وذكر بعض صفات الكافرين، في آيتين فقط... وذكر بعض صفات المنافقين في 13 آية... لأن المؤمنين مهتدون على الصراط المستقيم بوضوح... والكافرين على سبل الكفر بوضوح... ويكفي أن يقال: هذا كافر، وهذا مؤمن...

    أما المنافقون فإنهم لكثرة تقلبهم وتلونهم، وما يتخذونه من سبل متعددة ومسارب متنوعة، بحيث يظهرون تارة في صورة مؤمنين، وأخرى في صفات كافرين، فإن المسلمين أشد حاجة إلى معرفة صفاتهم ليتوسلوا بها إلى معرفتهم والحذر منهم...

    وقد ذكر في القرآن الكريم لفظ النفاق ومشتقاته: 32 مرة..

    وذكر قوله تعالى عنهم (( في قلوبهم مرض )) 11 مرة...

    وهناك صفات أخرى تدل عليهم، كما في قوله تعالى: (( يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك وغيرها...))

    وتتبع الآيات والأحاديث المتعلقة بهم وبمؤامراتهم... وإيذائهم للرسول صلى الله عليه وسلم، في نفسه وأهله، ولأصحابه كذلك، من يوم وطئت أقدامهم المدينة إلى أن لقي الرسول صلى الله عليه وسلم، في حالتي السلم والحرب، يحتاج إلى مؤلف كبير...

    فقد تآمروا على الإسلام والمسلمين مع المشركين ومع اليهود، ومع النصارى، كما في مسجد الضرار...

    يبدو أني قد أرهقت ذهن القارئ بهذه المقدمة الطويلة، التي قد لا يدرك سبب إيرادها، قبل أن يعرف صلتها بالعنوان: (من هو هذا المؤمن؟) وأبادر فأقول: إن هذه ليست مقدمة، وإنما هي في صميم الموضوع.

    إن هذه الفئات الثلاث: "المشركين واليهود والمنافقين" هي التي كثر منها لدغ المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم انضم – بعد ذلك إلى هذه الفئات الثلاث فئة "النصارى" وهي التي توالي لدغاتها لهذه الأمة في كل زمان ومكان، وتجمع سمومها كلها – مع اختلافاتها - لتنفثها في جسد الأمة الإسلامية.

    ويبدو لي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه هذا الحديث: ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) لمناسبة تتعلق بكيد أعداء الإسلام، حضا لهم على الحذر منهم، وأخذ الحيطة من كيدهم، وقد تمكنوا من معرفتهم وجربوهم جميعا... والعاقل إذا جرب خداع عدوه مرة واحدة، يجب ألا يخدعه مرة أخرى...كما أن الذي يلدغ من جحر مرة واحدة، لا يليق به أن يلدغ من نفس الجحر مرة أخرى.

    ومن الآيات التي حذرت المسلمين من الركون إلى من المشركين، ولو كانوا من أقرب المقربين إليهم:

    قوله تعالى : (( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين )) [(24) التوبة]

    وقوله تعالى: (( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون )) [(22) المجادلة]

    وقوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل )) [(1) الممتحنة]

    وقوله تعالى: (( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون )) [(9) الممتحنة]

    ومن الآيات المحذرة من اليهود والنصارى:

    قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين)) [(100) آل عمران]

    وقوله تعالى: (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير )) [المائدة(120)]

    وقوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )) [(51) المائدة]

    وقوله تعالى: (( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون)) [(82) المائدة]

    ومن الآيات المحذرة من المنافقين:

    قوله تعالى: (( إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون(93)يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون(94)سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون(95)يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين )) (96) [ التوبة]

    وقوله تعالى: (( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين )) [(83) التوبة]

    وقوله تعالى: (( ألم ترى إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون )) [(11) الحشر]

    ظهر لنا مما سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا يقفون مواقف حازمة حاسمة من مكايد أعدائهم من المشركين، وأهل الكتاب، والمنافقين، فلم يتلقوا منهم ضربة بعد أخرى، وإنما يبادرون بتأديب العدو بعد غدره مباشرة...

    وفي الحلقة القادمة ـ إن شاء الله ـ سنسأل القرآن والسنة عمن هو هذا المؤمن؟ ونستمع إلى إجابتهما عن المؤمن الذي لا يلدغ من جحر مرتين.
     

مشاركة هذه الصفحة