فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (2).. (شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب)

الكاتب : الدعوة السلفية   المشاهدات : 576   الردود : 0    ‏2006-11-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-12
  1. الدعوة السلفية

    الدعوة السلفية عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-09
    المشاركات:
    64
    الإعجاب :
    0
    فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (2).. {الدرر السنية في الأجوبة النجدية}

    فهرس الجزء التاسع ( القسم الثاني من كناب الجهاد وأول كتاب المرتد )

    فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (2)
    ص -60-
    وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري رحمه الله:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد العزيز العنقري، إلى من يراه من كافة إخواننا المسلمين، لا زالوا بالعروة الوثقى متمسكين، وفي جهاد أعداء الله مشمرين، آمين; السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعده: قد علمتم - وفقكم الله - ما أوجب الله على المسلمين من حقوق الإمامة والبيعة، وأن المسلمين كالبنيان يشد بعضه بعضا.
    وقد من الله على المسلمين بإمامة الإمام عبد العزيز حفظه الله، من آخر هذا الزمان، جمع الله به الكلمة، وحمى به الحوزة، وآمن به السبل، وأنصف به بين الضعيف والقوي، وحصل به - ولله الحمد - انتظام المصالح الدينية والدنيوية.
    وقد علمتم حالكم قبل ولايته، من تعطيل سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وإخافة السبل، وكل هذا نفاه الله تعالى بولايته، قال بعضهم:
    لولا الولاية لم تأمن لنا سبل
    وكـان أضعفنا نهبـا لأقـوانا

    ص -61-
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
    ويجب أن يعرف: أن ولاية أمور الناس، من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فإن بنى آدم لا تتم مصلحتهم إلا باجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، فإن الله تعالى: أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب الله تعالى من الجهاد، والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، ولا يتم إلا بقوة وإمارة.
    ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك، ولهذا كان السلف الصالح، كأحمد بن حنبل، والفضيل بن عياض وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة، لدعونا بها للسلطان، فالواجب: اتخاذ الإمامة قربة ودينا يتقرب بها إلى الله تعالى، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
    ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.
    إذا عرفتم ذلك: فإن الإمام أيده الله تعالى، قد بذل جميع الأسباب مع هذا الرافضي المكار; طلب السلم معه والراحة للمسلمين فأبى وعاند، وبدأ المسلمين بالبغي

    ص -62-
    والعدوان، فحينئذ لم يسع الإمام إلا جهاده وكف شره عن المسلمين.
    فتعين على جميع المسلمين الجهاد مع إمامهم، ومساعدته بالنفس والمال، وقد من الله عليكم - ولله الحمد - بهذا الغيث العام الذي أحيا الله به البلاد، ونرجوه: أن يجعله قوة لهم على ما يرضيه سبحانه، ومن شكر هذه النعمة، وغيرها من النعم: مجاهدة هذا العدو; فإن شكر النعم قيد الموجود، وتحصيل المفقود، وقال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سورة سبأ آية : 39] مع أنه ولله الحمد قد جاءت البشائر بالاستيلاء على كثير من حصونه وذخائره، واستئصال كثير من جنوده، وهتك كثير من قواته وجنوده.
    ولكن الاستعداد للعدو، قد أمرنا الله به كما قال تعالى:{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } [سورة الأنفال آية : 60] إلى قوله:{ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [سورة البقرة آية : 272].
    ومصلحة الجهاد، وتسكين الفتنة عن المسلمين مصلحة عظيمة، فلو خرج المسلمون من نصف أموالهم، وأتم الله مقصودهم، وكفاهم عدوهم لكان ذلك قليلا في تحصيل هذه المصلحة، فكيف وفي الجهاد سعادة الدارين لمن خلصت نيته، وكان قصده وجه الله والدار الآخرة؟

    ص -63-
    وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تكفل الله لمن خرج في الجهاد في سبيله إن توفاه أن يدخلة الجنة، أو يرجعه بما نال من أجر أو غنيمة " 1 وورد أيضا: " الجنة تحت ظلال السيوف " 2.
    والذي مثلكم من أهل العقول والديانة والحمية للإسلام، والنصرة لله ورسوله وللمؤمنين، يجد في هذا الأمر غيرة لله ولدينه ولحوزة المسلمين، فالله الله يا إخواني: بالتشمير والجد والاجتهاد في مساعدة ولي الأمر، على إطفاء هذه الفتنة، والجهاد معه بالنفس والمال. والإمام - أيده الله تعالى - قد طلب من المسلمين أن يجاهدوا معه، ولو طلب منهم النفير لتعين عليهم ذلك حكما شرعيا، كما قال صلى الله عليه وسلم " وإذا استنفرتم فانفروا " 3.
    [أدلة فضل الجهاد]
    وقد ورد في فضل الجهاد آيات وآحاديث، منها قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الصف آية : 10-11] إلى قوله:{ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة الصف آية : 12].
    وهذه والله هي التجارة الرابحة، التي تحصل بها النجاة من النار، والفوز بدخول الجنة ونعيمها.
    ولم يرض سبحانه للجنة ثمنا لغلائها ونفاستها، إلا نفوس المؤمنين، فقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الإيمان (36) وفرض الخمس (3123) والتوحيد (7457 ,7463) , ومسلم : الإمارة (1876) , والنسائي : الجهاد (3122 ,3123) والإيمان وشرائعه (5029 ,5030) , وابن ماجه : الجهاد (2753) , وأحمد (2/231 ,2/384 ,2/399 ,2/424 ,2/494) , ومالك : الجهاد (974) , والدارمي : الجهاد (2391).
    2 البخاري : الجهاد والسير (2819) , ومسلم : الجهاد والسير (1742) , وأبو داود : الجهاد (2631).
    3 البخاري : الحج (1834) , ومسلم : الحج (1353) , والترمذي : السير 1590) , والنسائي : البيعة (4170) , وأبو داود : الجهاد (2480) , وابن ماجه : الجهاد (2773) , وأحمد (1/226 ,1/315 ,1/355).

    ص -64-
    أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة آية : 111].
    وقال تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت آية : 69] فنبهنا الله سبحانه على الإخلاص في الجهاد :{ جَاهَدُوا فِينَا } [سورة العنكبوت آية 69] يعني: لله وفي الله، بخلاف من يجاهد لنفسه أو لغرض.
    وقال تعالى:{ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [سورة العنكبوت آية : 6] وقال تعالى:{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [سورة آل عمران آية : 142] يعني: أحسبتم أن دخول الجنة سهل وهو إنما يحصل لأهل الصدق في الجهاد والصبر.
    وقال تعالى:{ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [سورة آل عمران آية : 146] يعني أن نفوسهم وهممهم لم تضعف، ولم يصبها مسكنة لما أصابهم في سبيل الله، بل قويت هممهم وعزائمهم، وبذلوا نفوسهم وأموالهم لما علموا ما عند الله من الثواب الجزيل للمجاهدين الصابرين، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولم يبالوا بقريب

    ص -65-
    ولا بعيد في ذات الله تعالى، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران آية : 200] وفي الحديث: " غدوة في سبيل الله أو روحة خير من ألف يوم يقام ليلها، ويصام نهارها ".
    وأخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " أن للجنة ثمانية أبواب، أعلاها باب الجهاد، لا يدخل منه إلا المجاهدون في سبيل الله ".
    [وصية للغزاة والمجاهدين بالثبات]
    ولنختم هذه الرسالة بوصية للغزاة والمجاهدين، وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنفال آية : 45-46].
    قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ذكر الله سبحانه في هذه الآية خمسة أمور.
    الأول: الثبات عند لقاء العدو، وهو في قوله تعالى: { فَاثْبُتُوا}.
    الثاني: ذكر الله تعالى، وهو في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة الأنفال آية : 45].
    الثالث: طاعة الله ورسوله، فإن طاعة الله ورسوله سبب كل خير في الدنيا والآخرة، وهو في قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } [سورة الأنفال آية : 1].

    ص -66-
    الرابع: عدم التنازع، فإن التنازع سلاح للعدو، وهو في قوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [سورة الأنفال آية : 46].
    الخامس: الصبر، وهو في قوله تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنفال آية : 46] والصابر منصور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " واعلم أن النصر مع الصبر " 1 لكن إن كان الصابر محقا كان له النصر في الدنيا والعاقبة في الآخرة، وإن كان مبطلا، كان له من النصر في الدنيا على حسب صبره، ولا عاقبة له.
    قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فقبة النصر مضروبة على هذه الأمور الخمسة، ولهذا لما اجتمعت في الصحابة رضي الله عنهم، فتحوا البلاد ودان لهم العباد، ولما تفرقت في غيرهم، فاتهم من النصر بحسب ما فاتهم منها; انتهى بمعناه، والله الموفق لمن يشاء، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
    ----------------------------------------
    1 أحمد (1/307).

    ص -67-
    وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، رحمهما الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد اللطيف، إلى جناب الفضلاء الأعلام، والمشائخ الكرام: إبراهيم بن عبد الله، وحمد بن حسين، وزيد بن محمد، وحمد بن عتيق، وصالح الشثري، ومحمد بن علي، وعلي بن إبراهيم الشثري، وإبراهيم بن عميقان، وسعود بن مفلح، وكافة الإخوان من طلبة العلم، حمانا الله وإياهم عن الاستكبار، عن قبول النصائح، ووفقنا وإياهم لاتباع السلف الصالح، وجنبنا وإياهم أسباب الندم والفضائح، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فإن موجب الكتاب، القيام بأوجب واجبات الدين، وأفضل شعائر الموحدين، وطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الصالحين، من أداء النصيحة لله، ولكتابه، وللأئمة، والعامة من المسلمين، فقد أرشدنا ربنا تعالى في ذلك، إلى طريق الفلاح المنجي من الخسران، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بسم الله الرحمن الر حيم)، {وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر آية : 1-3] وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ

    ص -68-
    مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } [سورة سبأ آية : 46ب] قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: لما كان للإنسان الذي يطلب معرفة الحق، حالتان; إحداهما: أن يكون ناظرا مع نفسه; والثانية: أن يكون مناظرا لغيره; أمرهم بخصلة واحدة، وهي: أن يقوموا لله اثنين اثنين، فيتناظران، ويتساءلان بينهما، وواحدا وفردا، يقوم كل واحد مع نفسه، فيتفكر في أمر هذا الداعي وما يدعو إليه، ويستدعي أدلة الصدق والكذب، ويعرض ما جاء به عليهما، ليتبين له حقيقة الحال، فهذا هو الحجاج الجليل، والإنصاف المبين، والنصح العام، انتهى.
    وقد عرفتم: أنه لا بد في التوحيد من العلم به والعمل، والدعوة إليه، فهذه طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، في كل زمان ومكان، وهذا الواجب يجب على كل إنسان بحسبه، وإن كثر جهله وقل علمه واطلاعه، فلو كان ذلك مقصورا على أحد لعلمه وفضله، لتعطلت أمور الدين; أو كان فيه غضاضة للفاضل، ورفع للمفضول لما قال عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتصلي على ابن أبي وهو كذا وكذا؟ ولما أنكر على أبي بكر رضي الله عنه قتال أهل الردة أولا; ولما أنكر بعض الصحابة على بعض، لما هموا بجمع المصحف، حتى اجتمعوا على ذلك; ولما قال عمر رضي الله عنه " الله أكبر! أصابت امرأة وأخطأ عمر ".
    وهكذا شأن العلماء الأخيار، في جميع الأعصار، ومع

    ص -69-
    ذلك فالأخوة الإسلامية باقية، لا يشوبها هوى ولا استكبار عن اتباع الحق مع من كان معه، فإن أشكل، فالرد بينهم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عند موارد النّزاع.
    وقد علمتم أن الفتن كثيرا ما يلتبس فيها الحق بالباطل، ولكن يجب على المسلم معرفة الحق في ذلك بالبحث والمذاكرة، وإظهار ما يعتقده ويدين به، فإن كان حقا سأل ربه الثبات والاستقامة، وشكره على التوفيق والإصابة; وإلا رده إلى من هو أعلم منه بحجة يجب المصير إليها، ويقف المرشد عليها، والله عند لسان كل قائل وقصده ومجازيه بعمله، فلا بد من زلة قلم وعثرة قدم{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [سورة يوسف آية : 76] {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [سورة طه آية : 110].
    ولا يخفى عليكم: أن الله تعالى ما أنعم على خلقه نعمة أجل وأعظم من نعمته ببعثة عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله بعثه وأهل الأرض عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم، قرويهم وبدويهم، جهال ضلال على غير هدى ولا دين يرتضى، إلا من شاء الله من غُبَّرِ أهل الكتاب، فصدع بما أوحى الله إليه، وأمر بتبليغه، وبلغ رسالة ربه، وأنكر ما الناس عليه من الديانات المتفرقة، والملل المتباينة المتنوعة; ودعاهم إلى صراط مستقيم، ومنهج واضح قويم، يصل سالكه إلى جنات النعيم.

    ص -70-
    وجاءهم من الآيات والأدلة القاطعة، الدالة على صدقه وثبوت رسالته، ما أعجزهم به، فلم يبق لأحد على الله حجة، ومع ذلك كابر المكابر، وعاند المعاند: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ } [سورة غافر آية : 5ب] ورأوا أن الانقياد له وترك ما هم عليه من النحل والملل، يجر عليهم من مسبة آبائهم، وتسفيه أحلامهم، أو نقص رياساتهم، أو ذهاب مآكلهم، ما يحول بينهم وبين مقاصدهم؛ فلذلك عدلوا إلى ما اختاروه من الرد والمكابرة، والتعصب على باطلهم والمثابرة.
    وأكثرهم يعلمون أنه محق، وأنه جاء بالهدى ودعا إليه; ولكن في النفوس موانع، وهناك إرادات ورياسات، لا يقوم ناموسها، ولا يحصل مقصودها، إلا بمخالفته، وترك الاستجابة له، وهذا هو المانع في كل زمان ومكان، من متابعة الرسل، وتقديم ما جاؤوا به، ولولا ذلك ما اختلف من الناس اثنان، ولا اختصم في الإيمان بالله، وإسلام الوجه له خصمان.
    وما زال حاله صلى الله عليه وسلم مع الناس كذلك، حتى أيد الله دينه ونصر الله رسوله، بصفوة أهل الأرض وخيرهم، ممن سبقت له من الله السعادة، وتأهل بسلامة صدره مراتب الفضل والسيادة، وأسلم منهم الواحد بعد الواحد، وصار بهم على إبلاغ الرسالة معاون ومساعد، حتى من الله على ذلك الحي

    ص -71-
    من الأنصار، بما سبقت لهم به من الحسنى والسيادة الأقدار، فاستجاب لله ورسوله منهم عصابة، حصل بهم من العز والمنعة، ما هو عنوان التوفيق والإصابة، فصارت بلدهم بلد الهجرة الكبرى، والسيادة الباذخة العظمى، هاجر إليها المؤمنون، وقصدها المستجيبون، حتى إذا عز جانبهم، وقويت شوكتهم، أذن لهم في الجهاد بقوله تعالى:{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [سورة الحج آية : 39] ثم لما اشتد ساعدهم وكثر الله عددهم، أنزل آية السيف، وصار الجهاد من أفرض الفروض، وآكد الشعائر الإسلامية، فاستجابوا لله ورسوله، وقاموا بأعباء ذلك، وجردوا في حب الله ونصر دينه السيوف، وبذلوا الأموال والنفوس، ولم يقولوا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [سورة المائدة آية : 24].
    فلما علم الله منهم الصدق في معاملته، وإيثار مرضاته ومحبته، أيدهم بنصره وتوفيقه، وسلك بهم منهج دينه وطريقه; فأذل بهم أنوفا شامخة عاتية، ورد بهم إليه قلوبا شاردة لاهية، جاسوا خلال ديار الروم والأكاسرة، ومحوا ما عليه تلك الأمم العاتية الخاسرة، وظهر الإسلام في الأرض ظهورا ما حصل قبل ذلك، وعلت كلمة الله، وظهر دينه فيما

    ص -72-
    هنالك، واستبان لذوي الألباب والعلوم، في أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما هو مقرر معلوم.
    ولم يزل ذلك في زيادة وظهور، وعلم الإسلام في كل جهة من الجهات مرفوع منصور، حتى حدث في الناس من فتنة الشهوات، والاتساع، والتمادي في فعل المحرمات، ما لا يمكن حصره ولا استقصاؤه، فضعفت القوة الإسلامية، وغلظت الحجب الشهوانية، حتى ضعف العلم بحقائق الإيمان، وما كان عليه الصدر الأول، من العلوم والشأن، ورفعت عند ذلك فتنة الشبهات، وتوالدت تلك المآثم والسيئات، وظهرت أسرار قوله تعالى:{ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } [سورة التوبة آية : 69] وقوله صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من كان قبلكم " 1 ولكن لله في خلقه عناية وأسرار، لا يعلم كنهها إلا العليم الغفار، من ذلك أن الله يبعث لهذه الأمة في كل قرن من يجدد لها أمر دينها، ويدعو إلى واضح السبيل ومستبينها، كيلا تبطل حجج الله وبيناته، ويضمحل وجود ذلك وتعدم آياته; فكل عصر يمتاز فيه عالم بذلك، يدعو إلى تلك المناهج والمسالك، وليس من شرطه أن يقبل منه ويستجاب، ولا أن يكون معصوما في كل ما يقول، فإن هذا لم يثبت لأحد سوى الرسول. ولهذا المجدد: علامات يعرفها المؤمنون، وينكرها المبطلون، أوضحها وأصدقها وأولاها، محبة الرعيل الأول
    ----------------------------------------
    1 البخاري : أحاديث الأنبياء (3456) , ومسلم : العلم (2669) , وأحمد (3/84 ,3/89).

    ص -73-
    من هذه الأمة، والعلم بما كانوا عليه من أصول الدين وقواعده المهمة، التي أصلها الأصيل، واسمها الأكبر الجليل: معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وأن يوصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا تحريف، ومن غير تمثيل ولا تكييف، وأن يعبد وحده لا شريك له، ويكفر بما سواه من الأنداد والآلهة، هذا أصل دين الرسل كافة، وأول دعوتهم وآخرها.
    وفي بسط هذه الجملة، من العلم به وبشرعه ودينه، وصرف الوجوه إليه، ما لا يتسع له هذا الموضع، وكل الدين يدور على هذا الأصل، ويتفرع عنه.
    ومن طاف البلاد، وخبر أحوال الناس من أزمان متطاولة، عرف انحرافهم عن هذا الأصل، وبعدهم عما جاءت به الرسل، فكل بلد وكل قطر وجهة - فيما يبلغنا - فيها الآلهة التي عبدت مع الله بخالص العبادات، وقصدت من دونه في الرغبات والرهبات، ما هو معروف مشهور، لا يمكن جحده ولا إنكاره، بل وصل بعضهم إلى أن ادعى لمعبوده مشاركة في الربوبية، بالعطاء والمنع والتدبير، ومن أنكر ذلك عندهم فهو خارجي، ينكر الكرامات. وكذلك هم في باب الإيمان بالأسماء والصفات، ورؤساؤهم وأحبارهم معطلة لذلك، يدينون بالإلحاد والتحريفات، ويظنون أنهم من أهل التنْزيه والمعرفة

    ص -74-
    باللغات، ثم إذا نظرت إليهم، وسبرتهم في باب فروع العبادات، رأيتهم قد شرعوا لأنفسهم شريعة لم تأت بها النبوات، هذا وصف من يدعي الإسلام منهم في سائر الجهات.
    وأما من كذب بأصل الرسالة، ولم يرفع بها رأسا، فهؤلاء نوع آخر، ليسوا مما جاءت به الرسل في شيء، بل هم كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ } [سورة الأعراف آية : 179] الآية ومن عرف هذا حق المعرفة، وتبين له الأمر على وجهه، عرف حينئذ نعمة الله عليه، وما اختصه به، إن كان من أهل العلم والإيمان، لا من ذوي الغفلة عن هذا الشأن.
    وقد اختصكم الله من نعمة الإيمان والتوحيد بخالصة، ومن عليكم بمنة عظيمة صالحة من بين سائر الأمم، وأصناف الناس، في هذه الأزمان، فأتاح لكم من أحبار الأمة وعلمائها حبرا جليلا، وعلما نبيلا فقيها، عارفا بما كان عليه الصدر الأول، خبيرا بما انحل من عرى الإسلام وتحول.
    فتجرد للدعوة إلى الله، ورد هذا الناس إلى ما كان عليه سلفهم الصالح، في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان، وترك التعلق على غير الله، من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار،

    ص -75-
    وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال، وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار، وجادل في الله، وقرر حججه وبيناته، وبذل نفسه لله.
    وأنكر على أصناف بني آدم، الخارجين عما جاءت به الرسل المعرضين عنه، التاركين له; وصنف في الرد على من عاند أو جادل، وجرى من المخاصمات والمحاربات، ما يطول عده، وأكثركم يعرف ذلك.
    ووازره على ذلك: من سبقت له من الله سابقة السعادة، فأقبل على معرفة ما عنده من العلم وأراده، من أسلاف آل مقرن الماضين، وآبائهم المتقدمين، رحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عن الإسلام خيرا، فما زالوا من ذلك على آثار حميدة، ونعم عديدة، يصنع لهم تعالى من عظيم صنعه، وخفي لطفه، ما هداهم به إلى دينه الذي ارتضاه لنفسه، واختص به من شاء كرامته وسعادته من خلقه.
    وأظهر لهم من الدولة والصولة، ما ظهروا به على كافة العرب، وغدت لهم الرياسة والإمامة، رتبة تدرس بمجرد السابقة والعادة، لا تزاحمهم فيها العرب العرباء، ولا يتطاول إليها بنو ماء السماء، وصالحهم يرجو فوق ذلك مظهرا، وجاهلهم يرتع في ثياب مجد، لا يعرف من حاكها ولا درى،

    ص -76-
    فلم يزل الأمر في مزيد، حتى توفى الله شيخ هذه الدعوة، ووزيره العبد الصالح، رحمهما الله رحمة واسعة.
    ثم حدث من فتنة الشهوات ما أفسد على الناس الأعمال والإرادات، وجرى من الابتلاء والتطهير، ما يعرفه الفطن الخبير.
    ثم أدرك سبحانه من رحمته وألطافه أهل هذه الدعوة، ما رد لهم به الكرة، ونصرهم ببركته المرة بعد المرة؛ وبعضكم أدرك ذلك ورآه، ومن لم يدركه بلغه كيف كثر الابتلاء والامتحان لأهل هذه الدعوة، ثم تكون لهم العاقبة، وذلك سنة الله سبحانه السابقة في أنبيائه ورسله؛ " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه " 1 وله في ذلك حكمة بالغة، دلنا على بعض أفرادها في محكم كتابه، قال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [سورة العنكبوت آية : 1-2ب] الآية.
    وقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } [سورة آل عمران آية : 179] وقال تعالى:{ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ } [سورة الأنفال آية : 37].
    وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا } [سورة البقرة آية : 214] الآية وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : الزهد (2398) , وابن ماجه : الفتن (4023) , وأحمد (1/172 ,1/173 ,1/180 ,1/185) , والدارمي : الرقاق (2783).

    ص -77-
    وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ } [سورة التوبة آية : 16] الآية وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } [سورة الحج آية : 11] الآية.
    ثم إن الله سبحانه وتعالى من فضله ورحمته، جمع المسلمين على إمام واحد، وحصل لهم من الأمن والراحة والعافية، وكف أيدي الظلمة، ما لا يخفى.
    ثم بعد ذلك وقعت المحنة، وخبطتنا فتنة، عم شرها، وطار شررها، وتفرق الناس فيها أحزابا وشيعا، ما بين ناكث لعهده، خالع لبيعة إمامه، بغير حجة ولا برهان، بغضا للجماعة، ومحبة للفرقة والشناعة، وبين مجتهد لما رأى إمامه صدر مكاتبة للدولة، وبين واقف عند حده، يلوح بين عينيه " إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان " 1.
    والرابع: ضعيف العنان، خوار الجنان، مع هؤلاء تارة، ومع الآخرين تارة، يتبع طمعه. وكل فرقة من هذه الفرق تضلل الأخرى، أو تفسقها، أو تكفرها، بل وتنتسب إلى طالب علم، تأتم به وتقلده، وتحتج بقوله عياذا بالله من ذلك، والمعصوم من عصمه الله، وحساب الجميع على الله، وهو أعلم بسرائرهم، وسيحكم بينهم سبحانه بعلمه.
    ثم أذهب الله ذلك بالعود إلى الجماعة، وتجديد الأخوة
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الفتن (7056).

    ص -78-
    الإسلامية، وذهاب الشحناء، وعاد الأمر إلى ما كان عليه، من ثبوت الإمامة، والدعوة إلى الجماعة، وتجديد العهود والمواثيق على ذلك، فحمدنا الله تعالى، وسألناه المزيد من فضله ورحمته، وكنا مغتبطين، وأذهب الله عنا هباء الشبهات، وأطفأ نار تلك الضلالات.
    ثم خرج من خرج بشق العصا ومفارقة الجماعة، طلبا للفساد في الأرض وفلا لجمع المسلمين عن مجاهدة أعداء الله المشركين، ومن انتظم في سلكهم، من الطغاة والبغاة المفسدين، ثم كان عاقبة ذلك، حدثان عظيم، وضلال مستبين، مضادة لأمر الله ورسوله، ورفضا لفرضية الجماعة، وإقامة لشعار أهل الجاهلية، لأن دينهم الفرقة، ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة.
    فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية : 102-103] وقوله: {وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا } [سورة التغابن آية : 16] ومن شعارهم: أن مخالفة ولي الأمر، وعدم الانقياد له فضيلة، وبعضهم يجعله دينا، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأمر بالصبر على جور الولاة، والسمع والطاعة، والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك، وأبدى وأعاد.
    وهذه هي التي ورد فيها ما في الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به

    ص -79-
    شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " 1 قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولم يقع خلل في دين الناس أو دنياهم، إلا من الإخلال بهذه الوصية، وقوله صلى الله عليه وسلم " لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بسمع وطاعة " 2.
    فليتأمل: من أراد نجاة نفسه هذا الشرط، الذي لا يوجد الإسلام إلا به؛ ومع ذلك استحسن الواقع من استحسنه، وأجاز نصب إمامين، وأثبت البيعة لاثنين، كأنه لم يسمع في ذلك نص: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما; أوفوا ببيعة الأول فالأول); وما قاله الفاروق رضي الله عنه في بيعة أبي بكر رضي الله عنهما، لما قال الأنصار - أهل السقيفة -: منا أمير ومنكم أمير; وما ذهب إليه الحكمان، في شأن علي ومعاوية رضي الله عنهما.
    فلو كان جائزا في دينهم نصب إمامين، لأقرا عليا على الحجاز والعراق، وأقرا معاوية على مصر والشام، ولكن لم يجدا مخرجا إلا بخلع أحدهما، مع أن عليا رضي الله عنه لم يقاتل معاوية وأهل الشام، إلا لأجل الجماعة، والدخول في الطاعة، وكان محقا في ذلك رضي الله عنه.
    وما ذهب إليه الحسن في خلع نفسه، فلو رأى ذلك جائزا له، لاقتصر على الحجاز والعراق، وترك معاوية وما بيده، لكن لما علم أن ذلك لا يستقيم إلا بخلع أحدهما، آثر
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الأقضية (1715) , وأحمد (2/367) , ومالك : الجامع (1863).
    2 الدارمي : المقدمة (251).

    ص -80-
    الباقي وغض الطرف عن الفاني، وخلع نفسه.
    وكذلك ما قاله إمام هذه الدعوة النجدية، الشيخ محمد رحمه الله تعالى، لما أراد عبد العزيز أن يجعل أخاه عبد الله، أميرا في الرياض بعد فتحها، أنكر ذلك وأعظمه، وقال: هذا قدح وغيبة لإمام المسلمين، وعضده ونصيره; لأنه رأى ذلك وسيلة إلى الفرقة، مع أن عبد الله ما يظن به إلا خيرا، وحسبك به رحمه الله.
    فإن كنتم معشر العلماء، تعرفون أن هذا حق وتعتقدونه، وآثرتم المسالمة والسكوت، فهيهات هيهات، أنى لكم الخلاص، وقد كتمتم ما لا يجهل؟ فإن كنتم تعتقدون خلافه، وأن ما ذهبنا إليه واعتقدناه في هذه القضية خطأ، فرحم الله من أرشد جاهلا، وبصر حائرا، فإن أشكل الأمر فهلم، فالحكم والحق مقبول.
    فيا ساسة هاتوا لنا من جوابكم
    ففيكم لعمري ذو أفانين مقول
    أهل كتـاب نحن فيه وأنتم؟
    على ملة نقضي بها ثم نعـدل
    أم الوحي منبوذ وراء ظهورنا
    ويحكم فينـا المرزبان المرفل
    هذه النصوص من كتاب الله نرجع عند التنازع إليها، وهذه الآثار من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه، مضبوطة محررة، مسطورة في دواوين الإسلام، قال عمر رضي الله عنه: " والله ما توفي محمد صلى الله عليه وسلم إلا وقد ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ".
    ص -81-
    وقال أبو ذر، رضي الله عنه " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما من طائر يطير يقلب جناحيه، إلا أبدى لنا فيه علما ". فاستأنف النهار يا ابن جبير، قبل أن تنفرج ذات البين، بينكم معشر العلماء، ويضلل بعضكم بعضا، أو يفسقه أو يكفره، فتكونوا بذلك فتنة لجاهل مغرور، أو ضحكة لذي دهاء وفجور، تستباح بذلك أعراضكم، ولا ينتفع بعلمكم. فاعقدوا لكم محضرا، ولو طال منا ومن بعضكم لأجله سفر، للنظر فيما يصلح الإسلام، وتقوم به الحجة، ولو لم يعمل به عامل، تسدوا بذلك عنكم باب الفرقة، نصحا لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ فإني والله لا إخال الجرح يندمل، ولا الحية تموت، إلا أن يشاء ربي شيئا، وذلك لكثرة الطلاب لهذا الأمر، فقد وقع والله بكثرتهم، وأعضل البأس، واحتاج العاقل للنظر فيما هو الأصلح لدينه، والأرضى لربه، بالاجتماع على الأسد فالأسد، والأجد فالأجد، والأصلح فالأصلح.
    فإن الشيطان متكئ على شماله، متحيل بيمينه، فاتح حصنه لأهله، يدأب بين الأمة بالشحناء والعداوة، عنادا لله ولرسوله ولدينه، تأليبا وتأنيبا، يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور، يزين بالزور، ويمني أهل الفجور والشرور، ويوحي إلى أوليائه بالباطل، دأبا له منذ كان، وعادة له منذ أهانه الله في سالف الأزمان، لا ينجو منه إلا من أحب

    ص -82-
    الآجل، وغض الطرف عن العاجل، وقطع هامة عدو الله وعدو الدين، باتباع الحق والعمل به، رضي ذلك من رضيه، وسخطه من سخطه، فإن لهذه الأمور غاية وخيمة، وعاقبة ذميمة، آخرها الأجل المقدور، وإلى الله عاقبة الأمور، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وقال أيضا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد اللطيف، إلى جناب الإخوان: سعد بن مثيب، وعبد الله بن فايز، وكافة إخوانهم، سلمهم الله تعالى، ورزقنا وإياهم الثبات والاستقامة، وجنبنا وإياهم طريق الخزي والندامة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: لا يخفي عليكم ما امتن الله به علينا وعليكم من معرفة دينه، وأنقذكم بذلك من أسباب الهلكة، وذلك من فضل الله، الذي يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، قال تعالى:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [سورة يونس آية : 58] فضله الإسلام، ورحمته أن جعلكم من أهله، والفرح بذلك والغبطة به، ومحبته والتمسك به، خير من الدنيا بأسرها.

    ص -83-
    وقد علمتم ما أوجب الله عليكم من معرفة دينه، وإخلاص العبادة له، والبراءة ممن أشرك به، وأن كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" دلت على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والبراءة ممن أشرك به، ولا يستقيم إسلام عبد إلا بذلك، فمن شك أو توقف، في كفر من لم يعتقد دين الإسلام، ولم يتكلم به، أو لم يعمل به، فهو لم يأت بالإسلام العاصم لدمه وماله، الذي دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله.
    وهؤلاء الذين قاموا في عداوة أهل التوحيد، واستنصروا بالكفار عليكم، وأدخلوهم إلى بلاد نجد، وعادوا التوحيد وأهله أشد العداوة، وهم "الرشيد" ومن انضم إليهم من أعوانهم، لا يشك في كفرهم، ووجوب قتالهم على المسلمين، إلا من لم يشم روائح الدين، أو صاحب نفاق، أو شك في هذه الدعوة الإسلامية.
    وجميع أهل الباطل، يحسنون باطلهم بزخرف القول، ولهم من يزخرف لهم، ويجعل باطلهم في صورة حق، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [سورة الأنعام آية : 112].
    وبلغني: أن عندكم من يتكلم في هذه الأمور بغير علم، بل بمجرد الجهل والهوى، ويجعل حكم هؤلاء حكم

    ص -84-
    البغاة من المسلمين، وأنتم في غنية عن هذا الكلام والتكلم به، فتفطنوا، لا يفسد عليكم دينكم ومعاشكم، وأنتم في بيعة الإسلام، والإمام لا تفتات عليه الرعية.
    ولا يجوز لآحاد الناس، أن يتكلم في الأمور العامة، التي هي متعلقة بالإمامة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بفرضية السمع والطاعة، ولزوم البيعة وعدم الخروج على الأئمة، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن من فارق الجماعة قيد شبر، فمات، فميتته جاهلية، وحض على السمع والطاعة، في قوله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي " 1.
    وأصل فتنة الخوارج، ومروقهم من الدين - مع كثرة صلاتهم وصيامهم، فإنهم من أكثر الناس تهليلا وعبادة، حتى إن الصحابة يحتقرون أنفسهم عندهم - هو الخوض والشغب، والكلام في الفتنة، التي وقعت بين علي ومعاوية، حتى قدحوا في الصحابة، مع أن القتال وقع بين الطائفتين، والقاتل والمقتول في الجنة، فكيف بمن يفتات على الإمام، ويقدح في المسلمين في قتال هؤلاء الذين ما بين طواغيت البادية وهم رؤوسهم، وبين سفهاء وجند لم يعرفوا ما خلقوا له، ولم يدينوا بدين الحق، لا في الاعتقادات، ولا في الأعمال والإرادات؟
    ومن مال إليهم، وجادل عنهم، فقد شك في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين; واحذروا خدع الشيطان، فإنه
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : العلم (2676) , وابن ماجه : المقدمة (42 ,44) , وأحمد (4/126) , والدارمي : المقدمة (95).

    ص -85-
    يدعو إلى الفجور، ويمنى بالغرور، وأخلصوا الخوف والخشية لله، قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران آية : 175].
    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم للعمل بدينه، والثبات عليه، وأنتم بحمد الله في ظل دعوة إيمانية، وإمامة إسلامية، وتأملوا قوله: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ } [سورة النساء آية : 91] والله أخبرنا أن هذا حال المنافقين، يسعون في طلب الأمن من الكفار، والأمن من المسلمين، فاحذروا أن تقعوا في شيء من ذلك، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على محمد.

    ص -86-
    [الحث على الاجتماع على قتال العدو]
    وله أيضا وغيره:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد اللطيف، وعبد العزيز بن محمد، وحسن بن حسين، ومحمد بن محمود، وعبد الله بن محمد الخرجي، وسعد بن حمد بن عتيق، إلى من يراه من إخواننا أهل الفرع، سلمهم الله، ومن علينا وعليهم بالبصيرة في الدين; ونجانا وإياهم من شهوات الغي، وشبهات المبطلين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فتفهمون ما من الله به على عموم المسلمين، وعلينا وعليكم خاصة، من ظهور الدعوة الإسلامية في هذه الأوطان، وإزالة الشرك وشعائره، وذلك بدعوة الشيخ وأنصاره، رحمهم الله تعالى، وعرفتم بالإسلام، وسميتم به من بين سائر أهل الأديان، وهذه من أكبر النعم، كما قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } [سورة الحج آية : 78] ودرج على هذه الدعوة، من اختصهم الله بنصرها، ووسمهم بحمايتها.
    ثم حصل الخلل والتفريط في حق الله، والإعراض عنه، وأعظم ذلك التفرق والاختلاف، الذي هو سبب الشر، وسبب تسلط الأعداء، وحصل من الفتن وانحلال عرى الإسلام، ما لا يمكن حصره ولا استقصاؤه، وذلك بما كسبت أيدينا ويعفو عن كثير، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [سورة الرعد آية : 11].

    ص -87-
    والواجب علينا وعليكم، معرفة ذلك على التفصيل، ومعرفة أهله ومن قام به، والاجتماع على ذلك، والتواصي به مثنى وفرادى، ولا يصدكم عن ذلك شبهة ولا شهوة، ولا تغتروا بمن يتكلم بكلام الحق، ليتوصل به إلى الباطل، فإن هذا كثير، وبسببه تنقدح الشبهات في قلوب العوام، الذين لا بصيرة لهم.
    وقد عرفتم ما يتعين علينا وعليكم، من الحض على الجهاد، والقيام فيه، ودفع من سعى في هتك حرمتهم، ودينهم، وصيرهم أذلة بين الملأ، والذي لم يكشف له هذا الغطاء، فهو مبخوس الحظ، ومنكوس القلب، عياذا بالله من ذلك، وفي بعض الآثار " إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات، والعقل الراجح عند حلول الشهوات ".
    والخلق بين رجل إما مدخول في اعتقاده، أو منقوص في عقله بطلب الدنيا، وإيثارها على الحق وأهله، والصنف الثالث من عصمه الله، قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } [سورة الأنفال آية : 72] ونحن والمسلمون جميعا: ندعوكم بدعاية الإسلام، وحماية أهله، والذب عنهم، والقيام التام، مع أن المسلمين في أكمل نعمة وأتمها، من ثبات القلوب، وخذلان العدو، وضعفه، ولكن نحب لكم الخير، وأن تكونوا رؤساء فيه، وتعاونوا وتناصروا فيه، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ

    ص -88-
    وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [سورة المائدة آية : 2] وأعظم التعاون على البر والتقوى، التعاون على نصر الإسلام والمسلمين، والذب عن حرمه، وجهاد من قصد تشتيتهم وانتدب لعداوتهم، وضد ذلك التعاون على الإثم والعدوان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وله أيضا رحمة الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد اللطيف، إلى من يراه من الإخوان، سلك الله بي وبهم صراطه المستقيم، وثبتنا على دينه القويم، وأعاذنا من الأهواء والطرق المفضية بسالكها إلى طريق الجحيم، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أما بعد: فالباعث لهذه النصيحة، إقامة الحجة على المعاند، والبيان للجاهل، الذي نيته وقصده طلب الحق، ولكنه ابتلى بالوساوس والغرور; تعلمون - وفقنا الله وإياكم - أن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وهو ما جاء به صلى الله عليه وسلم من البرهان والنور، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً} [سورة النساء آية : 174] وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [سورة الحشر آية : 7] وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ

    ص -89-
    يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور آية : 63] الفتنة هي الشرك.
    وفرض الله علينا الإخلاص في عبادته، واتباع سنة نبيه، ولا يقبل لأحد شيئا من الأعمال، إلا بالقيام بهذين الركنين، الإخلاص، والمتابعة; فالإخلاص: أن يكون لله; والمتابعة: أن يكون متبعا لأمر رسوله، لأن كل عبادة حدها الشرع: ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير إطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي، ليست العبادة ما درج عليه عرف الناس، وما اقتضته مقاييسهم وعقولهم: لها حد يقف المؤمن، والخائف من عقاب الله عنده، وهو ما أمر به الرسول، قال صلى الله عليه وسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"1 وقال: " من أحدث شيئا ليس عليه أمرنا فهو رد " 2 وما خرج أحد عن طريقته، إلا سلك أحد طريقين، إما جفاء وإعراض، وإما غلو وإفراط، وهذه مصائد الشيطان، التي يصطاد بها بني آدم، ولهذا حذر سبحانه عن الغلو، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ الاَّ الْحَقَّ } [سورة النساء آية : 171] وفي الآية الأخرى: {لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [سورة المائدة آية : 77].
    فلما من الله سبحانه: على المسلمين في آخر هذه الأزمان، التي اشتدت فيها غربة الدين، باجتماع المسلمين
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الصلح (2697) , ومسلم : الأقضية (1718) , وأبو داود : السنة (4606) , وابن ماجه : المقدمة (14) , وأحمد (6/73 ,6/146 ,6/180 ,6/240 ,6/256 ,6/270).
    2 البخاري : الصلح (2697) , ومسلم : الأقضية (1718) , وأبو داود : السنة (4606) , وابن ماجه : المقدمة (14) , وأحمد (6/73 ,6/146 ,6/180 ,6/240 ,6/256 ,6/270).

    ص -90-
    ورد لهم الكرة ولم شعثهم، بإمام يدعوهم إلى دين الله وإلى طاعته، بماله ونفسه ولسانه، وهدى الله بسبب ذلك من هدى من البادية، وعرفهم الإسلام ورغبهم فيه ودانوا به، وهي من أعظم النعم عليهم وعلى المسلمين عموما، أن هداهم الله لدينه وعرفهم به، وأخرجهم من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإسلام وطاعة ربهم، وعرفهم دينهم الذي خلقوا له، وتعبدهم الله سبحانه وبحمده به.
    وقد كانوا قبل ذلك في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، أشقى الناس في الدنيا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردى في النار، فالواجب علينا وعليكم: معرفة هذه النعمة، والقيام بحق الله. تعالى في ذلك، وشكر نعمه عليكم، ولا تكونوا كـ {الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [سورة إبراهيم آية : 28] قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [سورة آل عمران آية : 100] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا } [سورة آل آية : 102-103] إلى قوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ

    ص -91-
    وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة آل عمران آية : 105-107] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل الفرقة والشناعة.
    وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } [سورة الشورى آية : 13] وقال: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [سورة البينة آية : 4] والآيات في النهي عن التفرق في الدين كثيرة، لكن القصد التنبيه على ما يلقيه الشيطان ويزينه للناس، من التفرق والاختلاف; والذي قصده الله والدار الآخرة، يرد ما صدر وما سمع إلى كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [سورة النساء آية : 59] ولا عمل إلا بدليل وبرهان، يطلب به صاحب العمل.
    وقد بلغني عن بعض من غره الغرور، من الطعن في العلماء، ورميهم بالمداهنة، وأشباه هذه الأقاويل، التي صدت أكثر الخلق عن دين الله، وزين لهم الشيطان بسبب ذلك، الطعن في الولاية بأمور، حقيقتها البهتان، والطعن

    ص -92-
    بالباطل; وقد علمتم ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرضه من السمع والطاعة.
    قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } [سورة النساء آية : 59] ولم يستثن سبحانه وتعالى برا من فاجر، ونهى صلى الله عليه وسلم عن إنكار المنكر، إذا أفضى إلى الخروج عن طاعة أولي الأمر، ونهى عن قتالهم، لما فيه من الفساد; عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه "قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعنا، وكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في مكرهنا ومنشطنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: "إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان " 1 أخرجاه في الصحيحين.
    وقوله: "أن لا ننازع الأمر أهله" دليل على المنع من قتال الأئمة، إلا أن يروا كفرا بواحا، وهو الظاهر الذي قد باح به صاحبه، فطاعة ولي الأمر، وترك منازعته، طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا هو فصل النّزاع بين أهل السنة، وبين الخوارج والرافضة.
    وعن حذيفة بن اليمان: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اسمع وأطع للأمير، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك " 2 وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد خرج من السلطان شبرا
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الفتن (7056) , والنسائي : البيعة (4149 ,4151 ,4152 ,4153 ,4154) , وابن ماجه : الجهاد (2866) , وأحمد (3/441 ,5/316 ,5/318 ,5/319 ,5/325) , ومالك : الجهاد (977).
    2 مسلم : الإمارة (1847) , وأحمد (5/403).

    ص -93-
    فمات، مات ميتة جاهلية " 1 وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " 2 فذكر في هذا الحديث: البيعة والطاعة; فالخروج عليهم نقض للعهد والبيعة، وترك طاعتهم ترك للطاعة، وبهذه الأحاديث وأمثالها، عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وعرفوا أنها من الأصول التي لا يقوم الإسلام إلا بها، وشاهدوا من يزيد بن معاوية، والحجاج، ومن بعدهم خلا الخليفة الراشد، عمر بن عبد العزيز، أمورا ظاهرة ليست خفية، ونهوا عن الخروج عليهم، والطعن فيهم، ورأوا أن الخارج عليهم خارج عن دعوة المسلمين، إلى طريقة الخوارج.
    ولهذا لما حج ابن عمر رضي الله عنهما مع الحجاج، وطعن في رجله، قيل له أنبايعك على الخروج على الحجاج وعزله؟ وهو أمير من أمراء عبد الملك بن مروان، غلظ الإنكار عليهم، وقال: (لا أنزع يدا من طاعة)، واحتج عليهم بالحديث الذي تقدم ذكره; فإذا فهمتم ذلك، فاشكروا نعمة الله عليكم بما من به من إمامة إسلامية، تدعوكم إليه ظاهرا وباطنا، مما سمعتم وصدقه الفعل، من بذل المال والسلاح والقوة، وإعانة المهاجرين لأجل دينه، لا لقصد
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الفتن (7053) , ومسلم : الإمارة (1849) , وأحمد (1/275 ,1/297 ,1/310) , والدارمي : السير (2519).
    2 مسلم : الإمارة (1851) , وأحمد (2/70 ,2/83 ,2/93 ,2/97 ,2/123 ,2/133 ,2/154).

    ص -94-
    سوى ذلك، يعرف ذلك من عرفه، ولا يجحده إلا منافق فارق بقلبه ونيته، ما اعتقده المسلمون وقاموا به.
    وأما الطعن على العلماء، فالخطأ ما يعصم منه أحد، والحق ضالة المؤمن، فمن كان عنده علم يقتضي الطعن، فليبين لهم جهارا، ولا يخاف في الله لومة لائم، حتى يعرفوا حقيقة الطعن وموجبه، واحذروا التمادي في الضلالة، والخروج عن الجماعة، فالحق عيوف، والباطل شنوف، والشيطان متكئ على شماله، يدأب بين الأمة بالعداوة والشحناء، عياذا بالله من فتنة جاهل مغرور، أو خديعة فاجر ذي دهى وفجور، يميل به الهوى، ويزين له الشيطان طريق الغواية والردى.
    والله أسأل أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب; وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
    وله أيضا، رحمه الله تعالى.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وحسن بن حسين، وسعد بن حمد بن عتيق، ومحمد بن عبد اللطيف، إلى جناب عالي الجناب، الإمام المفخم، والرئيس المكرم. عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل فيصل، سلمه الله

    ص -95-
    تعالى، وأكرمه بتقواه، ونظمه في سلك من خافه واتقاه، وبتر من شنأه وقلاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فالسبب الداعي لتحريره محض النصيحة، وتفهم حفظك الله: أن الله سبحانه وبحمده، ما أنعم على عباده نعمة أجل وأعظم من نعمة الإسلام، لمن تمسك به، وقام بحقوقه، ورعاه حق رعايته، ومن أعظم فرائض الإسلام، التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم: الجماعة، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه: " لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بالسمع والطاعة " 1 وهذا أمر غير خفي عليك، ولا على أحد له معرفة بفرائض الإسلام، ومن الله سبحانه وبحمده في آخر هذا الزمان - الذي اشتدت فيه غربة الإسلام، وظهر فيه الفساد في البر والبحر ـ بفضله وكرمه بهداية غالب بادية أهل نجد خصوصا رؤساؤهم، وجعل الله سبحانه وبحمده لك حظا وافرا في إعانتهم، ببناء مساجدهم ومدنهم، وفشا الإسلام في نجد جنوبا وشمالا، والله سبحانه وبحمده له حكمة، وله عناية بعباده، لا يعلمها إلا هو.
    ورأينا أمرا يوجب الخلل على أهل الإسلام، ودخول التفرق في دولتهم، وهو الاستبداد من دون إمامهم، بزعمهم أنه بنية الجهاد، ولم يعلموا أن حقيقة الجهاد ومصالحة العدو، وبذل الذمة للعامة، وإقامة الحدود، أنها مختصة بالإمام، ومتعلقة به، ولا لأحد من الرعية دخل في ذلك،
    ----------------------------------------
    1 الدارمي : المقدمة (251).

    ص -96-
    إلا بولايته; وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الجهاد، فأخبر بشروطه بقوله صلى الله عليه وسلم: " من أنفق الكريمة، وأطاع الإمام، وياسر الشريك، فهو المجاهد في سبيل الله ". والذي يعقد له راية، ويمضي في أمر من دون إذن الإمام ونيابته، فلا هو من أهل الجهاد في سبيل الله.
    وقد علمت حفظك الله: أنه لما صدر من الدويش جهلا منه، واستفتيت عالما من علماء المسلمين، وأفتاكم بالحق والدين، الذي يدان الله به، لم يلتفت إليه، وهذا من أعظم الوهن في دين الله، أن العالم يفتى بالحق، ويعارض بالهوى والجهل، مع أن الذين وقع الأمر عليهم، لم ينبذ إليهم على سواء، واستباحوا غنائمهم من غير أمر شرعي.
    فالواجب عليك: حفظ ثغر الإسلام عن التلاعب به، وأنه لا يغزو أحد من أهل الهجر إلا بإذن منك، وأمير منك لو صاحب مطية، وتسد الباب عنهم جملة، لئلا يتمادوا في الأمر، ويقع بسبب تماديهم وتغافلكم خلل كبير، وذكرنا هذا قياما بالواجب من النصيحة لك، وخروجا من كتمان العلم، والله يمدك بمدد من عنده، ويعينك على ما حملك، وصلى الله على محمد، سنة 1338 هـ.

    ص -97-
    وقال بعضهم، رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي هدانا لتوحيد العبادة، الذي هو أساس الملة والدين، ومفتتح دعوة المرسلين، وقد غلط في مسمى التوحيد، الأذكياء من المتأخرين، والفقهاء، والصوفية، والمتكلمين، وهذا التوحيد هو توحيد القصد والإرادة، وهو أن لا يعبد إلا الله وحده، وأن لا يعبد إلا بما شرع، كما قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [سورة الرعد آية : 36] وقال: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} [سورة الزمر آية : 11].
    والآيات في هذا التوحيد، أكثر من أن تحصر; فوفقنا سبحانه وبحمده، لفهم ما اختلف فيه من الحق بإذنه، وكان بحمد الله عن علم وإخلاص، وصدق ويقين، وجعلنا على ذلك مجتمعين مؤتلفين، متناصرين غير مفترقين، ولا مختلفين، اللهم اجعلنا لنعمك شاكرين ذاكرين، وبالعمل بكتابك معتصمين مستمسكين.
    وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، وإمام المتقين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
    وبعد: فإن الله تعالى أكمل لنا الدين، وأتم نعمته على

    ص -98-
    عباده المؤمنين، فيما أوحاه إلى عبده ورسوله الصادق الأمين، فقال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} [سورة المائدة آية : 3] وأوجب على عباده أن يكونوا بحبله معتصمين، وبالعمل به مستمسكين، فقال جل ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [سورة آل عمران آية : 102] وحبله هو القرآن، والتمسك به علما وعملا، يجمع الإسلام والإيمان وشرائع الدين.
    وذلك لا يحصل للمسلمين المؤمنين، إلا إذا كانوا على العمل بالحق مجتمعين مؤتلفين، متعاونين متناصرين، فبهذا يكون لهم الظهور، ويقوم به الدين، كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [سورة الشورى آية : 13] فأمر تعالى عباده بإقامة الدين، الذي أكمله لهم على لسان سيد المرسلين، ونهاهم عن التفرق فيه، لأن التفرق ينافي إقامة الحق الذي شرعه، وبعث به هذا النبي الذي ختم به المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
    ولما كان هذا الاجتماع العظيم، وما يحصل به من المصالح العظيمة، وعدم التفرق والاختلاف، يتوقف على

    ص -99-
    مشروعية نصب إمام، يبايعه المسلمون على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والأثرة عليهم، ولهذا بايع المهاجرون والأنصار، أبا بكر الصديق رضي الله عنه في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية التفرق والاختلاف، رضي الله عنهم أجمعين، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [سورة النساء آية : 59].
    وفي الأحاديث أيضا ما يؤكد ذلك ويوجبه، لما فيه من المصالح، لأن عدمه يفضي إلى التفرق والاختلاف، وذهاب الدين، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به " 1، وعن أنس مرفوعا: " اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " 2، وعن عبادة بن الصامت، قال: "بايعنا سول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى الأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق حيث كان، لا نخاف في الله لومة لائم ".
    وعن أبي هريرة مرفوعا: " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا إلا مات ميتة
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الجهاد والسير (2957) , ومسلم : الإمارة (1835 ,1841) , والنسائي : البيعة (4193 ,4196) والاستعاذة (5510) , وابن ماجه : المقدمة (3) والجهاد (2859) , وأحمد (2/244 ,2/252 ,2/270 ,2/313 ,2/342 ,2/386 ,2/416 ,2/467 ,2/471 ,2/511 ,2/523).
    2 البخاري : الأذان (693) , وابن ماجه : الجهاد (2860) , وأحمد (3/114 ,3/171).

    ص -100-
    جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو أو ينصر عصبية، فيقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي بسيف، يضرب برها وفاجرها، لا يخشى لمؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه " 1.
    وسأل يزيد بن سلمة الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت يا رسول الله، إن قام علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ قال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم " وعن ابن عمر مرفوعا " من خلع يدا من طاعة أميره، لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " 2.
    وعن الحارث الأشعري مرفوعا " آمركم بخمس، بالجماعة، والسمع، والطاعة، والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوة الجاهلية فهو من جثى جهنم، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم " 3. وفي صحيح مسلم مرفوعا: " من أتاكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم، فاقتلوه " 4. ولم نذكر من الأحاديث إلا بعضها، وفيما لم نذكر تشديد في حق من خرج عن الجماعة، وعصى الإمام، ولم يسمع ويطع للإمام.
    نسأل الله: أن يجعلنا على الحق أعوانا، وعلى طاعته إخوانا، مؤتلفين، آمين، وأن يوزعنا شكر ما أنعم به علينا
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإمارة (1848) , والنسائي : تحريم الدم (4114) , وابن ماجه : الفتن (3948) , وأحمد (2/296 ,2/306 ,2/488).
    2 مسلم : الإمارة (1851) , وأحمد (2/111).
    3 الترمذي : الأمثال (2863) , وأحمد (4/130 ,4/202 ,5/344).
    4 مسلم : الإمارة (1852).

    ص -101-
    من دين الإسلام، والاجتماع عليه، والدعوة إليه، والحث على لزومه بذكره، وعدم الغفلة عنه، والقيام بالنصيحة لمن وجبت له، وبالله التوفيق.
    وعلى الإمام وفقه الله تعالى: أن يعمل بثلاث آيات من كتاب الله، تجمع له الخير كله، وتدفع عنه الشر كله، ونظائرها في الكتاب والسنة كثيرة جدا، الآية الأولى، قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [سورة الجاثية آية : 18-19] فنهاه تعالى عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، لما فيه من مخالفة الشريعة والخروج عنها، إلى ما يسخط الله تعالى، ويحل نقمته وعقوبته، والشريعة: ما أمر الله به رسوله والمؤمنين، وأوجب عليهم أن يفعلوه، وأن يتركوا ما نهاهم عنه، خالصا لوجهه الكريم.
    ومن ذلك: الذي أمر الله به نبيه، وأوجبه عليه، وعلى من ولي أمر المسلمين إلى يوم القيامة، قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [سورة آل عمران آية : 159] وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذه الآية فيما صح عنه، ففي صحيح مسلم وغيره، أنه قال: " اللهم من ولي من أمور

    ص -102-
    أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فشق عليه " 1. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر أمراءه وعماله، ويقول: " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا " ويقول: " إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين " 2 والتيسير دعوة إلى الإسلام، وترغيب للناس في قبوله، والدخول فيه، لأن من صحت سريرته، وحسنت سيرته، أقبلت القلوب إليه، وصغت إليه، وصفت عليه، والضد بالضد، وبالله التوفيق، والعمل بهذه الآيات والأحاديث، من أعظم ما تشكر به النعم، وتستدفع به النقم.
    ومما أمر الله به نبيه، ورضيه له واختاره له ولأنبيائه ورسله، ولمن له عقل ودين، قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [سورة الكهف آية : 28]. فما أعظمها من آية، وما انفعها للقلوب لمن عمل بها؟! فذكر الخير وسببه وأمر به، وذكر الشر وسببه ونهى عنه أشد النهي، فتدبر.
    وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أراد الله بالأمير خيرا، جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك، جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه " 3.
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإمارة (1828) , وأحمد (6/257).
    2 البخاري : الوضوء (220) , والترمذي : الطهارة (147) , والنسائي : الطهارة (56) والمياه (330) , وأبو داود : الطهارة (380) , وأحمد (2/239 ,2/282).
    3 النسائي : البيعة (4204) , وأبو داود : الخراج والإمارة والفيء (2932).

    ص -103-
    وعن أبي سعيد مرفوعا: " ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله ". وفي الحديث الصحيح: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " 1 وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على محمد أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.
    وقال الشيخ: محمد بن عبد اللطيف، وفقه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين: فيصل الدويش، وسلطان بن بجاد بن حميد، ومن لديهما من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أما بعد: فالموجب لهذا الكتاب، والداعي إليه، هو النصح لكم والشفقة عليكم، لأن من حقكم علينا بذل ذلك لكم، وقد بلغنا اجتماعكم، وتزاوركم، فإن كان المراد بذلك التذكر بما من الله به عليكم، من نعمة الإسلام، واجتماع الكلمة، وذهاب العدو، والحرص على التزام هذه الإمامة والولاية، والقيام بحقها، فما أحسن ذلك.
    وإن كان الاجتماع إنما هو للتفرق والاختلاف، الذي
    ----------------------------------------
    1 البخاري : النكاح (5188) , ومسلم : الإمارة (1829) , والترمذي : الجهاد (1705) , وأبو داود : الخراج والإمارة والفيء (2928) , وأحمد (2/5 ,2/54 ,2/108 ,2/111 ,2/121).

    ص -104-
    هو من دين الجاهلية الأولى، والطعن على من ولاه الله عليكم، وعيبه، وثلبه، وتتبع عثراته للتشنيع عليه، ونسبة علمائه إلى المداهنة والسكوت، فهذه- والله- وصمة عظيمة، وزلة وخيمة، وقاكم الله شرها، وحال بينكم وبين أسبابها. فأذكركم إخواني أولا: نعمة الإسلام، وما من الله به عليكم من الانتقال، عن عوائد الآباء والأجداد، وسوالفهم، التي خالفوا في أكثرها ما جاء في الكتاب والسنة، واتباع هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الذي جعل الله بعثته رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على أعداء الملة والدين، فاشكروا مولاكم على ذلك.
    واشكروه أيضا: على ما من به في هذا الزمان، من ولاية هذا الإمام، الذي أسبغ الله عليكم على يديه، من النعم العظيمة، ودفع به عنكم من النقم الكثيرة، وخولكم مما أعطاه الله، وتابع عليكم إحسانه، صغيركم وكبيركم، وقام بما أوجب الله عليه، حسب الطاقة والإمكان، ونظره في مصالح المسلمين، وما يعود نفعه عليهم، ودفع المضار عنهم، وحسم مواد الشر أولى من نظركم، والكمال لم يحصل لمن هو أفضل منه.
    فالذي يطلب الأمور على الكمال، وأن تكون على سيرة الخلفاء، فهو طالب محالا; فاسمعوا له وأطيعوا، وراعوا حقه وولايته عليكم، واحذروا غرور الشيطان، وتسويله

    ص -105-
    وخدعه ومكره، فإنه متكئ على شماله، يدأب بين الأمة بإلقاء الشحناء والعداوة، وتفريق الكلمة بين المسلمين عادة له مذ كان، ولا يسلم من مكره إلا من راقب الله في سره وعلانيته، ووقف عند أقواله وأعماله، وحركاته وسكناته، وتفكر في عاقبة ما يصير إليه في ماله، وراجع أهل البصائر والمعرفة من أهل العلم، الذين لهم قدم راسخ في المعرفة والفهم.
    فإن كان أحد ممن يدعي العلم زين لكم ذلك، وألقى عليكم التشكيكات والتشبيهات، وحسن لكم طريقة أهل البدع والضلالات، فاعلموا: أنه منفاخ سوء، يبدي لكم ما يخفيه كيره، ويلبس عليكم دينكم، فإن كان يدعي أن معه دليلا، من الكتاب والسنة، في الطعن على الأئمة والولاة وعلمائهم، فليبرز إلينا بما لديه، فنحن له مقابلون ومناظرون بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، من كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء المهديين، التي تجلو عن القلب عماه، وترد المعارض عن انتكاسه.
    فوالله ثم والله: إنا لا نعلم على وجه الأرض شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، شخصا أحق وأولى بالإمامة منه، ونعتقد صحة إمامته وثبوتها، لأن إمامته إمامة إسلامية، وولايته ولاية دينية، فلو نعلم أن عليه من المثالب والمطاعن شيئا يوجب مخالفته ومنابذته، لكنا أولى منكم بالنصح له

    ص -106-
    وتحذيره ومراجعته، فإنه- ولله الحمد- يقبل الحق ممن جاء به، ولا يستنكف من الناصح، ومقاماته ونصحه، ومدافعته عن الإسلام وأهله، وبذل إحسانه، وعفوه وعدم انتقامه، شهيرة بين الورى، لا يجحدها إلا معاند مماحل.
    وأيضا: حرصه على اجتماع المسلمين، وعدم اختلافهم معلوم، لا يخفى على منصف، فأفيقوا عن سكرتكم، وانتبهوا من رقدتكم، قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، وأقول لكم مثل ما حكاه الله عن مؤمن آل فرعون {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [سورة غافر آية : 44].
    فلا تنسوا عباد الله إحسان إمامكم، ومعروفه عليكم، فإن نعمة الله تترى عليكم باطنا وظاهرا، والنعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت وجحدت فرت، فارجعوا إلى مولاكم بالتوبة والندم، والانطراح بين يدي الله أولا، لأنه مقلب القلوب والأبصار، وبين يدي إمامكم وعلمائه ترشدوا، فهذا الواجب لكم علينا، الذي تعبدنا الله به، وهو الذي نحبه ونرضاه لكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد.
    [ما من الله به من هذا الدين والاجتماع عليه]
    وقال أيضا الشيخ: محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ عمر بن محمد بن سليم، والشيخ محمد بن

    ص -107-
    إبراهيم بن عبد اللطيف، وفقهم الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله عز وجل الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
    ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، ونشهد: أن محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبة، والتابعين، ومن سلك طريقهم إلى يوم الدين.
    أما بعد: فإنه لا يخفى على من نور الله قلبه، وألهمه رشده، ما من الله به على أهل نجد، من معرفة ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، والعمل بذلك، والدعوة إليه على بصيرة، والاجتماع على ذلك، والائتلاف عليه، وما حصل بذلك من العز والظهور، وإقامة دين الله، وقهر أعدائه.

    ص -108-
    وقد كان أهل نجد، قبل هذه الدعوة الإسلامية، التي من الله بها على يد شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في شر عظيم من التفرق والاختلاف، والفتن العريضة، من الشرك بالله فما دونه، من سفك الدماء، وأخذ الأموال بغير حق، وإخافة السبل، وليس لهم إمامة يجتمعون عليها، ولا عقيدة صحيحة يعولون عليها، بل هم في أمر مريج، حتى أزال الله ذلك بدعوة هذا الشيخ، رحمه الله تعالى.
    فإنه قام بهذه الدعوة أتم القيام، ووازره على ذلك، ونصره الإمام محمد بن سعود، وأولاده وإخوانه، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، فبسببهم دخل الناس في دين الله أفواجا، ونفذت الدعوة الإسلامية، وشملت كافة أهل نجد، البادية والحاضرة، وقام علم الجهاد، وانقمع أهل الغي والفساد.
    ثم لما وقع الخلل من كثير من الناس، من عدم القيام بشكر هذه النعمة ورعايتها، ابتلوا بوقوع التفرق والاختلاف، وتسلط الأعداء، والرجوع إلى كثير من عوائدهم السالفة، حتى من الله في آخر هذا الزمان، بظهور الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، أيده الله ووفقه، وما من الله به في ولايته، من انتشار هذه الدعوة الإسلامية، والملة الحنيفية، وقمع من خالفها، وإقبال كثير من البادية

    ص -109-
    والحاضرة على هذا الدين، وترك عوائدهم الباطلة.
    وكذلك ما حصل بسببه، من هدم القباب، ومحو معاهد الشرك والبدع، وردع أهل المعاصي والمخالفات، وإقامة دين الله في الحرمين الشريفين، زادهما الله تعالى تشريفا وتكريما، وكذلك ما من الله به على قبائل العرب، من الاجتماع بعد الفرقة، والائتلاف بعد العداوة التي كانت بينهم، والأمن والطمأنينة بعد الخوف، حتى صار الراكب يسير من الشام إلى اليمن، لا يخشى إلا الله. وهذه النعم يجب شكرها على جميع المسلمين، والحذر من الأسباب التي توجب زوالها، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك.
    إذا علم ذلك فإنه لما رأينا ما وقع من كثير من الناس من الاختلاف، والخوض في دين الله، والقول على الله بلا علم، والتجرؤ على ذلك، من غير مبالاة بالكلام على جهل، وعدم بصيرة فيما يتكلم به الإنسان، خشينا أن تكون هذه الأمور، سببا لزوال النعمة العظيمة، فتعين علينا أن نكتب هذه الكلمات، نصيحة لله ولعباده، أخذا بقوله صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة"1، قالها ثلاثا.
    فنقول: الكلام في هذا المقام، على فصول: الفصل الأول: في القول على الله وعلى رسوله بلا علم، الفصل الثاني: في حقوق الإمامة والبيعة، وما يجب لولي الأمر من الحقوق على رعيته، وما يجب لهم عليه، الفصل الثالث:
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإيمان (55) , والنسائي : البيعة (4197 ,4198) , وأبو داود : الأدب (4944) , وأحمد (4/102).

    ص -110-
    في التحذير من التفرق والاختلاف، وبيان حرمة المسلم، وما يجب له من الحقوق.
    الفصل الأول : في القول على الله وعلى رسوله بلا علم
    ليعلم الناصح لنفسه: أن القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته، وشرعه وأحكامه ودينه، من أعظم المحرمات، كما قال الله تعالى:{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف آية : 33] وقال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [سورة النحل آية : 116].وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من يقل علي ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار"1 رواه البخاري.
    قال ابن القيم: رحمه الله تعالى، في "أعلام الموقعين"- في الكلام على الآية الأولى-: إنه سبحانه وتعالى رتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه، وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منها، وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في
    ----------------------------------------
    1 البخاري : العلم (109).

    ص -111-
    أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه، وشرعه.
    وقال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النحل آية : 116-117] فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم - لما لم يحرمه- هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه: أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، إلا لما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه.
    وقال بعض السلف، ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم كذا، فيقول الله له: كذبت، لم أحل كذا ولم أحرم كذا، فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه: أحله الله، وحرمه الله، بمجرد التقليد، أو التأويل، انتهى.
    فتبين مما تقدم: تحريم القول على الله بلا علم، وتحريم الإفتاء في دين الله وشرعه، بمجرد الرأي والهوى، وفاعل ذلك ومنتحله، يبوء بإثمه وإثم من استفتاه، قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [سورة النحل آية : 25].
    وقال ابن القيم أيضا، في كتابه "الأعلام": وقد روى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من أفتى بغير علم

    ص -112-
    كان إثم ذلك على الذي أفتاه " 1 وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " 2 وفي أثر مرفوع، ذكره أبو الفرج وغيره: " مَن أفتى الناس بغير علم، لعنته ملائكة السماء، وملائكة الأرض ".
    وكان مالك رحمه الله تعالى يقول: من سئل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها.
    وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت الله يقول: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [سورة المزمل آية : 5] فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة، وقال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، انتهى.
    ومن القول على الله بلا علم: تفسير القرآن بغير معناه، والاستدلال به على غير المراد به، استنادا إلى الآراء والأهواء والشهوات، وهذا يفعله كثير من الجهلة الغوغاء، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال في القرآن برأيه، أو
    ----------------------------------------
    1 أبو داود : العلم (3657) , وابن ماجه : المقدمة (53) , وأحمد (2/365).
    2 البخاري : العلم (100) , ومسلم : العلم (2673) , والترمذي : العلم (2652) , وابن ماجه : المقدمة (52) , وأحمد (2/162 ,2/190 ,2/203) , والدارمي : المقدمة (239).

    ص -113-
    بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار، وأخطأ ولو أصاب " 1.
    وقال أبو بكر الصديق لما سئل عن قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} فقال: "أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني؟ إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم " وعن عمر رضي الله عنه قال: " ما أخاف على هذه الأمة، من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا فاسق بين فسقه، ولكن أخاف عليها رجلا قرأ القرآن، حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله " رواه ابن عبد البر.
    فالواجب على طالب الحق، إذا أشكل عليه شيء، سؤال العلماء، والرجوع إليهم في الأحكام الشرعية، قال الله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل آية : 43]. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: أن من اتخذ رؤساء جهالا، فسألهم فأفتوه بغير علم، فقد ضلوا وأضلوه، وفي حديث صاحب الشجة " ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال "2. وقال بعض السلف: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
    ومما ينبغي التنبيه عليه: ما وقع من كثير من الجهلة، من اتهام أهل العلم والدين، بالمداهنة والتقصير، وترك القيام بما وجب عليهم من أمر الله سبحانه، وكتمان ما يعلمون من الحق، والسكوت عن بيانه، ولم يدر هؤلاء الجهلة: أن اغتياب أهل العلم والدين، والتفكه بأعراض
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : تفسير القرآن (2951) , وأحمد (1/233 ,1/269).
    2 أبو داود : الطهارة (336).

    ص -114-
    المؤمنين، سم قاتل، وداء دفين، وإثم واضح مبين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [سورة الأحزاب آية : 58].
    أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو من
    اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
    فإذا سمع المنصف هذه الآيات، والأحاديث، والآثار، وكلام المحققين من أهل العلم والبصائر، وعلم أنه موقوف بين يدي الله، ومسئول عما يقول ويعمل، وقف عند حده، واكتفى به عن غيره، وأما من غلب عليه الجهل والهوى، وأعجب برأيه، فلا حيلة فيه، نسأل الله العافية لنا ولإخواننا المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
    الفصل الثاني: في حقوق الإمامة والبيعة،
    وما يجب لولي الأمر على رعيته، وما يجب لهم عليه.
    قد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وأن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه، من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.
    قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا

    ص -115-
    يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [سورة النساء آية : 58-59].
    قال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى في "السياسة الشرعية": قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل, ونزلت الآية الثانية في الرعية، من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا ولاة الامر الفاعلين لذلك، في قسمهم وحكمهم، ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
    وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لم يفعل ولاة الأمور ذلك، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله، لأن ذلك من طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأديت حقوقهم إليهم، كما أمر الله ورسوله، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [سورة المائدة آية : 2].
    وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذا يجمع السياسة العادلة، والولاية

    ص -116-
    الصالحة، وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعنا، وكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في مكرهنا ومنشطنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان "1.
    وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه "2.
    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الغزو غزوان: فأما من ابتغى به وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، فإن نومه ونبهته أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف " 3 رواه مالك وأبو داود والنسائي، وعن ابن عمر مرفوعا: " الأمير يسمع له ويطاع فيما أحب وكره، إلا أن يأمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " 4 أخرجاه.
    ولمسلم عن حذيفة مرفوعا: " تكون بعدي أئمة لا يهتدون
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الفتن (7056) , والنسائي : البيعة (4149 ,4151 ,4152 ,4153 ,4154) , وابن ماجه : الجهاد (2866) , وأحمد (3/441 ,5/316 ,5/318 ,5/319 ,5/325) , ومالك : الجهاد (977).
    2 مسلم : الإمارة (1848) , والنسائي : تحريم الدم (4114) , وأحمد (2/296, 2/306 ، 2/488).
    3 النسائي : الجهاد (3188) , وأبو داود : الجهاد (2515) , وأحمد (5/234) , والدارمي : الجهاد (2417).
    4 البخاري : الأحكام (7144) , ومسلم : الإمارة (1839) , والترمذي : الجهاد (1707) , وأبو داود : الجهاد (2626) , وابن ماجه : الجهاد (2864) , وأحمد (2/17 ,2/142).

    ص -117-
    بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيكون فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع"1. وفي حديث الحارث الأشعري، الذي رواه الإمام أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن، السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " 2.
    قال الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى: وهذه الخمس المذكورة في الحديث، ألحقها بعضهم بالأركان الإسلامية التي لا يستقيم بناؤه ولا يستقر إلا بها، خلافا لما كانت عليه الجاهلية، من ترك الجماعة والسمع والطاعة، انتهى.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "السياسة الشرعية": يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس، من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم، إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، إلى أن قال: فإن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب الله تعالى من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم،
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإمارة (1847).
    2 الترمذي : الأمثال (2863) , وأحمد (4/130 ,4/202 ,5/344).

    ص -118-
    وإقامة الحدود، لا يتم إلا بالقوة والإمارة.
    ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك، ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما، يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة، لدعونا بها للسلطان- إلى أن قال- فالواجب اتخاذ الإمارة دينا، وقربه يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله، من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة والمال، انتهى.
    وقال ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح الأربعين" وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد، في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم، كما قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: " إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيها ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله ".
    وقال الحسن في الأمراء : " هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود؛ والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا؛ والله لما

    ص -119-
    يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغيظ، وإن فرقتهم لكفر " انتهى.
    إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام العلماء المحققين، في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين أن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه، بغزو أو غيره، معصية ومشاقة لله ورسوله، ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.
    وأما ما قد يقع من ولاة الأمور، من المعاصي والمخالفات، التي لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجب فيها مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح، من عدم التشنيع عليهم في المجالس، ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر، الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه، من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح، وأئمة الدين.
    قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى في رسالة له، ذكرناها ههنا لعظم فائدتها، قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن

    ص -120-
    عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: يجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق، وننصح إخواننا إذا جرى منها شيء، حتى فهموها، وسببها: أن بعض أهل الدين ينكر منكرا، وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر، إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان.
    وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران آية : 102-103].
    وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم "1. وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرا على ما جاءه من الأذى، وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به، فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا، أو قلة فهمه.
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الأقضية (1715) , وأحمد (2/367) , ومالك : الجامع (1863).

    ص -121-
    وأيضا، يذكر العلماء: أن إنكار المنكر، إذا صار يحصل بسببه افتراق، لم يجز إنكاره، فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقه فيه، فإنكم إن لم تفعلوا، صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم لا يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه. وسبب هذه القالة التي وقعت بين أهل الحوطة، لو صار أهل الدين واجب عليهم إنكار المنكر، فلما غلظوا الكلام، صار فيه اختلاف بين أهل الدين، فصار فيه مضرة على الدين والدنيا، وهذا الكلام وإن كان قصيرا، فمعناه طويل، فلازم لازم، تأملوه وتفقهوا فيه، واعملوا به، فإن عملتم به صار نصرا للدين، واستقام الأمر إن شاء الله.
    والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن ينصح برفق خفية ما يشترف أحد؛ فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلا يقبل منه بخفية، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا، إلا إن كان على أمير، ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية. وهذا الكتاب، كل أهل بلد ينسخون منه نسخة، ويجعلونها عندهم ثم يرسلونها لحرمة والمجمعة، ثم للغاط والزلفى، والله أعلم.
    وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى في "أعلام الموقعين": المثال الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجابا إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان

    ص -122-
    إنكار منكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة، إلى آخر الدهر.
    وقد استأذن الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء، الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا أفلا نقاتلهم؟ فقال: "لا، ما أقاموا الصلاة " 1، وقال: " من رأى من أميره ما يكرهه، فليصبر ولا ينْزعن يدا من طاعة " 2 ومن تأمل ما جرى على الإسلام، في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر طلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، انتهى.
    وقال ابن مفلح، في "الآداب": قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق، إلى أبي عبد الله- يعني الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى- وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك - ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولاتخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر، وقال: ليس هذا- يعني نزع أيديهم من طاعته- صوابا هذا خلاف الآثار، ا هـ.
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الإمارة (1855) , وأحمد (6/24) , والدارمي : الرقاق (2797).
    2 البخاري : الفتن (7054) , ومسلم : الإمارة (1849) , وأحمد (1/275 ,1/297 ,1/310) , والدارمي : السير (2519).

    ص -123-
    إذا تقرر ذلك، فليعلم: أن الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، قد ثبتت بيعته وإمامته، ووجبت طاعته على رعيته فيما أوجب الله من الحقوق، فمن ذلك أمر الجهاد، ومحاربة الكفار ومصالحتهم، وعقد الذمة معهم، فإن هذه الأمور من حقوق الولاية، وليس لآحاد الرعية الافتيات، أو الاعتراض عليه في ذلك، فإن مبنى هذه الأمور، على النظر في مصالح المسلمين العامة والخاصة، وهذا الاجتهاد والنظر، موكول إلى ولي الأمر، وعليه في ذلك تقوى الله، وبذل الجهد في النظر بما هو أصلح للإسلام والمسلمين، ومشاورة أهل الرأي والدين والنصح من المسلمين.
    ويجب عليه النصح لرعيته، والشفقه عليهم، والرفق بهم، والنظر في جميع ما تنتظم به مصالح دينهم ودنياهم، من حماية حوزة الإسلام، والذب عنها، وإقامة العدل بينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء الحقوق اللازمة إلى مستحقيها، فإن قصر عن القيام ببعض الواجب، فليس لأحد من الرعية أن ينازعه الأمر من أجل ذلك، كما ثبتت بذلك الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم بوجوب السمع والطاعة، والوفاء بالبيعة، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان.

    ص -124-
    الفصل الثالث: في التحذير من التفرق والاختلاف وبيان حرمة المسلم وما يجب له من الحقوق
    قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران آية : 102] {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران آية : 103] {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران آية : 104] {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة آل عمران آية : 105] {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [سورة آل عمران آية : 106] قال بعض المفسرين تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في "المنهاج" في الكلام على هذه الآيات-: فالله تعالى قد أمر المؤمنين كلهم أن يعتصموا بحبله جميعا ولا يتفرقوا، وقد فسر حبله بكتابه وبدينه، وبالإسلام، وبالإخلاص، وبأمره، وبعهده، وبطاعته، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وكلها صحيحة، فإن القرآن يأمر بدين الإسلام، وذلك هو عهده، وأمره وطاعته، والاعتصام

    ص -125-
    به جميعا، إنما يكون في الجماعة، ودين الإسلام حقيقته: الإخلاص لله.
    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " 1. والله تعالى قد حرم ظلم المسلمين، أحياءهم وأمواتهم، وحرم دماءهم وأموالهم، وأعراضهم، وقد ثبت في الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: " إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع " 2.
    وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [سورة الأحزاب آية : 58] فمن أذى مؤمنا حيا أو ميتا، بغير ذنب يوجب ذلك، فقد دخل في هذه الآيات، ومن كان مجتهدا لا إثم عليه، فإذا آذاه مؤذ، فقد آذاه بغير ما اكتسب، ومن كان مذنبا وقد تاب من ذنبه، أو غفر له بسبب آخر، لم يبق عليه عقوبة، فآذاه مؤذ، فقد آذاه بغير ما اكتسب. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    ----------------------------------------
    1 مسلم : الأقضية (1715) , وأحمد (2/367) , ومالك : الجامع (1863).
    2 البخاري : العلم (67) والحج (1741) والمغازي (4406) والأضاحي (5550) والفتن (7078) والتوحيد (7447) , ومسلم : القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679) , وأحمد (5/37 ,5/39 ,5/40 ,5/49) , والدارمي : المناسك (1916).

    ص -126-
    " لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره، ولا يخذله، التقوى ها هنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه " 1 رواه مسلم.
    ولهما عن ابن عمر مرفوعا: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة "2، ولهما عن أنس مرفوعا: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " 3.
    وهذا الذي ذكرناه في هذه الرسالة، هو الذي نعتقده وندين الله به، وفيه كفاية لمن أراد الله هدايته، وكان قصده طلب الحق، نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين السلامة من موجبات سخطه، وأليم عقابه، ونعوذ بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته، وفجأة نقمته، وجميع سخطه، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
     

مشاركة هذه الصفحة