المصيبة

الكاتب : الجبل العالي   المشاهدات : 438   الردود : 0    ‏2002-07-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-26
  1. الجبل العالي

    الجبل العالي عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-12-19
    المشاركات:
    1,859
    الإعجاب :
    0
    المصيبة
    سافرت بخيالي في هذا الكون الفسيح فوجدت الأشياء تتحدث إلي بلسان حالها ، وبتأملي فيها استطعت أن ادخل في مكنونها لأعرف الحكم من خلقها ، ولأكتشف الكنوز الكامنة فيها . مررت بوادي الأحزان فوجدت فتاةً شعثاء غبراء لا أحد يرضى أن تكون زوجة له إلا من كان الإيمان يعمر قلبه فسألتها من أنتي ؟ قالت : أنا المصيبة ابنه القضاء والقدر . فمن كان يحترم أبى ، ويجل جدي ، ويؤمن بربي إلا كنت من نصيبه . قلت لها : إذا أنت ضد السعادة . قالت لي : ظاهري حزن وشقاء ، وباطني السعادة يوم اللقاء . قلت لها: كيف ذلك ؟ قالت : من صبر عليّ في حياته كنت له ذخرا بعد مماته قلت لها : كلكِ أحزان فلا يعرف الفرح إلى قلبك سبيل . قالت لي : إذا حزنت على شئٍ فاتك أو أي شئ أخذ منك بسبي ، واسترجعت الله ، وأمنت بابي وجدي ، وحمدت الله عليّ إلا أبدلك عن ذلك فرحا أبديا لا يعتريه الحزن والشقاء ما دمت في الجنة . قلت لها : متى يحب الله عبده ؟ قالت لي : يحب الله عبده إذا ابتلاه بي وصبر عليّ قال تعالى : )وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155) )الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:156) قلت لها : عندما تفجعين الأبوين بولدهما
    الوحيد هل تكوني معهم في العزاء ؟ قالت لي : نعم ، وهل سمعت الناس يقولون للأبوين عظم الله أجركم ، واحسن الله عزاكم ، وآجركم في مصيبتكم خيرا ، لله ما أخذ ولله ما أعطى ؟ قلت لها : أوصيني أيتها الحكيمة العابسة . قالت لي : إذا علمت ما ينتظرك لضحكت قليلاً ولبكيت كثيراً ، انتهى أملك ، وبقي عملك ، وليس هناك سعادة إلا في الجنة ، ولا شقاوة إلا في النار قلت لها : ما لحكمة من اختيارك لمهمة الأحزان؟ قالت لي : ليس هذا اختياري ، وإنما الخيرة في ما اختاره الله الحكيم الخبير الذي يعلم بنفوس عباده وما يصلحها . قلت لها : هل تعجبتي من شي عند دخولكِ بيت المصاب ؟ قالت لي : نعم تعجبت من بكاء الأقارب على ميتهم ولم يعلموا انهم سيلحقون به . قلت لها : هل للحزن نغم غير البكاء ؟ قالت لي : إذا وضعت مزمار الحزن على شفتي الصبر ، ونفخت فيه بهوا المصيبة ، وضغط عليه بأصابع الندم وقذفت بصخرة البخل في مكان سحيق ، ونظرت إلى نور الأنفاق في الآفاق يصدر عند ذلك نغم شجي يسمع صداه في عمق الزمان يتغنى به البؤساء المعدمين ، وبعلمك أن جود الله لا ينفد ، والتجارة معه لا يحتويها العد ، اجعل قلبك ينبض رحمة ، وعيناك تذرفان ، واجعل الإيثار وجدانك المشفق على كل معسر فقير .


    من أجمل ما قرأت للأخ الفاضل عبد الواسع بن شيهون
     

مشاركة هذه الصفحة