حرمة المسلم في دينه وعرضه وماله

الكاتب : أبو الفتوح   المشاهدات : 894   الردود : 0    ‏2002-07-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-19
  1. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    حرمة المسلم في دينه وعرضه وماله 2- التحذير من عاقبة الغلول 3- تحذير رسول الله من الدّيْن بامتناعه عن الصلاة على المَدين 4- أمر المدين بحُسن الأداء 5- قصة في وفاء الدّين 6- قصة أصحاب الغار 7- آداب للدّين 8- فضيلة التجاوز عن المُعسر 9- تفضيل بعض أهل العلم القرض على الصدقة


    الخطبة الأولى



    أما بعد:

    اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا – عباد الله – من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادكم على النار لا تقوى، واعلموا أنكم يوم الحشر مجموعون، وبين يدي الله – عز وجل – موقوفون وعن كل كبيرة وصغيرة مسؤولون.

    ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً [الكهف:30].

    معشر المسلمين: يقول الله – عز وجل -: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة:188].

    إن كثيرا من الناس عظم بطنه، ونبت لحمه، بمال غيره، أكلها بالباطل.

    إن استدان دينا جحده، وإن استقرض قرضا تظاهر أنه نسيه، فسبحان ربي!. كيف يهنأ بالطعام والشراب والمنام، من ذمته مشغولة.

    عباد الله: يقول النبي – -: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))[1]رواه مسلم.

    وفي الصحيحين عن أبي بكرة – -: أن النبي – - قال: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم))[2].

    اتقوا الله – عباد الله – وأدوا ما في ذممكم من مال، ولو كان اقل من ريال ولو ثمن خبزة أو بيضة أو أقل من ذلك. فإن ميزان الله – عز وجل – يحصي مثاقيل الذر. وليس ثمت دينار ولا درهم. إنما هي الحسنات والسيئات وحقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة فقط، بل لابد من ردها إلى أهلها.

    وأنت مسؤول عن صغيرها وكبيرها وقليلها وكثيرها، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، ولو كان يسيرا، قال – -: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) رواه البخاري[3].

    ولا تنتظر ممن أقرضك ماله أن يأتيك فيسألك حقه، فلربما منعه الحياء، أو وكل أمرك إلى الله – عز وجل -.

    نامت عيونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

    وبعض الناس يتقال الذي في ذمته، ثم لا يؤديه، ولا يستسمح صاحبه، وهذا خطأ عظيم.

    روى البخاري [4]، عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – قال: كان على ثقل رسول الله – - رجل يقال له (كركرة ) يعنى مولى لرسول الله – - فمات، فقال رسول الله – -: ((هو في النار))، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها.

    وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: حدثني عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا :فلان شهيد. فقال رسول الله : ((كلا إني رأيته في النار في بردة غلها، أو في عباءة غلها)) رواه مسلم[5].

    وعن أبي هريرة - - قال: خرجنا مع رسول الله إلى خيبر ،ففتح الله علينا ..قال: فلما نزلنا الوادي قام غلام – رسول الله – - يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه فقلنا: هنيئا له قال رسول الله – -: ((كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم، لم تصبها المقاسم، قال: ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبت يوم خيبر فقال رسول الله – - شراك من نار، أو شراكان من نار)) متفق عليه [6].

    وعن زيد بن خالد- - أن رجلا من أصحاب النبي – - توفي يوم خيبر فذكروا لرسول الله – - فقال: ((صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا خرز من خرز يهود لا يساوي درهمين))[7]. رواه أحمد وغيره.

    وفي الصحيحين[8]. عن عائشة – رضي الله عنها – إن النبي – - قال: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا))، فإذا كان الله – عز وجل – قطع عضوا من أهم الأعضاء عند الإنسان في ربع دينار فكيف يأمن الإنسان على نفسه وعقوبة الدين الذي في ذمته وإن قل.

    فالدين أمره عظيم وخطره جسيم، يقول النبي – -: ((يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدًين)) رواه مسلم[9].

    فإذا كان الدين لا يغفره الله لمن قتل في سبيله فكيف بمن هو دون ذلك وفي حديث أبي قتادة أن رجلا قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله – -: ((نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين)) رواه مسلم[10].

    وعن محمد بن جحش – - قال: كنا جلوسا عند رسول الله – - فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع راحته على جبهته، ثم قال: ((سبحان الله! ماذا نزل من التشديد؟ فسكتنا وفزعنا. فلما كان من العد سألته: يا رسول الله! ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: والذي نفسي بيده، لو أن رجلا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه)) رواه احمد[11].

    وقد امتنع رسول الله من الصلاة على من مات وعليه دين، كما روى سلمة بن الأكوع – - قال: كنا جلوسا عند النبي – - إذا أتي بجنازة، فقالوا: يا رسول الله صلي عليها، قال: ((هل ترك شيئا؟)) قالوا: لا، قال: ((فهل عليه دين؟)) قالوا: ثلاثة دنانير. قال: ((صلوا على صاحبكم)) قال أبو قتادة: صلي عليه يا رسول الله وعلي دينه، فصلى عليه)) رواه البخاري[12].

    وفي رواية الحاكم في حديث جابر: فجعل رسول الله إذا لقي أبا قتادة يقول: ((ما صنعت الديناران[13]؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: الآن حين بردت عليه جلده)).

    قال ابن حجر: وفي هذا الحديث أشعار لصعوبة أمر الدين وأنه لا ينبغي تحمله إلا من ضرورة.

    وفي المسند أن النبي – - قال: ((إن صاحبكم محبوس عن الجنة بدينه))[14]. وعن أبي هريرة – - أن النبي – - قال: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه))[15].

    ومن الأحاديث الدالة على خطورة الدين وشدته:

    ما رواه أبو داود[16]. عن أبي موسى الأشعري – - عن رسول الله – - أنه قال: ((إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء)).

    فهذه الأحاديث العظيمة القاطعة بعظم ذنب من مات وعليه دين كفيلة بردع كل قلب يشم رائحة الإيمان، ومحذرة كل التحذير أن يأخذ المسلم مال أخيه لا يريد أداءه، روى أبو هريرة – - أن النبي – - قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله))[17].

    وكيف تسمح للإنسان نفسه أن يجحد سلف أخيه، أو يماطله في ذلك، والمقرض فعل ذلك إحسانا وقربه، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60].

    يقول النبي – -: ((إنما جزاء السلف الحمد والأداء)) رواه النسائي[18].

    وقال – -: ((خيار الناس أحسنهم قضاء)) متفق عليه [19].

    وكان رسول الله – - يقضي الدائن بأكثر مما استدان منه، ويضاعف له الوفاء، ويدعو له، كما قال جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما -: كان لي على النبي – - دين، فقضاني وزادني[20].

    وقال عبد الله بن أبي ربيعة: استقرض مني النبي – - أربعين ألفا، فجاءه مال، فدفعه إلي، وقال: ((بارك الله تعالى في أهلك ومالك)) رواه النسائي[21].

    فهذا هدى رسول الله – - في قضاء الدين. ولنا فيه أسوة حسنة كما قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر [الأحزاب:21].

    وأين نحن من ذلكم الرجل الذي قص لنا رسول الله – - خبره، عن أبي هريرة – - عن رسول الله – -: ((أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: أئتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا، قال فأتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم ألتمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، لم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي أسلفه، ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا الخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال: والله مازلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي آتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدا)) رواه البخاري[22].

    ما أعظمها من قصة جمعت بين الإحسان، وحسن الأداء، والأمانة والرضا بالله شهيدا وكفيلا.

    فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [الأعراف:176].

    روى عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – حديث رسول الله – - في قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة. فذكر النبي- - توسلهم بأعمالهم الصالحة. فذكر قصة البار لوالديه (ففرج لهم فرجة) ثم قصة الرجل مع ابنة عمه (ففرج لهم فرجة) ثم ذكر قول الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره، حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله! أدِّ إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: لا استهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون[23]. متفق عليه.

    إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

    نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا

    جعلوها لجةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

    عباد الله: يقول النبي – -: ((من جاء يوم القيامة بريئا من ثلاث، دخل الجنة: الكِبر، والغلول، والدين))[24].

    اللهم أنت الأول فلا شيء قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، نعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها بيدك، ونعوذ بك من الإثم، والكسل، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى، ومن فتنة الفقر، ونعوذ بك من المأثم والمغرم. آمين يا رب العالمين.
     

مشاركة هذه الصفحة