أنشودة المطر // للسياب

الكاتب : بن ذي يزن   المشاهدات : 756   الردود : 1    ‏2002-07-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-20
  1. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    [c]


    عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
    .أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
    عيناك حين تبسمان تورق الكروم
    وترقص الأضواء .. كالأقمار في نهر
    يرجه المجداف وهنا ساعة السحر
    ... كأنما تنبض في غوريهما النجوم


    وتغرقان في ضباب من أسى شفيف
    كالبحر سرح اليدين فوقه المساء
    دفء الشتاء فيه و ارتعاشة الخريف
    و الموت و الميلاد و الظلام و الضياء
    فتستفيق ملء روحي ، رعشة البكاء
    .كنشوة الطفل إذا خاف من القمر


    كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم
    .. وقطرة فقطرة تذوب في المطر
    وكركر الأطفال في عرائش الكروم
    ودغدغت صمت العصافير على الشجر
    أنشودة المطر
    مطر
    مطر
    مطر
    تثاءبي المساء و الغيوم ما تزال
    .تسح ما تسح من دموعها الثقال
    :كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام
    بأن أمه - التي أفاق منذ عام
    فلم يجدها، ثم حين لج في السؤال
    قالوا له : " بعد غد تعود" -
    لابد أن تعود
    و إن تهامس الرفاق أنها هناك
    في جانب التل تنام نومة اللحود
    ،تسف من ترابها و تشربي المطر
    كأن صيادا حزينا يجمع الشباك
    ويلعن المياه و القدر
    و ينثر الغناء حيث يأفل القمر
    المطر
    المطر
    أتعلمين أي حزن يبعث المطر ؟
    وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟
    و كيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟
    ،بلا انتهاء_ كالدم المراق، كالجياع
    كالحب كالأطفال كالموتى - هو المطر
    ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
    وعبر أمواج الخليج تمسح البروق
    سواحل العراق بالنجوم و المحار
    كأنها تهم بالبروق
    .فيسحب الليل عليها من دم دثار


    اصح بالخيلج : " يا خليج
    "يا واهب اللؤلؤ و المحار و الردى
    فيرجع الصدى
    :كأنه النشيج
    يا خليج"
    ".. يا واهب المحار و الردى


    أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
    و يخزن البروق في السهول و الجبال
    حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال
    لم تترك الرياح من ثمود
    .في الواد من اثر
    أكاد اسمع النخيل يشرب المطر
    و اسمع القرى تئن ، و المهاجرين
    ،يصارعون بالمجاذيف و بالقلوع
    :عواصف الخليج و الرعود ، منشدين
    مطر"
    مطر
    مطر
    وفي العراق جوع
    وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
    لتشبع الغربان و الجراد
    و تطحن الشوان و الحجر
    رحى تدور في الحقول … حولها بشر
    مطر
    مطر
    مطر
    وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع
    ثم اعتللنا - خوف أن نلام - بالمطر
    مطر
    مطر
    و منذ أن كنا صغارا، كانت السماء
    تغيم في الشتاء
    ،و يهطل المطر
    وكل عام - حين يعشب الثرى- نجوع
    ما مر عام و العراق ليس فيه جوع
    مطر
    مطر
    مطر
    في كل قطرة من المطر
    .حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
    و كل دمعة من الجياع و العراة
    وكل قطرة تراق من دم العبيد
    فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
    أو حلمة توردت على ف الوليد
    في عالم الغد الفتي واهب الحياة
    مطر
    مطر
    مطر
    ".. سيعشب العراق بالمطر


    أصيح بالخليج : " يا خليج
    "يا واهب اللؤلؤ و المحار و الردى
    فيرجع الصدى
    :كأنه النشيج
    يا خليج"
    " يا واهب المحار و الردى


    وينثر الخليج من هباته الكثار
    على الرمال ، رغوه الاجاج ، و المحار
    و ما تبقى ن عظام بائس غريق
    من المهاجرين ظل يشرب الردى
    من لجة الخليج و القرار
    و في العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
    . من زهرة يربها الرفات بالندى
    و اسمع الصدى
    يرن في الخليج
    مطر"
    مطر
    مطر
    في كل قطرة من المطر
    حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
    وكل دمعة من الجياع و العراة
    وكل قطرة تراق من دم العبيد
    فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
    أو حلمة توردت على فم الوليد
    في عالم الغد الفتي ، واهب الحياة "


    ويهطل المطر






    [/c]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-07-20
  3. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    شكراً أديبنا لهذا الألق الجميل والإثراء المطلوب ..
    =========
    أما السياب فقد استعمل أسطورة الخصب والحياة بعد الموت بحذق مرهف في قصيدته المفتاحية "انشودة المطر" بدراسته لقصيدة اليوت الشهيرة "الأرض الخراب ". وكما استعمل إليوت اسطورة الخصب متخفية وراء رموزها، استعملها السياب كذلك، فجعل الماء محور القصيدة، ماء الخليج الذي يحمل الموت للمهاجر وماء المطر الذي يجيء بعد زمن القحط واليباب ليبعث الربيع النضر من قلب الشتاء، إشارة الى امكان انبعاث الحياة الطيبة بعد زمن الموت والاندحار. وقد نشر هذه القصيدة في مجلة (الآداب / 1954) ففتح بها الطريق للسيل المفتعل قليلا لأساطير الانبعاث المتعددة الأسماء. كان السياب في قصيدته تلك قد أطاع حدس الشاعر الأصيل فلم يذكر أسماء الآلهة القديمة في القصيدة ــ الا أن الشعراء من بعده استحضروا في شعرهم ما استطاعوا من الرموز الأسطورية بأسمائها ــ وكان على القاريء في نهاية الخمسينات أن يدرس هذه الأساطير ودلالاتها حتى يستطيع فهمها، لأنها لم تكن حية في الذاكرة الشعبية، كما ينص الاستعمال الأسطوري عادة. وحتى بدر نفسه عاد فضمنها قصائد أخرى. وكان استعمالها في ذلك الوقت دليلا على الأمل الباقي في نفوس الشعراء والمتلقين بإمكان البعث والعودة الى الكرامة والحياة الحرة. غير انها أصبحت زيا، وككل زي في الشعر فإنها انتهت فجأة في مطلع الستينات وكأن الشعر قد أصابه ارهاق جمالي منها. غير أنها نجحت في تأسيس الحس الأسطوري في الشعر وكان ادخال الأسطورة الرمزية بنجاح الى الشعر انجازا حداثيا مهما يدين الى السياب بوجوده الأساسي. فان كانت أسطورة البعث التي تضمنت أسماء الآلهة الفينيقية قد خسرت جاذبيتها سريعا عند الشعراء والقراء حتى أنه لم يعد ممكنا بعد مدة قصيرة من ازدهارها أن يقربها أحد، فان العنصر الأسطوري توطد في الشعر ووجد له تعبيرا قويا عن طريق استعمال الزمن الأسطوري والنماذج العليا. وفي هذا التجديد الآخر كان السياب هو الرائد الأول.
    سلمى الخضراء الجيوسي(شاعرة وناقدة واستاذة بجامعة كولومبيا -نيويورك)

    وقد يكون أجمل مافي الشعر مالا نقوله بل نومئ إليه وتبقى الحكاية حكاية في كل حال.

    وشعراء الحداثة لا يحكون لنا الحكايات الحديثة وحسب بل نراهم في أحيان كثيرة يحيلوننا إلى الحكايات القديمة ليشرحوا لنا بها أو عن طريقها حكايات عصرنا.. ولقد صار ظاهرة بارزة اتكاء الشعر الحديث على الحكايات والأساطير العربية والعالمية وعلى الفلكلور عامة.

    قد يكون مثال السياب هو المثال الأوضح في هذا المنحى، لكن أحداً لا يستطيع أن يزعم أنه المثال النادر: فالجميع، من غير استثناء، قد فعلوا ذلك، وإلى هذا الحد أو ذاك، وسأبدأ بشعر السياب.

    بين يدي ديواناه "أنشودة المطر" الصادر عن دار مجلة شعر في بيروت عام 1960، و"المعبد الغريق" الصادر عن دار "العلم للملايين" في بيروت عام 1962.

    في"أنشودة المطر" يتكئ اتكاء مباشراً على الأسطورة وفي "المعبد الغريق" ينقل لنا الإحساس الشعري بالأسطوري، وفي الكتابين يحكي لنا حكايته مع الحياة، وقد يكون من أبرز سمات شعره أننا نرى شيئاً من سيرته الذاتية في كل ماكتب.


    ميخائيل عيد - أسئلة الحداثة بين الواقع والشطح
     

مشاركة هذه الصفحة