النكت الجياد على مراتب الجهاد لابن القيم .... [حسين بن محمود] 12 شوال 1427هـ

الكاتب : بنت الخلاقي   المشاهدات : 540   الردود : 6    ‏2006-11-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-14
  1. بنت الخلاقي

    بنت الخلاقي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-07-31
    المشاركات:
    8,030
    الإعجاب :
    0

    بسم الله الرحمن الرحيم

    النكت الجياد على مراتب الجهاد لابن القيم


    لا يكاد عالم من علماء المسلمين – اليوم – يضع كتابا في الجهاد إلا وذكر مراتبه التي جمعها الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي المشهور بابن قيم الجوزية - رحمه الله - في كتابه القيم "زاد المعاد في هدي خير العباد" (المجلد الثالث) ، فهذا التقسيم الجليل رتبه ابن القيم رحمه الله ترتيبا علميا دقيقا – كعادته رحمه الله في كتبه – ليوفر على من بعده عناء البحث عما تتبعه واستقرأه ، فرحمه الله وأثابه على جهده وجعله في ميزان أعماله ونفعه به ..

    وبين يدي القارئ تقسيم ابن القيم رحمه الله لمراتب الجهاد ، وقد جعلت كلامه بين معكوفين [...] وأتبعته بتعليق بسيط قد يحتاجه بعض الناس ، وذلك لشهرة هذا التقسيم وهذه المراتب ، ولِما رأيت من استغلال بعض الناس هذا التقسيم البديع لأغراض ربما لم تكن في حسبان الإمام ابن القيم رحمه الله ..

    قال ابن القيم رحمه الله : [فالجهادُ أربع مراتب : جهادُ النفس ، جهادُ الشيطان ، جهادُ الكفار ، جهادُ المنافقين]

    كذا في النُّسخ المطبوعة ، ولا أدري هل هذا سهو من الإمام رحمه الله أم خطأ من النساخ !! فقد ذكر في هذه المقدمة الملخصة مراتب الجهاد التي هو بصددها ، وفصَل بين جهاد الكفار والمنافقين ولم يذكر جهاد "أرباب الظلم والبدع والمنكرات" هنا ، وقد ذكره في الشرح ، وجمع بين جهاد الكفار والمنافقين في الشرح ، فالصحيح أن يقال هنا "الجهاد أربعة مراتب : جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وجهاد الكفار والمنافقين ، وجهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات" ، فهذا ما ذكره ابن القيم في شرحه كما سيأتي ..

    وهذا تقسيم منه رحمه الله أتى به بعد تتبع واستقراء ، ومثله جدير بمثل هذا ، وليس هناك حديث أو آية – فيما أعلم – جمعت هذه الأصناف ورتبتها هذا الترتيب ، وهو ترتيب صحيح لا غبش فيه ، وقد رتب شيخ الإسلام ابن تيمية أقسام الجهاد ، فقال رحمه الله "الجهاد إمّا أن يكون بالقلب كالعزم عليه ، أو بالدّعوة إلى الإسلام وشرائعه ، أو بإقامة الحجّة على المبطل ، أو ببيان الحقّ وإزالة الشّبهة ، أو بالرّأي والتّدبير فيما فيه نفع المسلمين ، أو بالقتال بنفسه . فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه" ، وقد دأب العلماء على جمع شتات معاني الآيات والأحاديث وجعلها في نقاط مترابطة ليسهل على الناس حفظها ، وهذا معلوم مشهور ، وهو عمل محمود إن شاء الله ..

    [فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضاً :
    إحداها : أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى ، ودين الحق الذي لا فلاح لها ، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ، ومتى فاتها عِلمُه ، شقيت في الدَّارين.]

    قال تعالى {وقل ربي زدني علماً} ، وقال سبحانه {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ، وقال النبي صلى الله علي وسلم "من يرد الله به خيرا يفقّه في الدين" (البخاري) .. وهل يلزمه تعلم جميع أحكام الدين وجميع أبوابه !! الجواب : أنه يلزمه تعلم ما يحتاجه في وقته ، فهو يحتاج إلى معرفة معنى "لا إله إلا الله محمدا رسول الله" في كل وقت ، فعليه معرفة انه لا يُعبد إلا الله وأن كل ما سوى الله مخلوق لا يستحق صرف أي نوع من العبادات له ، وأن الله بعث محمدا رسولا فأمرنا باتباعه ونهانا عن مخالفته ، ثم يتعلم ما يترتب على معرفة الله ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال القلبية والعملية ، فيتعلم ما يحتاج من العبادات في وقتها : كالطهارة والصلاة والصوم (إذا حضر رمضان) والزكاة (إن كان ذا مال يُزكّى) والحج إن قصده ، وهكذا .. وفي تعلم فروع الدين ودقائق العلم أجر عظيم ، وهو من أعظم الجهاد ومن فروض الكفايات ..

    وقد اختلف العلماء بين جهاد العلم وجهاد القتال أيهما المعني بقول الله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت : 69) "قال سفيان بن عيينة لابن المبارك‏ :‏ إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول‏{‏لنهدينهم‏} [وهذا قول مروي عن ابن المبارك وأحمد ابن حنبل أيظا] ... قال الحسن بن الفضل ‏:‏ فيه تقديم وتأخير ، أي : الذين هديناهم هم الذين جاهدوا فينا ‏{‏لنهديهم سبلنا‏} ‏أي طريق الجنة ، قاله السدي"‏.‏(باختصار من تفسير القرطبي) ، والآية تحتمل المعنيين ، وظاهرها يدل على المعنى الأول لأن الجهاد إذا أطلق فإن المقصود به القتال ، والقول الثاني صحيح من باب أن العالم إذا بلغ درجة من العلم المقترن بالإخلاص فإن الله يوفقه للجهاد في سبيله ليحصل له شرف العلم وفضل الجهاد ..

    وقد جمع السعدي رحمه الله بين الأمرين فأجاد وأفاد رحمه الله ، فقال "{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} وهم الذين هاجروا في سبيل اللّه , وجاهدوا أعداءهم , وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته. {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي : الطرق الموصلة إلينا , وذلك لأنهم محسنون. {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} بالعون والنصر والهداية. دل هذا على أن أحرى الناس بموافقة الصواب : أهل الجهاد. وعلى أن مَن أحسن فيما أُمر به , أعانه اللّه , ويسر له أسباب الهداية. وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي , فإنه يحصل له من الهداية , والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية خارجة عن مدرك اجتهاده , وتيسر له أمر العلم. فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل اللّه , بل هو أحد نَوْعَي الجهاد الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق : وهو الجهاد بالقول , واللسان للكفار والمنافقين. والجهاد على تعليم أمور الدين , وعلى رد نزاع المخالفين للحق ولو كانوا من المسلمين" (انتهى) ..

    لقد كان العلم في سلف الأمة في المجاهدين وعلى رأسهم نبينا صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وعلماء الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ، وكان الجهاد في العلماء الربانيين ، فلا تجد ثغراً من ثغور المسلمين إلا وفيه أهل الفقه والحديث والتفسير والعُبّاد والزّهّاد وغيرهم من أكابر العلماء وفضلاء الناس وأشرافهم يعلمون الناس الدين ويلقون عهليهم الدروس في الثغور ، حتى أتى زماننا هذا فتأخر العلماء عن ساحات الجهاد وزهدوا فيها وخالفوا سنة نبيهم وصحابته والقرون الأولى ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ..

    [الثانية : أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه ، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل : إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها.]

    إن العمل بمقتضى الشهادتين يشمل جميع أنواع العبادات القلبية والكلامية والعملية ، وتتفاوت درجات الجهاد هنا بتفاوت أهمية العبادات شرعاً والآثار المترتب عليها ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحفظون عشر آيات يتعلمون ما فيها من أحكام ويعملون بها ولا يتجاوزونها قبل ذلك ، والعبد مأمور بأداء الشعائر المفروضة عليه ومندوب للعمل بغيرها ، ومن لا يعمل بعلمه كان علمه حجة عليه ، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (الصف : 2-3) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم "القرآن حجة لك أو عليك" (رواه مسلم) ، وسأل رجل أبا الدرداءَ مسألة ، فقال له أبو الدرداء "كل ما تسأل عنه تعمل به" ؟ قال الرجل : لا . فقال أبو الدرداء "فما تصنع بزيادة حجة الله عليك" ، وما ذلك إلا أن الصحابة كانوا يسألون ليعملوا ما يقربهم إلى الله ، ولم يكن العلم في نظرهم ترف فكري أو زينة يتفاخرون بها أو وسيلة يجمعون بها الأتباع أو طريق يتقربون به إلى سلطان !!

    [الثالثة : أن يُجاهدها على الدعوة إليه ، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ ، وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات ، ولا ينفعُهُ علمُهُ ، ولا يُنجِيه مِن عذاب الله.]

    وهذا يكون لكل إنسان حسب طاقته وقدرته وعلمه ، فلا تكون دعوة بدون علم ، قال تعالى {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف : 108) ، فإذا انعدمت البصيرة فإن الداعية لا يأمن أن يدعوا إلى ضلالة وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً .. ولا يُشترط في الداعية أن يكون ملما بجميع فروع الدين ، وإنما يدعوا بما يعلم ، قال صلى الله عليه وسلم "بلّغوا عني ولو آية" (البخاري) .. والعالم لا بد له من التبليغ إن احتاج المقام إلى بيان لقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (البقرة : 159) ، فالدعوة نسبية كل حسب علمه وقدرته ، وهناك شروط للدعوة والداعية ليس هذا مقام ذكرها ، وقد قيل "لا أعلم : نصف العلم" ..

    [الرابعة : أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله ، وأذى الخلق ، ويتحمَّل ذلك كله لله.]

    وهذا مقام الأنبياء والصديقين ، فكل دعوة حق لا بد لها من عدو يصد أهلها عن الصراط المستقيم ، وربما نال الداعية شيئ من الأذى ، فلابد أن يعلم بأن ما يحمله وما يبلغه من حق يستحق الصبر ، ويتأسى بمن هو قبله ويعرف مآل صبره وخطر استسلامه لأعداء الحق ، قال تعالى {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ...} (الأحقاف : 35) ، فعلى الداعية أن يحتسب ، وأن يعلم أن السلامة ليست الأصل في مثل هذا ، وإنما البلاء هو الأصل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم " أشد الناس بلاء الأنبياء , ثم الأمثل فالأمثل , يبتلى الرجل على حسب [وفي رواية : قدر] دينه , فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه و إن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه , فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة" (رواه الترمذي وغيره وهو صحيح).

    [فإذا استكمل هذه المراتب الأربع ، صار من الربَّانِيينَ ، فإن السلفَ مُجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربَّانياً حتى يعرِفَ الحقَّ ، ويعملَ به ، ويُعَلِّمَه، فمَن علِم وَعَمِلَ وعَلَّمَ فذاكَ يُدعى عظيماً في ملكوتِ السموات.]

    جمع الله سبحانه وتعالى هذه المراتب في آية جاءت على لسان لقمان عليه السلام ، قال لقمان لإبنه ، في ما نقله عنه ربنا سبحانه {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (لقمان : 17) ، ولما اجتمعت هذه الخصال – أكثر ما اجتمعت- في خمسة من رسل الله – سبحانه وتعالى – سُمّّوا "أولي العزم" ، وهم الخمسة الذين ذكرهم الله في سورة الأحزاب ، في قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (الأحزاب : 7) ، قال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله ويصدق بعضهم بعضاً وينصحوا لقومهم (تفسير البغوي) .. ومن أراد الإستزادة في أمر العلم ومراتبه المذكورة فعليه بكتاب "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر ..

    [وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان :
    إحداهما : جهادُه على دفع ما يُلقي إلى العبد مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإيمان.]

    فبعد أن تعلم الإنسان وعمِل بعلمه وعلّمه الناس وصبر عليه كان جهاده للشيطان أخف على النفس ، وجهاد الشبهات إنما يكون بالعلم ، وأعظم العلم : معرفة الله وتوحيده ومعرفة أسمائه وصفاته ، ومعرفة أركان الإيمان والولاء والبراء والحب والبغض في الله وغيرها من أمور العقيدة ، وبهذا يسلم الإنسان من الشبهات القادحة في الإيمان ، وهذا لا يكون إلا بتعلم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العقيدة الحقة ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ..

    [الثانية : جهادهُ على دفع ما يُلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهواتِ ،]

    وهذا في حقيقته ثمرة العلم بالله وبأسمائه وصفاته ، فمن عرف الله وعرف عظمته وجبروته خافه ، ومن عرف رحمته وفضله أحبه واستحيا منه وطمع فيما عنده ، فيكون دفع الشهوات بالرغبة والرهبة ..

    [فالجهادُ الأول يكون بعده اليقين ، والثاني يكون بعدَه الصبر. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فأخبر أن إمامة الدين ، إنما تُنال بالصبر واليقين ، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة ، واليقينُ يدفع الشكوك والشبهات.]

    نقل ابن القيم رحمه الله قبل هذه المراتب أقوال بعض السلف في الجهاد فقال : قال ابن عباس "هو استفراغُ الطاقة فيه ، وألا يَخافَ في اللهِ لومةَ لائم" . وقال مقاتل: "اعملوا للهِ حقَّ عمله ، واعبدُوه حقَّ عِبادته" . وقال عبد الله بنُ المبارك "هو مجاهدةُ النفس والهوى" ، وكلها معانٍ صحيحة للجهاد .

    [وأما جهادُ الكفار والمنافقين ، فأربع مراتب : بالقلب ، واللِّسان ، والمالِ ، والنفسِ .. وجهادُ الكفار أخصُّ باليد ، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان.]

    وهذا ترتيب موفق منه رحمه الله ، فقد قدم جهاد النفس وجهاد الشيطان على جهاد الكفار والمنافقين ، وذلك أن الإنسان لا يصبر على جهاد العدو الخارجي إذا كان مهزوما في داخله ، ولا يستطيع الإنسان إقامة بنيان أساسه مهترء ، فلا بد من مجاهدة النفس والشيطان قبل مجاهدة العدو وإلا انهزم المقاتل عند أول وخزة ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى فقال صلى الله عليه وسلم مخاطبا أمته "من سمع بالدجال فلينأ عنه ، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن ، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات" (رواه أبو داود ، وصححه الألباني) ، فلابد للمسلم أن يحصن نفسه بعلم وإيمان يساوي أو يفوق ما يعرض عليه من شبهات وشهوات وفتن وإلا سقط في الإمتحان ، ولا بد أن تكون عنده ثقة بالله وصدق توكل عليه وإلا خاف عدوه وانهزم قبل أن يلقاه ، سُئل علي رضي الله عنه – وقد كان من أشد الناس وأنكاهم في عدو - كيف تغلب عدوك ؟ فقال : إني إن لقيته أعلم أني أغلبه ، وهو يعلم أني أغلبه ، فأكون أنا ونفسه عليه !!

    قسم ابن القيم - رحمه الله - جهاد الكفار والمنافقين إلى أربعة مراتب :

    1- القلب : وهو أضعف الإيمان وأقل الجهاد ، وهذا يكون في حق الضعيف الذي لا سلطان له ولا جاه في الناس ، فهو مغلوب على أمره ..
    2- اللسان : وهذا يكون لأهل العلم والدراية والحكمة ، ولا بد لهذه الصفات أن تكون مجتمعة ، فلا يصلح العلم المجرد من الحكمة والدراية بأحوال الناس ، فلا بد للعالم من معرفة أساليب الناس ومداخلهم ومكرهم ، والرد عليهم يكون وفق هذه المعارف بحجج في محلها تدحض شبهاتهم ، وإلا انقلب الجدال على المسلمين لا لهم ..
    3- المال : وهذا من الجهاد العظيم ، لما للمال من مكانة في النفوس ، ولما له من تأثير في نشر العلم وفي تجهيز الجيوش المقاتلة ، والمال عصب الجهاد ، وقد قدمه الله على القتال في مواضع من كتابه سبحانه ، فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الصف : 10-11) ..
    4- النفس : وهذا من أعظم الجهاد ، وهو ذروة سنام الإسلام ، وهو معنى الجهاد إذا أُطلقت الكلمة في كتاب الله أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس فوق الجهاد بالنفس جهاد إلا ما كان من قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" (رواه الترمذي وصححه الألباني) ، وحقيقة الحديث أنه جهاد لسان ونفس لأنه حاضر عند السلطان الجائر الذي ربما قتله ، وقد جاء هذا المعنى في حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" (حسنه الألباني في صحيح الجامع) ..

    قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله (مجموع الفتاوى ج7) " الجهاد أقسام : بالنفس ، والمال ، والدعاء ، والتوجيه ، والإرشاد ، والإعانة على الخير من أي طريق ، وأعظم الجهاد الجهاد بالنفس ، ثم الجهاد بالمال والجهاد بالرأي والتوجيه . والدعوة كذلك من الجهاد ، فالجهاد بالنفس أعلاها" (انتهى) ..

    أما ما يتعلق به بعضهم من أثر يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث زعموا أنه قال بعد رجوعه من غزوة "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" !! ويحتجون بهذا لقعودهم وتخلفهم عن القتال ، فهذا من أشنع الأمور وأعجبها ، إذا كيف يستوي من جلس في بيته في أمن ودعة يأكل ما لذ وطاب ويشرب أنواع الشراب ويأتي أهله ويحيط به ولده والأحباب ، كيف يستوي هذا ومن هو فوق الجبال وبين الأودية ، يقِض القلب في كل وقت ، لا ينام إلا على أزيز الطائرات وأصوات المدافع ، وقد خاطر بنفسه وماله مدافعاً عن حرمات المسلمين ، ساكبا دمه ، تُبتر أعضاء جسمه ليسلَم من خلفه ، قال تعالى {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (التوبة : 19-20) ، إي والله {لا يستوون} ..
    ولابن القيم كلام نفيس حول هذا المعنى في "تهذيب السنن" فقد قال رحمه الله "المجاهدون في سبيل الله ، وهم جند الله الذين يقيم بهم دينه ، ويدفع بهم بأس أعدائه ، ويحفظ بهم بيضة الإسلام ، ويحمي بهم حوزة الدين ، وهم الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا ، قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه وإعلاء كلمته ودفع أعدائه ، وهم شركاء لكل من يحمونه بسيوفهم في أعمالهم التي يعملونها وإن باتوا في ديارهم ، ولهم أجور من عبد الله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا هم السبب فيه" .. (انتهى) ، والنصوص في فضل المجاهدين على القاعدين كثيرة ..

    أما الأثر المذكور فهو منكر موضوع لا أصل له مُتقوَّل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو موضوع اللفظ وموضوع المعنى ، ولتلبيس بعض الناس على العوام بهذا الأثر – خاصة هذه الأيام – ننقل كلام المحدث ناصر الدين الألباني - رحمه الله - في كتابه "السلسلة الضعيفة والموضوعة" على هذا الأثر كاملاً ، ليعرف الناس بطلانه .. قال الألباني رحمه الله (السلسلة الضعيفة و الموضوعة : 5/478) ، عن هذا الأثر : "منكر" ، قال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء" (2/6) : "رواه البيهقي في "الزهد" من حديث جابر , وقال : هذا إسناد فيه ضعف" . وقال الحافظ ابن حجر في "تخريج الكشاف" (4/114 - رقم 33) : بعد أن حكى كلام البيهقي فيه : "وهو من رواية عيسى بن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عن ليث بن أبي سليم , والثلاثة ضعفاء , وأورده النسائي في "الكنى" من قول إبراهيم بن أبي عبلة أحد التابعين من أهل الشام " . قلت : عيسى بن إبراهيم هو البركي , وقد قال فيه الحافظ في "التقريب" : "صدوق ربما وهم" , فإطلاقه الضعف عليه - كما سبق - ليس بجيد . وهذا هو الذي اعتمده الحافظ ; أنه من قول إبراهيم هذا , فقد قال السيوطي في "الدرر" (ص 170) : "قال الحافظ ابن حجر في "تسديد القوس" : هو مشهور على الألسنة , وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة في "الكنى" للنسائي" . ثم تعقبه السيوطي بحديث جابر الآتي من رواية الخطيب , و لو تعقبه برواية البيهقي السابقة لكان أولى ; لخلوها من متهم , بخلاف رواية الخطيب ففيها كذاب ! كما يأتي قريبا بلفظ : "قدمتم خير مقدم .." . و نقل الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على "تفسير البيضاوي" (ق 110/1) عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال : "لا أصل له" . وأقره . وقال في مكان آخر ( 202/1 ) : "رواه البيهقي وضعف إسناده , وقال غيره : لا أصل له" . وأما قول الخفاجي في "حاشيته على البيضاوي" (6/316) : "وفي سنده ضعف مغتفر في مثله" . فغير مستقيم ; لأن ظاهره أنه حسن , وكيف ذلك وفي سنده ثلاثة ضعفاء , وقد اتفق من تكلم فيه على ضعفه ? ! ثم بعد سنين , وقفت على الحديث في "الزهد" للبيهقي (42/1) , فإذا هو بلفظ : "قدمتم خير مقدم , قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر : مجاهدة العبد هواه" .
    وكذلك رواه أبو بكر الشافعي في "الفوائد المنتقاة" ( 13/83/1 ) من طريق عيسى ابن إبراهيم البركي قال : نا يحيى بن يعلى قال : نا ليث عن عطاء عن جابر قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم عراة , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فذكره . قلت : وهذا سند ضعيف , ليث هو ابن أبي سليم , وهو ضعيف لاختلاطه , ويحيى بن يعلى ; الظاهر أنه الأسلمي , وهو ضعيف أيضا , وبقية رجاله ثقات . والحديث رواه الخطيب أيضا في "تاريخه" (13/523 - 524) من طريق الحسن بن هاشم عن يحيى بن أبي العلاء , قال : حدثنا ليث به . و الحسن بن هاشم ; لم أجد له ترجمة . و يحيى بن أبي العلاء لعله يحيى بن العلاء الكذاب , و لكن يغلب على الظن أنه يحيى بن يعلى المذكور في سند أبي بكر الشافعي و البيهقي , تحرف اسم أبيه على ناسخ " التاريخ " , فإنه المذكور في الرواة عن ليث . و يؤيده أن السيوطي أورد الحديث في " الدرر " ( ص 170 ) من رواية الخطيب متعقبا به على الحافظ ابن حجر جزمه بأن الحديث من قول إبراهيم بن أبي عبلة , فلو كان في سند الخطيب الوضاع المذكور ; لما تعقب به السيوطي إن شاء الله تعالى . ثم رأيته على الصواب في "ذم الهوى" لابن الجوزي (ص 39) من طريق الخطيب , بدلالة أحد الإخوان جزاه الله خيرا . والحديث قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوي" (11/197) : " لا أصل له , ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله , وجهاد الكفار من أعظم الأعمال , بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان" . ثم ذكر بعض الآيات والأحاديث الدالة على أنه من أفضل الأعمال , فكأنه رحمه الله يشير بذلك إلى استنكار تسميته بالجهاد الأصغر" . (انتهى كلام الألباني رحمه الله) ..

    وخلاصة كلام الألباني - رحمه الله – فيما نقله عن أئمة هذا الشأن : أن الحديث لا أصل له وهو من كلام شخص يدعى "إبراهيم بن ابي عبلة" ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد اتفق من تكلم في الحديث على ضعفه ، ويكفي قول شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث لا أصل له - وكلامه عليه في مجموع فتاواه - ليعلم الناس حقيقة الأمر ، وكأن في زمان شيخ الإسلام من قال بقولة أهل هذا الزمان ، فرد عليهم شيخ الإسلام كعادته في الدفاع عن السنة واصول الإسلام ، فجزاه الله عن المسلمين خيرا ..

    وقد ذكر هذا الأثر الشيخ عبد العزيز بن باز ، فقال : حديث "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" رواه البيهقي بسند ضعيف ، قاله الحافظ العراقي في شرح الإحياء ، نقله عنه العجلوني في كشف الخفاء ، وقال الحافظ بن حجر رحمه الله "هو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة وليس بحديث" ، نقله أيضاً العجلوني عن الحافظ في الكشف ، هذا ملخص ما ذكره العجلوني. وفي رواية البيهقي "قالوا وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب" .
    ورواه الخطيب البغدادي بلفظ "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب" ، ورواه الخطيب البغدادي بلفظ "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه" ، وقد روياه جميعاً عن جابر كذا في كشف الخفاء.
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (ج11 ص197) "أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك: "رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر" فلا أصل له ، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله" (انتهى ، من رسالة الشيخ ابن باز الموسومة بـ "التحفة الكريمة في بيان بعض الأحاديث الموضوعة والسقيمة".)

    وبعض الناس لما رأى الحديث في أكثر من موضع : ظن أنه يسعه تحسينه لتعدد طرقه ، ولو أنه اكتفى بكلام أئمة الحديث لسلِم ، ولكننا ابتُلينا بأناس ليس عندهم من علم الحديث إلا ريحه ، فظنوا أنهم أعلم من أئمة الحفاظ كابن حجر وابن تيمية والحافظ العراقي وأشباههم !! وهذا زمن رأينا فيه العجائب !!

    لقد أطلنا الكلام في هذا الأثر لأننا رأينا دندنة بعض الناس عليه هذه الأيام رغم اشتعال الثغور وصولة الكفار - ومواليهم من المرتدين وأهل البدع - على الإسلام والمسلمين ، فأردنا قطع دابر الأمر ، واللهَ نسأل أن يحفظ عقول المسلمين ودمائه وأعراضهم ..

    [وأما جهادُ أرباب الظلم ، والبِدعِ ، والمنكرات ، فثلاث مراتب : الأولى : باليد إذا قدر ، فإن عجز انتقل إلى اللسان ، فإن عجز جاهد بقلبه]

    قوله " جهادُ أرباب الظلم ، والبِدعِ ، والمنكرات" فهؤلاء اتفقوا في كونهم ظالمي أنفسهم .. أما الظالم ففي الغالب يكون له سلطان وقوة يظلم بهما ، وهذا لا يردعه إلا قوي مثله أو أقوى منه ، وهذا هو جهاده باليد ، وإلا يكون باللسان أو القلب ..
    وأهل البدع يُردعون بقوة السلطان إن كانت الدولة لأهل الإسلام أو كانت بهم قوة ، مع المجادلة بالحجة والبيان من قبل العلماء ، وإن كانت الدولة لأهل البدع فإن جهادهم لا يكون إلا لمن صبر واحتسب من أهل العلم والإيمان ، وباقي العلماء والناس يجاهدون بالقلب ..
    وصاحب المنكرات تقام عليه الحدود والتعزيرات وينكر عليه السلطان والعلماء والعامة ، وجهاد اليد واللسان إنما يكون واجبا على القادر إذا لم يترتب عليه مفسدة أكبر من مفسدة السكوت عن الظلم والمنكر ..


    [فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد ، و"من مات ولم يغزُ ، ولم يحدث نفسه بالغزو ، مات على شعبة من النفاق" (رواه مسلم)] (انتهى تقسيمه لمراتب الجهاد رحمه الله) ..

    فجهاد النفس : أربعة مراتب ، وجهاد الشيطان : مرتبتان (وهذه من الجهاد الخاص) ، وجهاد الكفار والمنافقين أربعة مراتب ، وجهاد أهل الظلم والبدع والمنكرات : ثلاثة مراتب (وهذه من الجهاد المتعد) ..
    أما إيراده حديث مسلم هنا ، ففيه إشكال ، وذلك أن الحديث خاص بالغزو وقتال الكفار ، وابن القيم كأنما أشار إلى أن هذا الحديث عام لكل مراتب الجهاد المذكورة ، والحقيقة أن الأمر فيه تفصيل ، فالحديث إنما يُحمل على القتال لأن الغزو معناه "الخروج إلى محاربة العدو" (مفردات القرآن للأصفهاني) ، وأصل الغزو : القصد والطلب ، يقال "ما مغزاك من هذا الأمر" ، وسمي الغازي غازيا لطلبه العدو ، فهو يستخدم (على إطلاقه) في قصد العدو وطلبه ، وهذا يكون في جهاد الكفار والممتنعين .. أما جهاد النفس فإن الكلام هنا يكون مجازي ، وغزو النفس إنما يكون بسرايا الحق وكتائب العلم وجيوش الشرع تدك معاقل الجهل وحصون الشيطان وتصد جيوش الشبهات وتهدم حصون الشهوات ، وهذا غزو لا شك أنه فرض على كل مسلم ..

    ولابن القيم كلام نفيس بعد هذا التقسيم ، فقال رحمه الله "ولا يتمُّ الجهاد إلا بالهجرة ، ولا الهجْرة والجهاد إلا بالإيمان ، والرَّاجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة. قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة : 218).
    وكما أن الإيمان فرض على كل أحد ، ففرضٌ عليه هجرتان فى كل وقت : هجرةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ بالتوحيد ، والإخلاص ، والإنابة ، والتَّوكُّل ، والخوف ، والرَّجاء ، والمحبة ، والتوبة ، وهِجرةٌ إلى رسوله بالمُتابعة ، والانقياد لأمره ، والتَّصديق بخبره ، وتقديم أمره وخبره على أمر غيرِهِ وخبره "فمَن كانت هِجرتهُ إلى الله ورسُوله، فَهجْرتهُ إلى الله ورسولِه ، ومَن كانت هجْرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوَّجها ، فَهجرته إلى ما هاجر إليه".
    وفَرضَ عليه جهادَ نفسه فى ذات الله ، وجهادَ شيطانه ، فهذا كُله فرض عين لا ينوبُ فيه أحدٌ عن أحد. وأما جهَاد الكُفار والمنافقين ، فقد يُكتفى فيه ببعضِ الأمَّةِ إذا حصَل منهم مقصود الجهاد.
    وأكملُ الخَلْقِ عند الله ، من كمَّل مراتِب الجهاد كلَّها ، والخلق متفاوِتون فى منازلهم عند الله ، تفاوتهم فى مراتب الجهاد ، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتِمُ أنبيائِه ورُسُله ، فإنه كمَّل مراتبَ الجهاد ، وجاهد فى الله حقَّ جهاده ، وشرع فى الجهاد من حِينَ بُعِثَ إلى أن توفَّاهُ الله عزَّ وجلَّ" (انتهى من زاد المعاد في هدي خير العباد) ..

    ولنا هنا وقفة مع من يحمل كلام الإمام ابن القيم هذا على غير محمله ، ويوهم الناس بأن هذه المراتب بينها فترات زمنية ربما استهلكت الأعمار ، وأنه لا بد من المرور بهذه المراتب وإعطاء كل مرتبة حقها من الوقت والجهد ، وهذا كلام فيه من التلبيس ما فيه ، ويريد منه بعضهم تثبيط الناس عن ذروة سنام الإسلام ..

    لا شك أن الترتيب الذي رتبه ابن القيم فيه الكثير من الحكمة والحق ، ولكن ابن القيم لم يشترط فترات زمنية بين كل مرتبة ، ولم يشترط أسماء المراجع العلمية ولا أساليب الدعوة ، وقد يقف الإنسان عند مرتبة يقضي فيها عمره كله ، وقد يأتي إنسان جميع هذه المراتب في نفس الوقت ، فالأمر نسبي وفيه سعة ويراعى فيه اختلاف مدارك الناس وهِممهم ، أخرج البخاري , و أحمد من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء رضي الله عنه يقول : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل [ من الأنصار ، من بني النبيت] مقنع بالحديد [في إحدى الغزوات] , فقال : يا رسول الله ! أقاتل أو أسلم ? قال "لا , بل أسلم ثم قاتل" , فأسلم ثم قاتل فقتل , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عمل قليلا , و أجر كثيرا" (أخرجه البخاري ومسلم وأحمد بألفاظ مختلفة)

    فهذا رجل لم يصلِّ لله ركعة ولم يجاهد نفسه ولا شيطانه في الإسلام إلا لحظات ، وربما لم يحفظ آية أو سورة من كتاب الله ، وربما لم يعرف أركان صلاة ولا شروط صوم وحج ولا شيء من علوم الإسلام إلا "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قُتل بعدها فشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالأجر الكثير ، فأين هذا ممن يقول بأن على الإنسان أن يقضي السنوات يعلِّم نفسه ، ثم سنوات ليعمل بما تعلّم ، ثم سنوات ليعلّم غيره ، ثم سنوات يصبر على الدعوة ، ثم سنوات يجاهد الشبهات والشهوات ، ثم إذا ابيض الشعر واحدودب الظهر وترهّل الجسم وتفتت العظام واجتمعت عليه الأسقام : يخرج للقتال !!

    إن مثل هذا كمثل من يقول بأن الإسلام مراتب : الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج ، ولا ينبغي للإنسان أن يصلي قبل أن ينطق الشهادتين لسنوات ؟، ثم لا يصوم حتى يصلي سنوات ، ولا يزكي حتى يصوم سنوات ، وهكذا !! ألا يسع المسلم أن يأتي جميع مراتب الجهاد في وقت واحد كما يأتي أركان الإسلام في نفس الوقت !! أليس هذا ما فعله جُل الصحابة الذين أسلموا في المدينة بعض أن فرض الله القتال !! لم يقل لهم النبي انتظروا حتى تتعلموا وتعملوا وتُعلِّموا وتصبروا وتجاهدوا الشهوات والشبهات ثم تُقاتلون الكفار !!

    ولنا أن نسأل هؤلاء : هل من يتعلم ويعلِّم يلزمه جهاد الشيطان أم لا ؟ فلا بد أن يكون الجواب : بأنه يلزمه ، فنقول : لماذا إذا تقولون بإلزام الناس جهاد الشيطان في وقت طلب العلم ولا تقولون بجهاد الكفار والمرتبتين مختلفتين ، وقد يكون جهاد الكفار – في وقت من الأوقات – أظهر وأعظم !! والحقيقة أن جهاد الكفار جزء من جهاد الشيطان لأن المجاهد يجاهد نفسه في طاعة الله وإتيان أمره بالجهاد في سبيله ، والشيطان يقعد له في طريق الجهاد ويثبطه عنه ، ومن لم يجاهد فقد غلبه الشيطان في هذا الباب ..

    إن أصحاب الهمم تكفيهم اللحظات ، وأُلي الألباب تكفيهم الإشارة ، وأهل الإيمان والحضوة يبلغون الذروة باليقين والتوكل والصدق مع الله ، ولا نقصد بهذا ترهات الصوفية والمبتدعة ، ولا نقصد به ترك العلم والتفقه في الدين ، وإنما يأخذ المرء ما يحتاج من علم في وقته ويعمل به ، والوقت اليوم وقت جهاد : لحضور العدو وصولته على أهل الإسلام ، وللأسف لا نجد من العلماء من يكتب عن الجهاد ويحض عليه في الوقت الذي نجد فيه مؤلفات جديدة كثيرة في أبواب شتى من الشريعة !!

    لا يقول عاقل بترك القتال ، والعدو دخل الديار واستباح الحريم ، فيجلس الرجال في البيوت يتعلمون العلم ويعلمونه غيرهم ويجادلون أهل الشبهات ، والجارة المسلمة مهتوكة العرض مستباحة الفرج يتناوبها علوج الكفار !! ليس هذا في دين ربنا المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم .. لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الرجال وتحلق حوله الصناديد وتطاير الشرر من أعين الليوث الكريهة لما كشف اليهود عورة امرأة مسلمة ، فما طرف للرجال الجفن حتى حمل الراية أسد الله الحمزة وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم الأبطال وقد أحاطوا بقلاع إخوان الخنازير (بنو قينقاع) إحاطة السباع الجائعة حول الفريسة الخانعة ليُعملوا أنيابهم في يهود ويثأروا لعرض أختهم المسلمة ، فما كان إلا قذف الله الرعب في قلوب أبناء القردة ، فنزلوا من حصونهم وكاد النبي صلى الله عليه وسلم يفتك بهم لولا تدخل رأس النفاق ابن سلول المُوالي لليهود ، وكذا دأب المنافقين في كل زمان ومكان ..

    قد يقول قائل : لا بد من مجاهدة النفس قبل مجاهدة العدو ، ولا يكون جهاد عدو إلا بعد جهاد نفس ، فنقول : هذا صحيح بلا شك ، ولكن : كم يستغرق جهاد النفس هنا !! وهل يحتمل اليوم أكثر من ثوانٍ معدودات ؟ إن كان الجواب : نعم ، استبيحت الحرمات ..

    ونقول : ألا يسع المسلم أن يجاهد الكفار ويطلب العلم ويجاهد الشيطان في نفس الوقت !! أيسعنا أن يقدم رمضان ونقول للمسلم : يجب عليك تعلم الصلاة قبل الصيام ، ولا يجوز لك الصيام قبل تعلم الصلاة !! ألا يسعنا أن نعلمه الصلاة وهو صائم !!

    ينبغي لكل من يكتب عن الجهاد وينقل هذه المراتب أن يستحضر هذه المعاني ، خاصة في وقتنا هذا ، فذكرها بدون بيان وربط لها بالواقع : يعد من التلبيس على الناس وتثبيط لهم وصرفهم عن الدفاع عن الحرمات وثنيهم عن إتيان فرض عين فرضه الله من فوق سبع سموات ..


    والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

    كتبه
    حسين بن محمود
    12 شوال 1427هـ
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-11-14
  3. ذماري دوت كوم

    ذماري دوت كوم قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2000-12-06
    المشاركات:
    4,227
    الإعجاب :
    0
    موضوع قيم يا بنت القاعدة

    وفي وقته

    جزاك الله خيرا
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-11-14
  5. ناصر البنا

    ناصر البنا شاعـر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-06-11
    المشاركات:
    7,641
    الإعجاب :
    0
    مشكوره الى مالانهايه على الموضوع
    انت رمز التميز يا بنت القاعده
    دعواتك لي

    مع خالص تحيتي
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-11-14
  7. بنت الخلاقي

    بنت الخلاقي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-07-31
    المشاركات:
    8,030
    الإعجاب :
    0
    واياك خير الجزاء

    وبارك الله فيك
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-11-14
  9. بنت الخلاقي

    بنت الخلاقي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-07-31
    المشاركات:
    8,030
    الإعجاب :
    0

    بارك الله فيك

    ومشكور على مرورك

    وربي يحفظك ويزيدك من العلم وينور قلبك
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-11-14
  11. الشامخ رأيه

    الشامخ رأيه عضو

    التسجيل :
    ‏2006-10-09
    المشاركات:
    122
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2006-11-14
  13. بنت الخلاقي

    بنت الخلاقي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-07-31
    المشاركات:
    8,030
    الإعجاب :
    0
    واياكم خير الجزاء
     

مشاركة هذه الصفحة