فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (1)..(شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب)

الكاتب : الدعوة السلفية   المشاهدات : 494   الردود : 0    ‏2006-11-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-12
  1. الدعوة السلفية

    الدعوة السلفية عضو

    التسجيل :
    ‏2006-11-09
    المشاركات:
    64
    الإعجاب :
    0
    فهرس الجزء التاسع ( القسم الثاني من كناب الجهاد وأول كتاب المرتد )


    ص -5-
    بسم الله الرحمن الرحيم
    فصل [في الإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة] (1)
    قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام، لا يصح إلا بالإمام الأعظم.
    وقال أيضا: اختلفوا في الجماعة والافتراق، فذهب الصحابة ومن معهم إلى وجوبها، وأن الإسلام لا يتم إلا بها، وذهبت الخوارج ومن معهم إلى الأخرى وإنكار الجماعة، ففصل الكتاب بينهم، بقوله تعالى:{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية : 103] الآية.
    وقال أيضا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    ص -6-
    تعالى: الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشيا، فبين - أي الكتاب - هذا بيانا شائعا ذائعا، بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف بالعمل به؟
    وقال أيضا: وبعد يجيئنا من العلوم، أنه يقع بين أهل الدين والأمير بعض الحرشة، وهذا شيء ما يستقيم عليه دين، والدين هو الحب في الله والبغض فيه، فإن كان الأمير ما يجعل بطانته أهل الدين، صار بطانته أهل الشر; وأهل الدين عليهم جمع الناس على أميرهم، والتغاضي عن زلته؛ وهذا أمر لا بد منه من أهل الدين، يتغاضون عن أميرهم، وكذلك الأمير يتغاضى عنهم، ويجعلهم مشورته وأهل مجلسه، ولا يسمع فيهم كلام العدوان، وترى الكل: من أهل الدين والأمير، ما يعبد الله أحد منهم إلا برفيقه، فأنتم توكلوا على الله، واستعينوا بالله على الائتلاف والمحبة واجتماع الكلمة، فإن العدو يفرح إذا رأى أن الكل ناقم على رفيقه، والسبب يرجو عود الباطل.
    [الإمامة في غير قريش]
    سئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى، هل تصح الإمامة في غير قريش؟
    فأجاب: الذي عليه أكثر العلماء، أنها لا تصح في غير قريش إذا أمكن ذلك وأما إذا لم يمكن ذلك واتفقت الأمة على مبايعة الإمام، أو اتفق

    ص -7-
    أهل الحل والعقد عليه، صحت إمامته، ووجبت مبايعته، ولم يصح الخروج عليه، وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي... " الحديث.
    [فرضية نصب الإمام]
    وسئل: أبناء الشيخ محمد وحمد بن ناصر رحمهم الله؛ هل نصب الإمام فرض على الناس أم لا؟
    فأجابوا: الذي عليه أهل السنة والجماعة، أن الإمام يجب نصبه على الناس، وذلك أن أمور الإسلام لا تتم إلا بذلك، كالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وإنصاف الضعيف من القوي، وغير ذلك من أمور الدين، ولهذا أوجب الله طاعة أولي الأمر، فقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } [سورة النساء آية : 59. ] وقـال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية : 103]
    وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة "1، وفي حديث العرباض بن سارية، أنه قال عليه السلام: " أوصيكم بتقوى الله تعالى والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وعليكم بسنتي وسنة
    ----------------------------------------
    1 البخاري : الأحكام (7144) , ومسلم : الإمارة (1839) , والترمذي : الجهاد (1707) , وأبو داود : الجهاد (2626) , وابن ماجه : الجهاد (2864) , وأحمد (2/17 ,2/142).

    ص -8-
    الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة "1. ولا يستقيم الدين إلا بإمام، ولهذا قال علي رضي الله عنه: " لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة، قالوا: يا أمير المؤمنين: هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ قال يقام بها الحدود، ويؤمن بها السبل ".
    وأما العبد إذا اجتمعت فيه شروط الإمامة، فالذي عليه أهل العلم: أن العبد لا تجوز إمامته إذا أمكن، ولم يقهر الناس بسلطانه، وأما إذا قهر الناس واجتمع عليه أهل الحل والعقد، وجبت طاعته وحرمت مخالفته، كما في حديث العرباض المتقدم " وإن تأمر عليكم عبد حبشي "2؛ وإذا أمكن كون الإمام من قريش، فهو أولى، كما في الحديث الصحيح.
    وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا قال بعض الجهال: إن من شروط الإمام أن يكون قرشيا، ولم يقل عارضيا، يشير إلى أنه قد ادعاها من ليس من أهلها، يعني محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ومن قام معه وبعده بما دعا إليه; وأيضا: إن البغاة تحل دماؤهم دون أموالهم، وقد استحل الأموال والدماء من العلماء وغيرهم... إلى آخره؟
    فأجاب: إذا قال بعض الجهال ذلك، فقل له: ولم
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : العلم (2676) , وأبو داود : السنة (4607) , وابن ماجه : المقدمة (42 ,44) , وأحمد (4/126) , والدارمي : المقدمة (95).
    2 البخاري : الأذان (693) , وابن ماجه : الجهاد (2860) , وأحمد (3/171).

    ص -9-
    يقل تركيا، فإذا زال هذا الأمر عن قريش، فلو رجع إلى الاختيار لكان العرب أولى به من الترك، لأنهم أفضل من الترك، ولهذا ليس التركي كفوا للعربية، ولو تزوج تركي عربية كان لمن لم يرض من الأولياء فسخ هذا النكاح؛ وهذا الذي يعظمه الناس تركي لا قرشي، وهم أخذوها بغيا على قريش، ومحمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما ادعى إمامة الأمة، وإنما هو عالم دعا إلى الهدى، وقاتل عليه ولم يلقب في حياته بالإمام، ولا عبد العزيز بن محمد بن سعود، ما كان أحد في حياته منهم يسمى إماما، وإنما حدث تسمية من تولى إماما بعد موتهما.
    وأيضا: فالألقاب أمرها سهل، وهذا كل من صار وليا في صنعا يسمى إماما، وصاحب مسكة، يلقب كذلك.
    والشيخ محمد بن عبد الوهاب قاتل من قاتله، ليس لكونهم بغاة، وإنما قاتلهم على ترك الشرك وإزالة المنكرات، وعلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والذين قاتلهم الصديق والصحابة لأجل منع الزكاة، ولم يفرقوا بينهم وبين المرتدين في القتل وأخذ المال.
    قال شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالهم، حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين ببعض شرائعه،

    ص -10-
    كما قاتل الصديق مانعي الزكاة؛ وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم، إلى أن قال: فأيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات، والصيام، والحج، وعن التزام تحريم الدماء والأموال، والخمر والزنى والميسر، وعن التزام جهاد الكفار، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، لوجوبها، وإن كانت مقرة بها؛ وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، إلى أن قال: وهؤلاء عند المحققين من العلماء، ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين على الإمام، والخارجون عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام، بمنْزلة مانعي الزكاة، انتهى.
    وأيضا: فالمشار إليهم في السؤال، لا نقول إنهم معصومون، بل يقع منهم أشياء تخالف الشرع، ولولا ما يحدث من المخالفات، لم يسلط عليهم عدوهم، ولكن عوقبوا بأن سلط عليهم من ليس خيرا منهم وأحسن. "إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني". والذي أدركنا من سيرة هذه الطائفة المشار إليها، ما بقي منها اليوم إلا الاسم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

    ص -11-
    [قوله صلى الله عليه وسلم من مات وليس في عنقه بيعة]
    وسئل: عن قوله صلى الله عليه وسلم: " من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية "
    فأجاب: أرجو أنه لا يجب على كل إنسان المبايعة، وأنه إذا دخل تحت الطاعة وانقاد، ورأى أنه لا يجوز الخروج على الإمام، ولا معصيته في غير معصية الله، أن ذلك كاف، وإنما وصف صلى الله عليه وسلم ميتته بالميتة الجاهلية، لأن أهل الجاهلية كانوا يأنفون من الانقياد لواحد منهم، ولا يرضون بالدخول في طاعة واحد؛ فشبه حال من لم يدخل في جماعة المسلمين بحال أهل الجاهلية في هذا المعنى، والله أعلم.
    وقال الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الرحمن بن حسن: إلى من يصل إليه من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: بفهمون أن الجماعة فرض على أهل الإسلام، وعلى من دان بالإسلام، كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [ سورة آل عمران آية: 103] ولا تحصل الجماعة إلا بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، وفي الحديث الصحيح، عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها

    ص -12-
    العيون، فقلنا يا رسول الله: كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وأنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ".
    وقد جمع الله أوائل الأمة على نبيه صلى الله عليه وسلم وذلك بسبب الجهاد، وكذلك الخلفاء، رد الله بهم إلى الجماعة من خرج وفتح الله لهم الفتوح، وجمع الله الناس عليهم.
    وتفهمون: أن الله سبحانه وتعالى جمعكم على إمامكم: عبد الله بن فيصل بعد وفاة والده فيصل رحمه الله، فالذي بايع بايع وهم الأكثرون، والذين لم يبايعوا بايع لهم كبارهم، واجتمع عليه أهل نجد باديهم وحاضرهم، وسمعوا وأطاعوا، ولا اختلف عليه أحد منهم، حتى سعود بن فيصل، بايع أخاه وهو ما صار له مدخال في أمر المسلمين، لا في حياة والده ولا بعده، ولا التفت له أحد من المسلمين.
    ونقض البيعة، وتبين لكم أمره أنه ساع في شق العصا، واختلاف المسلمين على إمامهم، وساع في نقض بيعة الإمام، وقد قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ

    ص -13-
    أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [سورة النحل آية: 91،92].
    وسعى سعود في ثلاثة أمور كلها منكرة، نقض البيعة بنفسه، وفارق الجماعة، ودعا الناس إلى نقض بيعة الإمام؛ فعلى هذا: يجب قتاله، وقتال من أعانه، وفي الحديث " من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية" وفي الحديث الآخر "فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" فإن كان أحد مشكل عليه وجوب قتاله، لما في الحديث "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" فظاهر الحديث: أن المراد ما يجري بين القبائل من العصبية، إما عند ضربة عصا من قبيلتين أو فخذين، أو طعنة، فكل قبيلة أو فخذ يكون منهم حمية لمن كان منهم، من غير خروج على الإمام، ونقض لبيعة الإسلام، ولا شق عصا المسلمين.
    وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم، ذكروا قتال العصبية، وحكمه؛ وقتال البغي وحكمه؛ فذكروا أنه يجب على الإمام في قتال العصبية، أن يحملهم على الشريعة؛ وأما البغاة فحكمهم: أنهم يقاتلون حتى يفيئوا ويرجعوا، ويدخلوا في جماعة المسلمين، فالفرق ظاهر بين ولله الحمد، فاستعينوا بالله على قتال من بغى وطغى، وسعى في البلاد بالفساد، وهذا أمر فساده ظاهر لا يخفى على من له عقل،

    ص -14-
    واحتسبوا جهادكم وأجركم على الله، والسلام.
    وقال ابنه الشيخ عبد اللطيف، رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الابن محمد بن علي، كشف الله عنه كل ريب وغمة، وسلك بنا وبه سبيل سلف الأمة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على ما اختصنا به من سوابغ إنعامه، وما ألبسناه من ملابس إكرامه؛ والخط وصل، وما ذكرت صار معلوما. فأما ما أجرى الله من الفتن والامتحان، فلله سبحانه فيه حكم يستحق عليها الحمد، منها تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، وذي البصيرة من الأعمى، كما دل عليه صدر سورة العنكبوت، والآيات من سورة البقرة وآل عمران، وغير ذلك من آي القرآن.
    وتذكر أن أباك يوم يركب ما ظن أن لعبد الله ولاية، ولا أن عبد الله سيعود إليه عن قريب، والظن أكذب الحديث، وظن السوء أورد أهله الموارد المهلكة في الدنيا والآخرة؛ والعجب من فقيه يحكي هذا محتجا به، وقد تربى بحمد الله بين أيدي طلبة العلم وأهل الفتوى، أي حجة في هذا لو كانوا يعلمون؟ ولو دعوت أباك إلى لزوم السنة

    ص -15-
    والجماعة، والوفاء بالعهد الذي يسأل عنه يوم تنكشف السرائر، لكان هذا من أعظم البر، وأرجحه في ميزانك، لا سيما وقد جاءك من العلم ما لم يؤته.
    ثم لو فرض أن هذا الظن متحقق في نفس الأمر، فأي مسوغ للمسارعة إلى الذين تفرقوا، واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وسفكوا الدماء بغير بينة ولا سلطان، ينبغي أن يتنْزه عن هذا سوقة الناس وعامتهم؛ وإنما خاطبتكم بلسان العلم لحسن ظني، والأكثر قد تحققت هلاكهم، وأنهم في ظلمة الجهل، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق; وبعض من ينتسب إلى الدين، قد عرف ما هناك، ولكنه آثر العاجلة، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه، وأبدى من المعاذير ما لا ينجي يوم العرض على الله.
    وأما يمينك على أنك تحقق من أبيك أنه لا ينكث عهده ولو يقال له الدنيا ومثلها معها، فعجب لا ينقضي، والله يغفر لك، وهل النكث حقيقة إلا تباين ما وقع، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وقولك: والله غالب على أمره، حق نؤمن به، ولا نحتج به على شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
    وأما الخط مني له: فخطي لك يكفي، ومثلك لا يخفى عليه وجوب الجهاد، وأنه ركن من أركان الإسلام وذروة سنامه، كما هو مقرر في محله; والآيات القرآنية لا يتسع هذا

    ص -16-
    الموضع لسياقها، بقي أن يقال: هل الجهاد في هذه القضية جهاد في سبيل الله؟ وهذه المسألة لا يختص بها طالب العلم؛ بل كل من كان له نصيب من نور الفطرة ونور الإسلام، يعرف هذه المسألة ولا تلتبس عليه.
    ومن المقرر في عقائد أهل السنة: أن الجهاد ماض مع كل إمام بر أو فاجر، وأبوك وغيره يعلمون أن المسلمين بايعوا عبد الله، وسعود من جملة من بايع، وأن البيعة صدرت عن مشورة من المسلمين، على يد شيخهم وإمامهم في الدين والدنيا، قدس الله روحه ونور ضريحه، فأي شيء نسخ هذا؟ وأنت وأبوك تعرفون حال عبد الله معنا فيما سلف، والمؤمن يعامل ربه ولا يتشفى بما يفسد دينه؛ نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه الذي ارتضاه لنفسه، ونعوذ بالله من اتباع خطوات الشيطان، والرغبة عن سبيل أهل السنة والقرآن.
    وذكّر أباك حديث ابن عباس، في استفتاحه صلى الله عليه وسلم صلاته إذا قام من الليل، وذاكره بما ظهر لك فيه من حقائق العلم والإيمان، واعرف جلالة هذا المطلوب وعظيم قدره، وقدر ما توسل به السائل إلى مطلوبه؛ والمقام يقتضي البسط لحاجة السائل وغيره، ولعل الله أن يمن بذلك؛ وصلى الله على محمد.

    ص -17-
    وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم، السيخ: إبراهيم، ورشيد بن عوين، وعيسى بن إبراهيم، ومحمد بن علي، وإبراهيم بن راشد، وعثمان بن رقيب، وإخوانهم، سلك الله بنا وبهم سبل الاستقامة، وأعذنا وإياهم من أسباب الخزي والندامة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: تفهمون أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، وحصل من التفرق والاختلاف، والخوض في الأهواء المضلة، ما هدم من الدين أصله وفرعه، وطمس من الدين أعلامه الظاهرة وشرعه؛ وهذه الفتنة يحتاج الرجل فيها: إلى بصر ناقد عند ورود الشبهات، وعقل راجح عند حلول الشهوات؛ والقول على الله بغير علم، والخوض في دينه من غير دراية ولا فهم، فوق الشرك، واتخاذ الأنداد معه.
    وقد صار لديكم وشاع بينكم، ما يعز حصره واستقصاؤه، فينبغي للمؤمن الوقوف عند كل همة وكلام، فإن كان لله مضى فيه، وإلا فحسبه السكوت، وقد عرفتم حالنا في أول هذه الفتنة، وما صدر إليكم من المكاتبات والنصائح، وفيها الجزم بإمامة عبد الله، ولزوم بيعته،

    ص -18-
    والتصريح بأن راية أخيه راية جاهلية عمية؛ وأوصيناكم بما ظهر لنا من حكم الله وحكم رسوله، ووجوب السمع والطاعة.
    فلما صدر من عبد الله ما صدر، من جلب الدولة إلى البلاد ا لإسلامية، والجزيرة العربية، وإعطائهم الأحساء والقطيف، والخط؛ تبرأنا مما تبرأ الله منه ورسوله، واشتد، النكير عليه شفاها، ومراسلة لمن يقبل مني ويأخذ عني، وذكرت لكم أن بعض الناس جعله ترسا، تدفع به النصوص والأحاديث والآثار، وما جاء من وجوب جهادهم، والبراءة منهم، وتحريم موادتهم ومواخاتهم، من النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية.
    والقول: بأنهم جاؤوا لنصر إمام أو دين، قول يدل على ضعف دين قائله، وعدم بصيرته وضعف عقله، وانقياده لداعي الهوى، وعدم معرفته بالدول والناس، وذلك لا يروج إلا على سوتسية الأعراب، ومن نكب عن طريق الحق والصواب؛ وأعجب من هذا: نسبة جوازه إلى أهل العلم، والجزم بإباحة ذلك؛ والصورة المختلف فيها مع ضعف القول بجوازها وإباحتها، والدفع في صدرها كما هو مبسوط في حديث "إنا لا نستعين بمشرك" هي صورة غير هذه، ومسألة أخرى.
    وهذه الصورة، حقيقتها: تولية وتخلية، وخيانة

    ص -19-
    ظاهرة، كما يعرفه من له أدنى ذوق ونهمة في العلم، لكن بعد أن قدم عبد الله من الأحساء، ادعى التوبة والندم، وأكثر من التأسف والتوجع فيما صدر منه، وبايعه البعض، وكتبت إلى ابن عتيق أن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها، فالواجب السعى فيما يصلح الإسلام والمسلمين؛ ويأبى الله إلا ما أراد { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سورة يوسف آية: 21].
    والمقصود: كشف حقيقة الحال في أول الأمر وآخره، وقد تغلب سعود على جميع البلاد النجدية، وبايعه الجمهور، وسموه باسم الإمامة، وقد عرفتم: أن أمر المسلمين لايصلح إلا بإمام، وأنه لا إسلام إلا بذلك، ولا تتم المقاصد الدينية، ولا تحصل الأركان الإسلامية، وتظهر الأحكام القرآنية إلا مع الجماعة والإمامة، والفرقة عذاب وذهاب في الدين والدنيا، ولا تأتي شريعة بذلك قط.
    ومن عرف القواعد الشرعية، عرف ضرورة الناس وحاجتهم، في أمر دينهم ودنياهم إلى الإمامة والجماعة، وقد تغلب من تغلب في آخر عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطوه حكم الإمامة، ولم ينازعوه كما فعل ابن عمر وغيره، مع أنها أخذت بالقهر والغلبة، وكذلك بعدهم في عصر الطبقة الثالثة، تغلب من تغلب، وجرت أحكام الإمامة والجماعة،

    ص -20-
    ولم يختلف أحد في ذلك، وعالب الأئمة بعدهم على هذا القبيل وهذا النمط.
    ومع ذلك: فأهل العلم والدين: يأتمرون بما أمروا به من المعروف، وينتهون عما نهوا عنه من المنكر، ويجاهدون مع كل إمام، كما هو منصوص عليه في عقائد أهل السنة، ولم يقل أحد منهم بجواز قتال المتغلب والخروج عليه، وترك الأمة تموج في دمائها، وتستبيح الأموال والحرمات، ويجوس العدو الحربي خلال ديارهم، وينزل بحماهم، هذا لا يقول بجوازه وإباحته إلا مصاب في عقله، موتور في دينه وفهمه، وقد قيل:
    لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولاسراة إذا جهالهم سادوا
    بل هذا الحكم الديني، يؤخذ من قوله تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [سورة آل عمران آية: 103]، لأنه لا يحصل القيام بهذا الواجب إلا بما ذكرنا، وتركه مفسدة محضة ومخالفة صريحة، قال الله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [سورة المائدة آية: 2]، وفي الحديث "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه".
    لاسيما وقد نزل العدو بأطرافكم، واستخف الشيطان أكثر الناس، وزين لهم الموالاة واللحاق بالمشركين، وإسناد أمر الرياسة إليهم، وأنهم ولاة أمر، يعزلون ويولون،

    ص -21-
    وينصرون وينصبون, وأنهم جاؤوا لنصرة فلان، كما ألقاه الشيطان على ألسن المفتونين، وصاروا بعد الترسم بالدين من جملة أعوان المشركين، المبيحين لترك جهاد أعداء رب العالمين، فما أعظمها من مكيدة، وما أكبرها من خطيئة، وما أبعدها عن دين الله ورسوله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
    وما صدر من بعض الإخوان من الرسائل، المشعرة بجواز الاستنصار بهم، وتهوين فتنتهم، والاعتذار عن بعض أكابرهم، زلة لا يرقى سليمها، وورطة قد هلك وضل زعيمها، وما أحسن قوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سورة سبأ آية: 46] فاقبلوا وامتثلوا موعظة ربكم، وجاهدوا في الله حق جهاده.
    وقد أجمع المسلمون: على جهاد عدوهم مع الإمام سعود وفقه الله؛ وقد قرر أهل السنة في عقائدهم: أن الجهاد ماض مع كل إمام، وهو فرض على المشهور، أو ركن من أركان الإسلام، لا يبطله جور جائر.
    وقد قال بعض السلف – لما لامه بعض الناس على الصلاة خلف المبتدعة – إن دعونا إلى الله أجبنا، وإن دعونا إلى الشيطان أبينا، وفي الحديث "جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم" وفقنا الله وإياكم للجهاد في سبيله، والإيمان بوعده وقيله، واحذروا المراء والخوض في دين الله

    ص -22-
    بغير علم، فإنه من أسباب الهلاك، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد.
    وله أيضا رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان من بني تميم، سلمهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وعلى أقداره وحكمه، ونسأل الله أن يحسن عزانا وعزاكم، في الأخ الشيخ: عبد الملك بن حسين، غفر الله ذنبه ورحمه، ورفع في المقربين درجته؟
    وما ذكرتم من جهة حالكم، مع عبد الله، وصدقكم معه، صار معلوما، نسأل الله لنا ولكم التوفيق؛ وقد بذلنا الاستطاعة في نصرته، حتى نزل بالناس ما لا قبل لهم به، وخشينا على كافة المسلمين من أهل البلد، من السبي وهتك الأستار، وخراب الدين والدنيا والدمار، ونزلنا وسعينا بالصلح، بإذن من عبد الله في الصلح، وألجأتنا إليه الضرورة، ودفعنا عن الإسلام والمسلمين ما لا قبل لهم به، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمنا ومن الشيطان، وفي السير ما يؤيد ما فعلناه، وينصر ما انتحلناه، وقد صالح

    ص -23-
    أهل الدرعية وآل الشيخ، وعلماؤهم وفقهاؤهم على الدرعية، لما خيف السبي والاستئصال.
    وعبد الله ظهر بمرحلة عن البلد، ونزل الحائر ولم يحصل منه نصر ولا دفاع { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } [سورة يوسف آية: 21] ثم بلغنا أن الدولة ومن والاهم من النصارى وأشباههم، نزلوا على القطيف، يزعمون نصرة عبد الله، وهم يريدون الإسلام وأهله، وحضينا سعودا على جهادهم وغبناه في قتالهم، وكتبنا لبلدان المسلمين بذلك ، قال الله تعالى: { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } [سورة الأنفال آية: 72] والعاقل يدور مع الحق أينما دار، وقتال الدولة والأتراك، والإفرنج وسائر الكفار، من أعظم الذخائر المنجية من النار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والسلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
    [الحث على الإجتماع وجهاد أعداء الشريعة]
    وله أيضا إليهم ما نصه:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان المكرمين من أهل الحوطة، سلمهم الله تعالى وهداهم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فأوصيكم بتقوى الله وطاعته، والاعتصام

    ص -24-
    بحبله، وترك التفرق والاختلاف، ولزوم جماعة المسلمين، فقد قامت الحجة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعرفتم أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، وقد أناخ بساحتكم من الفتن والمحن، ما لا نشكوه إلا إلى الله.
    فمن ذلك الفتنة الكبرى، والمصيبة العظمى: الفتنة بعساكر المشركين أعداء الملة والدين، وقد اتسعت وأضرت، ولا ينجو المؤمن منها إلا بالاعتصام بحبل الله، وتجريد التوحيد، والتحيز إلى أولياء الله وعباده المؤمنين، والبراءة كل البراءة ممن أشرك بالله، وعدل به غيره، ولم ينْزهه عما انتحله المشركون، وافتراه المكذبون; وأفضل القرب إلى الله: مقت أعدائه المشركين، وبغضهم وعداوتهم وجهادهم، وبهذا ينجو العبد من توليهم من دون المؤمنين، وإن لم يفعل ذلك، فله من ولايتهم بحسب ما أخل به وتركه من ذلك.
    فالحذر الحذر، مما يهدم الإسلام ويقلع أساسه، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [سورة المائدة آية : 57] وانتفاء الشرط يدل على انتفاء الإيمان بحصول الموالاة؛ ونظائر هذه الآية في القرآن كثير.

    ص -25-
    وكذلك الفتنة بالبغاة والمحاربين، توجب من الاختلاف والتفرق والبغضاء، وسفك الدماء ونهب الأموال، وترك أوامر الله ورسوله، والإفساد في الأرض، ما لا يحصيه إلا الله؛ وذلك مما لا يستقيم معه إسلام؛ ولا يحصل بملابسته من الإيمان ما ينجي العبد من غضب الله وسخطه، وهذه الحالة وتلك الطريقة، بها ذهاب الإسلام وأهله، وتسلط أعداء الله، وتمكنهم من بلاد الإسلام، وهدم بنيانه والأعلام; فكيف يسعى فيها من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويؤمن بالجنة والنار، ويخاف سوء الحساب؟!
    فاتقوا الله عباد الله: ولا تذهب بكم الدنيا والأهواء، وشياطين الإنس والجن، إلى ما يوجب الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي، والطرد عن الله وعن بابه، والخروج عن جملة أوليائه وأحبابه، قال تعالى: { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [سورة الزمر آية : 15-16].
    فتدبروا هذه الآيات الكريمات، وسارعوا إلى ما يحبه الرب ويرضاه، من الجماعة والطاعات، وائتموا بالقرآن، وقفوا عند عجائبه، وما فيه من الحجة والبرهان، فإن الله تكفل لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة؛ وهو حبل الله المتين، ونوره المبين،

    ص -26-
    فيه نبأ من كان قبلكم، وفصل ما بينكم؛ لا يضل متبعه، ولا يطفأ نوره؛ فما هذه المشاقة، وما هذا الاختلاف والتفرق؟
    وقد جاءتكم النصائح وتكررت إليكم المواعظ، قال تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً } [سورة النساء آية : 115] وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [سورة النساء آية : 59].
    وقد خرج الإمام أحمد، من حديث الحارث الأشعري، بعد أن ذكر ما أمر به يحيى بن زكريا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وآمركم بخمس، الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله; فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى جهنم. قالوا: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم، على ما سماهم الله عز وجل به؛ المسلمين، المؤمنين، عباد الله " 1.
    وهذه الخمس المذكورة في الحديث، ألحقها بعضهم بالأركان الإسلامية، التي لا يستقيم بناؤه ولا يستقر إلا بها،
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : الأمثال (2863) , وأحمد (4/202).

    ص -27-
    خلافا لما كانت عليه الجاهلية، من ترك الجماعة والسمع والطاعة; نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه، والاعتصام بحبله، والامتثال لأمره واتقاء غضبه، وسخطه; فاحذروا الاختلاف:{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة الأنفال آية : 1] {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور آية : 31] {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [سورة النحل آية : 91] وصلى الله على محمد.
    وله أيضا:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين المكرمين: علي بن محمد، وابنه محمد بن علي، سلمهما الله تعالى من الأسواء، وحماهما من طوارق المحن والبلوى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فأحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير؛ والخط وصل وصلكما الله ما يرضيه، وجعلكما ممن يحبه ويتقيه؛ وما ذكرتما صار معلوما، وهذه الحوادث والفتن أكبر مما وصفتم، وأعظم مما إليه أشرتم، كيف لا، وقد تلاعب الشيطان بأكثر المنتسبين، وصار سلما لولاية المشركين،

    ص -28-
    وسببا لارتداد المرتدين، وموجبا لخفض أعلام الملة والدين، وذريعة إلى تعطيل توحيد رب العالمين، وإلى استباحة دماء المسلمين، وهتك أعراض عباده المؤمنين.
    فتنة لا يصل إليها حديث ولا قرآن، ولا يرعوي أبناؤها عما يهدم الإسلام والإيمان، يعرف ذلك من من الله عليه بالعلم والبصيرة، وصار على حظ من أنوار الشريعة المطهرة المنيرة، وعلى نصيب من مراقبة عالم السر والسريرة; وقد عرفتم مبدأ هذه الفتنة وأولها، والحكم في أهلها وجندها، ثم صار لهم دولة بالغلبة والسيف، واستولوا على أكثر بلاد المسلمين وديارهم، وصارت الإمامة لهم بهذا الوجه ومن هذا الطريق، كما عليه العمل عند كافة أهل العلم من أهل الأمصار في أعصار متطاولة.
    وأول ذلك: ولاية آل مروان، لم تصدر لا عن بيعة ولا عن رأي، ولا عن رضى من أهل العلم والدين، بل بالغلبة حتى صار على ابن الزبير ما صار، وانقاد لهم سائر أهل القرى والأمصار. وكذلك مبدأ الدولة العباسية، ومخرجها من خراسان، وزعيمها رجل فارسي، يدعى أبا مسلم، صال على من يليه، ودعا إلى الدولة العباسية، وشهر السيف وقتل من امتنع عن ذلك، وقاتل عليه، وقتل ابن هبيرة أمير العراق، وقتل خلقا كثيرا لا يحصيهم إلا الله.
    وظهرت الرايات السود العباسية، وجاسوا خلال الديار

    ص -29-
    قتلا ونهبا في أواخر القرن الأول؛ وشاهد ذلك أهل القرن الثاني، والثالث، من أهل العلم والدين، وأئمة الإسلام، كما لا يخفى على من شم رائحة العلم، وصار على نصيب من معرفة التاريخ وأيام الناس.
    وأهل العلم مع هذه الحوادث متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليهم بالسيف، وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة ظلمة فسقة، ما لم يروا كفرا بواحا؛ ونصوصهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم، وأمثالهم ونظرائهم.
    إذا عرفت هذا: فالحاصل في هذا العصر بين أهل نجد، له حكم أمثاله من الحوادث السابقة، في زمن أكابر الأئمة كما قدمنا، وصارت ولاية المتغلب ثابتة كما إليه أشرنا، ووقع اتفاق من ينتسب إلى العلم لديكم على هذا، كالشيخ إبراهيم، والشثري في الحوطة، وحسين وزيد في الحريق؛ وخطوطهم عندنا محفوظة معروفة، فيها تقرير إمامة سعود، ووجوب طاعته ودفع الزكاة إليه، والجهاد معه، وترك الاختلاف عليه، كل هذا موجود بخطوطهم؛ فلا جرم قد صار العمل على هذا والاتفاق.
    ثم توفى الله سعود واضطرب أمر الناس، وخشينا الفتنة واستباحة المحرمات من باد وحاضر، وتوقعنا حصول ذلك،

    ص -30-
    وانسلاخ أمر المسلمين، فاستصحبنا ما ذكر، وبنينا عليه، واختار أهل الحل والعقد من حمولة آل سعود؛ ومن عندهم ومن يليهم، نصب عبد الرحمن بن فيصل، وذلك صريح في عدم الالتفات منهم إلى ولاية غير آل سعود، ولهذا كتبنا من الرسائل التي فيها الإخبار بالبيعة، والنهي عن سلوك طريق الفتن والاختلاف، وأن يكون المسلمون يدا واحدة، ذكرناهم قوله تعالى:{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [سورة آل عمران آية : 103]، ونحو ذلك من الآيات، وبعضا مما ورد من الأحاديث الصحيحات.
    وترك بعض من لديكم هذا المنهج، وسلكوا طريقا وعرة، تفضي إلى سفك الدماء، واختلاف الكلمة، وتضليل من خالفهم، ودعا بعضهم إلى ذلك واستحسنه، من غير مشورة ولا بينة، ولم ينصحوا إخوانهم ويوضحوا لهم وجه الإصابة فيما اختاروه وما ارتضوه؛ وكان الواجب على من عنده علم، أن ينصح الأمة، بل وينصح أولا لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، ويكرر الحجة، وينظر في الدليل، ويرشد الجاهل، ويهدي الضال، بحسن البيان وتقرير صواب المقال، لكنهم أحجموا عن ذلك كله، ولم يلتفتوا إلى المحاقة؛ والله هو ولي الهداية، الحافظ الواقي من موجبات الجهل والغواية.
    وقد أوجب الله البيان وترك الكتمان، وأخذ الميثاق على

    ص -31-
    ذلك على من عنده علم وبرهان. هذه صورة الأمر وحقيقة الحال، وقد عرفتموه أولا وآخرا في المكاتبات الواردة عليكم؛ فلا يلتبس عليك الحال، ولا يشتبه سبيل الهدى بالجهل والضلال، واذكر قوله: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً الاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} [سورة الأحزاب آية : 39].
    إذا رضي الحبيب فلا أبالي
    أقام الحي أم جد الرحيل
    وأما الصلح بين المسلمين، فهو من واجبات الإيمان والدين، ولكن يحتاج إلى قوة وبصيرة، يحصل بها نفوذ ذلك والإجبار عليه؛ فإن وجدت إلى ذلك سبيلا فاذكره لي أولا، ولا نألو جهدا إن شاء الله فيما يكف الله به الفتن، ويصلح به بين المسلمين؛ وأسأل الله أن يمن بذلك ويوفق لما هنالك، وصلى الله على محمد.
    وله أيضا: رفع الله منازله في عليين:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين المكرمين، زيد بن محمد، وصالح ، إلى الأخوين المكرمين ، زيد بن محمد ، وصالح بن محمد الشثري ، سلمهم الله تعالى ، سلام عليكم الله وبركاته وبعد : فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط وصل، أوصلكم الله إلى ما يرضيه، وما ذكرتموه كان

    ص -32-
    معلوما، وموجب تحرير هذا ما بلغني بعد قدوم عبد الله وغزوه، من أهل الفرع، وما جرى لديكم من تفاصيل الخوض في أمرنا والمراء والغيبة، وإن كان قد بلغني أولا كثير من ذلك، لكن بلغني مع من ذكر تفاصيل ما ظننتها، فأما ما صدر في حقي من الغيبة والقدح والاعتراض، ونسبتي إلى الهوى والعصبية، فتلك أعراض انتهكت وهتكت في ذات الله، أعدها لديه جل وعلا ليوم فقري وفاقتي، وليس الكلام فيها.
    والقصد: بيان ما أشكل على الخواص، والمنتسبين من طريقتي في هذه الفتنة العمياء الصماء، فأول ذلك مفارقة سعود لجماعة المسلمين، وخروجه على أخيه؛ وقد صدر منا الرد عليه وبسفيه رأيه، ونصيحة ولد عائض وأمثاله من الرؤساء، عن متابعته والإصغاء إليه ونصرته، وذكرناه بما ورد من الآثار النبويه، والآيات القرآنية بتحريم ما فعل، والتغليظ على من نصره، ولم نزل على ذلك إلى أن وقعت وقعة "جودة" فثل عرش الولاية، وانتثر نظامها، وحبس محمد بن فيصل، وخرج الإمام عبد الله شاردا، وفارقه أقاربه وأنصاره، وعند وداعه: وصيته بالاعتصام بالله، وطلب النصر منه وحده، وعدم الركون إلى الدولة الخاسرة.
    ثم قدم علينا سعود بمن معه من العجمان والدواسر، وأهل الفرع، وأهل الحريق وأهل الأفلاج، وأهل الوادي،

    ص -33-
    ونحن في قلة وضعف، وليس قي بلدنا من يبلغ الأربعين مقاتلا، فخرجت إليه، وبذلت جهدي، ودافعت عن المسلمين ما استطعت، خشية استباحة البلدة، ومعه من الأشرار وفجار القرى من يحثه على ذلك، ويتفوه بتكفير بعض رؤساء أهل بلدتنا، وبعض الأعراب يطلقه بانتسابهم إلى عبد الله بن فيصل، فوقى الله شر تلك الفتنة ولطف بنا، ودخلها بعد صلح وعقد.
    وما جرى من المظالم والنكث، دون ما كنا نتوقع، وليس الكلام بصدده، وإنما الكلام في بيان ما نراه ونعتقده، وصارت له ولاية بالغلبة والقهر، تنفذ بها أحكامه، وتجب طاعته في المعروف، كما عليه كافة أهل العلم على تقادم الأعصار ومر الدهور، وما قيل من تكفيره لم يثبت لدي، فسرت على آثار أهل العلم، واقتديت بهم قي الطاعة في المعروفب، وترك الفتنة، وما توجب من الفساد على الدين والدنيا، والله يعلم أني بار راشد في ذلك.
    ومن أشكل عليه شئ من ذلك، فليراجع كتب الإجماع، كمصنف ابن حزم، ومصنف ابن هبيرة، وما ذكره الحنابلة وغيرهم، وما ظننت أن هذا يخفى على من له أدنى تحصيل وممارسةِ، وقد قيل: سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم.
    وأما الإمام عبد الله: فقد نصحت له كما تقدم أشد

    ص -34-
    النصح، وبعد مجيئه لما أخرج شيعة عبد الله سعودا، وقدم من الأحساء، ذاكرته في النصيحة، وتذكيره بآيات الله وحقه، وإيثار مرضاته، والتباعد عن أعدائه، وأعداء دينه أهل التعطيل والشرك، والكفر البواح؛ وأظهر التوبة والندم، واضمحل أمر سعود، وصار مع شرذمة من البادية حول المرة والعجمان، وصار لعبد الله غلبة ثبتت بها ولايته، على ما قرره الحنابلة وغيرهم، كما تقدم: أن عليه عمل الناس من أعصار متطاولة.
    ثم ابتلينا بسعود، وقدم إلينا مرة ثانية، وجرى ما بلغكم من الهزيمة على عبد الله وجنوده، ومر بالبلدة منهزما لايلوي على أحد، وخشيت من البادية؛ وعجلت إلى سعود كتابا في طلب الأمان لأهل البلدة، وكف البادية عنهم، وباشرت بنفسي مدافعة الأعراب، مع شرذمة قليلة من أهل البلدة، ابتغاء ثواب الله ومرضاته، فدخل البلدة، وتوجه عبد الله إلى الشمال، وصار الغلبة لسعود، والحكم يدور مع علته.
    وأما بعد وفاة سعود، فقدم الغزاة ومن معهم من الأعراب العتاة، والحضر الطغاة، فخشينا الاختلاف وسفك الدماء، وقطيعة الأرحام بين حمولة آل مقرن، مع غيبة عبد الله، وتعذر مبايعته، بل ومكاتبته، ومن ذكره يخشى على نفسه وماله، أفيحسن أن يترك المسلمون وضعفاؤهم،

    ص -35-
    نهبا وسبيا للأعراب والفجار؟ وقد تحدثوا بنهب الرياض قبل البيعة، وقد رامها من هو أشر من عبد الرحمن وأطغى، ولا يمكن ممانعتهم ومراجعتهم.
    ومن توهم أني وأمثالي أستطيع دفع ذلك، مع ضعفي وعدم سلطاني وناصري، فهو من أسفه الناس وأضعفهم عقلا وتصورا، ومن عرف قواعد الدين وأصول الفقه، وما يطلب من تحصيل المصالح ودفع المفاسد، لم يشكل عليه شيء من هذا، وليس الخطاب مع الجهلة والغوغاء، إنما الخطاب معكم معاشر القضاة والمفاتي، والمتصدرين لإفادة الناس وحماية الشريعة المحمدية، وبهذا ثبتت بيعته، وانعقدت، وصار من ينتظر غائبا لا تحصل به المصالح، فيه شبه ممن يقول بوجوب طاعة المنتظر، وأنه لا إمامة إلا به.
    ثم إن حمولة آل سعود، صارت بينهم شحناء وعداوة، والكل يرى له الأولوية بالولاية، وصرنا نتوقع كل يوم فتنة وكل ساعة محنة، فلطف الله بنا، وخرج ابن جلوى من البلدة، وقتل ابن صنيتان، وصار لي إقدام على محاولة عبد الرحمن في الصلح، وترك الولاية لأخيه عبد الله، فلم آل جهدي في تحصيل ذلك والمشورة عليه، مع أني قد أكثرت في ذلك حين ولايته، ولكن رأيته ضعيف العزم لا يستبد برأيه.
    فيسر الله قبل قدوم عبد الله بنحو أربعة أيام، أنه وافق

    ص -36-
    على تقديم عبد الله وعزل نفسه، بشروط اشترطها، بعضها غير سائغ شرعا، فلما نزل الإمام عبد الله ساحتنا، اجتهدت إلى أن محمد بن فيصل يظهر إلى أخيه، ويأتي بأمان لعبد الرحمن وذويه، وأهل البلد، وسعيت في فتح الباب، واجتهدت في ذلك، ومع ذلك كله فلما خرجت للسلام عليه، وإذا أهل الفرع، وجهلة البوادي، ومن معهم من المنافقين، يستأذنونه في نهب نخيلنا وأموالنا، ورأيت معه بعض التغير والعبوس، ومن عامل الله ما فقد شيئا، ومن ضيع الله ما وجد شيئا.
    ولكنه بعد ذلك: أظهر الكرامة ولين الجانب، وزعم أن الناس قالوا ونقلوا، وبئس مطية الرجل زعموا، وتحقق عيدي دعواه التوبة، وأظهر لدي الاستغفار والتوبة والندم، وبايعته على كتاب الله وسنة رسوله، هذا مختصر القضية، ولولا أنكم من طلبة العلم، والممارسين الذين يكتفون بالإشارة وأصول المسائل، لكتبت رسالة مبسوطة، ونقلت من نصوص أهل العلم وإجماعهم، ما يكشف الغمة ويزيل اللبس.
    ومن بقي عليه إشكال فليرشدنا رحمه الله، ولو أنكم أرسلتم بما عندكم، مما يقرر هذا أو يخالفه، وصارت المذاكرة لا نكشف الأمر من أول وهلة، ولكنكم صممتم على رأيكم، وترك النصيحة من كان عنده علم، واغتر

    ص -37-
    الجاهل، ولم يعرف ما يدين الله به في هذه القضية، وتكلم بغير علم، ووقع اللبس والخلط والمراء، والاعتداء في دماء المسلمين وأعراضهم، وهذا بسبب سكوت الفقيه، وعدم البحث، واستغناء الجاهل بجهله، واستقلاله بنفسه.
    وبالجملة: فهذا الذي نعتقد وندين الله به، والمسترشد يذاكر ويبحث، والظالم المعتدي حسابنا وحسابه إلى الله، الذي تنكشف عنده السرائر، وتظهر مخبآت الصدور والضمائر، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور.
    وأما ما ذكرتم من التنصل، والبراءة مما نسب في حقي إليكم، فالأمر سهل والجروح جبار، ولا حرج ولا عار؛ وأوصيكم بالصدق مع الله، واستدراك ما فرطتم فيه، من الغلظة على المنافقين، الذين فتحوا للشرك كل باب، وركن إليهم كل منافق كذاب؛ وتأمل قوله بعد نهيه عن موالاة الكافرين { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [سورة آل عمران آية: 30] والسلام.

    ص -38-
    وله أيضا، صب الله عليه من شآبيب بره ووالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين: سهل بن عبد الله، ومحمد بن عثمان، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، ما تعاقب غدوات الدهر وروحاته؛ والخط وصل، وسرني ما ذكرتما من الدعوة إلى الله، وما حصل بكما من الانتفاع؛ فالحمد لله على ذلك، وفي الحديث " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ".
    قلت: وهذا من عاجل ثواب الله لأهل العلم والحديث، المبلغين عن الله وعن رسوله، فإنهم يعطون نضرة في وجوههم، يمتازون بها عن سائر الخلق، وفي صحيح البخاري " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " 1 وتعليمه يتناول: تعليم معانيه وما دل عليه من الأصول الإيمانية، والقواعد الشرعية، فإن المعنى هو المقصود، وفي الحديث: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا"2 والأحاديث في المعنى كثيرة.
    وللحديث الأول بقية، قد سألني سهل عنها، وهي
    ----------------------------------------
    1 البخاري : فضائل القرآن (5027) , والترمذي : فضائل القرآن (2907 ,2908) , وأبو داود : الصلاة (1452) , وابن ماجه : المقدمة (211) , وأحمد (1/57 ,1/58 ,1/69) , والدارمي : فضائل القرآن (3338).
    2 مسلم : العلم (2674) , والترمذي : العلم (2674) , وأبو داود : السنة (4609) , وأحمد (2/397) , والدارمي : المقدمة (513).

    ص -39-
    قوله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " 1، ذكر العلامة ابن القيم وغيره، أن المعنى: لا يحمل الغل ويبقى فيه، مع وجود هذه الثلاث، فإنها تنفي الغل والغش، وهو فساد القلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع وجود الغل في قلبه، ويخرجه ويزيله، لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغل.
    وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: { َذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [سورة يوسف آية : 24]، فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، ولما علم إبليس هذا المعنى استثناهم في قوله: { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [سورة الحجر آية : 40] فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان.
    ومناصحة المسلمين تنافي الغل أيضا، فإن النصح لا يجامع الغل إذ هو ضده، وكذلك لزوم جماعة المسلمين مما يطهر القلب من الغل، فإن صاحبه للزومه الجماعة يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويسره ما يسرهم.
    وهذا بخلاف ما انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : العلم (2658).

    ص -40-
    والعيب والذم، كما يفعله الجهال والضلاّل مع شيخ الإسلام وأتباعه، على توحيد الله ودينه، وكما فعله إخوانهم: الرافضة والخوارج، والمعتزلة والجهمية، فإن قلوبهم ممتلئة غلا وغشا، ولهذا تجدهم من أبعد الناس عن الإخلاص، وأغشهم للأئمة والأمة، ولا يكونون قط إلا أعوانا على أهل الإسلام، مع أي عدو ناوأهم، وهذا أمر شاهدته الأمة، ومن لم يشاهده فقد سمع منه ما يصم الآذان، ويشجي القلوب.
    وقوله صلى الله عليه وسلم: " فإن دعوتهم تحيط من ورائهم "1، هو بكسر الميم وإسكان النون، وهذا من أحسن الكلام وأوجزه، شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوهم عليهم، فكانت دعوة الإسلام سورا وحصنا، لمن لزمها تحيط به تلك الدعوة، فالدعوة تجمع شمل الأمة وتلم شعثها وتحيط بها، فمن دخل في جماعتها أحاطت به وشملته.
    هذا: وما ذكرتما من الأخبار، صار معلوما، والجواب من الرأس عن قريب إن شاء الله تعالى، والسلام.
    ----------------------------------------
    1 ابن ماجه : المناسك (3056) , وأحمد (4/80 ,4/82) , والدارمي : المقدمة (227).

    ص -41-
    وله أيضا: عفا الله عيه:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى زيد بن محمد، حفظه الله من طوائف الشيطان، وجعلنا وإياه من أوعية العلم والإيمان، وحرسنا وإياه من مضلات الفتن وتلاعب الشيطان، سلام عليكم ورحمة الله وبركانه.
    وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، وأسأله اللطف بنا وبكم، وبكافة المسلمين, عند كل كرب عسير، وقد بلغكم خبر الوقعة التي جرت على إخوانكم، وتفاصيلها عن ألسن القادمين، وقد لطف الله بنا، ودفع ما هو أشد وأعظم، من استباحة البيوت والمحارم، حين صارت الهزيمة، وجنب عبد الله البلد، وكتبت لسعود كتابا، ونادى في قومه بالكف عن بلد الرياض، وأن البلد سلمت، فدفع الله بذلك شرا عظيما.
    وثاني يوم قدمت عليه، وأكثرت عليه في أمر المسلمين، وأظهر القبول، وكف عنا كثيرا من الناس، وأدخل له طارفة في القصر واستقر أمره، وهذه الفتن أصاب الإسلام منها بلاء عظيم، قلعت قواعده، وانهدمت أركانه، واجتثت بنيانه، وهل عند رسم دارس من معول.

    ص -42-
    فالواجب مساعدة إخوانكم بصالح الدعاء، ونشر العلم، وبذل النصائح، وتقديم خوف الله على مخافة خلقه، وما منكم من أحد إلا وهو على ثغر من ثغور الإسلام، فلا يؤتى الإسلام من قبله، كذلك هذه الشبهة التي حصلت، والمكاتبات التي رسمت في شأن هذه الفتن، ممن ينتسب إلى العلم والدين، لا يسوغ لمثلك السكوت عليها، وعدم التنبيه على ما فيها { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} [سورة الطلاق آية: 2] فاكتب لي بما يسر عن مثلك، وما هو الظن بك؛ ولقولك بحمد الله موقع في نفوس المسلمين، كذلك لاتذخر نصح سعود بالمكاتبة، والنصائح والتذكير وابسط القول.

    ص -43-
    وله أيضا: أسكنه الله الفردوس الأعلى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين المكرمين: عبد الله بن إبراهيم بن علي، وسليمان بن إبراهيم آل سعود، سلمهما الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وهذه الفتنة التي وقعت، ودارت رحاها لديكم، سببها الذنوب، ومعصية الله ورسوله، والتمادي والإهمال فيما سلف من أناس لديكم، هم مفاتيح للشر مغاليق للخير، دخلوا في تميم مدخلا عظيما بالقيل والقال، والكذب والضلال، نسأل الله أن يقينا وإياكم شر هذه الفتنة، وأن لا يشمت بنا الأعداء.
    ولا أرى لنا ولكم إلا تحكيم كتاب الله، وسنة رسوله في موارد النّزاع، فإن حذيفة قد سأل رسول الله عن الشر، فذكر له الفتن وحذره منها، فقال حذيفة: " ما المخرج يا رسول الله؟ قال: "إقرأ كتاب الله واعمل بما فيه؛ كرر ذلك ثلاثا "، فالنجاة تحكيمه في موارد النّزاع، والحق مستبين لولا الهوى ومجانبة الهدى، وعلى الحق منار كمنار الطريق، فاحذروا الفتنة والقطيعة، وخراب الديار، وحلول قوارع

    ص -44-
    البلاء والبوار: {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة الأنفال آية : 1] ولا تهاونوا بأمر الفتنة، فإن أمرها عظيم وعذاب أليم.
    وأما أمر ولاية عبد الرحمن بن فيصل، فسبق إليكم خطوط بعد وفاة سعود، وعرفتكم بعقد البيعة لعبد الرحمن، وحذرت من الفتنة والمشاقة، والرغبة عن جماعة المسلمين، وكتبت لغيركم هذا المضمون، ولا قصد لي إلا اجتماع المسلمين، ودفع الشر والفساد بحسب الطاقة، و{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [سورة البقرة آية : 286] ولا جرى مني ما ينقض هذا.
    والخط الذي ورد عليكم وأرسلتموه إلينا، لا حقيقة له، ولم يصدر مني ما ذكر فيه، ولو طالبتموه بخطي، لم تجدوا عنده أثرا ولا خبرا، والله يقضي ما يريد بحكمته، وينفذ بقدرته وعزته، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، ولا تغتروا بالحكي وتسويد القرطاس{وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} [سورة النساء آية : 79]. والله عند لسان كل قائل وقلبه، ولا يستنكر مثل هذا، وأعظم منه في هذه الفتنة، نسأل الله العظيم أن يلطف بأهل الإسلام، وأن يهديهم سبل السلام، وأن يخرجنا وإياهم من الظلمات إلى النور، وينصرهم على عدوهم، وصلى الله على محمد.
    سئل بعضهم: ما معنى قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي
    ص -45-
    الأَمْرِ} [سورة آل عمران آية 159] وما يلزم الإمام في ذلك؟ أوضحوا لنا رحمكم الله؟.
    فأجاب: قال الله تعالى لصفوته من خلقه: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} ، وقرأ ابن عباس: في بعض الأمر; قال الإمام العلامة أثير الدين أبو حيان في تفسيره المسمى "البحر المحيط" على هذه الآية الكريمة: أمر الله تعالى بمشاورتهم.
    وفيها فوائد: تطييب نفوسهم، ورفع مقدارهم بصفاء قلبه لهم، حيث أهلهم للمشاورة، وتشريع المشاورة لمن بعده، والاستظهار برأيهم فيما لم ينْزل فيه وحي، فقد يكون عندهم من أمور الدنيا ما ينتفع به، واختبار عقولهم، فتنْزلهم منْزلة لهم، واجتهادهم فيما فيه وجه الصلاح، وجرى على منهج العرب وعادتها في الاستشارة في الأمور.
    وإذا لم يشاور أحدا منهم حصل في نفسه شيء، ولذلك عز على علي وأهل البيت كونهم لم يتشاوروا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه إلى أن قال: إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقدا فيه المودة الصادقة والعقل والتجربة، قال رحمه الله: وفي هذه الآية دليل على المشاورة وتخمير الرأي وتنقيحه، والفكر فيه، وأن ذلك مطلوب شرعا، ولهذا كان كثير المشاورة صلى الله عليه وسلم لأصحابه انتهى.
    وفي الحديث: " ما خاب من استخار، ولا ندم من

    ص -46-
    استشار " ولولي الأمر كتمان بعض الأمر لمصلحة يراها، كفعله صلى الله عليه وسلم ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي، وينبغي أن يفهم: أن من استشار واحدا أو اثنين وأمره فقد استشارهم، كما صرحت به سنته وهديه، ففي بعض الأمر استشار أم سلمة، ولم يستشير غيرها، وفي مصالحة المشركين استشار السعدين فقط، ولما أراد أن يرجع من الطائف استشار نوفل بن معاوية الديلمي، وهذا باب واسع، وربما فعل أشياء ولم يستشر فيها أحدا، وقد أرسل بعض السرايا، وكتب لهم كتابا إذا بلغتم كذا وكذا، فانظروا كتابي واعملوا به، ولم يطلع عليه غيره، ولم يشاورهم فيه.
    والحاصل من الجواب: أن المشاورة مأمور بها، مندوب إليها، وعاقبتها خير، وفوائدها كثيرة، لكن من استشار البعض فقد استشارهم، ولا يشاور إلا أهل الصلاح، والمحبة الصادقة، والعقل، والتجربة، والنصح، ومن علم منه غير هذا فلا يستشار، آخره، والله الموفق والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

    ص -47-
    وقال الشيخ: حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من حمد بن عتيق، إلى الإمام سعود، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: وصل إلي خطك وتأملته، وكثرت الظنون فيه، حتى إني ظننت أن الذي أملاه غيرك، لأن فيه أمورا ما تصدر من عاقل، وفيه أكاذيب ما تليق بمثلك، وتذكر أنك أشرفت على خط لمبارك بن محمد، وتحققته، فنقول: ذلك ما كنا نبغ، فإنك المقصود به، وتحققنا أن مباركا يوصله إليك، وأردت أنه يكون لي حجة عليك عند الله.
    وقد جاءنا خط من مبارك، يقول فيه، ويشهد: أن هذا الكلام الذي فيه، هو الحق الذي ليس بعده حق، وقد رآه كثير من الإخوان، فما أمكروا منه شيئا، فلا يضر الحق جحدك له والأحاديث، فأجب عنها، وإلا فاتق الله ولا تغتر بدعاية ليس لها أصل.
    وأما قولك: إنه غيرني طمع الدنيا، فأنا لا أزكي نفسي، وابن آدم على خطر ما دامت روحه في جسده؛ وأما في هذا الأمر، فأنا جازم أني على الحق – ولله الحمد – فإن رجعت إلى ما تعلمه مني، مما كنت أقول لك وأجاهرك به، عرفت أن طمع الدنيا ما يغرني، ولا قوة إلا بالله.

    ص -48-
    وأما إنكارك موالاة أهل نجران، فهو مكابرة، لأنها أمر قد اشتهر، واحتجاجك: بأن عبد الله يوالي الشريف، نقول: نبرأ إلى الله من موالاة الشريف، وأهل نجران جميعا.
    ونقول لك أيضا: لا شك أن عبد الله، وقبله والده، وقبله جدك تركي، رحمهما الله، يكاتبون الشريف، وينهون، ويعتقدون بأنهم يفعلون ذلك مكافأة دون المسلمين، واستدفاعا لشر الدول، ولا نحملهم إلا على الصدق.
    وأنتم تكاتبون أهل نجران، وتستصرخون بهم على أهل الإسلام، لتفريق جماعتهم، والإفساد في الأرض، وأنتم تعلمون عداوتهم لهذا الدين وأهله، وما جرى بينهم وبين أهل الإسلام، أفلا يستحي العاقل؟.
    وأما قولك: إنكم ما أنكرتم على عبد الله، فنقول لك أولا: إنا لا نقول إن مجرد المكاتبة تستلزم الموالاة الموجبة للإنكار؛ وأيضا: نفيك لإنكارنا رجم بالغيب، فإنه ليس من شرط الإنكار إطلاعك عليه، وأيضا: من الذي قال إن تركنا للإنكار أو غيرنا، يكون حجة لك، في فعل ما هو أكبر وأنكر؟!.
    وأما قولك: إن جنودك آل عرجا والمرة، فنقول:

    ص -49-
    كلهم أعداء، قاتلهم الله، واستعانتك بهم على أهل الإسلام، من أكبر الحجج عليك، ومما يوجب نفرة كل مؤمن عنك.
    وأما قولك: إن حكمك ماض عليهم، قبل أن يموت الوالد باثني عشر سنة، فنقول: ما علمنا أن لك حكما تختص به، إلا أنك أمير للإمام من جنس غيرك من الأمراء، ويدل عليه: أن والدك وحمه الله عزلك في حياته، ومات وأنت معزول.
    وأما قولك: إن معك ختمه، فنقول: حاشا الإمام فيصل رحمه الله، مع ما أعطاه الله من العقل، والتمييز بين المصالح والمفاسد، ومعرفة أسباب الفتن، والتحرز مما يقتضيها، حاشاه أن يكتب أن الرعية تكون فرقتين، إلا إن صح ما ذكرته في خطك، من أن عقله اختل في آخر عمره، فيكون هذا صدر في تلك الحال، فيكون وجوده كعدمه.
    ولو نقدر أن ما تدعيه صدر في صحة عقله، لكان هذا مردودا عليه، فإنه أمر مستحيل وجوده في مثل تجد وما يتبعها.
    وأما قولك: إني منكر عليك تحيزك إلى محمد بن عايض، أنكرنا عليك السعي في الفتنة وسفك الداء، وطلب ما ليس لك؛ ومحمد بن عايض ما نقول فيه إلا الخير؛ والظن فيه: أنه ما يساعدك على ما تحاول، ومعه من العقل

    ص -50-
    والديانة ما يحجزه عن الخروج عن مقتضى الشرع، ومقابلة إحسان آل الشيخ، وآل مقرن بالإساءة، حاشاه من ذلك.
    مع أنه قد علم وتحقق بالعادة الجارية، والأدلة القاطعة: أنه ما من طائفة قامت في عداوة أهل هذا الدين، ونصبت لهم الحرب، إلا أوقع الله بها بأسه، ونوع عليها العقوبات، هذا أمر ثابت يعرفه من نظر واعتبر، ويدل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} [ سورة الإسراء آية: 76،77].
    فكيف يظن بمحمد: أنه يعرض نفسه وإخوته، وما أعطاه الله من العز، إلى حلول هذه السنة به؟ أعاذه الله من ذلك؟ والحمد لله الذي أوصل خطى إليه حتى عرفه وتحققه، أن الله قد جعل له نصيبا من العلم، وعنده الكتب: التفسير، والحديث، والتواريخ التي فيها أيام الناس.
    وأما قولك: إنك بايعت عبد الله قهرية؛ فنقول: ثبتت إمامة عبد الله، بايعت أم أبيت، فلو أنك امتنعت من بيعة عبد الله، ولم يطلبها منك، هل يثبت لك ما ذكرت؟ أم هل يحل لك أن تفعل ما فعلت؟ سبحان الله وبحمده؟ مع أنك بايعت اختيارا، فإنك خضرت مع المشائخ ومن حضر معهم، وبايعت أخاك طوعا واختيارا، لا قهرا واضطرارا.
    وأما قولك: إن أهل نجد بايعوا عبد الله ذلا وقهرا،

    ص -51-
    فهذا قول معلوم عدم صحته، فإن أهل نجد بايعوا عبد الله، ودخلوا في طاعته طوعا واختيارا، وثبتت الولاية باتفاق الرعية، ولا نعلم أحدا خالف في ذلك ولا نازع فيه، فكان أمرا معلوما عند الخاص والعام، وقد اختاره والده وقدمه في حياته، ورضيه المسلمون بعد وفاة أبيه، فصار من نازع في ذلك باغيا، يجب على المسلمين دفعه وجهاده باليد واللسان والمال، وهذا الذي ندين الله به ونلقى به ربنا، رضيت يا سعود أم غضبت.
    وأما جراءتك في حق أخيك، مثل قولك: إن عبد الله أفسد أديان الناس، فهذا كلام مستبشع، لايحل التلفظ بمثله، وحرص عبد الله على صلاح دين الناس ودنياهم أمر معلوم.
    وأما الذين هلكوا في المعتلى، فنرجو أن من صلحت نيته منهم شهيد، ولم يموتوا إلا بآجالهم، ونرجو لهم عند الله، لأنهم قتلوا تحت سيف ابن سريعة، ونحوه من الطواغيت.
    وأما دعواك على أخيك: فعل كذا وكذا، فلو كان صدقا لم يوجب خروجك عليه، وشق عصا المسلمين، لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، أنه يجب على المسلم السمع والطاعة، وإن ضرب ظهره وأخذ ماله؛ وأنت لم يضرب لك ظهر، ولا أخذ لك مال، فإن كان الذي حملك

    ص -52-
    على ما فعلت: الطمع في بيت مال المسلمين، واستقلالك ما تأخذ منه، فهذا من العدوان الظاهر.
    فإن بيت المال مشترك بين المسلمين، عامهم وخاصهم، مع أن أخاك ما قصر في عطائك، يعطيك أشياء لاتستحقها، فإن الواحد منكم كأنه واحد من المسلمين، وما يفعله كثير كم من الملوك، من تفضيل أقاربهم، قد أنكره السلف، وعمل أئمة العدل يخالفه؛ وقد بلغك: أن عمر بن الخطاب نقص ابنه عبد الله عن عطاء المهاجرين خمسمائة درهم.
    فلو أن أخاك عاملك بما تقبضيه السنة، وما ذكره مثل شيخ الإسلام في السياسة الشرعية، لم يكن لك عليه حجة، ولكان أحرى بإعانة الله له عليك وعلى من خرج، فكيف وهو يحثو عليك وعلى أشباهك ما لا تستحقونه، والظاهر أن هذا ما يخفى عليك.
    وأما قولك: إنك تطلب حكم الله ورسوله، فأخوك ما يمنع حكم الله ورسوله، فما الذي منعك من طلب ذلك، حين كنت بين المشائخ أهل العدل والإنصاف؟ فإن زعمت أنك خائف، فكيف لم تطلب ذلك بعد ما ألفيت على محمد بن عايض؟ ولو أنك كاتبت أخاك أو المشائخ تطلب المحاكمة لم تمنع، فلما لم تفعل فأخوك لم يمنعك إلى اليوم، وأنت الطالب، فإن طلبت من أخيك يعطيك

    ص -53-
    المواثيق، وتقدم عليه وتجالسه عند آل الشيخ، حصل لك ذلك.
    وأما قولك: إن عبد الله يوكلني أخاصمك، فأنا لا أطلب ذلك، وإذا أراد خصومتك فإن قربت منه خاصمك بنفسه، فإن بعدت عنه وجد لها غيري، فإن عين ذلك على وألزمني به، قلت سمعا وطاعة.
    وأما قولك: إن عبد الله حال بينك وبين ما تملك في الأحساء والقطيف، فلا نعلم أن عبد الله حال بينك وبين شيء تملكه، وأما خراج الأحساء والقطيف، فهو مشترك بين المسلمين، وحكمه وتدبيره عند من ولاه الله أمرهم.
    وأما ما ذكرت: من المزاعيل والتخويفات، فجوابه {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [ سورة هود آية: 56] ونصدع بالحق إن شاء الله ولا قوة إلا به، ولا يمنعنا من ذلك تخويف أحد.
    وفي خطك أمور تحتاج إلى جواب طويل، واقتصرنا على القليل منه، ليتبين لك ولمن عندك خطؤك، لعل الله أن يردك للحق، وتترك ما هو شر في العاجل والآجل، وفي الكتاب والسنة ما يبين المحق من المبطل، والضلال من الصراط المستقيم؛ كقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية: 103] وقوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا } [سورة آل عمران آية: 105]

    ص -54-
    وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [ سورة الأنعام آية: 159].
    وفي الأحاديث مثل ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم: "من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يفي لذي عهد فليس مني ولست منه" وقوله: "من أتاكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم، فاقتلوه كائنا من كان" وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما" وقوله: "اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيية" في أحاديث كثيرة في هذا المعنى، قد قرأتها، وقرئت عليك.
    فاتق الله، فإني أخاف عليك من قوله: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [سورة الصف آية: 5] ومن قوله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور آية: 63] قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
    ونحن لا نكره أن يهديك الله إلى صراطه المستقيم، وتكون على ما كان عليه آباؤك الصالحون، وسلفك المهتدون، وفيمن ذكرت ممن مات من إخوتك عبرة للمعتبر، رحمهم الله وعفا عنهم، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

    ص -55-
    وقال الإمام: عبد الله بن فيصل، رحمه الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن فيصل، إلى من يراه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    وبعد: فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه وحكمه، والوصية الجامعة النافعة لمن عقلها وفهمها، هي وصية الله لعباده، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه } [سورة النساء آية : 131] وتفاصيل ذلك على القلوب والجوارح، مذكور في كتاب الله وسنة رسوله، يجده من طلبه.
    قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ َوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } [سورة آل عمران آية : 102-103] إلى قوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران آية : 103] والآيات بعدها إلى قوله: {مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران آية : 108].
    فأمر تعالى بتقواه حق التقوى، وأمر بالتزام الإسلام والتمسك به مدة العمر والمحيا، لأن من عاش على شيء مات عليه، كما جرت به عادة أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وأمر بالاعتصام بحبله، وهو كتابه، وقيل هو الجماعة، والمعنى متقارب، لأن الاعتصام بالكتاب لا يحصل على وجه الكمال الواجب، إلا مع الجماعة،

    ص -56-
    ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: " يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أكرمكم به ".
    ويشهد له الحديث المرفوع: " من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " 1، وعنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " 2.
    وكذلك هذه الآية، فيها النهي عن التفرق، فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.
    وإذا وقعت الفرقة فسد الدين، ونبذ الكتاب، وغلبت الأهواء، وذهب سلطان العلم والهدى، فلا تكاد ترى إلا من هو معجب برأيه، منفرد بأمره، منتقص لغيره، معرض عن قبول الهدى، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم; وقد ورد مرسلا: " كل رجل من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله " وعن الحسن : " إنما المسلمون على الإسلام بمنْزلة الحصن، فإذا أحدث المسلم حدثا ثغر في الإسلام من قبله ". وإن أحدث المسلمون كلهم، فاثبت أنت على الأمر الذي لو اجتمعوا عليه، لقام دين الله بالأمر الذي أراد من خلقه; وبالجملة: فشأن الجماعة شأن عظيم، قد عدها كثير من أهل العلم من أركان الإسلام، التي لا يقوم إلا بها.
    وقد عرفتم: ما حدث من الاختلاف والتفرق في هذه
    ----------------------------------------
    1 الترمذي : الأمثال (2863) , وأحمد (4/130 ,4/202 ,5/344).
    2 أحمد (2/367) , ومالك : الجامع (1863).

    ص -57-
    الأوقات، وظهر من أمور الجاهلية ما يعرفه من عرف حال القوم، وما كانوا عليه قبل النبوة في أصل التوحيد وغيره، مما لا يقوم الإسلام إلا به، فالله الله، تداركوا أمره، وتوبوا إلى ربكم، قبل أن تبسل نفس بما كسبت.
    ثم ذكر سبحانه بنعمته بالجماعة، وما من به على أول هذه الأمة، من الاجتماع على دينه الذي ارتضاه، بعد ما كان بينهم من الفرقة والعداوة، فألف بين قلوبهم، وصاروا إخوانا متحابين متواصلين، متناصرين على دينه، متعاونين على جهاد عدوه وعدوهم، فأنقذهم بذلك من النار، بعد أن كانوا على طرف حفرة منها، وهذه هي النعمة العظيمة، والعطية الكريمة، قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } [سورة آل عمران آية : 185].
    ثم بين سبحانه مراده وحكمته، بما تقدم من الأمر والبيان، وأن المقصود به هداية عباده المؤمنين، والعمل بما أمر به وشكر نعمه التي أسداها إلى خلقه.
    ثم قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [سورة آل عمران آية : 104] قال بعض المفسرين: المقصود بهذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة، متصدية للقيام بأمر الله، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
    وقد ورد الوعيد، في الكتاب والسنة على ترك الأمر

    ص -58-
    بالمعروف والنهي عن المنكر، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم" " 1 والأحاديث في المعنى كثيرة.
    ثم نهى عن مشابهة الذين تفرقوا، واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وهم أهل الكتاب من قبلنا، وذكر الوعيد على ذلك وعظمه.
    ثم ذكر الوقت والأجل اللاحق، وما أعد لأهل التفرق والاختلاف، من العذاب والعقاب، فقال: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [سورة آل عمران آية : 106]، قال ابن عباس: " تسود وجوه أهل البدعة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة ".
    ومن هنا يعلم: أن من أعظم الفساد ترك الجماعة، والاختلاف في الدين، والإعراض عن كتاب الله، وكثرة المراء والجدال، وإظهار دعوى الجاهلية المفرقة للجماعة، فهذا وأمثاله يعود على أصل الإسلام - معرفة الله وتوحيده - بالهدم والقلع، ولذلك كرر النهي عن هذا الاختلاف في هذه الآيات الكريمات.
    وعلى العامة والخاصة أن يعظموا كتاب الله ودينه وشرعه، وأن يقبلوا على ما ينفعهم من تعلم دين الله ومعرفة شرعه، وأن لا يعرضوا عن ذكره الذي أنزله على رسوله،
    ----------------------------------------
    1 أحمد (5/388).

    ص -59-
    وهو كتابه العزيز، فإن الإعراض عن ذلك يؤدي إلى الكفر - والعياذ بالله - وإن لم يجحده وينكره.
    وقد عرفتم الجماعة، والمقصود بها، وأنه لا يحصل إلا بالإمامة والطاعة لولي الأمر، فاجتمعوا على ذلك ولا تختلفوا، وكونوا عباد الله إخوانا، على دين الله ومرضاته أعوانا.
    نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه، والبصيرة في أمره، وأن يجعل لنا ولكم فرقانا، نفرق به بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والغي والرشاد، والضلال والهدى، وأن يجعل لنا نورا نمشي به، وأن يعيذنا من خلط الحق بالباطل، واللبس والالتباس{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [سورة النور آية : 40].
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
     

مشاركة هذه الصفحة