فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (3)

الكاتب : الدعوة السلفية   المشاهدات : 469   الردود : 0    ‏2006-11-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-12
  1. الدعوة السلفية

    الدعوة السلفية عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-09
    المشاركات:
    64
    الإعجاب :
    0
    فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (3) {الدرر السنية في الأجوبة النجدية}

    فهرس الجزء التاسع ( القسم الثاني من كناب الجهاد وأول كتاب المرتد )


    فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (3)
    [ما من الله به على بادية نجد وما أدخله الشيطان عليهم]
    وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ

    ----------------------------------------
    1 مسلم : البر والصلة والآداب (2564) , وأحمد (2/277).
    2 البخاري : المظالم والغصب (2442) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2580) , والترمذي : الحدود (1426) , وأبو داود : الأدب (4893) , وأحمد (2/67 ,2/91).
    3 البخاري : الإيمان (13) , ومسلم : الإيمان (45) , والترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2515) , والنسائي : الإيمان وشرائعه (5016 ,5017) , وابن ماجه : المقدمة (66) , وأحمد (3/176 ,3/206 ,3/251 ,3/272) , والدارمي : الرقاق (2740).

    ص -127-
    عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وفقهما الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق، على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم المناهج، وأوضح السبل، فشرع الشرائع، وبين الأحكام، ولم يقبضه إليه حتى تم شرعه وكمل، فمن أراد الله سعادته اكتفى بهديه، عن سائر الشرائع والنحل، ومن قضي عليه بالشقاء، صدف عن ذلك وعدل.
    ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها يوم العرض من كل كرب ووجل، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل الخلق، وخاتم الرسل، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين حازوا قصب سبق الفضائل، بالعلم والعمل.
    أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى، لما من على بادية نجد، في آخر هذا الزمان، بالإقبال على تعلم دين الإسلام، والعمل به، وكثر ذلك فيهم وانتشر، ورأى الشيطان منهم قوة في ذلك، وحرصا على الخير، يئس منهم أن يردهم على حالهم الأولى، التي انتقلوا منها، فأخذ في فتح أبواب من أبواب الشر، حسنها لهم وزينها، وجعلها في قالب القوة والصلابة في الدين، وأن من أخذ بها فهم المتمسكون بملة
    ص -128-
    إبراهيم، ومن تركها فقد ترك ملة إبراهيم.
    وهذا هو المعهود من كيد اللعين، كما أشار إلى ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله، في "إغاثة اللهفان"، فإنه ذكر: أن الشيطان- لعنة الله- يشم قلب العبد، فإذا رأى فيه كسلا، سعى في رده عن الدين بالكلية، وإن رأى فيه قوة، سعى في حمله على مجاوزة الحق، والزيادة على ما شرعه الله ورسوله؛ وإذا أخبر بالأمر المشروع، قال له الشيطان: ما يكفيك هذا، الواجب عليك شيء غير هذا، هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى.
    إذا علم هذا؛ فمن الأمور التي أدخلها على الإخوان- وفقهم الله تعالى- أنه غلظ أمر الأعراب عندهم، حتى صار منهم من يعتقد كفرهم مطلقا، ومنهم من يرى جهادهم، حتى يلتزموا سكنى القرى.
    والجواب عن هذا: أن تعلم أيها المنصف، الذي مراده الحق، أن الواجب علينا وعلى جميع المسلمين رد ما تنازعنا فيه، إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولا يرد ذلك إلى محض الجهل والهوى، أو استحسان العقل، والأقيسة الفاسدة، ونحن نطالب من قال ذلك، بدليل من كتاب الله وسنة رسوله، أو نقل من الخلفاء الراشدين، والصحابة المهديين، ومن تبعهم من أئمة الدين.
    فإن كان اعتمادهم فيما توهموه، من إلزام البادية

    ص -129-
    بالسكنى في القرى، على مطلق وجوب الهجرة، فنعرفك عن حقيقة الهجرة الواجبة بالشرع المطهر.
    فنقول: الهجرة تجب من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، على من لم يقدر على إظهار دينه، فإن كان المحل الذي فيه الأعراب، تظهر فيه شعائر الشرك، وتفعل فيه المحرمات، وتترك فيه الواجبات، فإن الهجرة تجب من ذلك المحل، إلى بلاد تظهر فيها شعائر الإسلام، سواء كان ذلك في بادية أو حاضرة، وأما البادية الذين هم في ولاية إمام المسلمين، وهم مع ذلك ملتزمون شرائع الإسلام، من الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وترك الشرك والكفر، ولا يظهر فيهم شيء من نواقض الإسلام، فلا تجب عليهم الهجرة إلى القرى، ولا يجوز إلزامهم بذلك.
    ومن ألزمهم بذلك، ورآه دينا، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } [سورة الشورى آية : 21] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " 1، وفي رواية " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" 2 أي: من أحدث في ديننا وشرعنا، زيادة لم نشرعها، فمن قال قولا، أو عمل عملا لم يشرعه الله ورسوله، فهو مردود عليه، كائنا من كان، وقال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الصلح (2697) , ومسلم : الأقضية (1718) , وأبو داود : السنة (4606) , وابن ماجه : المقدمة (14) , وأحمد (6/73 ,6/146 ,6/180 ,6/240 ,6/256 ,6/270).
    2 البخاري : الصلح (2697) , ومسلم : الأقضية (1718) , وأبو داود : السنة (4606) , وابن ماجه : المقدمة (14) , وأحمد (6/240).

    ص -130-
    يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [سورة النحل آية : 116].
    ومن نسب إلزام بادية المسلمين بسكنى القرى إلى دين الله ورسوله، فقد افترى وضل، نعم، تستحب الهجرة في حقهم والحالة هذه، لما يترتب على ذلك من حضور الجمع والأعياد، وغير ذلك، من غير إكراه على ذلك، فافهموا حكم الهجرة ومن تجب عليه، وقولوا بعلم، ودعوا الجهل والهوى، واستحسانات العقول، وإن أردتم الدليل على ما قلناه، فانظروا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه، وحالهم مع أعرابهم الموجودين في عصر النبوة وما بعده، فإنهم لم يلزموهم بسكنى القرى، فإن كان عند أحد دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم فليوجدناه ونقبله على الرأس والعين.
    وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة الطويل، الذي رواه مسلم في صحيحه، في أعراب المسلمين، فإنه قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية " 1 - إلى قوله- " ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله " 2 الحديث ; فدل الحديث على أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أعراب، ولم يلزمهم بالهجرة.
    وقال ابن القيم: رحمه الله تعالى، في الهدي النبوي، في أواخر الوفود: "فصل" في قدوم وفد بني عبس، ” وفد عليه
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الجهاد والسير (1731) , والترمذي : الديات (1408) والسير (1617) , وأبو داود : الجهاد (2612) , وابن ماجه : الجهاد (2858) , وأحمد (5/352 ,5/358) , والدارمي : السير (2439).
    2 مسلم : الجهاد والسير (1731) , والترمذي : السير (1617) , وأحمد (5/352 ,5/358).

    ص -131-
    بنو عبس، فقالوا يا رسول الله: قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا: أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، وهي معائشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة لة، فلا خير في أموالنا ومواشينا، بعناها وهاجرنا عن آخرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئا " انتهى.
    نعم، يجب على ولي الأمر إلزام الأعراب شرائع الإسلام، وكفهم عن المحرمات من الشرك وغيره، كغيرهم من المسلمين، وأما إطلاق الكفر على الأعراب بالعموم، فالدليل على منعه قوله تعالى: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [سورة التوبة آية : 99] الآية.
    فإذا علمت أنها لا تجب الهجرة على من كان في بادية المسلمين، تبين لك أنه لا يجوز هجر من قدم على الحاضرة منهم، إلا من عرف منهم بالمجاهرة بالمعاصي، والإعلان بها، وهذا ليس خاصا بالأعراب، فإن المجاهر بالمعاصي يشرع هجره، سواء كان ذلك من أهل البادية أو الحاضرة، إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولم يترتب عليه مفسدة، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
    ومن الأمور التي أوقعها الشيطان: أن الإنسان إذا كان قد هاجر، وسكن في قرية من قرى المسلمين، واتخذ ماشية من إبل أو غنم، واعتاش بها هو وعائلته، وخرج لرعيها،

    ص -132-
    ومن نيته الرجوع إلى ذلك المحل الذي خرج منه، هجر عن السلام في زعم هذا الجاهل: أن خروجه مع إبله وغنمه معصية، وهذا جهل وضلال، فإن فعله ذلك مباح، فلا يجوز هجره والإنكار عليه والحالة هذه، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم نعم من إبل وغنم، يجعل فيها رعاة يرعونها، وقال الفضل بن العباس: " زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بادية لنا " 1.
    وأما من هاجر ثم رجع إلى البادية، منتقلا عن دار هجرته، فإنه عاص ومرتكب كبيرة، إذا لم يكن من نيته الرجوع، فمن كان مقصوده اتباع الحق، وطلب الهدى، وسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومن كان مقصوده الهوى، والتعمق والتكلف، والتضييق على نفسه، وعلى غيره، من غير دليل شرعي، فهو شبيه بمن انحرف عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل البدع والضلال.
    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات". وذلك حين سأل نفر من أصحابه، عن عبادته صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أنا أصوم ولا أفطر، وأصلي ولا أنام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما أنا فأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
    ----------------------------------------
    1 سنن النسائي : كتاب القبلة (753) , وسنن أبي داود : كتاب الصلاة (718) , ومسند أحمد (1/211 ,1/212).

    ص -133-
    ولما قام أبو إسرائيل في الشمس، أمره أن يستظل ; ومن المعلوم أن مقصود هؤلاء النفر، الحرص على الخير، وطلب الزيادة في العبادة، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الزيادة على المشروع ضرر على صاحبها، وسبب لخروجه عن الصراط المستقيم، ومضاهاته للمغضوب عليهم، والضالين.
    [إساءة الظن بولي الأمر وعدم الطاعة له]
    ومما أدخل الشيطان على بعض المتدينين: اتهام علماء المسلمين بالمداهنة، وسوء الظن بهم، وعدم الأخذ عنهم، وهذا سبب لحرمان العلم النافع، والعلماء هم ورثة الأنبياء في كل زمان ومكان، فلا يتلقى العلم إلا عنهم، فمن زهد في الأخذ عنهم، ولم يقبل ما نقلوه، فقد زهد في ميراث سيد المرسلين، واعتاض عنه بأقوال الجهلة الخابطين، الذين لا دراية لهم بأحكام الشريعة.
    والعلماء هم الأمناء على دين الله، فواجب على كل مكلف، أخذ الدين عن أهله، كما قال بعض السلف: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فأما من تعلق بظواهر ألفاظ من كلام العلماء المحققين، ولم يعرضها على العلماء، بل يعتمد على فهمه، وربما قال: حجتنا مجموعة التوحيد، أو كلام العالم الفلاني، وهو لا يعرف مقصوده بذلك الكلام، فإن هذا جهل وضلال.
    ومن المعلوم: أن أعظم الكلام وأصحه، كلام الله العزيز؛ فلو قال إنسان: ما نقبل إلا القرآن، وتعلق بظاهر لفظ

    ص -134-
    لا يعرف معناه، أو أوله على غير تأويله، فقد ضاهى الخوارج المارقين، فإذا كان هذا حال من اكتفى بالقرآن عن السنة، فكيف بمن تعلق بألفاظ الكتب، وهو لا يعرف معناها، ولا ما يراد بألفاظها؟!
    والكتب أيضا فيها من الأحاديث: الصحيح والضعيف، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، فإذا لم يأخذ العامي عن العلماء النقاد، الذين هم للحديث بمنْزلة الصيارفة للذهب والفضة، خبط خبط عشواء، وتاه في وادي جهالة عمياء.
    وقد قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في "كتاب أصول الإيمان" باب قبض العلم، ثم ذكر حديث زياد بن لبيد، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فقال: " ذلك حين أوان ذهاب العلم، قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم، ونحن نقرئ القرآن أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم، إلى يوم القيامة؟ فقال: ثكلتك امك يا زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى، يقرؤون التوارة والإنجيل، ولا يعملون بشيء مما فيهما " رواه أحمد وابن ماجه.
    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، عليكم بالعلم فإن أحدكم ما يدري متى يفتقر إليه، أو يفتقر إلى ما عنده.

    ص -135-
    وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، عليكم بالعلم وإياكم والبدع والتنطع والتعمق؛ وعليكم بالعتيق " رواه الدارمي بنحوه، وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " 1 انتهى.
    إذا عرف هذا تبين أن الذي يدعي أنه يستغنى بمجموعة التوحيد، عن الأخذ عن علماء المسلمين مخطئ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن سبب قبض العلم موت العلماء، فإذا ذهب العلماء واتخذ الناس رؤساء جهالا، وسألوهم وأخذوا بفتواهم، ضلوا وأضلوا، عياذا بالله.
    ومما أدخل الشيطان أيضا: إساءة الظن بولي الأمر وعدم الطاعة له، فإن هذا من أعظم المعاصي، وهو من دين الجاهلية، الذين لا يرون السمع والطاعة دينا، بل كل منهم يستبد برأيه، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة، في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر في العسر واليسر، والمنشط والمكره، حتى قال: " اسمع وأطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك ".
    فتحرم معصيته والاعتراض عليه في ولايته، وفي معاملته وفي معاقدته ومعاهدته، لأنه نائب المسلمين والناظر
    ----------------------------------------
    1 البخاري : العلم (100) , ومسلم : العلم (2673) , والترمذي : العلم (2652) , وابن ماجه : المقدمة (52) , وأحمد (2/162 ,2/190 ,2/203) , والدارمي : المقدمة (239).

    ص -136-
    في مصالحهم، ونظره لهم خير من نظرهم لأنفسهم، لأن بولايته يستقيم نظام الدين، وتتفق كلمة المسلمين، لا سيما وقد من الله عليكم بإمام ولايته ولاية دينية، وقد بذل النصح لعامة رعيته من المسلمين، خصوصا المتدينين، بالإحسان إليهم ونفعهم، وبناء مساجدهم وبث الدعاة فيهم، والإغضاء عن زلاتهم وجهالاتهم.
    ووجود هذا في آخر هذا الزمان، من أعظم ما أنعم الله به على أهل هذه الجزيرة، فيجب عليهم شكر هذه النعمة ومراعاتها، والقيام بنصرته والنصح له باطنا وظاهرا. فلا يجوز لأحد الافتيات عليه، ولا المضي في شيء من الأمور إلا بإذنه؛ ومن افتات عليه فقد سعى في شق عصا المسلمين، وفارق جماعتهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من عصى الأمير فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله " 1 والمراد بالأمير في هذا الحديث: من ولاه الله أمر المسلمين، وهو الإمام الأعظم.
    وقال ابن رجب في "شرح الأربعين" له: وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: (إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيها ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله).
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الأحكام (7137) , ومسلم : الإمارة (1835) , والنسائي : البيعة (4193) , وابن ماجه : الجهاد (2859) , وأحمد (2/270 ,2/313 ,2/467 ,2/471 ,2/511).

    ص -137-
    وقال الحسن في الأمراء: (يلون من أمورنا خمسا، الجمعة والجماعة، والعيد والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغيظ، وإن فرقتهم لكفر).
    وخرج الخلال في كتاب الإمارة، من حديث أبي أمامة، قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين صلوا العشاء: أن احشدوا، فإن لي إليكم حاجة فلما فرغوا من صلاة الصبح، قال: "هل حشدتم كما أمرتم؟ قالوا: نعم، قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، هل عقلتم هذه؟ ثلاثا، قلنا: نعم، قال: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، هل عقلتم هذه" ثلاثا، قلنا: نعم، قال: اسمعوا وأطيعوا، هل عقلتم هذه؟ ثلاثا، قلنا: نعم. قال: فكنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتكلم كلاما طويلا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو قد جمع الأمر كله ".
    [التهاجر على غير سبب يوجب ذلك]
    ومن الأمور التي أدخلها الشيطان في المسلمين، لينال بها مقصوده من إغوائهم، واختلاف كلمتهم وتفرقهم، ما حملهم عليه من التهاجر على غير سبب يوجب ذلك، بل بمجرد الرأي المخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا ينافي ما عقده الله بين المسلمين، من الأخوة الإسلامية، التي توجب التواصل والتواد، والتراحم والتعاطف، كما قال

    ص -138-
    النبي صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد " 1 وقال النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " 2.
    وقال الله تعالى:{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية : 103] إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة البقرة آية : 53] وقال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [سورة الأنفال آية : 46] الآية وقال صلى الله عليه وسلم " لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم " 3 الحديث.
    وقد تقدم أن هجر أهل المعاصي يشرع، إذا كانت المصلحة بذلك راجحة على مفسدته، فإذا لم تكن فيه مصلحة راجحة لم يشرع، لما يترتب على ذلك من المفاسد، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، والهجر إنما شرع تأديبا وتعزيرا، بترك السلام عليه، وعدم تكليمه، حتى ينْزجر عن معصيته، وأما ضربه وتعنيفه، فلا أصل له في الشرع.
    ومن نسب إلى الشيخ الإمام عبد اللطيف، رحمه الله أنه يضرب كل من سافر إلى بلاد المشركين، فقد افترى؛ والناقل لذلك يطالب بصحة ما نقل عنه، وإن صح من ذلك شيء، فهو محمول على بعض المنتسبين، الذين يقتدى بهم، ويغتر بهم الجهال، والله المسؤول المرجو
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الأدب (6011) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2586) , وأحمد (4/270).
    2 البخاري : الصلاة (481) والمظالم والغصب (2446) والأدب (6027) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2585) , والترمذي : البر والصلة (1928) , والنسائي : الزكاة (2560) , وأحمد (4/405).
    3 البخاري : الأدب (6065) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2559) , والترمذي : البر والصلة (1935) , وأبو داود : الأدب (4910) , وأحمد (3/110 ,3/165 ,3/199 ,3/209 ,3/225) , ومالك : الجامع (1683).

    ص -139-
    الإجابة أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على محمد وآلة وصحبه وسلم.
    [ أمر الله بالاجتماع على الدين ]
    وقال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من سعد بن حمد بن عتيق، إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من إخواننا من أهل الأرطاوية، والغطغط وغيرهم، من عتيبة، ومطير، وقحطان، وغيرهم من إخواننا المسلمين، نور الله قلوبنا وقلوبهم بنور العلم والإيمان، وجعلنا وإياهم من أتباع السنة والقرآن، وأعاذنا وإياهم من زيغ القلوب ونزغات الشيطان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه الكتاب المبين، وجعله هدى للمتقين، وشفاء ورحمة للمؤمنين، وحجة على المبطلين، وضمن الرحمة والسعادة، والفلاح والهدى، والفوز بالجنة والنجاة من النار، لمن اتبعه وعمل بما فيه.
    وتوعد من خالفه أو أعرض عنه، بأنواع من الوعيد قال تعالى:{ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ

    ص -140-
    تُرْحَمُونَ} [سورة الأنعام آية : 155].
    وقال تعالى :{ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} [سورة ص آية : 29] وقال تعالى:{ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [سورة طه آية : 123-126] قال بعض السلف: تكفل الله لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
    ومما أمر الله به في كتابه المبين، وأوحاه إلى رسوله الأمين، الحث على الاجتماع على الدين، والاعتصام بحبله المتين، واتباع سبيل المؤمنين، واجتناب ما ذمه الله سبحانه، من أخلاق من ذمهم في كتابه، من أهل التفرق والاختلاف، والمشاقة له ولرسوله، ومخالفة أهل الصراط المستقيم.
    قال الله تعالى:{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [سورة الشورى آية : 13] وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية : 102-103].

    ص -141-
    وقال تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [سورة آل عمران آية : 104-106] قال بعض المفسرين: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف.
    وقد ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " 1.
    ومن أعظم: أسباب التفرق والاختلاف، والعدول عن طريق الحق والإنصاف: ما وقع من كثير من الناس، من الإفتاء في دين الله بغير علم، والخوض في مسائل العلم بغير دراية ولا فهم، فإن الله تعالى قد حرم القول عليه بغير علم، في أسمائه وصفاته، وشرعه وأحكام.
    وجعل ذلك قرينا للشرك، الذي هو أعظم المحرمات، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف آية : 33] وقال تعالى:{ وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الأقضية (1715) , وأحمد (2/367) , ومالك : الجامع (1863).

    ص -142-
    هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } [سورة النحل آية : 116]. وقال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة الأنعام آية : 144].
    وهذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون فى آخر الزمان، من قبض العلم بذهاب أهله، وظهور الجهل، واتخاذ الناس من الجهلة المفتين بالفتوى المضلة، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ".
    وقال تعالى في هذا الصنف من الناس: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [سورة النحل آية : 25] وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، لاينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا"1.
    ومما انتحله بعض هؤلاء الجهلة المغرورين: الاستخفاف بولاية المسلمين، والتساهل بمخالفة إمام المسلمين، والخروج عن طاعته، والافتيات عليه بالغزو،
    ----------------------------------------
    1 مسلم : العلم (1017) , والترمذي : العلم (2675) , والنسائي : الزكاة (2554) , وابن ماجه : المقدمة (203) , وأحمد (4/357) , والدارمي : المقدمة (512 ,514).

    ص -143-
    وغيره، وهذا من الجهل والسعي في الأرض بالفساد بمكان، يعرف ذلك كل ذي عقل وإيمان.
    وقد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وأن الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين، من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد، وقد قيل:
    تهدى الأمور بأهل الرشد إن رشدت
    وإن تولت فبالأشرار تنقاد
    لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
    ولا صلاح إذا جهالهم سادوا
    وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وأنا آمركم بخمس، السمع والطاعة، والجهاد والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " 1 وفي الحديث " ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، ومناصحة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " 2.
    ومن ذلك: ما وقع من غلاة هؤلاء، من اتهام أهل العلم والدين، ونسبتهم إلى التقصير، وترك القيام بما وجب عليهم من أمر الله سبحانه وتعالى، وكتمان ما يعلمون من الحق، ولم يدر هؤلاء: أن اغتياب أهل العلم والدين، والتفكه بأعراض المؤمنين، سم قاتل، وداء دفين، وإثم واضح مبين، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : الأمثال (2863) , وأحمد (4/130 ,4/202 ,5/344).
    2 الترمذي : العلم (2658).

    ص -144-
    وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [سورة الأحزاب آية : 58] شعرا:
    أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو من
    اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
    ومن ذلك: ما التزموه وألزموا به غيرهم من أعراب المسلمين، من ترك سكنى البادية، والتزام الحضر، وإنشاء العمران والبنيان، والتشديد في أمر العمائم، والعدوان على كثير من أهل الإسلام والتوحيد، بالضرب الشديد، والهجر والتهديد، إلى غير ذلك من الأمور التي خرجوا بها عن حكم العقل والعدل والإنصاف، وانتظموا بها في سلك أهل الجهل والظلم والاعتساف، وهم مع ذلك يحسبون أنهم مهتدون، ويزعمون أنهم مصلحون{أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [ سورة البقرة آية: 12].
    وهذه الأمور ونحوها، يكفي في ردها مجرد الإشارة والتنبيه، دون بسط القول فيها واستقصاء الأدلة على ردها، فاتقوا الله عباد الله {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [سورة البقرة آية : 281] ولا تكونوا كالذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران آية : 103] ونسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه

    ص -145-
    المستقيم، ويجنبنا موجبات غضبه، وعذابه الأليم، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
    [ يجب الإخلاص ولزوم الجماعة وأخذ العلم من حملته ]
    وله أيضا، رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من سعد بن حمد بن عتيق، إلى من نظر في هذا الكتاب من إخواننا، من أهل الأرطاوية، وغيرهم من أهل البلدان، وفقنا الله وإياهم لصالح العمل، وجنبنا سبل أهل الغواية والضلالة والزلل، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فأحمد إليكم الله الذي لا إله غيره، على ما أولاه من نعمه العظام، التي أعظمها وأجلها نعمة الإسلام وأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، في السر والعلانية، فإنها خير الوصايا، وأعظم الفضائل والمزايا، أوصى بها سبحانه عباده في كتابه، وكرر الأمر بها فيما أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من كلامه وخطابة، فقال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [سورة النساء آية : 131] وقال تعالى {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [سورة الأحزاب آية 71].
    وهذه وصية نافعة، وللحث على اتباع أوامره واجتناب

    ص -146-
    نواهيه جامعة، وأصل ذلك ما يودعه الله- سبحانه وتعالى- في قلب العبد، من معرفته ومحبته، وخشيته والخوف منه، والإنابة إليه، والرضى به ربا، وبالإسلام دينا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيا.
    ومن أعظم ما يجب علينا وعليكم، مما تضمنته هذه الوصية الإلهية: إخلاص العبادة لله، ومناصحة جميع المسلمين، ولزوم جماعتهم، والتزام السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، وترك التفرق والاختلاف، كما جاءت بذلك الآيات المحكمات، وثبتت به الروايات عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
    قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ الاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [سورة آل عمران آية : 102-103] إلى قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [سورة آل عمران آية : 104-106] الآية قال بعض المفسرين: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف.
    وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [سورة المائدة آية : 2] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا

    ص -147-
    الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة الحشر آية : 18-19].
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " 1 و " قال صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، ومناصحة المسلمين، ولزوم جماعتهم ".
    ولعلكم تعلمون أن أكبر أسباب السعادة والفلاح في المعاش والمعاد: الانتظام في سلك أهل الحق والرشاد، وأعظم أسباب السلامة الهرب من سبل أهل الغي والفساد، واقتباس نور الهدى من محله، والتماس العلم النافع من حملته وأهله، وهم أهل العلم والدين، الذين بذلوا أنفسهم في طلب الحق وهداية الخلق، حتى صاروا شهودا لهم بالهداية والعدالة، وصانوا أنفسهم عن صفات أهل الغي والضلالة.
    لا من سواهم من أهل الجهل والضلال، الذين ضلوا وأضلوا كثيرا من العباد، وتكلموا في دين الله بالظن والخرص، وصاروا فتنة للمفتونين، ورؤساء للجاهلين، فكانوا هم وأتباعهم، كالذين قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أتباع كل ناعق، يميلون
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الأقضية (1715) , وأحمد (2/367) , ومالك : الجامع (1863).

    ص -148-
    مع كل داع لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق).
    وقد بلغني عن هذا الجنس، الوقوع في أهل العلم والدين، وإساءة الظن بهم، ونسبتهم إلى ترك ما أوجب الله عليهم من الدعوة إلى الله، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا من جهلهم، وعدم مبالاتهم بما يقعون فيه من الغيبة لأهل العلم، وثلبهم إياهم، وذمهم وانتقاصهم، ومن وقع في أهل العلم بالعيب والثلب، ابتلاه الله بموت القلب.
    وقد ذكرنا لكم في هذه الصحيفة، وما قد سبق لكم منا، ومن غيرنا من إخوانكم، من أهل العلم، من النصائح في الرسائل والمكاتبات، المتضمنة للحث على لزوم جماعة المسلمين، وامتثال أمر من ولاه الله أمرهم، والاقتداء بأهل العلم والدين، وقبول النصيحة منهم، وترك التفرق والاختلاف، واجتناب داعي الهوى والشقاق والخلاف، وذكر أدلة ذلك، والترغيب فيه، وذم من خالفه وأعرض عنه، ما فيه كفاية لمن أراد الله به خيرا، وأما من غلب عليه الهوى، ولم يكن قصده التماس الحق والهدى، فلا حيلة فيه.
    تالله ما بعد البيان لمنصف
    إلا العناد ومركب الخذلان
    وحقيق من هذا شأنه أن ينتقل معه بعد الدعوة إلى

    ص -149-
    الحق والجدال، إلى مرتبة العقوبة والنكال، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ثم إنه ذكر لي: أن بعض هؤلاء الجهلة المغرورين، إذا نصح من عندهم من أهل العلم، انتقل من بلده إلى بلد آخر، قاصدا تحيزه إلى من هو من جنسه، واجتماعه بمن هو على رأيه الفاسد.
    وهذا من أسباب الفساد، ووقوع الشر والاختلاف بين العباد؛ فينبغي عدم موافقة هؤلاء على ذلك، وإلزام كل إنسان منهم بسكنى البلد الذي هو فيه، فإن كان قصده طلب الحق والعلم، فعنده من يدله عليه. وعلى أهل البلدان أن ينتبهوا لذلك، وأن يمنعوا من جاءهم من هذا الجنس، من السكنى عندهم، إذا انتقل من بلده لهذا المقصد الرديء.
    أسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب، وصلى الله على محمد.
    [حث الإمام الإخوان على لزوم طريقة مجدد الدعوة]
    وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، وفقه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
    أما بعد: فهذه عقيدة شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، الذي أظهر الله به الدين في

    ص -150-
    نجد، بعد أن كانوا في ضلال مبين، وقوم شرائع الدين، بعدما وهت أركانه بين العالمين، في مراسلاته ومناصحاته، ودعوته الخلق إلى دين الله ورسوله.
    قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان، سلام عليكم رحمة الله وبركاته.
    وبعد: يجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق، وننصح إخواننا إذا جرى منها شيء حتى فهموها، وسببها: أن بعض أهل الدين، ينكر منكرا وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر، إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ الاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية : 102-103] الآية وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ".
    وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرا على ما جاءه من الأذى ; وأنتم محتاجون إلى الحرص على فهم هذا والعمل

    ص -151-
    به، فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين، من قلة العمل بهذا، أو قلة فهمه.
    وأيضا يذكر العلماء: أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره، فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقه فيه، فإنكم إن لم تفعلوا صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم لا يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه، وسبب هذه القالة التي وقعت بين أهل الحوطة- لو صار أهل الدين واجبا عليهم إنكار المنكر- فلما غلظوا الكلام، صار فيه اختلاف بين أهل الدين، فصار فيه مضرة على الدين والدنيا.
    وهذا الكلام وإن كان قصيرا، فمعناه طويل، فلازم، لازم: تأملوه وتفقهوا فيه، واعملوا به، فإن عملتم به صار نصرا للدين، واستقام الأمر إن شاء الله.
    [كيفية أمر ولي الأمر بالمعروف ونهيه عن المنكر]
    والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن ينصح برفق خفية، ما يشترف أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجل يقبل منه بخفية، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا، إلا إن كان على أمير، ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية، وهذا الكتاب، كل أهل بلد ينسخون منه نسخة، ويجعلونها عندهم، ثم يرسلونها لحرمة، والمجمعة، والغاط،

    ص -152-
    والزلفى، والله أعلم 1.
    إذا تحققتم ذلك، فاعلموا أيها الإخوان: هل أنتم على طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في عقيدته، ومراسلاته، ومناصحاته، ودعوته الخلق إلى دين الله ورسوله؟ أم أنتم مخالفون له في ذلك، غير متبعين له في أقواله ورسائله ومناصحاته؟ ومتبعون في ذلك أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.
    فتأملوا رحمكم الله، ما قاله شيخ الإسلام في هذه الرسالة، التي أجاد فيها وأفاد، حيث قال: وسببها أن بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب، ولكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية : 102-103] الآية.
    إلى قوله: ويذكر العلماء أن إنكار المنكر، إذا صار يحصل بسببة افتراق، لم يجز إنكاره- إلى أن قال- والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن ينصح برفق خفية ما يشترف أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلا
    ----------------------------------------
    1 وتقدمت في صفحة: 119 - 121 .

    ص -153-
    يقبل منه بخفية، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا، إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية.
    إذا فهمتم ذلك، وتحققتم أنه لا يجوز إنكار المنكر ظاهرا، فالواجب على المسلم: أن ينكر المنكر على من أتى به بخفية، خصوصا إن كان على أمير، فإن إنكار المنكر على الولاة ظاهرا، مما يوجب الفرقة والاختلاف بين الإمام ورعيته، فإن لم يقبل المناصحة خفية، فليرد الأمر إلى العلماء، وقد برئت ذمته.
    وإنكار المنكر على الولاة ظاهرا من إشاعة الفاحشة، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } [سورة النور آية : 19] وإطلاق الفاحشة لفظ عام، يدخل فيه كل ما كان منكرا، وإعمال المطي بين الإخوان، واجتماعاتهم لأجل إنكار المنكر ظاهرا، مخالف لما كان عليه أهل السنة والجماعة من العلماء، ولما كان عليه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في هذه الرسالة؛ وهذا منا إعذار وإنذار، لئلا يحتج أحد علينا أنا لم نناصحهم في ذلك، ولم نبين لهم ما عندنا.
    وقد سمعنا في الأيام الماضية، ما أجمع عليه الإخوان في هذا الأمر، ولم يمنع المشائخ مناصحتهم في ذلك، إلا ما ذكروه في مراسلاتهم للمشائخ: أنهم على عقيدتهم، وأنه

    ص -154-
    ليس لهم رأي يخالف رأيهم، وأنهم لا يبدرون في شيء إلا بمراجعتهم، فلما مضوا فيما مضوا فيه، ولم يرفعوا للمشائخ خبرا بذلك، تحققنا أنهم يقولون ما لا يفعلون، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [سورة الصف آية : 2-3].
    وأيضا: فها هنا مسألة أخرى، يجب التنبيه عليها، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهي ما ورد في الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " 1.
    ومن سنة الخلفاء الراشدين- أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم- أنهم هم الذين بعثوا البعوث، وجندوا الأجناد، وفتحوا الفتوحات العظيمة، كمصر، والشام، والعراق، والفرس، وأنفقوا خزائنها في سبيل الله، كما هو مشهور من سيرتهم، ولم يقل أحد من الصحابه والتابعين رضي الله عنهم: إنا نحن الذين فتحنا هذه الأمصار، بل ذكر العلماء أن الذي فتحها هم الخلفاء الراشدون.
    وذكروا أيضا: أن عمر رضي الله عنه هو الذي بصر البصرة، وكوف الكوفة، والخلفاء الراشدون، لم يخرجوا
    ----------------------------------------
    1 أبو داود : السنة (4607) , والدارمي : المقدمة (95).

    ص -155-
    من المدينة، ولم يروا هذه الأمصار بأعينهم، إلا ما كان من مسير عمر للشام، لفتح بيت المقدس، وهم الذين تولوا خراجها، ولم يتول خراجها من أرسلهم الخلفاء، إلى هذه الأمصار والأقطار، فهذه سيرة الخلفاء الراشدين.
    وآخر من كان على هذه الطريقة المرضية، شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، وآل سعود، رحمهم الله تعالى، فإنه لما سار عثمان المضايفي، وعبد الوهاب أبو نقطة أمير عسير، وربيع، ومبارك بن روية بالدواسر، وهادي بن قرملة بقحطان، وحصل بينهم الوقعة المشهورة، هم وراجح الشريف، ثم بعد ذلك حاصروا مكة المشرفة، حتى أذعنوا بالصلح، وطلب منهم غالب الشريف الصلح، فلم يقبلوا منه إلا بعد مراجعة الإمام سعود، فأمر بإتمام الصلح، وحج من العام المقبل بجميع المسلمين، ودخلوا مكة آمنين من غير قتال.
    ولم يقل أحد من العلماء في تاريخهم، أن الذي فتحها هؤلاء الذين تقدم ذكرهم، وإنما ذكروا أن الذي فتحها سعود، وهو الذي تولى خراجها، ولم يتول خراجها أحد ممن ذكرنا، ولم نسمع في قديم زمان أو حديثه، ممن سلف من الأئمة، ولا من خلف ممن بعدهم، أنهم قالوا بمثل قول هؤلاء. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد.

    ص -156-
    [ مجرد المصالحة لا يكون موالاة ]
    وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وفقه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد العزيز العنقري، إلى من تصل إليه هذه النصيحة، من إخواننا المسلمين، جعلهم الله على الحق متعاونين، ولطريق أهل الزيغ والبدع مجانبين، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    والموجب لهذه النصيحة، هو ما أخذ الله علينا من الميثاق، في بيان ما علمنا من الحق، وخفي على غيرنا، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ } [سورة آل عمران آية : 187] وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة، ثلاثا. قلنا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم "1، وقال صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، وقال عليه الصلاة والسلام: " المؤمن مرآة أخيه " 2.
    وأيضا: ما بلغني عن بعض الإخوان، من خوض بعضهم في بعض، وكذا في ولي أمرهم، فعن لي أن أذكر كلمات، لعل الله أن ينفع بها، وأسأل الله التوفيق والإعانة،
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإيمان (55) , والنسائي : البيعة (4197 ,4198) , وأبو داود : الأدب (4944) , وأحمد (4/102).
    2 الترمذي : البر والصلة (1929) , وأبو داود : الأدب (4918).

    ص -157-
    وأعوذ به من اتباع الهوى والإهانة، وقد ينتفع بالنصائح من أراد الله هدايته، ومن قضى عليه بالشقاء فلا حيلة في الأقدار.
    فأقول مستمدا من الله الصواب، معتمدا عليه في دفع ما دهى من الحوادث وناب: اعلموا جعلني الله وإياكم ممن علم وعمل، أن القول على الله بغير علم، أعظم من الشرك، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف آية : 33] فجعل القول عليه بغير علم في مرتبة فوق الشرك.
    وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم، أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم، بمصالحة ونحوها، وقدومهم على ولي الأمر لأجل ذلك، أنها هي موالاة المشركين، المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من "الدلائل" التي صنف الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ، ومن سبيل النجاة للشيخ حمد بن عتيق.
    فأولا: نبين لكم سبب تصنيف "الدلائل"، فإن الشيخ سليمان، صنفها لما هجمت العساكر التركية على نجد في وقته، وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نجد، من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم.
    وكذلك: سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق "سبيل

    ص -158-
    النجاة" هو لما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين، وساعدهم من ساعدهم، حتى استولوا على كثير من بلاد نجد. فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه بحمد الله ظاهر المعنى؛ فإن المراد به موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم، ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم.
    والإمام وفقه الله لم يقع في شيء مما ذكر، فإنه إمام المسلمين، والناظر في مصالحهم، ولا بد له من التحفظ على رعاياه وولايته، من الدول الأجانب، والمشايخ رحمهم الله، كالشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف. والشيخ حمد بن عتيق، إذا ذكروا موالاة المشركين، فسروها بالموافقة والنصرة، والمعاونة والرضى بأفعالهم؛ فأنتم وفقكم الله، راجعوا كلامهم، تجدوا ذلك كما ذكرنا.
    قال الشيخ حمد بن عتيق، فيما نقله عن الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ، رحمهم الله: وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله " 1 على ظاهره، وهو: أن الذي يدعى الإسلام، ويكون مع المشركين في الاجتماع والنصرة والمنْزل، بحيث يعده المشركون منهم، فهو كافر مثلهم وإن ادعى الإسلام، إلا أن
    ----------------------------------------
    1 أبو داود : الجهاد (2787).

    ص -159-
    يكون يظهر دينه ولا يتولى المشركين، انتهى.
    فانظر وفقك الله إلى قوله في هذه العبارة: وكون المشركين يعدونه منهم، يتبين لك أن هذا هو الذي أوجب كفره، وأما مجرد الاجتماع معهم في المنزل، فإن ذلك بدون إظهار الدين معصية، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } [سورة النساء آية : 144] يعني: معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم إنا معكم، فهذا هو الذي أوجب كفرهم لا مجرد المخالطة.
    فأنتم وفقكم الله، الواجب عليكم التبصر، وأخذ العلم عن أهله، وأما أخذكم العلم من مجرد أفهامكم، أو من الكتب، فهذا غير نافع، ولأن العلم لا يتلقى إلا من مظانه وأهله، قال تعالى: { فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل آية : 43] وقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [سورة النساء آية : 83] وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [سورة النساء آية : 59].
    وقال شيخ الإسلام، تقي الدين أحمد بن تيمية، رحمه الله، في "المنهاج" بعد كلام سبق: ومن المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بالولاة، وأنه لو تولى من هو دون

    ص -160-
    هؤلاء، من الملوك الظلمة- يعني يزيد، والحجاج ونحوهما- لكان ذلك خيرا من عدمهم، كما يقال: ستون سنة مع إمام جائر، خير من ليلة واحدة بلا إمام.
    ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: " لا بد للناس من إمارة، برة كانت أو فاجرة. قيل له: هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ قال: يؤمن بها السبل، وتقام بها الحدود، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء " ذكره علي بن مهدي في "كتاب الطاعة والمعصية".
    وقال فيه أيضا: وأهل السنة يقولون، إنه- أي الإمام- يعاون على البر والتقوى، دون الإثم والعدوان، ويطاع إلى طاعة الله دون معصيته، ولا يخرج عليه بالسيف، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إنما تدل على هذا، كما في الصحيحين قال: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس يخرج عن السلطان شبرا فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل، فقتلته جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه ".
    فذم الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة، وجعل ذلك ميتة جاهلية، لأن أهل الجاهلية لم يكن لهم رأس يجمعهم، - إلى أن قال -: وهو صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه بعد ذلك يقوم أئمة،

    ص -161-
    لا يهتدون بهديه، ولا يستنون بسنته، ويقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس، وأمر مع هذا بالسمع والطاعة للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك; فبين: أن الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان، سواء كان عادلا أو كان ظالما.
    وكذلك في الصحيح من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من خلع يدا من طاعة، لقي الله تعالى يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " 1، وفي الصحيحين وغيرهما، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان " 2.
    وفي صحيح مسلم، عن عرفجة بن شريح، قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان " 3، وفي لفظ " من أتاكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه " 4، وفي صحيح مسلم عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإمارة (1851) , وأحمد (2/70 ,2/83 ,2/93 ,2/97 ,2/111 ,2/123 ,2/133 ,2/154).
    2 البخاري : الفتن (7056) , والنسائي : البيعة (4149 ,4151 ,4152 ,4153 ,4154) , وابن ماجه : الجهاد (2866) , وأحمد (3/441 ,5/316 ,5/318 ,5/319 ,5/325) , ومالك : الجهاد (977).
    3 مسلم : الإمارة (1852) , والنسائي : تحريم الدم (4020 ,4021 ,4022) , وأبو داود : السنة (4762) , وأحمد (4/261 ,4/341 ,5/23).
    4 مسلم : الإمارة (1852) , والنسائي : تحريم الدم (4020 ,4021 ,4022) , وأبو داود : السنة (4762) , وأحمد (4/261 ,4/341 ,5/23).

    ص -162-
    ننابذهم؟ قال: لا، ما صلوا " 1.
    وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فلينكر ما يأتي من معصية الله، ولا ينْزعن يدا من طاعة" 2 وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم والخروج، هو أصلح الأمور للعباد، في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدا أو مخطئا، لا يحصل بفعله صلاح، بل فساد، انتهى.
    وقال الشيخ: في "السياسة الشرعية": ويجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، لأن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من أمير حق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم " 3 رواه أبو داود من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله عنهما، وروى الإمام أحمد في المسند، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض، إلا أمروا عليهم أحدهم " 4.
    فأوجب على تأمير الواحد في الجمع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإمارة (1854) , والترمذي : الفتن (2265) , وأبو داود : السنة (4760) , وأحمد (6/295 ,6/302 ,6/305 ,6/321).
    2 مسلم : الإمارة (1855) , وأحمد (6/24) , والدارمي : الرقاق (2797).
    3 أبو داود : الجهاد (2608).
    4 أحمد (2/176).

    ص -163-
    ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والأعياد، ونصر المظلوم وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة.
    ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك؛ ولهذا كان السلف، كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما، يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة، لدعونا بها للسلطان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " 1 رواه مسلم، وقال: " ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " 2 رواه أهل السنن.
    وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الدين النصيحة، ثلاثا. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم"3, فالواجب: اتخاذ الإمارة دينا وقربة، يتقرب بها إلى الله عز وجل، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله، أفضل القربات، انتهى.
    وقال في "غذاء الألباب": لا ينبغي لأحد أن ينكر على السلطان، إلا وعظا وتخويفا له، وتحذيرا من العاقبة في
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الأقضية (1715) , وأحمد (2/367) , ومالك : الجامع (1863).
    2 الترمذي : العلم (2658).
    3 مسلم : الإيمان (55) , والنسائي : البيعة (4197 ,4198) , وأبو داود : الأدب (4944) , وأحمد (4/102).

    ص -164-
    الدنيا والآخرة فيجب ; قال القاضي: ويحرم بغير ذلك ; قال ابن مفلح: والمراد ولم يخف منه، بالتخويف والتحذير، وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره.
    قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق، إلى أبي عبد الله- يعني الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله- وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا- يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك - وما نرضى بإمارته، ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر، وقال: ليس هذا- يعني نزعهم أيديهم من طاعته- صوابا، هذا خلاف الآثار.
    وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله يأمر بالكف عن الأمراء، وينكر الخروج إنكارا شديدا، وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: الكف، أي: يجب الكف، لأنا نجد عن النبي صلى الله عليه وسلم (ما صلوا) فلا تنْزع يدا من طاعتهم، مدة ما داموا يصلون، خلافا للمتكلمين في جواز قتالهم، كالبغاة؛ وفرق القاضي بينهما من جهة الظاهر والمعنى، أما الظاهر فإن الله تعالى أمر بقتال البغاة، بقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } [سورة الحجرات آية : 9] الآية، وفي مسألتنا أمره بالكف عن

    ص -165-
    الأئمة، بالأخبار المذكورة، وأما المعنى فإن الخوارج يقاتلون بإمام، وفي مسألتنا يحصل قتالهم يغير إمام، انتهى.
    قال الإمام: عبد الله بن المبارك، رحمه الله ورضي عنه:
    إن الجماعة حبل الله فاعتصموا
    منه بعروته الوثقى لمن دانـا
    كم يدفع الله بالسلطان معضلة
    في ديننا رحمة منـه ودنيانـا
    لولا الخلافة لم تأمن لنا سبـل
    وكان أضعفنـا نهبا لأقوانـا
    وفي وصية عمرو بن العاص رضي الله عنه: (يا بني احفظ علي ما أوصيك به، إمام عدل خير من مطر وبل، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم) انتهى.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في "المنهاج": ومن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم: أنهم يخطئون، ولا يكفرون، وسبب ذلك: أن أحدهم قد يظن أن ما ليس بكفر كفرا، انتهى.
    فانظروا وفقكم الله، في كلام هؤلاء الأئمة، في حق ولاة الأمر، وحثهم على عدم منازعتهم للأمراء، وتقرير وجوب السمع والطاعة لهم، وإن كان فيهم ما فيهم من الأمور التي ينكرها الشرع، ما لم يظهر منهم كفر بواح; وإمامكم حفظه الله، وأعاذه من مضلات الفتن، وإن كنا لا نعتقد عصمته، فإنه قد أصغى إلى قبول النصيحة من كل

    ص -166-
    ناصح، وجد في إزالة ما قدر عليه من المنكرات.
    ونرجو الله أن يعينه على إزالة كل ما أنكره الشرع المطهر، ولا يكله إلى نفسه طرفة عين؛ وقد انتظم به من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يحصى. هذا، والله المسؤول أن يوفقنا وإياكم وإياه، لسلوك الصراط المستقيم، ويجنب الجميع طريقة أصحاب الجحيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    [ما من الله به على بادية نجد من الإقبال، وما زين الشيطان لهم من التفرق]
    وقال الشيخ: عمر بن محمد بن سليم، وفقه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عمر بن محمد بن سليم، إلى كافة الإخوان من أهل الأرطاوية، سلك الله بنا وبهم صراطه المستقيم، وثبتنا على دينه القويم، وأعاذنا من الأهواء المضلة، والسبل المفضية بسالكها إلى طرق الجحيم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أما بعد: فالباعث لهذه النصيحة 1 إقامة الحجة على المعاند، والبيان للجاهل، الذي قصده الحق، فإن الله
    ----------------------------------------
    1 وتتفق في بعض عباراتها مع رسالة الشيخين: محمد بن عبد اللطيف, وعبد الله العنقري, المتقدمة في الصفحات: 126 - 139 .

    ص -167-
    سبحانه لما من على بادية المسلمين من أهل نجد، في آخر هذه الأزمان، بالإقبال على تعلم دين الإسلام، ورأى الشيطان منهم قوة في ذلك، وحرصا على الخير، وأيس أن يردهم على حالهم الأولى، التي انتقلوا منها، أخذ في فتح أبواب الشر، وحسنها لهم، وزينها في قالب القوة والصلابة في الدين، وأن من أخذ بها فهو المتمسك بملة إبراهيم، ومن تركها فقد ترك ملة إبراهيم.
    وهذا من كيد اللعين، كما ذكر ابن القيم رحمه الله: أن الشيطان يشم قلب العبد، فإن رأى فيه كسلا، سعى في رده عن دينه بالكلية، وإن رأى فيه قوة، سعى في حمله على مجاوزة الحد، والزيادة على ما شرعه الله ورسوله، فإذا أخبر بالمشروع، قال له الشيطان: ما يكفيك هذا، إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
    ومن الأمور التي زينها الشيطان: التفرق والاختلاف في الدين ; وسبب ذلك: كلام أهل الجهل بأحكام الشرع، فلو سكت الجاهل سقط الاختلاف؛ والكلام في دين الله بغير علم، وخوض الجاهل في مسائل العلم، قد حرمه الله تعالى في كتابه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف آية : 33].
    ومن كيد الشيطان أيضا، الذي صدهم عن تعلم العلم

    ص -168-
    وطلبه: إتهام علماء المسلمين بالمداهنة، وسوء الظن بهم، وعدم الأخذ عنهم، وهذا سبب لحرمان العلم النافع؛ فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، ومن زهد في الأخذ عنهم، فقد زهد في ميراث سيد المرسلين؛ والعلماء هم الأمناء على دين الله، فواجب على كل مكلف أخذ الدين عن أهله، فإن الفرض الواجب، واللازم لعوام المسلمين، سؤال العلماء وأتباعهم، قال تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل آية : 43].
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإنما شفاء العي السؤال " 1 أي: سؤال العلماء، وقال: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ".
    وأما من رغب عن سؤال العلماء، أو قال: حجتنا الكتاب الفلاني، أو مجموعة التوحيد، أو كلام العالم الفلاني، وهو لا يعرف مقصوده بذلك، فإن هذا جهل وضلال. فإن أعظم الكلام كتاب الله، فلو قال إنسان: ما نقبل إلا القرآن، وتعلق بظاهر لفظ لم يفهم معناه، وأوله على غير تأويله، فقد ضاهى أهل البدع المخالفين للسنة؛ فإذا كان هذا حال من اكتفى بظاهر القرآن، عما بينته السنة، فكيف بمن تعلق بألفاظ الكتب، وهو لا يعرف معناها.
    والكتب أيضاً فيها الصحيح والضعيف، والمطلق،
    ----------------------------------------
    1 أبو داود : الطهارة (336).

    ص -169-
    والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ؛ فإذا لم يؤخذ العلم عن العلماء النقاد، الذين من الله عليهم بفهم الكتاب والسنة، ومعرفة ما عليه السلف الصالح والأئمة، وقع في الجهل والضلال، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ".
    إذا عرف هذا، تبين: أن الذي يستغنى بمجموعة التوحيد، أو يقلد من يقرؤها عليه، وهو لا يعرف معناها، قد وقع في جهل وضلال، بل يجب عليه الأخذ عن علماء المسلمين.
    ومن كيد الشيطان أيضا: إساءة الظن بولي الأمر، وعدم الطاعة له، وهو من دين أهل الجاهلية، الذين لا يرون السمع والطاعة دينا، بل كل منهم يستبد برأيه وهواه، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة، على وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، حتى قال " اسمع وأطع، وإن أخذ مالك، وضرب ظهرك ". فتحرم معصية ولي الأمر، والاعتراض عليه في ولايته، وفي معاملته، وفي معاقدته ومعاهدته، ومصالحته الكفار.
    فإن النبي صلى الله عليه وسلم حارب وسالم، وصالح قريشا صلح

    ص -170-
    الحديبية، وهادن اليهود وعاملهم على خيبر، وصالح نصارى نجران، وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده؛ ولا يجوز الاعتراض على ولي الأمر في شيء من ذلك، لأنه نائب المسلمين، والناظر في مصالحهم؛ ولا يجوز الافتيات عليه بالغزو، وغيره، وعقد الذمة، والمعاهدة، إلا بإذنه.
    فإنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، فإن الخروج عن طاعة ولي الأمر، من أعظم أسباب الفساد، في البلاد والعباد.
    ومن كيد الشيطان أنه غلظ أمر الأعراب عند بعض الناس، حتى صار منهم من يتجاوز الحد الشرعي، وحكم عليهم بأحكام مخالفة للكتاب والسنة، فمن الناس من يرى جهادهم حتى يلتزموا سكنى القرى، أو أنهم لا يستقيم لهم دين حتى يهاجروا، فالواجب على كل مسلم رد ما تنازع فيه المتنازعون، إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يرد ذلك إلى محض الجهل والهوى.
    ومن علم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الأعراب الذين في زمانه، وسيرة الخلفاء الراشدين، تبين له الحق؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى توحيد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } [سورة التوبة آية : 5]، وقال: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [سورة التوبة آية : 11].

    ص -171-
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة الطويل، الذي في صحيح مسلم، أنه كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، إلى قوله: " ثم ادعهم إلي الإسلام، فإن أجابوك لذلك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين " 1.
    فدل الحديث على أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أعراب، ولم يلزمهم بالهجرة إلى القرى، ومن ألزمهم بذلك، ورآه دينا، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله.
    وقال ابن القيم رحمه الله- في الهدي النبوي، في آخر الوفود- وقدم عليه وفد بني عبس، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له، فلا خير في أموالنا ومواشينا، بعناها وهاجرنا عن آخرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئا ".
    نعم: يجب على ولي الأمر إلزام الأعراب بشرائع الإسلام، وكفهم عن المحرمات من الشرك وغيره، كغيرهم من المسلمين، وبعث دعاة يعلمونهم شرائع الإسلام. إذا علمت أنه لا يجوز إلزامهم بغير ذلك، تبين لك أنه لا يجوز
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الجهاد والسير (1731) , وأبو داود : الجهاد (2612) , وابن ماجه : الجهاد (2858) , وأحمد (5/352 ,5/358).

    ص -172-
    هجر من قدم على الحاضرة منهم، إلا من كان مجاهرا بالمعاصي، وهذا ليس خاصا بالأعراب.
    نعم حديث بريدة يدل على استحباب الهجرة لأعراب المسلمين والحالة هذه، وترغيبهم فيها، ولما يترب على الهجرة من تعلم شرائع الإسلام، وشهود الجمع والأعياد. ومن الأمور التي أوقعها الشيطان: أن الإنسان إذا هاجر، وسكن قرية من قرى المسلمين، واتخذ ماشية من إبل أو غنم، وخرج ليرعاها في وقت من الأوقات، ومن نيته الرجوع إلى ذلك المحل، هجر عن السلام، وفي زعم الذي هجره: أن خروجه مع ماشيته معصية؛ وهذا جهل وضلال، فإن فعله ذلك قد أباحه الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يجوز هجره والإنكار عليه والحالة هذه.
    وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم نعم من إبل وغنم، يجعل فيها رعاه يرعونها، وقال الفضل بن عباس: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بادية لنا، فمن كان مقصوده اتباع الحق، وطلب الهدى، وسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
    ومن الأمور التي أدخلها الشيطان على بعض الناس لينال بها مقصوده من إغوائهم، وتفريق كلمتهم، وإلقاء البغضاء بينهم، التي هي الحالقة- أي حالقة الدين- ما حملهم عليه من التهاجر على غير سبب يوجب ذلك، بل بمجرد الرأي المخالف للكتاب والسنة ; وهذا ينافي ما عقده الله بين
    ص -173-
    المسلمين، من الأخوة الإسلامية، التي توجب التواصل والتراحم، والتواد والتعاطف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " 1.
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " 2 وشبك بين أصابعه، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [سورة آل عمران آية : 103] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه " 3 الحديث.
    ومن كيد الشيطان: ما زينه لبعض الناس من الاستطالة على الناس بالضرب والتعنيف، والكلام السيء، والتوعد للناس، وتعيير الناس وعيبهم، والطعن عليهم، فحسن لهم الشيطان ذلك، وأدخل عليهم أن ذلك من باب الأمر بالمعروف، وإنكار المنكر، وهذه الأفعال من أعظم المنكرات، واستحلالها واعتقاد أنها من الدين أكبر من فعلها. وهؤلاء لم يفهموا إنكار المنكر، الذي جاءت به الشريعة، فإن إنكار المنكر، إزالة المنكر، لا ضرب فاعله،
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الأدب (6011) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2586) , وأحمد (4/268 ,4/270 ,4/271 ,4/274 ,4/276 ,4/278 ,4/375).
    2 البخاري : الصلاة (481) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2585) , والترمذي : البر والصلة (1928) , والنسائي : الزكاة (2560).
    3 البخاري : الأدب (6076) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2559) , والترمذي : البر والصلة (1935) , وأحمد (3/165 ,3/199 ,3/277 ,3/283).

    ص -174-
    وأما إقامة الحدود، والتعزير بالضرب والتهديد، والتوعد، فهذا لولي الأمر، دون آحاد الناس، والذي علينا بيان الحق، ونصيحتكم، وإرشادكم إلى ما جاءت به الشريعة. ونسأل الله أن يمن علينا وعليكم، بقبول الحق واتباعه، والثبات عليه، وأن يمن علينا وعليكم بالتوبة إليه، مما يخالف شرعه ودينه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من سعد بن حمد بن عتيق، إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لاتباع السنة والكتاب، وجنبنا طريق أهل الغي والشك والارتياب، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: نظرت في هذه الرسالة الفريدة، والكلمات الطيبة السديدة، التي كتبها أخونا الشيخ عمر بن محمد بن عبد الله آل سليم، سلمنا الله وإياهم من عذاب الجحيم، ووفقنا وإخواننا لسلوك الصراط المستقيم، فوجدتها مشتملة على بيان الحق، جارية على منوال سبيل أهل العلم والنصيحة والصدق، الداعين إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وافية بمقصود الإفادة، مع ذكر الدليل. كافية في تقرير الحق وإيضاحه، والدعوة إلى سواء السبيل، لما تضمنته من الآيات

    ص -175-
    القرآنية، والأحاديث النبوية، والجمل الصالحة السنية المرضية، المشتملة على النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.
    فينبغي لمن بلغته هذه الرسالة المفيدة أن يعتبرها، ويعتمد عليها، ويدين الله تعالى بما تضمنته، ويحث من عنده من المسلمين، على الأخذ بها، واتباع ما فيها، وعدم مخالفة ما دلت عليه، من الحق الواضح المستبين:
    دعوا كل قول غير قول محمد
    فما آمن في دينه كمخاطر
    والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.
    وقال الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، وفقه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من محمد بن إبراهيم: إلى الأمير المكرّم، سلطان بن بجاد بن حميد، وعلوش بن خالد، وعبد المحسن بن رجاء، وهندي، وشجاع، وشلويح بن فلاح، سلّمنا الله وإيّاهم من مضلاّت الفتن، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وموجب الكتاب: إبلاغكم السلام، وبيان ما تبرأ به الذمة، وتحصل به النجاة، وتعلمون: أن لي حولا عنكم،

    ص -176-
    ولم أكتب لكم في هذه المدة مناصحة، لأمرين:
    الأول: أني بينت لكم في ذلك مشافهة.
    والثاني: أني أخشى عليكم عدم القبول والانتفاع; والآن كتبت لكم نصحا لكم، ومحبة وشفقة عليكم، ولم يطلع على ذلك أحد، واسأل الله أن ينفع به، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.
    فاعلموا وفقكم الله: أن عقيدتي التي أنا عليها، أني أدين الله بالنصح والمحبة لكم، ولجميع إخواننا المسلمين، إلى أن ألقى الله عز وجل. وأهم شيء أناصحكم فيه، وأعظمه: إجابة داعي الشرع، وأن لا تلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، ومن ذلك إجابة داعي إمام المسلمين، لأنه لم يدع إلى الاجتماع على معصية، وإنما دعا إلى الاجتماع على طاعة الله، وعدم التفرق والاختلاف، وجميع المشايخ يرون ذلك، ويفتون به.
    وعدم قدومكم على إمامكم وعلمائكم، من الأمور التي لا يرضى بها لكم، من في قلبه أدنى محبة لكم، أعني المحبة الدينية؛ وهو من أعظم الأمور التي يفرح بها عليكم، وعلى جميع المسلمين، أعداء الدين من الكفار والمنافقين، ومن أعظم أسباب شق العصا؛ وهذا كتاب الله، وتفاسير الأئمة له، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدونة بشروحها، المبينة للمقصود منها، وفي ذلك كله حل المشكل، وكشف

    ص -177-
    الاشتباه، والشفاء لكل داء، والكفالة بالفلاح والهدى، والنجاة من المهالك والردى.
    قال الله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } [سورة الأنعام آية : 38] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة الإسراء آية : 82] { قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [سورة يونس آية : 57] وقال صلى الله عليه وسلم " ألا وإني أوتيت القرآن، ومثله معه " 1 وقال صلى الله عليه وسلم " تركتم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " 2.
    وهؤلاء علماء المسلمين، الذين هم أعلم الناس بمعنى ذلك، ورثوه عن أئمتهم الذين تخرجوا عليهم، وأخذوه عنهم، وربوهم به، كما يربي الوالد الولد، وكتبوا لهم بذلك الشهادات والوثائق، وهم الذين عدلهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ".
    وقد عدلهم الله سبحانه، حيث استشهدهم على وحدانيته، في قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة آل عمران آية : 18] وجعل لهم القول في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل آية : 43] وقال صلى الله عليه وسلم " ألا سألوا إذا لم
    ----------------------------------------
    1 أبو داود : السنة (4604) , وأحمد (4/130).
    2 ابن ماجه : المقدمة (44) , وأحمد (4/126).

    ص -178-
    يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال ".
    وقال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} [سورة النحل آية : 27] وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [سورة الروم آية : 56] فهؤلاء هم الذين يؤخذ عنهم معاني نصوص الكتاب والسنة، ويرجع إليهم فيها، وأما الجهال فلا يلتفت إليهم، في معاني نصوص الكتاب والسنة، لعدم درايتهم وروايتهم، وتخرجهم على العلماء.
    والمقصود: بيان وجوب القدوم على إمام المسلمين، وفرضيته عليكم، وليس لكم عذر في التخلف، ولا حجة، فإن ذلك من السمع والطاعة، التي أوجبها الله ورسوله، لا سيما وهو يدعوكم إلى الشريعة، والرجوع فيما يشكل إلى حملتها، فإن كان عندكم إشكال في بعض المسائل، فالواجب عليكم أحد أمرين: إما القدوم وسؤال طلبة العلم مشافهة، أو مراسلتهم وذكر المسائل المشكلة بأعيانها، وطلب الجواب منهم؛ فإذا أجابوكم فعليكم القبول والإذعان، وحسبكم ذلك، ولا يسعكم سواه.
    اللهم اهدنا وإخواننا صراطك المستقيم، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات،

    ص -179-
    وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وبارك لهم في أسماعهم وأبصارهم، وأزواجهم ما أبقيتهم، واجعلهم شاكرين لنعمك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد.
    سئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن عتيق، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ عبد الله بن حسن والشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف، والشيخ عمر بن عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم، ومحمد بن الشيخ عبد الله، والشيخ عبد الله بن زاحم، ومحمد بن عثمان الشاوي، والشيخ عبد العزيز الشثري عن مسجد حمزة، وأبا رشيد، والقوانين، ودخول الحاج المصري بالسلاح، إلى آخره؟
    فأجابوا بما نصه: أما مسجد حمزة رضي الله عنه وأبا رشيد: فأفتينا الإمام وفقه الله أن يهدمهما على الفور، وأما القوانين: فإن كان شيء منها موجودا في الحجاز، فيزال فورا، ولا يحكم إلا بالشرع المطهر.
    وأما دخول الحاج المصري بالسلاح والقوة، في بلد الله الحرام: فأفتينا الإمام بمنعهم من الدخول بالسلاح

    ص -180-
    والقوة، ومن إظهار الشرك، وجميع المنكرات.
    وأما المحمل: فأفتينا بمنعه من دخول المسجد الحرام، ومن تمكين أحد أن يتمسح به أو يقبله، وما يفعله أهله من الملاهي والمنكرات، يمنعون منهاة وأما منعه بالكلية عن مكة، فإن أمكن بلا مفسدة تعين، وإلا فاحتمال أخف المفسدتين، لدفع أعلاها سائغ شرعا.
    وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف، والشيخ عمر بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله بن حسن، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ محمد بن عبد الله بن الشيخ، والشيخ عبد الله بن بليهد، والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الرحمن بن سالم، والشيخ عبد العزيز بن عتيق، والشيخ عبد الله بن زاحم، والشيخ عبد الله بن فيصل، والشيخ عبد الله السياري، والشيخ حمد آل مزيد، والشيخ محمد آل عثمان الشاوي، والشيخ علي بن زيد، والشيخ مبارك بن باز، والشيخ فالح آل عثمان، والشيخ سعد بن سعود آل مفلح، والشيخ عبد الرحمن بن عدوان، والشيخ عبد العزيز الشثري، والشيخ عبد الله بن حسن بن إبراهيم، وعمر بن خليفة، وإبراهيم

    ص -181-
    السياري، وفيصل بن مبارك، وعلي بن داود، ومحمد بن علي البيز:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير خلقه أجمعين، محمد وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد: فهذا جواب عن ثلاث مسائل، أوردها بعض الإخوان..
    الأولى: مسألة الجهاد، خصوصا جهاد من بنى هذه القصور، في جزيرة العرب، مما يلي العراق، فنقول: الجواب عن هذه المسألة. أما جهاد من بنى هذه القصور، وساعد على ذلك بحمايته، من بادية العراق أو غيرهم، فجهاده حق واجب على المسلمين، ولا يجوز تركهم، حتى تهدم هذه القصور.
    الثانية: مسألة الأتيال1: فالجواب عنها أن نقول: قد تقدم جوابنا فيها مرارا، وليس عندنا إلا ما سبق؛ فمن اعترض فيها ونازع ولي الأمر من جهتها، فهو عاص، ونبرأ إلى الله منه.
    ----------------------------------------
    1 أي: المبرقات "التلي جراف".

    ص -182-
    الثالثة: أن من العشائر الذين دخلوا في ولاية المسلمين، طوائف لم يتعلموا دينهم، بل هم باقون على جهلهم، فالجواب: أن مما أوجب الله ورسوله على ولي الأمر: نشر العلم، وإقامة الدين، وإلزام الناس بتعلم ما يجب عليهم من أمر دينهم، وأداء ما أوجب الله عليهم، من توحيد الله، وترك ما يضاده من الشرك، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر. والإمام وفقه الله وأعانه: مهتم لهذا الأمر، وقد بعث إلى أكثر القبائل دعاة، يعلمونهم أمر دينهم؛ وإنا نؤمل منه إن شاء الله الاجتهاد التام، وأنه يبعث إلى عموم القبائل، من يقوم بهذا الواجب. وأما الذي ندين الله به، في حقوق الراعي والرعية، فقد بينا ذلك في الرسالة السابقة، المشتملة على ثلاثة فصول، وهي منشورة عند المسلمين. ونسأل الله بأسمائه الحسنى، وأوصافه العلا أن يمن على الإمام بالقيام بما يجب عليه، وعلى الرعية بالسمع والطاعة. ومن توقف من الرعية، ولم يعمل بما قرره علماء المسلمين، فهو عاص، ونبرأ إلى الله من حاله، والله أعلم، وصلى الله على محمد، سنة 1347 هـ.
     

مشاركة هذه الصفحة