الروح و الجسد

الكاتب : yemen-1   المشاهدات : 1,735   الردود : 3    ‏2006-11-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-11-08
  1. yemen-1

    yemen-1 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-09-19
    المشاركات:
    1,710
    الإعجاب :
    0
    الروح و الجسد

    تمهيد:

    هل تعتقد أنك تفهم نفسك وتفهم الحياة؟ هل تعتقد أنك حقا تُحب؟ فما الحب إذا وما الكراهية؟ لماذا نحن غاضبون دائما؟ وإذا كان كلٌّ منّا يقول إنه يبحث عن السعادة.. فما تلك السعادة التي نبحث عنها؟ وأين نجدها؟ من الإنسان وكيف هو... وإلى أي طريق نسير؟

    أسئلة كثيرة لابد وأنها تدور في ذهن كل منا؛ محاولين الإجابة عليها؛ من أجل الوصول إلى حياة أفضل، حياة أرقى وأسمى، فمنّا من يصل إليها، ومنا من يبحث عنها في غير مكانها، ومنا من يحاول تجنب الخوض فيها، مدّعيا أنه يعيش الحياة كما هي، فيحيا ويموت دون أن يدري كيف عاش ولماذا كانت معيشته..

    فإذا كنتَ ممن يعنيهم الإجابة ومن ينشغلون بها، إن كنت من الذين يحاولون الوصول إلى فهم النفس والاقتراب من الرب والتعرف على الناس، فنحن ندعوك أن نبحث سويا وندقق مليّا ونحن نقلب معا صفحات هذا الكتاب، إنها رحلة في قلب وعقل ووجدان إنسان منا وهو في مشوار بحثه عن معنى الحياة.

    قد نتفق معه وقد نختلف، ليس هذا هو المهم، إنما المهم هو أننا ونحن ندقق في رؤيته ونناقش أفكاره نحاول الوصول إلى حقيقة رؤيتنا نحن ومناقشة أفكارنا..

    الكتاب: الروح والجسد
    المؤلف: د. مصطفى محمود





    عن الصمت والصراخ
    الصمت..

    أحبك...

    تلك هي الكلمة التي يقولها أحدنا للتعبير عن حالة وجدانية خاصة جدا وذاتية وجديدة عليه... فما رأي "مصطفى محمود" في هذا التصريح؟

    يقول الكاتب إننا نتبادل الكلمات والحروف والعبارات كوسائل للتعبير عن المعاني، وكأدوات لكشف كوامن النفس... ونتصور أن الحروف يمكن أن تقوم بذاتها كبدائل للمشاعر، ويمكن أن تدل بصدق على ذواتنا ومكنوناتنا..

    ويري الكاتب أن الحقيقة هي أنّ الحروف تحجب ولا تكشف، ويخلص أنه يستحيل أن تُعبِّر هذه الكلمة المستهلَكة عن حقيقة كبيرة نحملها في وجداننا، بعدما حوّلها الفن الرخيص والأغاني المبتذلة لشيء ماسخ، ويرى أن للصمت المفعم بالشعور حكما أقوى من حكم الكلمات.. ويقول "إن المحب الصامت يستطيع أن ينقل لغته وحبه للآخر إذا كان على نفس المستوى من رهافة الحس، وإذا كان هو الآخر قادرا على السمع بلا أذن والكلام بلا نطق".

    فإذا سألت نفسك وهل هذا ممكن؟ وجدت الكاتب يرد عليك بأننا نرى في الحلم بلا عيون ونسمع بلا آذان ونجري بلا سيقان.

    ثم يخرج الكاتب من دائرة حب المخلوق للمخلوق إلى حب الخالق، ليُطبِّق عليها أو -على الأرجح- يستلهم منها هذه المعاني ليقول إن الحقائق الإلهية لا تستطيع أن تصل إليها الألفاظ، وإن الألفاظ لا تدنو من وصف ذات الله المطلقة.

    ومن المعارف التي ساقها ما ورد في الأثر أن الله تعالى أوحى لأحد عباده الصالحين:
    "الحرف يعجز عن أن يخبر عن نفسه فكيف يخبر عني وأنا الله؟ أنا خالق الحرف وما يخبر عنه الحرف فأنا من وراء الاثنين.. اخرج عن الحرف، اخرج عن نفسك، اخرج عن اسمك تكن موجودا بحق.. ومن هنا يرى أن الصمت كان حال الواجدين العاشقين عشق الروح لا عشق الأجساد...



    الصراخ..
    إذا كانت السعادة لا تتحقق إلاّ بالسكينة، فكيف تتحقق السكينة؟

    يقول الكاتب.. نحن في عصر الصراخ.. علاقة الحب صراخ.. علاقة الزواج صراخ.. علاقات المجتمع صراخ طبقي.. علاقات الدول صراخ سياسي.. والشعارات صراخ فكري.. والبيوت التي ترفع لافتة الحب على بابها تعيش حياة أقرب إلى الصراع على السلطة منها إلى تعاون المودة والرحمة بين أزواج وزوجات.

    ويرى "مصطفى محمود" أن المرأة في سبيل أن تحصل على شعورها بالسيادة تلجأ لوسائل شتى، ولو أدى الأمر عند بعضهن لإثارة الغيرة، وأنها تبحث عن النكد بشتى الوسائل، وفي النهاية يصل الحوار بينها وزوجها لصراخ وعويل ولطم وندب.. ودائما ما يكون هناك شيء ناقص.. فإذا وُجد الحبُ صرخت الزوجة؛ لأنها لا تجد كفايتها من المال، وإذا وجدت المال صرخت لأنها لا تجد كفايتها من الحب، وإذا وُجد الاثنان صرخت لأن للزوج ماضيا، وكأنما هناك دائما غِل بسبب وبدون سبب، وكأنما الغل هو التراث الحضاري المشترك بين النساء..".

    ولم يقصر الغل على المرأة فقط وفي علاقة الزواج فقط، بل ذهب إلى أن الغل هو السبب في الجحيم الذي نعيشه، الغل في المرأة وفي الرجل، وفي الدولة، حتى الغل في الضحك هو عنوان تعاسة، والتهريج المجلجل والمرح الوحشي عنوان افتعال ومحاولة لتغطية حزن دفين وقلق بالغ.

    فما السعادة؟ يرى أن السعادة لا يمكن أن تكون صراخا وإنما هي حالة من حالات السكينة تقل فيها الحاجة إلى الكلام، وتنعدم الرغبة في الثرثرة، هي إحساس بالصلح مع النفس والدنيا والله، واقتناع عميق بالعدالة الكامنة في الوجود كله، وقبول جميع الآلام في رضا وابتسام.

    ويرثي لحال أولئك الذين يهربون من الشعور بالخيبة والذين لا يتفقون مع أنفسهم فيغرقون أنفسهم في الملذات أو شعار ملفّق أو مباراة كرة تاركين مشكلتهم الحقيقية.

    ويرى أن الصراخ والصياح وخراب النفوس وتمزق الأرواح سببه الأول اعتقاد أصحابها وكأنهم يعيشون في عالم بلا إله، وأنهم يبحثون عن عدل دون اعتقاد في عادل، ويحاولون النهوض بحياة يعتقدون أن مصيرها التراب.

    وفي النهاية يعتقد الكاتب بمقولة قديمة تقول: "إن البيوت السعيدة لا صوت لها"، ويرى أن ذلك لا يمكن تحقيقة لهذا الكيان إلا بالرجوع بكلمة الحب لصاحبها وخالق معناها، وأن نفهم أن العلاقة السوية بين الرجل والمرأة هي المودة والرحمة... فما أحوج الأسرة في زمننا هذا لهذين النبعين!!



    عن الروح والجسد
    السعادة..

    يالها من ضالة للنفوس البشرية التي تسعى إليها من كل سبيل، وترجو لقاءها في كل لحظة..

    فهل تطرّق الكاتب للحديث عن ذلك السبيل الذي يوصلنا إليها؟ نعم، فانظر معي إلى قوله "سر من أسرار السعادة هو انسجام الظاهر والباطن في وحدة متناسقة متناغمة"، أي يصبح ما يظهر من سلوك للإنسان وما يتصف به هذا السلوك جزءا من الحقيقة التي يعيشها داخله، فيكون واحدا صحيحا، أما إذا اختلف ما يظهره عمّا يخفيه صار منقسما على نفسه ومثل ذلك الإنسان لا يجد السعادة...

    ويستطرد الكاتب بقوله: "إن السعادة في معناها الوحيد الممكن هي حالة الصلح بين الظاهر والباطن، بين الإنسان ونفسه، بين الإنسان والآخرين، وبين الإنسان والله".

    ويحاول أن يفسر لنا كيف نخطئ أحيانا سبل الوصول إلى تلك السعادة.. "الصورة الدارجة للسعادة التي تتداولها الألسن عن شلة الأنس التي تكرع الخمر في عوّامة، وحولها باقة من النساء الباهرات العاريات، وأجساد تتخاصر، وشفاه تتلاثم وما في ذلك من لذة، فهذه الصورة هي حالة شقاء وليست حالة سعادة، فنحن مع نفوس تركت قيدها للحيوان الذي يسكنها، وكرست حياتها لإرضاء خنزير كل همه أن يأكل ويضاجع.. هي حالة عبودية.. حالة غرق للإنسانية في مخاط الحيوانية اللزج.

    ومثل هذه الحالة حالة أولئك الذين يحاولون الوصول إلى السعادة من خلال أن يتسلق على البعض الآخر جريا وراء المناصب، والآخرين الذين يكدسون المال والعقار ويلتمسون السلطة والقوة بكل السبل..

    ويستخلص من ذلك أن السعادة لا يمكن أن تكون في المال أو القوة أو السلطة بل هي في "ماذا نفعل بالمال والقوة والسلطة؟"، في النفس التي تستخدم المال والقوة والسلطة، السعادة ليست في البيت المفروش بالسجاجيد العجمي، والكريستال إنما في النفس التي تسكنه.

    ويشير إلى أننا لم نُوهَب الشهوةُ لنُشبعَها أكلا وشربا ومضاجعة، وإنما وُهبنا الشهوة؛ لنقمعها ونكبحها ونصعد عليها كما نصعد على درج السلم، فالجسد هو الضد الذي تؤكد الروح وجودها بقمعه وردعه والتسلق عليه، وبذلك تسيطر الروح على الكيان الإنساني فيستنير بنورها ويشعر العبد بقرب من مولاه وهذه هي السعادة الحقيقية، أما إذا غلب الجسد بشهواته وطغت مطالبه على مطالب الروح فكـأنّما دخلت الروح في غياهب هذا السجن الجسدي وتلك هاوية التعاسة والتمزق والشتات.

    وليس معنى هذا أن يعطل الإنسان قواه المادية، فليس هذا ما يريده الله من عباده، ولكن المنهج الأمثل لتربية النفس وصولا بها لبر السعادة والأمان هو طريق الوسط، طريق الاعتدال، طريق ينأى عن الإفراط والتفريط.. "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"... فلا رهبانية وصيام الدهر، ولا إطلاق لعنان الشهوات... الوسط والاعتدال في كل شيء وهذا ما كان يقصده الكاتب بقوله: انسجام الظاهر والباطن..



    الجنة.. جهنم.. الأصنام
    عن الجنة..

    عادت من لندن بعد قضاء فترة سياحية قصيرة.. جلست إلى الكاتب وقد بدت عليها بعد هذه الأيام البسيطة في بلد غربي ملامح شخصية أخرى.. ودار الحوار:

    - كيف رأيتِ لندن؟
    - رأيتُ الجنة.. إنهم هناك يعيشون في الجنة.. حرية.. حرية.. حرية في كل شيء، البنت هناك تفعل ما تشاء كما تشاء، تخرج وقتما تريد وتعود وقتما تريد، تعانق فتاها أمام الجميع وتقبله أمام الجميع، وتختلي به ويختلي بها.. إنهم يباركون الحرية الجنسية والحرية الفردية.. لا أحد يسأل: هل هو زوجك؟ خطيبك؟ إنها جنة الحرية.

    وبعد حديث طويل كانت تتكلم فيه في زهو وخيلاء، أخذ الكاتب يعرض رأيه عن هذه الحرية المزعومة قائلا: إن هذا هو مذهب القرود، وهو أمر قديم جدا لا تَقدّم فيه، فالقرود تتناكح وتتلاقح وتتعانق في الأقفاص ونحن نصفق لها ونبارك حريتها ونلقي إليها بالموز والسوداني، وهي نظرية ليست في حاجة إلى رحلة إلى لندن لاكتشافها ويكفي رحلة لجبلاية القرود.

    إن الحرية الحقيقية كما يراها الكاتب هي التحرر من أسر الشهوات والخروج من أغلال الحيوانية الجسدية إلى ميدان الروح السماوية، وتلك هي الجنة الحقيقية، وبشيء من جهاد النفس نصل إلى ذلك، أما هذه الحرية المزعومة فحقيقتها البقاء في سجن شهوات الجسد.


    جهنم..

    هناك من يقول: لن يعذب الله أحدا من عباده.. فالله رحيم وقد وسعت رحمته كلّ شيء.. فكيف بالله الرحيم أن يعذبنا؟ إنه يخوفنا فقط.. ويوم القيامة سيعفو عن الجميع ويدخلنا الجنة..

    ويقف الكاتب أمام هذا الكلام وأن قائله يسيء إلى الخالق من حيث يتصور أنّه يحسن، بل ويلصق به الظلم من حيث يتصور أنه يصفه بالعدل.. وأن الله لا يمكن أن يساوي بين المجرمين وبين ضحاياهم في الجزاء، وأن في هذا الرأي منتهى سوء الظن بالله.. إذ نتصور أنه يضع كل الناس في الجنة؛ ويساوي بين السفاحين الجبارين وبين الألوف من قتلاهم الأبرياء الذين هلكوا في السجون لمجرد أننا لا نتخيل إلها يعذب.

    ففي الدنيا مثلا ما يؤشر على أن الله يُعذِّب.. مَن خلق الميكروب؟... من الذي خلق السم في الثعبان؟.. من الذي يفجر البركان ويغرق قرى بأكملها؟.. من الذي يدفن المدن تحت الزلازل؟ إنه الله الإله الرحيم الغفور الرحيم.. شديد العقاب، إنه هو وحده الذي وضع العطر في الزهرة والترياق في العشب، الذي خلق الربيع والصحة والحب، الذي أعطانا القلب والعقل والروح ورزقنا من كل ما يسر ويسعد.

    ولكن لماذا يعذب؟ ومن يعذب؟ وهنا يقول:
    إن عذاب الله هو عين الرحمة..
    هناك ضمائر لا تتيقظ إلا بالعذاب..

    هناك عقول لا تعرف الله إلا حينما ترى عذابه، وهناك نفوس مظلمة لا تشهد الحق في النعمة، ولا سبيل إلى تعريفها بالحق إلا بالعنف. مثل اللحم الميت الذي لا علاج له إلا بالكيّ، والوسيلة الوحيدة الباقية للتعليم بعد أن يُصرّ المُنكِر على إنكاره، والمتعامي على عماه، وبعد استنفاد كل السبل السلمية للإقناع، وبعد أن فشلت الكتب والرسل عبر التاريخ وآيات السماء في التماس مدخل إلى القلب.

    عندئذ تصبح جهنم هي الجراحة الوحيدة الممكنة لفتح العين وإشهاد الحواس، وبهذا لا تتنافى مع الرحمة بل هي عين الرحمة.


    الأصنام..

    يعدد الكاتب صورا من الأصنام العصرية وأولى هذه الصور هي صورة المرأة العارية، والتي أصبحت وكأنها تعويذة التاجر التي يرسمها على إعلانات السجائر وإعلانات الخمور والكاميرات والساعات وشفرات الحلاقة وحتى معاجين الأسنان، وكأنما لا وسيلة لجذب الانتباه إلا باستخدام هذا الوثن.

    أما صورة الصنم الثاني فهو فاترينة البضائع الاستهلاكية، التي تتحلق حولها العيون مشدوهة مبهورة..

    أما الثالثة فهي الفكرة.. حيث يتحول الأمر من أن توضع النظرية في خدمته، إلى أن يصبح هو في خدمتها ملتمسا شتى الوسائل لإثباتها وتبريرها.

    ومن تلك الصور الوثنية... الحاكم الديكتاتور صاحب القرار المطلق المستبد الجالس على عرش السلطة، وحوله الخدم في بلاط الهتافين والمصفقين والمنافقين والكذابين الذين يظنون أن الأمر كله بيد سلطانهم.. فيتوجهون إليه ويطلبون رضاه.. وكأنهم في محرابه عاكفون.

    أما الصنم الكبير بعد ما تقدم فهو صنم الذات؛ حيث لا يرى الإنسان إلا نفسه متطلعا لإرضائها، جالسا على أعتاب رغباتها، محولا إياها لصنم لا يوجه نظره بعيدا عنه.

    لقد تغير شكل الأصنام، ولكن تبقى الفكرة واحدة، وعلى كل منا أن يسأل نفسه نحو أي صنم أتوجه في حياتي، أم أنني حطمت ألأصنام حولي وداخلي؟... وفي كل الأحوال فليستعن بالله على أن يصل إلى شيء من التوحيد.



    الحب والعداوة
    - أنا وأنت روح
    واحدة في جسدين..
    - بيننا اندماج غريب.. فنحن شخص واحد...

    هل هذا الكلام صحيح؟ هل نحن في حاجة إلى أن يلغي أحدنا الآخر ويذوب أحدنا في الآخر لكي يكون ذلك شاهدا على عمق الحب وحسن سلامة الصحبة؟

    لا أعتقد، وكذلك لا يعتقد الكاتب أن ذلك صحيحا، بل يذهب لما هو أبعد من ذلك ليعتبره كذبة عظيمة ونكبة مؤكدة وكارثة ليست في الحسبان.

    ويعلل ذلك بأن الاندماج مستحيل، ولا يمكن لاثنين أن يصبحا واحدا إلا بمجموعة من الإجراءات التعسفية نهايتها المحتومة هي التعاسة، حيث إن أي محاولة للاندماج تولد عدوانا من كلا الطرفين على استقلال الآخر وفرديته، مثل ما يحدث من التجسس على الخطابات والتصنت على التليفونات وتفتيش الجيوب، وشق الدماغ لمعرفة ما فيها بحجة أنه لا يجوز أن يكون الاثنان اثنين، وإنما يجب أن يكونا واحدا لا أسرار ولا خفايا ولا خصوصيات...

    ويرى الكاتب أن انتهاك الخصوصية يقتحم قداسة الشخصية الإنسانية التي هي تكمن في أن يكون لها أسرارها، فإذا كُشِفت انتهت وسقطت هيبتها؛ وأصبحت حقيقة العلاقة في مرحلة النهاية، وعلى هذا لابد من احترام المسافة التي تحفظ لكل فرد مجاله الخاص وكينونته الخاصة؛ كإنسان مستقل له الحق في أن يطوي ضلوعه على شيء.

    لقد خلق الله كلا منا فردا فريدا، وكلُّ منا يُولَد وحده ويمرض وحده، ويُبعَثُ وحدَه ويُحاسبُ وحدَه، ولهذا لابد أن نفرق ونحن نتكلم عن الحب بين التعاطف والمشاركة الوجدانية والمواساة، وأن كل ذلك شيء، وبين الاقتحام والغزو والإدماج، وهو شيء آخر من شأنه أن يحوِّل ما نسميه حبا إلى عداوة واقتحام، و إلا نكون قد وصلنا للعداوة والكراهية ونحن نبحث عن الحب والتلاقي....

    ثمة طريق آخر نقصد به إثارة الحب؛ فيوصلنا للعداوة والتمزق.. كلمات نغنيها ونتعامل بها.

    "الشك يحيي الغرام ويزيد في نار الأحبة"... والحقيقة أن هذا النوع من الحب يتحول إلى جحيم العداوة، وليس إلى نار الأحبة، وعموما لابد أن نعرف أن مردود هذه المسائل يعود للأخلاق وليس الثقافة، إلى ما تطبّعنا عليه وليس إلى ما نتدرب عليه، ومن هنا فالإنسان السمح الكريم هو الذي يشع السعادة والحب من حوله؛ لأنه طَبع معطاءُ بطبيعته، أما الطبع الشرير الأناني فهو طبع منّاع واستغلالي دائما.

    ويرى الكاتب أنّ علينا حتى مع الأصدقاء ألاّ نندفع في عواطفنا ونبالغ في إعجابنا ونسرع في تقربنا؛ لأن التعمق بسرعة قد يتبعه نفور بسرعة، وإذا بصديق الأمس يصبح عدو اليوم.

    وهذا يوصلنا لأمر مهم هو خطورة الكلمة.. تلك التي تصنع الحب، وتلك التي تحول الحب إالى عداوة في لحظة..

    وهنا نجد الكاتب يحذرنا ويقول..
    الله خلق الدنيا كلمة
    والمسيح كلمة..
    وتقوم الحروب بكلمة..
    وتقوم الساعة بكلمة...
    ويستخلص من ذلك كله أن الصمت نعمة عظمى وأن علينا أن نتدرب عليه فنتكلم؛ حيث يجب الكلام ويُستحب، ونصمت حيث يكون الصمت أولى وأوجب، وبذلك نتجنب أن نحول الحب إلى عداوة والسكينة إلى نزاع




    الصدق.. الكذب.. الغضب
    نشاطركم الأحزان..

    للفقيد الرحمة ولكم طول البقاء؟.

    دموعنا لن تجف حتى نلتقي.؟

    ذكراك العطرة تملأ قلوبنا؟.

    نَم بين أذرع الملائكة يا حبيبي ورحمة الله ترعاك.. زوجتك الوفية!!

    كلمات يرسلها الناس لأداء واجب العزاء، وكلمات تطلقها الزوجة للتعبير عن عميق الحزن..

    وهنا يقف الكاتب أمام الكلمات والمواقف متسائلا: هل نحن صادقون؟ أم أننا نعيش في كذب دائم؟ ألا يوجد صدق؟

    ثم يستطرد قائلا: "بل نحن نصدق دائما ولكنه صدق محدود، صدق لحظتها.. كلماتنا عمرها عمر الرسم على الماء، والنقش على الرمال، وهي في العادة صادقة في حدود هذا العمر القصير إلا فيما ندر.. وبعد ذلك تتغير الظروف وتتبدل الملابسات وتُمتحن العواطف والأقوال والأعمال.. وتبُتلى النفوس في جواهرها وتتقلب القلوب..

    أمر يدفعنا إلى السؤال الآخر.. وماذا عن الذين يصدقون فعلا في محبتهم؟ ويتعلقون بمحبوبهم تعلقا فريدا؟ ومن خلال هذا السؤال تبدو أزمة أخرى.. هي أن في هذه الحالة ينشغل القلب والعقل والكيان كله بمن يحب..

    وهنا يشعر الكاتب أنه أمام اختيار لا تسويف فيه، بين أن يملأ القلب بحب مخلوق مثله أو أن يملأه بحب الخالق، ويرى أن الأولى أن يمتلئ القلب بحب خالقه، وأن يأخذ من هذا الحب منطلقا لممارسة هذا الحب مع كل الخلق...

    إن باب الصدق في حياتنا هو ألاّ نبالغ ولا نُفرِّط.. أن نعيش الحياة قلبا وعقلا وروحا داخل كيان يستمد نوره من تعلقه بالسماء؛ فيملأ حياته وحياة من حوله حبا وخيرا وحقا وعدلا...

    الغضب..
    وحول هذا المعنى يرى الكاتب أن السخط والرفض والغضب والتذمر والاحتجاج أصبح موضة بين الشباب..
    فقد يكون الاحتجاج على الآباء أو الحكام أو النظام الاجتماعي وأحيانا على الكون كله..

    وكأن كلمة "لا" أصبحت تقال بدون تمييز وبلا قضية.. بهدف وبلا هدف..
    ويعود الكاتب ليتكلم عن شرفية كلمة "لا" موضحا أنها كانت أشرف كلمة عندما قالها النبي "ص" لجاهلية زمانه؛ لأنها كانت كلمة تحمل الخير كله للخلق، فأنشأت أمة من عدم، كان معها رؤية جديدة ونور مبين.. إنها "لا" التي تبني وتنير الطريق، وليست تلك التي تحمل المِعول لتهدم وتطفئ الأنوار وتشيع اليأس في النفوس.

    ويرى الكاتب أن وراءها أيدٍ خفية في الفن أو الفلسفة أو السياسة أو السينما.. تقولها لتهدم لا لتبني.. ويذكر أن الروايات التي تتناولها السينما أصبحت تدور في فلك الجنس والخيانة واللامبالاة والانحلال وطلب اللذة بأي وسيلة وبأي ثمن.. تحت مسمى الحرية الزائفة والرفض الأعمى.

    فهل حياتنا سيئة إلى الدرجة التي إذا نظرنا إليها صرنا ساخطين غاضبين رافضين لها.. أم أن الشر في الكون جزء من هذا الكون وجزء من تفاصيل الحياة، ولولاه ما عُرف الخير وما كان له وجود؟ ويميل الكاتب للرأي الثاني وأن على الإنسان أن يتقبل قدره ويفهم دوره.

    إن الجنة في السماء.. والدنيا دار يتقلب الإنسان فيها بين المنع والعطاء.. الخير والشر.. ليترقّى خُلُقا وتربية، وتصح مسيرته مع الله... إن الله صاغ العالم على مقتضى العدل واختار بحكمته دائما أفضل الممكنات..

    وعندما نتأمل الكون والحياة لا نرى سوى الجمال والإبداع والنظام والعدل ولا توجد الفوضى إلاّ في حياتنا نحن البشر، وفيما نتصرف فيه.. ولهذا يجب علينا أن نثق دائما بأن الله كله خير وأن مشيئته كلها رحمة.

    فإذا نقد الإنسان نفسه، ورضي بحكم ربه، وعلم أن ما يجري عليه من الحوادث لا يكون إلاّ من جنس قلبه ونيته، فهنا.. وهنا فقط سيهدأ حالا وينصلح بالاً، ولن يجد للغضب من أمور الدنيا إلى نفسه سبيلا.. فإذا كان كل شيء هالكا.. وكل شيء يفنى.. فلِم الغضب إذًا، وما الذي يستحق من أمور الدنيا أن نغضب له؟

    ويذكرنا الكاتب أننا عندما نغضب نفقد كل شيء من أجل لا شيء



    الحقيقة..

    يا لها من كلمة!! من يستطع أن يدّعي أنه يعرف الحقيقة إلا رجال علمهم الله الذي قال: "واتقوا الله ويعلمكم الله"، إن الكاتب في نهاية رحلة بحثه عبر حروف ومعاني هذا الكتاب يقف قائلا عن الحقيقة حول سر خلق الإنسان: "إنه لا أحد يستطيع أن يدّعي أنه وضع يده على سرها أو علم مراد الله منها، فلا يعلم مراد الله إلا الله، وإنما يجتهد الكل ويحاول الكل، والمحاولات جميعا تحتمل الخطأ والصواب، والعلم عند الله".

    أما إعمال الفكر في القرآن فهو ضرورة وليس ترفا، كما أن الانشغال بحسن الخاتمة هو عين الذكر وعين الفائدة.. وهو يورث في القلب الخشية والتقوى.

    نعم إن الأمر صدق وحق.. ولا شيء يستحق البكاء من الإنسان أكثر من أن يخطئ وهو يعلم أنّه يخطئ، ويتردّى وهو يعلم أنّه يتردى، ولو علِمنا.. لَما طلبنا من الله ساعة السجود إلا طلبا واحدا.. ألاّ نخطئ.

    وذلك هو العلم الذي هو بداية التقوى، وذلك هو العلم الذي يبدأ على حافة الخوف والرجاء... حينما يفكر العقل في المبدأ والمنتهى والغاية؛ فيخر ساجدا وهو يرتجف.. سبحانك.. مغفرتك.. رضوانك.





    -------------------------

    المؤلف في سطور

    دكتور "مصطفى محمود" أو "مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ".. من الأشراف (سلالة النبي صلى الله عليه وسلم) وينتهي نسبه إلى سيدنا "علي زين العابدين" –رضي الله عنه- وهو ما تثبته شهادة نسب معلقة على جدران منزله متواضع الأثاث، جاء إلى الحياة مع توءمه بعد سبعة شهور فقط من الحمل في 27-12-1921 في مدينة طنطا إحدى مدن الدلتا، شمال مصر.

    إتجه في البداية إلى العلم فقط؛ لأنه تصور أن العلم يمكن أن يجيب عن كل شيء، وأن العالم المحسوس يمكن أن يفسر كل شيء، وعندما خاب ظنه مع العلم، أخذ يبحث في الأديان بدءا من الديانات الأرضية الهندية والزرادشتية والبوذية، ثم في الأديان السماوية، ولم يجد في النهاية سوي القرآن الكريم الذي يضم بين دفتيه تفسير كل شيء...


    مؤلفاته
    للكاتب مؤلفات كثيرة في أكثر من مجال منها العلمي ومنها الديني ومنها ما مزج فيه بين الاثنين..
    ولعل من أكثر مؤلفاته شيوعا "رحلتي من الشك إلى الإيمان"، و"رأيت الله"، و"رجل تحت الصفر"، و"العنكبوت"، و"الطريق إلى جهنم"، و"حوار مع صديقي الملحد"، و"من أسرار القرآن"، و"المسيخ الدجال"، وقد تميز أسلوبه بالبساطة الشديدة مع العمق والقدرة الفائقة على التحليل المقنع والتحليق في سماء الروح والعقل..
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-11-08
  3. الذيباني 7

    الذيباني 7 مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-06-19
    المشاركات:
    11,358
    الإعجاب :
    3
    وايضا كتاب اينشتين والنسبية كتيب صغير
    وعموما كتبه بعد التوبة كتب رائعة ومفيدة جدا
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-11-08
  5. الذيباني 7

    الذيباني 7 مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-06-19
    المشاركات:
    11,358
    الإعجاب :
    3
    شكرا للموضوع

    وللتعريف ب الدكتور مصطفى محمود
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-11-08
  7. yemen-1

    yemen-1 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-09-19
    المشاركات:
    1,710
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا وبارك الله فيك
     

مشاركة هذه الصفحة