قفصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (4)..

الكاتب : الدعوة السلفية   المشاهدات : 474   الردود : 2    ‏2006-11-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-12
  1. الدعوة السلفية

    الدعوة السلفية عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-09
    المشاركات:
    64
    الإعجاب :
    0
    فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (4).. {الدرر السنية في الأجوبة النجدية}

    فهرس الجزء التاسع ( القسم الثاني من كناب الجهاد وأول كتاب المرتد )​



    فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (4)
    ص -183-
    وقال أيضا: بعض من تقدم ذكرهم:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من سعد بن حمد بن عتيق، وسليمان سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم:
    وبعد: فأشرفنا على كتابكم، الذي أرسلتم إلى الإمام عبد العزيز، سلمه الله تعالى، ذكرتم في آخره: أنا لا نجتمع وإياك إن خالفت شيئا مما ذكرنا، إلا كما يجتمع الماء والنار؛ وهذه كلمة ذميمة، وزلة وخيمة، تدل على أنكم أضمرتم شرا، وعزمتم على الخروج على ولي أمر المسلمين، والتخلف عن سبيل أهل الهدى، وسلوك مسلك أهل الغي والردى، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك، وممن فعله أو تسبب فيه، أو أعان عليه، لأنا ما رأينا من الإمام عبد العزيز ما يوجب خروجكم عليه، ونزع اليد من طاعته; وإذا صدر منه شيء من المحرمات، التي لا تسوغها الشريعة، فحسب طالب الحق الدعاء له بالهداية، وبذل النصيحة على الوجه المشروع.

    ص -184-
    وأما الخروج، ونزع اليد من طاعته، فهذا لا يجوز. وأنتم تزعمون أنكم على طريقة مشائخكم، وأنكم ما تخالفونهم في شيء يرونه لكم؛ ولا ندري من هؤلاء المشائخ، أهم مشائخ المسلمين؟ أم غيرهم، ممن سلك غير سبيلهم، ويريد فتح باب الفتن على الإسلام والمسلمين؟
    أين الخط الذي قد شرفتمونا عليه؟ أين السؤال الذي سألتمونا عنه، وأفتيناكم فيه؟ أين الأمر الذي شاورتمونا عليه؟ حتى الخط الذي تدعون أنكم تنصحون الإمام عبد العزيز، عن أمور يفعلها، أنتم مشائخ أنفسكم، تحللون وتحرمون على أنفسكم، ولا ترفعون لنا خبرا في شيء؛ ودعواكم أنكم على طريقة المشائخ، يكذبه ما صدر منكم.
    وقد علمتم حقيقة ما عندنا، وما نعتقده من حينما حدث منكم الخوض، وكثرت منكم الخطوط، والمراسلات للإمام، وعرفناكم بما عندنا، وما نعتقد وندين الله به، وهو: وجوب السمع والطاعة، لمن ولاه الله أمر المسلمين، ومجانبة الوثوب عليه، ومحبة اجتماع المسلمين عليه، والبغض لمن رأى الخروج عليه، ومعاداته، اتباعا لقوله صلى الله عليه وسلم: " اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم " 1.
    والذي نرى لكم: التوبة إلى الله سبحانه، والاستغفار;
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : الجمعة (616) , وأحمد (5/251).

    ص -185-
    وعدم التمادي، والاسترسال، مع دواعي الجهل، والغي والضلال، وأن تلتزموا ما أوجبه الله عليكم، من القيام بالواجبات، واجتناب المحرمات، وملازمة طاعة من ولاه الله أمركم؛ وانظروا وتفكروا في أحوالكم سابقا ولاحقا، واعرفوا نعمة ربكم، واشكروه عليها.
    فإنكم كنتم أولا في جاهلية عريضة، وحالة عن الحق بعيدة، رؤساؤكم أكثرهم طواغيت كبار، وعوامكم جفاة أشرار، لا تعرفون حقائق دين الإسلام، ولا تعملون من الحق إلا بما تهوى نفوسكم، مع ما كان بينكم، من سفك الدماء، ونهب الأموال، وقطيعة الأرحام، وتعدي حدود الله، وغير ذلك من المحرمات، وعظيم المنكرات.
    ثم هداكم الله لمعرفة دينه، والعمل بتوحيده، وسلوك مسلك أهل الإسلام والتوحيد، وانتشرت بينكم كتب السنن والآثار، ومصنفات علماء الإسلام، ثم أنتم الآن: انتقلت بكم الأحوال، إلى أنكم تحاولون الخروج على الإمام، ومنابذة أهل الإسلام، ومفارقة جماعتهم.
    فاتقوا الله عباد الله، واذكروا قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران آية : 103].

    ص -186-
    فما أشبه الليلة بالبارحة! وهذا الذي ذكرناه لكم، وأشرنا به عليكم، من السمع والطاعة للإمام، وعدم نزع اليد من طاعته، وعدم الشقاق والخلاف، وترك أسباب التفرق والاختلاف، ومجانبة سبل أهل الغي والضلال، والاعتساف، هو اعتقادنا الذي نحن عليه مقيمون، وله على مر الزمان معتقدون، وبه مستمسكون، وعليه موالون ومعادون، ظاهرا وباطنا، سرا وعلانية.
    ومن نسب إلينا غيره، فهو علينا من الكاذبين الظالمين، وسيجزيه الله بما يجزي به الظالمين والمفترين. فإن تبتم إلى ربكم، ورجعتم عما عنّ لكم واستحسنته نفوسكم، فالحمد لله رب العالمين، والمنة لله في ذلك عليكم، وإن أبيتم إلا الشقاق والعناد، وسلكتم مسالك أهل الغي والفساد، فاعلموا: أنا نبرأ إلى الله منكم، ونشهد الله وملائكته وعباده المؤمنين، على خطئكم وضلالكم، وأنكم قد خالفتم ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وعلماء الملة والدين.
    وقد قال تعالى: { َمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء آية : 115] وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " 1.
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الحج (1870) والجزية (3172 ,3180) والفرائض (6755) والاعتصام بالكتاب والسنة (7300) , ومسلم : الحج (1370) , والترمذي : الولاء والهبة (2127) , والنسائي : القسامة (4734) , وأبو داود : المناسك (2034) والديات (4530) , وأحمد (1/81 ,1/119 ,1/126 ,1/151).

    ص -187-
    فنسأل الله: أو يوفقنا وإياكم لسلوك صراطه المستقيم، وأن يجنبنا جميعا مواقع سخطه وعذابه الأليم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
    [ما يجب من حقوق الإمامة، وأدلة ذلك ]
    وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وفقه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد العزيز العنقري، إلى من يراه من كافة المسلمين، وفقنا الله وإياهم لقبول النصائح، وجنبنا وإياهم طرق الردى والفضائح، آمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أما بعد: فإني قد أحببت أن أبين لكم، ما رأيت من أمور الإمام أيده الله، مع هذه الطائفة الباغية، نصيحة لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإنه ليس الخبر كالعيان، وكنت قبل أظن فيهم بعض المقاصد الحسنة، لما يدعونه من دعوى الجهاد للكفار، فلما بعثني الإمام وفقه الله إليهم، رأيت منهم أمورا ردية، ومقاصد غير مرضية.
    ولم أزل أبذل لهم النصيحة، وأحذرهم من أسباب الخزي والفضيحة، وأشير عليهم بالحضور عند الإمام، لأنه نزل معهم إلى غاية، لا تليق بما له من المقام والاحترام، فأبوا الحضور، وتمادوا في العتو والنفور، فلما أعياه

    ص -188-
    دواهم، وأصروا على متابعة هواهم، أرخى العنان، وأمضى السنان، فعجل حينهم، وفرق ذات بينهم، فنعوذ بالله من الخذلان، ومتابعة الشيطان، فإنه يضل من اتبعه ويغويه، وفي مزلة الهلاك يرميه ويرديه.
    هذا، وإني أنصح من كان متابعا لهم اغترارا بدعواهم، أن يراجع الحق، وينظر بعين الإنصاف، ويتوب إلى الله مما جناه من الاقتراف. ويجب على جميع المسلمين نصحهم، والقيام عليهم، حتى يرجعوا إلى الهدى، ويجانبوا طريق الغي والردى، ومن أصر منهم وأبى، فإن على المسلمين زجره وتأديبه، وقمعه وتأنيبه، فإن مرامهم الذي راموا، شق عصا المسلمين، وتفريق جماعتهم، وهذا غاية الخراب لدين المسلمين ودنياهم.
    وأنا أذكر ما يجب اعتقاده على كل مسلم، من حقوق الإمامة على المسلمين، حتى يعلم المنصف ما يجب عليه شرعا، فيمتثل المأمور، وتقوم الحجة على كل معاند، وصاحب فجور.
    فأقول: اعلم وفقك الله، أنه قد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمام، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وأن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه، من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.

    ص -189-
    قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [سورة النساء آية : 58-59].
    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "السياسة الشرعية" قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الآية الثانية في الرعية، من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا ولاة الأمر الفاعلين لذلك، في قسمهم، وحكمهم، ومغازيهم، وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
    وإن تنازعوا في شيء، ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن لم يفعل ولاة الأمور ذلك، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله، لأن ذلك من طاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [سورة المائدة آية : 2] وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذا يجمع السياسة

    ص -190-
    العادلة، والولاية الصالحه، انتهى.
    وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه قال: "دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعنا، وكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في مكرهنا ومنشطنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان " 1.
    وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية؛ ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عمية، فقتل، فقتلته جاهلية ; ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه " 2.
    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الغزو غزوان: فأما من ابتغى به وجه الله، وأنفق الكريمة، وأطاع الإمام، وياسر الشريك، فإن نومه، ونبهته، أجر كله ; ومن غزا فخرا ورياء، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف " رواه مالك وأبو داود والنسائي، وعن ابن عمر مرفوعا: " الأمير يسمع له ويطاع فيما أحب وكره، إلا أن يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " 3 أخرجاه.
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الفتن (7056) , والنسائي : البيعة (4149 ,4151 ,4152 ,4153 ,4154) , وابن ماجه : الجهاد (2866) , وأحمد (3/441 ,5/316 ,5/319 ,5/325) , ومالك : الجهاد (977).
    2 مسلم : الإمارة (1848) , وأحمد (2/296).
    3 مسلم : الإمارة (1839) , والترمذي : الجهاد (1707) , وأبو داود : الجهاد (2626) , وابن ماجه : الجهاد (2864) , وأحمد (2/17 ,2/142).

    ص -191-
    ولمسلم عن حذيفة مرفوعا: " تكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيكون فيكم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع " 1. وفي حديث الأشعري الذي رواه الإمام أحمد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وأنا آمركم بخمس، الله أمرني بهن، السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإن من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " 2.
    قال الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى: وهذه الخمس المذكورة في الحديث، ألحقها بعضهم بالأركان الإسلامية، التي لا يستقيم بناؤه إلا بها، ولا يستقر إلا عليها، خلافا لما كان عليه أهل الجاهلية، من ترك الجماعة والسمع والطاعة، انتهى.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "السياسة الشرعية": يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس- إلى أن قال- فإن الله تعالى
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإمارة (1847).
    2 الترمذي : الأمثال (2863) , وأحمد (4/130 ,4/202 ,5/344).

    ص -192-
    أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة.
    وكذلك سائر ما أوجبه الله تعالى، من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، ولا يتم ذلك إلا بقوة، وإمارة، ولهذا روي أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك.
    ولهذا كان السلف، كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة، لدعونا بها للسلطان- إلى أن قال- فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة، يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله، من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس، لابتغاء الرياسة والمال، انتهى.
    وقال ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما السمع والطاعة لولاة المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد، في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيها ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله).
    وقال الحسن في الأمراء: (يلون من أمورنا الجمعة

    ص -193-
    والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا أو ظلموا. والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغيظ، وأن فرقتهم لكفر)، انتهى.
    إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام المحققين في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين: أن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه بغزو أو غيره، معصية ومشاقة لله ولرسوله، ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.
    وأما ما قد يقع من ولاة الأمور، من المعاصي والمخالفات، التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام، فالواجب فيها: مناصحتهم على الوجه الشرعي، برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح، من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد؛ وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه، من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح. هذا الذي نعتقده وندين الله به، ونبرأ إلى الله ممن خالفه، واتبع هواه.

    ص -194-
    ونسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى: أن يهدينا وإخواننا المسلمين، صراطه المستقيم، ويعيذنا وإياهم من نزغات الشيطان الرجيم، وصلى الله على محمد، سنة 1347 هـ.
    وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ: سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ: صالح بن عبد العزيز، والشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وفقهم الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي أرسل رسوله بالحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما مزيدا.
    أما بعد: فهذه رسالة كتبناها، لقصد نصيحة إخواننا المسلمين، واقتداء بقوله صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لِمَن يا رسول الله؟ قال لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"1.
    فنوصي إخواننا، بتقوى الله تعالى، فإنها وصية الله لعباده، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } [سورة النساء آية : 131] وقال
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإيمان (55) , والنسائي : البيعة (4197 ,4198) , وأبو داود : الأدب (4944) , وأحمد (4/102).

    ص -195-
    تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران آية : 102-103].
    قال بعض السلف، التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله، وقال ابن جرير، رحمه الله{ اتَّقُوا اللَّهَ } خافوا الله، وراقبوه بطاعته، واجتناب معاصيه; وقال ابن مسعود في الآية الثانية { حَقَّ تُقَاتِهِ }: (أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر).
    وقال ابن جرير: وقوله: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً } يعني ذلك جل ثناؤه: تمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم، في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله؛ وقال ابن مسعود: (حبل الله: الجماعة); وقال قتادة: بعهد الله وأمره.
    وقوله: { وَلاَ تَفَرَّقُوا }، قال قتادة: (إن الله قد كره لكم الفرقة، وقدم إليكم فيها وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة، والألفة والجماعة،

    ص -196-
    فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله).
    وقوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } قال قتادة: " كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب ".
    وقوله: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } قال ابن جرير، يعني: بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام، وكلمة الحق والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانا صادقين، لا ضغائن بينكم ولا تحاسد.
    وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم"1، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " 2.
    والآيات والأحاديث في بيان وجوب الاجتماع على الإسلام، والتناصر فيه، والتعاون على إقامته ووجوب طاعة ولي أمر المسلمين، وعدم التخلف عن طاعته والافتيات
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الأقضية (1715) , وأحمد (2/367) , ومالك : الجامع (1863).
    2 الترمذي : العلم (2658).

    ص -197-
    عليه، واجتناب التفرق والاختلاف، كثيرة لا نطيل بذكرها.
    وقد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة؛ وهذه الثلاثة متلازمة، لا يتم بعضها ولا يستقيم بدون بعض، وبها قوام الدين والإسلام، وبها صلاح العباد في معاشهم ومعادهم؛ وإذا وقع الإخلال والتقصير فيها، أو في بعضها، حصل من الشر والفساد بحسب ما وقع من ذلك ولا بد، وهكذا حتى يعظم الفساد، ويتتابع الشر، ويتفاقم الأمر، وينحل النظام، وتتخلف أمور الدين، ويتكلم في دين الله وشرعه وأحكامه بغير علم.
    وقد حصل بسبب الإخلال بما تضمنته هذه الآيات، وهذه الأحاديث، وعدم العمل بما دلت عليه، وما ذكره علماء الإسلام قديما وحديثا، وجوب الاجتماع على الإسلام، والتعاون والتناصر عليه، وطاعة ولي أمر المسلمين، وعدم الاختلاف عليه والتخلف عن طاعته، ما وقع من هذه الطائفة الباغية، من شق العصا، والخروج عن طاعة ولي الأمر، حتى فعلوا ما فعلوا من الفساد، من سفك الدماء، ونهب الأموال المحرمة.
    وقد اجتهد ـ الإمام وفقه الله- في ردهم إلى الحق، وأكثر من مناصحتهم، حتى بعث إليهم الشيخ عبد الله العنقري، يدعوهم إلى تحكيم الشريعة، والرجوع إلى سبيل

    ص -198-
    الحق، فأصروا على ما كانوا عليه، ولم يلتفتوا إلى نصح ناصح؛ بل ذكر الشيخ عبد الله: أنه اطلع منهم على أمور ردية، ومقاصد غير مرضية؛ وما زالوا على ذلك، حتى أوقع الله بهم ما أوقع، من الفشل والتشتيت، وذلك بما قدمت أيديهم، ونعوذ بالله من أسباب الخذلان.
    فالواجب على من نصح نفسه أن لا يغتر بطريقتهم، ولا يستحسن ما فعلوا. ويجب عليهم وعلى من اغتر بهم، واستحسن ما فعلوا: أن يتوب إلى الله، ويقلع مما اقترفه وجناه. ويجب على جميع المسلمين نصحهم، والقيام عليهم، حتى يرجعوا إلى الهدى، ويجانبوا طريق الغي والردى; ومن أصر منهم وأبى، فإن على الإمام والمسلمين زجره وتأديبه، وقمعه وتأنيبه؛ فإنهم شقوا عصا المسلمين، وفرقوا جماعتهم، وسعوا في الأرض بالفساد، ونسأل الله أن يهدينا، وإخواننا المسلمين، صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وصلى الله على محمد.
    وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ: عبد الله بن حسن، والشيخ: عبد العزيز، والشيخ: عمر، والشيخ

    ص -199-
    عبدالرحمن، بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم، وفقهم الله آمين:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله تعالى وهداهم، ووفقهم لما يرضي مولاهم، آمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: موجب الكتاب إبلاع السلام، والنصيحة لجميع المسلمين بما ينفعهم، والتحريض على منعهم عما يضرهم، وهذا من التواصي بالحق الذي أمر الله به، من ذلك: أن كثيرا من الناس يتساهلون بأمور يفعلونها، ويتكلمون بها، فيظنون أنهم مصيبون في ذلك، والحال أنهم غير مصيبين في كثير مما يصدر منهم، فيما يتعلق بهذه الأمور، مثل كون كثير من الناس يطلقون السب على عموم الإخوان، من غير فرق بين من يستحق الذم وبين من لا يستحقه.
    ولا يفرقون بين من فعل ما لا يجوز له من الأمور الباطلة، مثل المشاقة لولاة المسلمين، والعدوان على أهل الإسلام، في سفك الدماء، ونهب الأموال، والسعي إلى الأرض بالفساد، والوقيعة في المسلمين بالذم والعيب، وبين غيرهم ممن كان مع المسلمين بالقول والفعل، وجاهد مع المسلمين، ولم يخالف ولي أمر المسلمين؛ فهؤلاء ينبغي

    ص -200-
    للمتكلم أن يبين في كلامه الثناء عليهم، وبيان عدم استحقاقهم للذم، وهذا الأمر يتعين على كل إنسان يتكلم في هذه الأمور، سواء كان من العلماء، أو من العوام.
    وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه يجب على العلماء، وولاة الأمور، التحذير من الخوض، والقيل والقال، والكلام الذي يكون سببا، يحصل به التفرق والاختلاف بين المسلمين، وعدم التمييز بين أهل الحق والباطل؛ فالواجب على طلبة العلم، وولاة الأمور نصح من صدر منه شيء مما يخالف الحق، وردعه عن ذلك، وزجره عنه، فإن أبى أن يرجع عما هو عليه، فيؤدب تأديبا يردع أمثاله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم؛ إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد.
    ولهم أيضا، وفقهم الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
    أما بعد: فقد سألنا الإمام المكرم، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، حفظه الله، عن حكم من جاء تائبا من هذه الطائفة الخارجة عن سبيل المؤمنين، هل تقبل توبته أم لا؟

    ص -201-
    فنقول: إذا جاء تائبا قبلت توبته، كما قال الله تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [سورة الشورى آية : 25ب] وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " 1 وفيه أيضا " من تاب قبل موته، تاب الله عليه"2، إذا علم هذا، فالتوبة لها شروط; وهي: الإقلاع من الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على أن لا يعود.
    فلا بد في توبته من إظهار الندم على ما صدر منه، من شق عصا المسلمين، ومفارقة جماعتهم، وسل سيف البغي عليهم، واستحلال دمائهم وأموالهم، والاعتراف بخطئه وضلاله، في المجالس والمحافل، والبراءة ممن خطأ علماء المسلمين، وضللهم.
    ولا بد أيضا في توبته، من البراءة ممن ارتد عن الإسلام، بانحيازه إلى المشركين، ودعوته إلى الدخول تحت ولايتهم، وإظهار عداوة المسلمين؛ بل لا بد من تكفيره، ومجاهدته باليد والمال واللسان؛ فإذا حصل منه ما ذكر، قبلت توبته، ووكلت سريرته إلى الله; وصلى الله على محمد.
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : الدعوات (3537) , وابن ماجه : الزهد (4253).
    2 أحمد (2/206).

    ص -202-
    وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، حفظه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، إلى من يراه من كافة إخواننا المسلمين، سلمهم الله تعالى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: بارك الله فيكم، العمل على نصيحة المشايخ، جزاهم الله خير الدنيا والآخرة، وتفهمون ما منّ الله به علينا، من نعمة الإسلام، وما منّ الله به على المسلمين، من الخير الكثير، في أمور دينهم ودنياهم، ومن أهمها ما حدث في آخر الزمان، من ظهور دين الله، وهو آية الله لهذه البادية، حتى جعل الله فيهم خيرا كثيرا، ونفعهم الله في أنفسهم بالإسلام، ومعرفة ما أوجب الله عليهم، ونفع الله بهم المسلمين في أمور كثيرة.
    ولكن من عوائد الله: امتحان الناس، وتبيين غايتهم، كما قال سبحانه في أول سورة العنكبوت (بسم الله الرحمن الر حيم)،{ الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [سورة العنكبوت آية : 1-3] ولا شك أن الفتنة هي الامتحان، ليميز الله الخبيث من الطيب. فلما منّ الله علينا وعليهم بذلك، صاروا ثلاثة أقسام:

    ص -203-
    قسم: عرف الحق وادعاه، ولكن عميت بصيرته، وانقلب، بل عكس ما يقول، وجرى منه ما جرى من الأفعال والأقوال؛ ولكن الله سبحانه حكيم قادر، من حكمته أن يعرف الناس بأنفسهم، أنه لا حول لهم ولا قوة إلا به وبتوفيقه، وأنه لا معصوم إلا من عصمه الله، ولا توفيق إلا لمن وفقه الله; وقول الله سبحانه أبلغ :{ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [سورة الرعد آية : 11] فلما عكسوا الأمر، أوقع الله بهم ما أوقع، وجعلهم عبرة في مبدأهم ومنتهاهم; والحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
    وأما القسم الثاني: فهم أتباع كل ناعق، منهم من يريد الحق ولا عرفه، وآخر تدين لقصد، نرجو أن الله يمن على من كان يعلم فيه خيرا، بالهداية والتوفيق، ويكفي المسلمين شر من كان فيه شره.
    أما القسم الثالث من الإخوان: فهم الذين من الله عليهم بالثبات، ومعرفة ما أوجب الله عليهم، والاقتداء بسنة سيد المرسلين، والوثوق بعلمائهم، والالتزام بولايتهم، وجرى منهم من الأفعال الأخيرة ما يحمدون به، ونسأل الله لهم الثبات والهداية، وجزاهم الله أحسن الجزاء.
    وحدث من الناس الغوغاء - الذين لا يميزون الحق من الباطل - كلام، كما ذكر المشايخ - جزاهم الله أحسن الجزاء - أجملوا الناس جملة، مثل ما إذا تكلم إنسان، إما

    ص -204-
    جاهل أحمق، أو صاحب غرض فاسد: "هالإخوان، هالبدو، فعل الله بهم كذا وكذا"، وهذا أمر مناف للدين والعقل، والحق: أن سب هذا العدو، ما يكون إلا على قدر فعله.
    والناس الذين مضى فيهم أمر الله قسمان: قسم: خرجوا على المسلمين، وجانبوا العلماء، وقسم: ارتدوا عن الدين، ووالوا أعداء الله، ولا شك أن بعضهم متميز عن بعض؛ ثم بعد ذلك الناس الذين امتازوا، وارتدوا عن الدين، وفعلوا الأفعال التي تخرجهم من الإسلام، كما ذكر المشايخ، فهؤلاء يستعان بالله عليهم، باللسان والسنان.
    وأما القسم الذين صار منهم ما صار، من مخالفة الولاية والعلماء: فمن تاب منهم وأقلع عن ذنبه، وأقر به، ووالى المسلمين الذين عادوه في ذلك، وجانب أهل الشبه، فهذا حاله حال إخوانه المسلمين، على شرط أن المسلمين يجعلون بالهم على هذا الصنف: فمن وافق عمله قوله، فنرجو أن الله يثبته على الحق، ومن كان عمله يخالف قوله، ويجانب أهل الخير، ويوالي الذين يعلم فيهم الشر، فهذا حق على كل مسلم ينصحه، فإن أبى فيرفع أمره للعلماء، وولاة الأمور.
    وأما إطلاق السب مجملا كما ذكرنا، فهذا مناف للدين والعقل، ولا يفعله إلا من لا معرفة له بالدين، أو صاحب

    ص -205-
    مقصد يحب شقاق المسلمين، فهذا أنهاكم عنه، وأحرض على جميع ولاة الأمور، لا من العلماء ولا من الأمراء، أن يمنعوا ذلك بالنصائح، والتعليم، ومن أبى فيؤدب بما يستحقه.
    فالمرجو من جميع المسلمين أن يعملوا بما قرره المشايخ، وما أمرناهم به، وأن العلماء، والأمراء، والوجوه من المسلمين، يجتهدون في ذلك، لأجل جلب المصلحة، باجتماع قلوب المسلمين، والتآلف بينهم، ودرء المفسدة من نفور بعضهم من بعض.
    ولا أبيح أحدا يسمع من ذلك شيئا إلا ويقوم بالواجب، على شرط أن لا يعنف، ولا يؤدب أحد لا بلسان ولا بيد، إلا بتعريف العلماء، واستفتائهم في ذلك، وتنفيذ أمر ما أمر به العلماء. نرجو الله أن يوفقنا وإياكم للخير، وصلى الله على محمد.

    ص -206-
    وقال الشيخ: عبد الله بن فيصل بن سلطان، رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن فيصل، إلى كافة أهل المحمل والشعيب، سلمهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: هذه نصائح المشايخ والإمام حفظهم الله واصلتكم، فأنتم إن شاء الله تشرفون عليها، وتعملون بما فيها، وفيها لمن تأملها من حال دعوى الإخوان، ومنافرتهم، وإطلاق السب عليهم جملة، وعدم قبول توبتهم من غير تبصر في ذلك، ولا تفريق بين ما يجوز فعله، وما لا يجوز.
    وقد أمرني الإمام حفظه الله: أن أقرر عليها; وتعلمون - وفقنا الله وإياكم للعلم النافع، والعمل الصالح - أن هؤلاء الإخوان في مبدإ أمرهم، ودخولهم في الدين، نفع الله بهم أهل الإسلام، وإن كان قد حصل منهم ما حصل في هذا الزمان، من الأمور التي قد حصل بسببها ترويج على من لا بصيرة له ولا علم لديه، فوقع في أعراضهم وسبهم وتأنيبهم جملة، من غير تفصيل ولا نظر فيمن يستحق ذلك، ممن لا يستحقه.

    ص -207-
    لأنهم قد كانوا طوائف: طائفة قبلت الحق وثبتها الله عليه، وصاروا أعوانا للمسلمين على المارقين المعتدين، فهؤلاء يحمدون على أفعالهم، ويدعى لهم بالقبول والثبات؛ وطائفة الغالب عليهم الجهل، فتبعوا من دعاهم بالقول والفعل، ولا فرق لديهم ولا تمييز، وكل ما مالت إليه أنفسهم عزيز، فاستوى عندهم الغي والرشاد، وعملوا على غير سداد، فيجب على المسلمين الرفق بهم، في التعليم والإرشاد، ويدعون لهم بالهداية والسداد; وطائفة تأولت فأخطأت في تأويلها، فينبغي تنبيهها، وكشف ما يشكل عليها.
    فكل هؤلاء يعاملون باللطف واللين، ويوضح لهم ما جهلوه من الدين، ويدعون إلى الحق، ويرغبون فيه، ويوضح لهم الباطل، وينهون عنه، ويحذرون من سوء عاقبة أهله، من غير غلظة ولا تأنيب، لأن ذلك يوجب التنفير وعدم القبول؛ والمطلوب النصح لهم، وتبيين ما يحصل به تأليفهم واستجلابهم، لأن ذلك من المصالح الدينية، التي يجب على أهل الإسلام بذلها، وعدم التعنيف الذي يحصل به الافتراق، ويورث العناد والشقاق؛ فلعل الرفق بهم يصير سببا لردهم إلى ما خرجوا منه، ويتوبون إلى ربهم، الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.
    وقد قال الله جل جلاله:{ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ

    ص -208-
    يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة التوبة آية : 104].
    والله جل جلاله يقبل توبة عبده ما دامت روحه في جسده، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه، ولا يهلك على الله إلا هالك {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة الحجرات آية : 11].
    وأما الطائفة التي حاربت أهل الإسلام، وكابرت، وعاقدت، وصاروا من حزب الشيطان، فهؤلاء يجب بغضهم والبراءة منهم وما ذهبوا إليه، لأنهم اتبعوا غير سبيل المؤمنين، واستفزتهم الشياطين، واختاروا العمى على الهدى، بعد أن استبصروا، ووقعوا في هوة الردى.
    وقد قال الله سبحانه وتعالى:{ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء آية : 115] نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على صراطه المستقيم، وصلى الله على محمد.

    ص -209-
    [سؤال حول ما يفعله بعض الجهال من الهجرة من مكة إلى الحبشة]
    وسئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ: صالح بن عبد العزيز، والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وكافة علماء العارض، عن العجمان، والدويش، ومن تبعهم، حيث خرجوا من بلدان المسلمين، يدعون: أنهم مقتدون بجعفر بن أبي طالب وأصحابه، رضي الله عنهم، حيث خرجوا من مكة مهاجرين إلى الحبشة؟
    فأجابوا: هؤلاء الذين ذكرهم السائل، وهم العجمان والدويش ومن تبعهم، لا شك في كفرهم وردتهم، لأنهم انحازوا إلى أعداء الله ورسوله، وطلبوا الدخول تحت ولايتهم، واستعانوا بهم، فجمعوا بين الخروج من ديار المسلمين، واللحوق بأعداء الملة والدين، وتكفيرهم لأهل الإسلام، واستحلال دمائهم وأموالهم.
    وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في "الاختيارات": من جمز إلى معسكر التتر ولحق بهم، ارتد، وحل دمه وماله; فإذا كان هذا في مجرد اللحوق بالمشركين، فكيف بمن اعتقد مع ذلك أن جهادهم، وقتالهم لأهل الإسلام، دين يدان به، هذا أولى بالكفر والردة.
    وأما استدلالهم بقصة جعفر وأصحابه، لما هاجروا إلى الحبشة، فباطل؛ فإن جعفرا وأصحابه، لم يهاجروا من

    ص -210-
    مكة إلا وهي إذ ذلك بلاد كفر، وقد آذاهم المشركون، وامتحنوهم في ذات الله، وقد عذبوا من عذبوا من الصحابة، كصهيب، وبلال، وخباب، من أجل عبادتهم الله وحده لا شريك له، ومجانبتهم عبادة اللات والعزى، وغيرهما من الأوثان؛ فلما اشتدت عليهم الأذية، أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى الحبشة، ليأمنوا على دينهم.
    وأما هؤلاء: فقد خرجوا من بين ظهراني المسلمين، وانحازوا إلى الكفار والمشركين، وجعلوا بلاد المسلمين بلاد كفر، بمنْزلة مكة حين هاجر جعفر وأصحابه منها؛ ولا يستدل بقصة جعفر والحالة هذه، إلا من هو أضل الناس وأعماهم، وأبعدهم عن سواء السبيل.
    وأما قول السائل: إنهم يرون أن جميع المسلمين، وولي أمرهم، وعلماءهم، ليسوا على حق، فهذا من ضلالهم، ومن الأسباب الموجبة لكفرهم، وخروجهم من الإسلام، بعدما انتسبوا إليه، وادعوا أنهم من أنصاره، والمهاجرين إليه، فسبحان من طبع على قلوب أعدائه، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى.
    وأما قول السائل: إنهم يدعون أنهم رعية الأتراك، ومن الأتراك السابقين، وأنهم لم يدخلوا تحت أمر ابن سعود وطاعته، إلا مغصوبين، فهذا أيضا من أعظم الأدلة على ردتهم، وكفرهم.

    ص -211-
    وأما قول السائل: إنهم فعلوا ما فعلوا مع المسلمين، من القتل والنهب، مستحلين لذلك.. إلى آخر السؤال؟.
    فجوابه: أن من استحل دماء المسلمين، وأموالهم: كما نص عليه العلماء، في "باب حكم المرتد".
    وأما من أجاب دعوتهم، وساعدهم من أهل نجد، فحكمه حكمهم، يجب على جميع المسلمين قتاله وجهاده، وأما من أبى عن جهادهم، يدعى أنهم إخوان له، وأنهم على حق، فهذا حكمه حكمهم، لأنه صوب رأيهم، واعتقد ما اعتقدوه، لا سيما بعد علمه بما صدر منهم.
    وأما الدهينة، والخضري، وولد فيصل بن حميد، وأتباعهم، الذين قدموا من عند ولد الشريف، يدعون إلى ولايته، فهؤلاء لا شك في ردتهم والحال ما ذكر، لأنهم دعاة إلى الدخول تحت ولاية المشركين، فيجب على جميع المسلمين جهادهم وقتالهم، وكذلك من آواهم ونصرهم، فحكمه حكمهم.

    ص -212-
    وقال الشيخ: سليمان بن سحمان، رحمه الله تعالى:
    ورد علينا منك رسالة، تطلب فيها أن نكتب لك قصة الخوارج مستوفاة، من حين خروجهم على علي رضي الله عنه، إلى آخر ما كان من أمرهم؛ فقد ذكر ذلك شيخنا، الشيخ: عبد اللطيف، في رده على داود بن جرجيس، وهذا نص ما ذكر، وبه الكفاية.
    قال رحمه الله: إنه لما اشتد القتال يوم صفين، قال عمرو بن العاص، لمعاوية بن أبي سفيان، هل لك في أمر أعرضه عليك، لا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم؛ قال: نرفع المصاحف، ثم نقول لما فيها "هذا حكم بيننا وبينكم" فإن أبى بعضهم أن يقبلها، رأيت فيهم من يقول ينبغي لنا أن نقبلها، فتكون فرقة فيهم، فإن قبلوا، رفعنا القتال عنا إلى أجل.
    فرفعوا المصاحف بالرماح، وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم؛ من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها الناس، قالوا: نجيب إلى كتاب الله.
    فقال لهم علي: عباد الله، امضوا على حقكم وصدقكم، فإنهم ليسوا بأصحاب دين، ولا قرآن، أنا أعلم

    ص -213-
    بهم منكم، والله ما رفعوها إلا خديعة، ووهنا ومكيدة؛ قالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله؛ وقال لهم علي: إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب، فإنهم قد عصوا الله ونسوا عهده.
    قال له مسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، في عصابة من القراء: يا علي: أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه، وإلا دفعناك برمتك إلة القوم، أو نفعل بك كما فعلنا بابن عفان؛ فلم يزالوا به حتى نهى الناس عن القتال.
    ووقع السباب بينهم وبين الأشتر وغيره، ممن يرى عدم التحكيم، فقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما.
    فجاء الأشعث بن قيس إلى علي، فقال: إن الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن، إن شئت أتيت معاوية، قال علي: ائته.
    فأتاه فقال: لأي شيء رفعوا المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه؛ تبعثون رجلا ترضون به، ونبعث رجلا نرضى به، فنأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله، لا يعدوانه، فعاد إلى علي فأخبره، قال الناس قد رضينا.
    قال أهل الشام: رضينا عمرو بن العاص، وقال الأشعث، وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي

    ص -214-
    موسى الأشعري، فراودهم على غيره، وأراد ابن عباس، قالوا: والله لانبالي، أنت كنت حكمها، أم ابن عباس، ولا نرضى إلا رجلا منك، ومن معاوية سواء؛ وأبوا غير أبي موسى، فواقهم علي كرها، وكتب كتاب التحكيم.
    فلما قرئ على الناس، سمعه عروة بن أمية أخو أبي بلال، قال: تحكمون في أمر الله الرجال، لاحكم إلا لله، وشد بسيفه فضرب دابة من قرأ الكتاب، وكان ذلك أول ما ظهر الحرورية "الخوارج" وفشت العداوة بينهم وبين عسكر علي وقطعوا الطريق في إيابهم، بالتشاتم والتضارب بالسياط، تقول الخوارج: يا أعداء الله داهنتم في دين الله؛ ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا، ومزقتم جماعتنا ولم يزالوا كذلك حتى قدموا العراق، فقال بعض الناس من المتخلفين: ما صنع علي شيئا، ثم انصرف بغير شيء؛ فسمعها علي، فقال: وجوه قوم ما رأوا الشام، ثم أنشد شعرا:
    أخوك الذي أن أجرضتك ملمة
    من الدهر لم يبرح بباك واجما
    وليس أخوك بالذي إن تشعبت
    عليك الأمور ظل يلحاك لائما
    فلما دخل الكوفة، ذهبت الخوارج إلى حروراء، فنزل بها اثنا عشر ألفا على ما ذكره ابن جرير، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عبد الله بن

    ص -215-
    الكواء، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    فلما سمع علي ذلك وأصحابه، قامت إليه الشيعة، فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت؛ قالت لهم الخوارج؛ استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر، كفرسي رهان – أهل الشام بايعوا معاوية على ما أحب وأنتم بايعتم عليا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى - يريدون: أن البيعة لا تكون إلا على كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الطاعة له تعالى.
    وقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط علي يده فبايعناه قط، إلا على كتاب الله وسنة نبيه، ولكنكم لما خالفتموه جاءت شيعته، فقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى، ومن خالفه ضال مضل.
    وبعث علي رضي الله عنه: عبد الله بن عباس إلى الخوارج، فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه، فقال: نقمتم من الحكمين، وقد قال الله عز وجل: {فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا } [سورة النساء آية: 35] فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟! قالوا: ما جعل الله حكمه إلى الناس، وأمرهم بالنظر فيه، فهو إليهم، وما حكم فأمضى فليس للعباد أن ينظروا فيه، في الزنا مائة جلدة، وفي السرقة قطع،

    ص -216-
    فليس للعباد أن ينظروا في هذا.
    قال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } [سورة المائدة آية: 95] قالوا: تجعل الحكم في الصيد، والحرث، وبين المرأة وزوجها، كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص، وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول، وقد حكمتم في أمر الله الرجال؛ قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه، أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا، وجعلتم بينكم وبينهم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب، منذ نزلت براءة، إلا من أقر بالجزية.
    فجاء علي وابن عباس يخاصمهم، فقال: إني نهيتك عن كلامهم حتى آتيك، ثم تكلم رضي الله عنه، فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه، كان أولى بالفلج يوم القيامة؛ وقال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء فقال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا حكومتكم يون ضفين؛ قال أنشدكم الله، أتعلمون أنهم حين رفعوا المصاحف، وملتم بجنبهم، قلت لكم إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين؟ وذكرهم مقالته.
    ثم قال: وقد اشترطت على الحكمين: أن يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالفه، وإن أبيا فنحن من حكمهما برءاء،

    ص -217-
    قالوا: فخبرنا، أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ قال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، إنما هو خط مسطور بين دفتين، وإنما يتكلم به الرجال.
    قالوا: فخبرنا عن الأجل، لم جعلته بينكم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة، هذه الأمة، فادخلوا مصركم رحمكم الله، فدخلوا من عند آخرهم.
    فلما جاء الأجل، وأراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة، أتاه رجلان من الخوارج، زرعة ابن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا له: لا حكم إلا لله؛ فقال علي: لا حكم إلا لله؛ وقالا تب من خطيئتك، واجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم، حتى نلقى الله ربنا، فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني: قد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا، وشرطنا شروطا، وأعطينا عهودا، وقد قال تعالى: { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ } [سورة النحل آية: 91].
    فقال: "حرقوص" ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه؛ قال علي: ما هو ذنب، ولكنه عجز من الرأي، وقد نهيتكم عنه؛ قال زرعة: يا علي لئن حكمت الرجال، لأقاتلنك أطلب وجه الله؛ فقال له علي: بؤسا لك ما أشقاك، كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح؛ قال: وددت لو كان ذلك؛

    ص -218-
    وخرجا من عنده، يقولان: لا حكم إلا الله.
    وخطب علي ذات يوم، فقالوها في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل؛ فوثب يزيد بن عاصم المحاربي، فقال: الحمد لله غير مودع ربنا، ولا مستغني عنه، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله، وذل راجع بأهله إلى سخط الله؛ يا علي: أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلم أينا أولى بها صليا.
    وخطب علي يوما آخر، فقال رجال في المسجد: لا حكم إلا لله، يريدون بهذا إنكار المنكر على زعمهم؛ فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل، أما إن لكم علينا ثلاثا ما صحبتمونا، لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا، وإنا نننتظر فيكم أمر الله؛ ثم عاد إلى مكانه من الخطبة.
    ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضا، واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فخطبهم وزهدهم في الدنيا، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ثم قال: اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى بعض كهوف

    ص -219-
    الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة.
    فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع في هذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم بزينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تكفنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فقال حمزة بن سنان الأسدي، يا قوم: إن الرأي ما رأيتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد، وراية تحفون بها وترجعون إليها.
    فعرضوا ولايتهم على زيد بن حصين الطائي، وعرضوها على حرقوص بن زهير، فأبياها، وعلى حمزة بن سنان، وشريح بن أوفى العبسي، فأبيا، ثم عرضوها على عبد الله بن وهب، فقال: هاتوها أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا، ولا أدعها فرارا من الموت، فبايعوه لعشر خلون من شوال، وكان يقال له ذو الثفنات، فاجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها، وننفذ حكم الله، فإنكم أهل الحق.
    قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا، فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين تبعوكم، ولكن اخرجوا وحدانا

    ص -220-
    ومستخفين، فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولا تسيروا حتى تنزلوا بجسر النهروان، وتكلموا إخوانكم من أهل البصرة، قالوا: هذا الرأي؛ فكتب عبد الله بن وهب، إلى من بالبصرة، ليعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثهم على اللحاق بهم، فأجابوه.
    فلما خرجوا صار شريح بن أوفى العبسي يتلو قوله: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } إلى قوله:{ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [سورة القصص آية: 21،22] وخرج معهم طرفة بن عدي فاتبعه أبوه فلم يقدر عليه وأرسل عدي إلى عامل علي على المدائن يحذره، فحذر وضبط الأبواب، واستخلف عليها المختار بن أبي عبيد، وخرج بالخيل في طلبهم، فأخبر ابن وهب، فسار على بغداد، ولحقه ابن مسعود أمير المدائن بالكرخ، في خمسمائة فارس، فانصرف إليه ابن وهب الخارجي في ثلاثين فارسا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القوم منهم، فلما جن الليل على ابن وهب، عبر دجلة، وصار إلى النهروان، ووصل إلى أصحابه، وتفلت رجال من أهل الكوفة، يريدون الخوارج، فردهم أهلوهم.
    ولما خرجت الخوارج من الكوفة، عاد أصحاب علي وشيعته إليه، فقالوا نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، فشرط لهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء ربيعة بن شداد خثعمي، فقال: أبايع على سنة أبي بكر وعمر، قال علي

    ص -221-
    ويلك؛ لو أن أبا بكر وعمر، عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله، لم يكونا على شيء من الحق، فبايعه ونظر إليه علي، فقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج، فقلت، وكأني بك وقد وطأتك الخيل بحوافرها؛ فكان ذلك، وقتل يوم النهروان مع الخوارج.
    وأما خوارج البصرة، فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، جعلوا عليهم مسعر بن فدكى التميمي، وعلم بهم ابن عباس، فأتبعهم بالأسود الدؤلي، ولحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز دونهم، وأدلج مسعر بأصحابه، وسار حتى لحق بابن وهب.
    فلما انقضى أمر التحكيم – وخان عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وصرح عمرو بولاية معاوية، بعد أن عزل أبو موسى عليا، خدعه عمرو بذلك، فهرب أبو موسى إلى مكة – قام علي في الكوفة فخطبهم، وقال في خطبته: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
    أما بعد: فإن المعصية تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين – يعني أبا موسى، وعمرو بن العاص – وفي هذه الحكومة أمري، ونحلتكم رأيي، ولو كان لقصر رأيي، ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوزان:

    ص -222-
    أمرتهمو أمري بمنعرج اللوى
    فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
    ألا إن هذين الرجلين، اللذين أخرجتموهما حكمين، قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، فاتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة قاضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله، وصالح المؤمنين، فاستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام.
    وكتب إلى الخوارج، من عبد الله: علي أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين، وعبد الله بن وهب، ومن معهما من الناس.
    أما بعد: فإن هذين الرجلين، اللذين ارتضيتما حكمين، قد خالفا كتاب الله، واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله، والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا، فأقبلوا إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه.
    فكتبوا إليه، أما بعد: فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [سورة الأنفال آية: 58] فلما قرأ كتابهم

    ص -223-
    أيس منهم، ورأى أن يدعهم، ويمضي بالناس إلى قتال أهل الشام، فقام في الكوفة فندبهم إلى الخوارج معه، وخرج معه أربعون ألف مقاتل، وسبعة عشر من الأبناء، وثماية آلاف من الموالي والعبيد، وأما أهل البصرة، فتثاقلوا، ولم يخرج إلا ثلاثة آلاف.
    وبلغ عليا: أن الناس يرون قتال الخوارج أهم وأولى، قال لهم علي: دعوا هؤلاء، وسيروا إلى إلى يقاتلونكم، كيفما يكونون جبارين ملوكا، ويتخذوا عباد الله خولا؛ فناداه الناس: أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت.
    ثم إن الخوارج استقر أمرهم، وبدؤوا بسفك الدماء، وأخذوا الأموال، وقتلوا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدوه سائرا بامرأته على حمار، فانتهروه، وأفزعوه، ثم قالوا له: ما أنت؟ فأخبرهم، قالوا: حدثنا عن أبيك الخباب، حديثا سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنفعنا به؟.
    فقال: حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا" قالوا: لهذا سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا، فقالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته، وفي

    ص -224-
    آخرها؟ قال: إنه كان محقا في أولها، وآخرها.
    قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم، وبعده؟ قال: أقول إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقيا على دينه، وأنفذ بصيرة، فقالوا: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال على أسمائها، لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا، فأخذوه فكتفوه، ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى، فنزلوا تحت نخل مثمر، فسقط منه رطبة، فأخذها أحدهم فلاكها في فيه، فقال له آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن، فألقاها؛ ثم مر بهم خنزير فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير – وهو من أهل الذمة – فأرضاه.
    فلما رأى ذلك ابن الخباب، قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى، فما علي بأس، ما أحدثت في الإسلام حدثا، ولقد أمنتموني؛ فأضجعوه وذبحوه، وأقبلوا إلى امرأته، فقالت: أنا امرأة، ألا تتقون الله، فبقروا بطنها؛ وقتلوا أم سنان الصيداوية، وثلاثا من النساء، فلما بلغ ذلك عليا، بعث الحارث بن مرة العبدي يأتيه بالخبر، فلما دنا منهم قتلوه.
    فألح الناس على علي في قتالهم، وقالو نخشى أن يخلفونا في عيالنا وأموالنا، فسر بنا إليهم، وكلمه الأشعث بمثل ذلك، واجتمع الرأي على حربهم، وسار علي يريد

    ص -225-
    قتالهم، فلقيه منجم في مسيره، فأشار عليه أن يشير في وقت مخصوص، وقال إن سرت في غيره، لقيت وأصحابك ضررا شديدا؛ فخالفه علي في الوقت الذي نهاه عنه.
    فلما وصل إليهم، قالوا: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم، ونترككم، فلعل الله أن يقبل بقلوبكم، ويردكم إلى خير ما أنتم عليه؛ فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا مستحل لدمائهم ودمائكم.
    وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فقال: عباد الله، أخرجوا إلينا طلبتنا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا بنا إلى قتال عدونا، فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، وتسفكون دماء المسلمين.
    فقال له عبد الله بن شجرة السلمى: إن الحق قد أضاء لنا، فلسنا متابعيكم، أو تأتونا بمثل عمر؟ فقال: ما نعلمه غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها، فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم.
    وخطبهم: أبو أيوب الأنصاري، فقال: عباد الله، إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا عليه؟ فقالوا: إن تابعناكم اليوم حكمتم الرجال غدا؛ فقال: فإني أنشدكم الله، أن تعجلوا

    ص -226-
    فتنة العام، مخافة ما يأتي في القابل.
    وأتاهم علي رضي الله عنه، فقال: أيتها العصابة، التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، وطمع بها النزق، وأصبحت في الخطب العظيم، إنني نذير لكم: أن تصبحوا بلعنكم الأمة غدا صرعى، بأثناء هذا النهر، وبأهضاب هذا الغائط، بغير بينة من ربكم، ولا برهان.
    ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، ونبأتكم أنها مكيدة، وأن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، فعصيتموني، فلما فعلتم: أخذت على الحكمين، واستوثقت أن يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فاختلفا، وخالفا حكم الكتاب، فنبذنا أمرهما، فنحن على الأمر الأول، فمن أين أتيتم؟.
    قالوا: إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا، فإن تبت فنحن معك ومنك، فإن أبيت فإنا منابذوك على سواء.
    قال علي: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم دابر؛ بعد إيماني برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.

    ص -227-
    وقيل: كان من كلامه – يا هؤلاء، إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي بهذه الحكومة، التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها، وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم إنما طلبوها مكيدة، ووهنا، فأبيتم علي إباء المخالفين، وعندتم علي عنود النكداء العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، رأي معاشر، والله أخفاء الهام، سفهاء الأحلام، فما آتى لا أبالكم هجرا؟!.
    والله ما حلت عن أموركم، ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوى، ولا أدنيت لكم ضرا، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا فأجمع رأي ملئكم: أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بالحق، ولا يعدوانه، فتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما، والتقية دينهما، حتى خالفا سبيل الحق، وأتيا بما لا يعرف.
    فبينوا لنا بم تستحون قتالنا؟ والخروج عن جماعتنا، وتصفون سيوفكم على عواتكم، ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم؟ إن هذا هو الخسران المبين؛ والله لئن قتلتم على هذا دجاجة، لعظم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام؟! فتنادوا: أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الله الرواح، الرواح، إلى الجنة، فرجع علي عنهم.

    ص -228-
    ثم إنهم قصدوا جسرا النهر، فظن الناس أنهم عبروه، فقال علي: لم يعبروه، وإن مصارعهم لدون النهر، والله لا يقتلون منكم عشرة، ولايسلم منهم، فتعبأ الفريقان للقتال، فنادهم أبو أيوب فقال: من جاء هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة أو إلى المدائن، وخرج من هذه الجماعة، فهو آمن، فانصرف فروة بن نوفل الأشجعي، في خمسمائة فارس، وخرجت طائفة أخرى متفرقين.
    فبقي مع عبد الله بن وهب ألف وثمان مائة، فزحفوا إلى علي، وبدؤوه بالقتال، وتنادوا: الرواح الرواح إلى الجنة، فاستقبلت الرماة من جيش علي، بالنبل والرماح والسيوف، ثم عطفت عليهم الخيل، من الميمنة والميسرة، وعليها أبو أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري، فلما عطفت عليهم الخيل والرجال، وتداعى عليهم الناس، ما لبثوا أن أناموهم فماتوا في ساعة واحدة، فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا.
    وقتل ابن وهب، وحرقوص، وسائر سراتهم، وفتش علي في القتلى، والتمس المخدج، الذي وصفه البني صلى الله عليه وسلم في حديث الخوارج، فوجده في حفرة على شاطئ النهر، فنظر إلى عضده، فإذا لحم مجتمع كثدي الممرأة، وحلته عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذى يده الطولى، فلما رآها، قال: الله أكبر، والله ما كذبت، ولا كذبت،

    ص -229-
    والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، لمن قاتلهم متبصرا في قتالهم، عارفا للحق الذي نحن عليه.
    وقال حين مر بهم صرعى: بؤسا لكم، لقد ضركم من غركم، قالوا: يا أمير المؤمنين، من غرهم؟ قال: الشيطان، ونفس أمارة بالسوء، غرتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون.
    هذا ملخص أمرهم، وقد عرفت شبهتهم، التي جزموا لأجلها بكفر علي، وشيعته، ومعاوية وأصحابه، وبقي معتقدهم في أناس متفرقين، بعد هذه الوقعة، وصار غلاتهم يكفرون بالذنوب، ثم اجتمعت لهم شوكة ودولة، فقاتلهم المهلب بن أبي صفرة، وقاتلهم الحجاج بن يوسف، وقاتلهم قبله ابن الزبير زمن أخيه عبد الله، وشاع عنهم التكفير بالذنوب، يعني ما دون الشرك، انتهى ما ذكره شيخنا.
    فتأمل رحمك الله: ما في هذه القصة من الأمور، التي خاطبوا بها أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وما أجابهم به، فمن نصح نفسه وأراد نجاتها، فليتأمل ما في كلامهم من إرادة الخير، وطلبه والعمل به، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهم ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء رضوان الله.
    ولكن: لما كان هذا منهم غلوا في الدين، ومجاوزة

    ص -230-
    للحد الذي أمروا به، حتى كفروا معاوية رضي الله عنه، ومن معه من الصحابة، والتابعين، وكفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن معه من أفاضل الصحابة والتابعين، لما وافقهم في تحكيم الحكمين.
    ثم زعموا: أن تحكيم الرجال في دين الله كفر يخرج من الملة، وأنهم قد أثموا بذلك وكفروا، فتابوا من هذا الأمر، وقالوا لعلي إن تبت فنحن معك ومنك، وإن أبيت، فإنأ منابذوك على سواء.
    فإذا تبين لك: أن ما فعلوه إنما هو إحسان ظن بقرائهم، الذين غلوا في الدين، وتجاوزوا الحد في الأوامر والنواهي، وأساؤوا الظن بعلماء الصحابة، الذين هم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإظهار دينه.
    فلما لم يعرفوا لهم فضلهم، ولم يهتدوا بهديهم، ضلوا عن الصراط المستقيم، الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعموا أنهم داهنوا في الدين، والذي حملهم على ذلك أخذهم بظواهر النصوص في الوعيد، ولم يهتدوا لمعانيها وما دلت عليه، فوضعوها في غير مواضعها، وسلكوا طريقة التشديد، والتعسير والضيق، وتركوا ما وسع الله لهم، من التيسير الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين".

    ص -231-
    ولهذا كان أمير المؤمنين: علي رضي الله عنه، يسيير فيهم بهذه الطريقة، ويناصحهم لله وفي الله، ويتلطف لهم في القول، لعل الله أن يقبل بقلوبهم، وأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه أولا؛ ويراجعهم المرة بعد المرة، كما قاله في خطبته إياهم لما خطبهم، فقالوا: لا حكم إلا لله، يريدون بهذا إنكار المنكر، على زعمهم.
    فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل، أما إن لكم علينا ثلاثا، ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا، وإنا ننتظر فيكم أمر الله.
    ولما قيل له: يا أمير المؤمنين، أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا؛ فقالوا: أفمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا؛ قالوا: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا.
    فهذه سيرته رضي الله عنه، مع هؤلاء المبتدعة الضلال، مع قوله لأصحابه: والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم متبصرا في قتالهم، عارفا للحق الذي نحن عليه، ومع علمه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فوقه" ومع قوله صلى الله عليه وسلم فيهم: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن

    ص -232-
    أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلا، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم إنما تعلموا العلم من الصحابة.
    فعلى من نصح نفسه، وأراد نجاتها: أن يعرف طريقة هؤلاء القوم، وأن يجتنبها، ولا يغتر بكثرة صلاتهم، وصيامهم وقراءتهم، وزهدهم في الدنيا، وأن يعرف سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من الهدى ودين الحق، الذي فضلوا به على من بعدهم، وعدم تكلفهم في الأقوال والأفعال، لعله أن يسلم من ورطات هؤلاء الضلال، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد.
    [اقتتال طائفتين من المسلمين]
    سئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر: إذ التقى فئتان من المسلمين، وقتل رجل من إحداهما، وعلم قاتله بعينه، ورضوا بالدية، فهل تكون على القاتل؟ أم تكون على جميع الطائفة؟
    فأجاب: إذا اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة، ونحو ذلك، فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى، صرح بذلك في "الشرح الكبير"، و"الإنصاف"، و"الإقناع"، والشيخ تقي الدين في السياسة الشرعية.
    قال في "الإنصاف" - بعد قوله: وتضمن كل واحدة ما أتلفته على الأخرى -: وهذا بلا خلاف أعلمه، لكن قال الشيخ تقي الدين: إن جهل قدر ما نهبه كل طائفة تساقطا، كمن

    ص -233-
    جهل الحرام من ماله، أخرج نصفه، والباقي له.
    وقال أيضا: أوجب الأصحاب الضمان على مجموع الطائفة، إن لم يعلم عين المتلف; قال في الإقناع وشرحه: فلو دخل بينهم بصلح، وجهل قاتله، ضمناه; وإن علم قاتله من طائفة، وجهل عينه، ضمنته وحدها; قال ابن عقيل: ويفارق المقتول في زحام الجامع، والطواف، أن الزحام والطواف ليس فيه تعد، بخلاف الأول، انتهى. قال مالك في الموطأ في جماعة اقتتلوا، فانكشفوا وبينهم قتيل أو جريح، لا يدرى من فعل ذلك به، إن أحسن ما سمعه في ذلك العقل، وإن عقله على القوم الذين نازعوه؛ وإن كان القتيل والجريح من غير الفريقين، فعقله على الفريقين جميعا، انتهى.
    وقال في "الشرح الكبير": إذا اقتتلت الفئتان، فتفرقوا عن قتيل من إحداهما، فللوارث على الطائفة الأخرى الدية، ذكره القاضي، فإن كانوا بحيث لا يقتله سهام بعضهم بعضا، فللوارث على عاقلة القتيل، وهذا قول الشافعي.
    وروي عن أحمد: أن عقل القتيل على الذين نازعوهم، فيما إذا اقتتلت الفئتان، إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول مالك; وقال ابن أبي ليلى: عقله على الفريقين جميعا، لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه، فاستوى الجميع فيه; وعن أحمد في قوم اقتتلوا، فقتل

    ص -234-
    بعضهم وجرح بعض، فدية المقتولين على المجروحين، تقسط منها دية الجراح، انتهى.
    وقال في "الإنصاف" - بعد ما ذكر نص أحمد هذا - قال الإمام أحمد: قضى به علي، وحمله على من ليس به جرح، وهل عليهم من دية القتل شيء؟ فيه وجهان; قال ابن حامد: قلت الصواب على أنهم يشاركونهم في الدية، انتهى; فهذا كلام الفقهاء فيما إذا جهل عين القاتل.
    وأما إذا علم القاتل، ففيه تعلق الحكم به؛ فإن كان القتل عمدا، فأولياؤه يخيرون، إن شاءوا اقتصوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، فإن قبلوا الدية، فهو من مال القاتل دون العاقلة، ولا شيء على الطائفة التي هو منها، إلا أن يكونوا قطاع الطريق، لأنهم ردؤهم، وردؤهم ومباشرهم سواء.
    وكذا: إن تواطئوا على قتله، فقتله بعضهم وأعانه الآخرون، كالمسك مع القاتل عند مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فتكون الدية على المباشر والمعين، لأنهم سواء عند الجمهور، ذكره الشيخ تقي الدين.
    وسئل أيضا، الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، إذا اقتتلت طائفتان، وادعت إحداهما بالتعدي من الأخرى، وجاؤوا بالشهود، وادعى المشهود عليهم: بأن الشهود من الطائفة المقاتلة لهم، فهل ترد شهادتهم بذلك؟

    ص -235-
    فأجاب: ينظر في حال الشهود، فإن كانوا عدولا، وادعوا أنهم لم يحضروا القتال، ولم يدخلوا معهم، وعلم صدقهم بقرائن الحال، لم ترد شهادتهم بمجرد دعوى الخصوم، لأن الخصم إذا جرح الشاهد العدل، لا يقبل قوله فيه إلا ببينة; وأما إذا كان الشهود لا يعرفون بالعدالة، أو كانت القرائن تدل على أنهم حاضرون معهم، وأنهم من جملتهم، لم يقبلوا، ولم تسمع شهادتهم.
    ومن صور المسألة: ما جرى بين الوداعين، وأهل مرات، فإن الوداعين زعموا أن معهم البينة، على أنهم لم يبدؤوا بقتال، وإنما قتلوا دفعا عن أنفسهم، فلما سألنا عن شهودهم، إذا هم من جملتهم الذين غزوا، فقلنا لهم: هؤلاء من جملتكم، وعليهم من الدية بقدر نصيبهم منها، ولا تقبل شهادتهم، لأنهم يدفعون بها عن أنفسهم، والمسألة واضحة في كلام العلماء، لا تحتاج إلى نقل عبارات الفقهاء، والله أعلم.
    سئل بعضهم: ما معنى قوله تعالى:{ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [سورة التوبة آية : 7] ؟
    فأجاب: إن هذه الآية نزلت في عهد المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وغدرهم، ونقضهم لما عاهدوا عليه، وأعانوا عدوه، قال تعالى:{ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ الاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا

    ص -236-
    اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [سورة التوبة آية : 7] الآية. قال البغوي رحمه الله في تفسيره: هذا على وجه التعجب، ومعناه جحد، أي: لا يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله، وهم يغدرون وينقضون العهد، ثم استثنى فقال جل وعلا:{ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [سورة التوبة آية : 7].
    قال ابن عباس: هم قريش; وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، قال الله تعالى:{ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ } [سورة التوبة آية : 7] أي على العهد{فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ } انتهى.
    ولا يجوز لأحد يقول: هذه الآية نزلت في حق الراعي والرعية، فإنه لم يقل بهذا أحد من أهل العلم وأئمة التفسير، بل هذا تفسير عبد برأيه وهواه، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار; فإن المسلم مأمور بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ولو كانوا غير مستقيمين، إلا في معصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة لأحد.
    والأحاديث والآثار الدالة على ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، لكن تركنا ذكرها خشية الإطالة، ونحن في غاية الاستعجال مع تغير الحال وتشوش البال.
    والحاصل: فإن الأمراء إن استقاموا على الحق والعدل، فهو الواجب عليهم، وإن تركوا الاستقامة، فأدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم، وفي الصبر على ما

    ص -237-
    تكره خيرا كثيرا؛ والكلام على هذا الباب يستدعي طولا وأبوابا وفصولا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-11-12
  3. الذيباني 7

    الذيباني 7 مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-06-19
    المشاركات:
    11,358
    الإعجاب :
    3
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-11-12
  5. أبو هاجر الكحلاني

    أبو هاجر الكحلاني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-11-03
    المشاركات:
    5,200
    الإعجاب :
    1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي سام بالله عليك مافائدة طرحك لرابط هذا المغني البريطاني في موضوع كهذا مهم , كان الأجدر بك أن تقرأه وتتفهمه لعل الله ينفعك به ...الله المستعان.
    نطلب من الأخ المشرف أن يحذف الرابط .. او إذا باستطاعتك ياخي ان تلحق وتحذف الرابط وتضع بدله مشاركة اورد فذلك أمر طيب.
    وجزاكم الله خيرا..
     

مشاركة هذه الصفحة