التوحيد والخضوع المطلق لله تعالى

الكاتب : الذيباني 7   المشاهدات : 340   الردود : 0    ‏2006-10-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-10-08
  1. الذيباني 7

    الذيباني 7 مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-06-19
    المشاركات:
    11,358
    الإعجاب :
    3
    بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم

    التوحيد والخضوع المطلق لله

    الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع أنبياء الله والمرسلين، السلام عليكم أيُّها الأخوةُ المؤمنون والأخوات المؤمنات ورحمة الله وبركاته.

    التوحيد في خط الحياة:

    يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران/102). تنطلق هذه الآية من قاعدة الالتزام بتوحيد الله، لأنَّ مسألة التوحيد ليست مجرد مسألة فكرية، يعقد الإنسان فيها عقله، كما يعقده على أيَّةِ حقيقة من الحقائق، بل هي مسألة تتصل بالجانب الفكري والروحي والحركي في حياة الإنسان. فنحنُ عندما نؤمن بأنَّ الله هو ربُّنا الذي لا شريك له، فإنَّ الربوبيَّة هي هذا النوع من التواصل بيننا وبين الله، فالله خلقنا والله ربَّانا، وهذا ما أشار إليه القرآنُ في حديثُ النبيّ إبراهيم(ع): {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}(الشعراء/78)، أي خلقنا وهدانا إلى ما يبني لنا حياتنا ووجودنا، عندما خلق العقل الذي فتح له أبواب التَّفكير والوعي للحقائق، وعندما خلق القلب وفتح كلَّ مشاعره وأحاسيسه على الجانب العاطفي من حياتنا، وخلق لنا أعضاءنا وجعل لها وظائف متعددة.

    فهناك وظائف تتَّصل بعبادة الله، كالصَّلاة والصَّوم والحجَّ، وهناك وظائف تتَّصل بمسوؤليتنا في الحياة، في ما ينفعنا العمل به فنفعله، أو لا ينفعنا فنتركه. وعلى ضوء هذا، فإنَّ الإنسان يبقى مرتبطاً بالله، بحيث يكون كلُّ وجوده مرتبطاً به، فلا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بالله، ولا يملك أيَّ كلمةٍ أو أي موقف أو أي موقع إلا من خلال ارتباطه به، فالإنسان لا بدَّ أن يرتبط بالله في كلِّ شيء، حتى حاجاته النفسية لا بدَّ له من إخضاعها لما يُرضي الله ولا يسخطه، لأنَّه مشدود إلى الله في أصل وجوده، فالله هو الّذي يملك كلَّ وجود الإنسان ويملك حياته ومماته، فكما أن حياة الإنسان لم تكن باختياره، كذلك فإن موته لا يكون بتقديره وباختياره لأنّه لا يملك ذلك.

    وحتّى شروط الحياة، فإنّه لا يملك مقوّمات وجودها، كالهواء الذي يتنفّسه، أو الماء الذي يشربه، أو الغذاء الذي يتغذّى به، والأجهزة التي تعطيه حركة الحياة ودورتها، وكذلك فهو لا يملك نبضات قلبه وحركة ولا إدراكات دماغه، ولا يملك حركة يديه، لأنّ الله وحده القادر على تجميدها. حتى إنه في يوم القيامة لا سلطة له على يديه أو رجليه عندما تشهد عليه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(يـس/65). لذلك ألهم الله إبراهيم(ع) أن يعطي رسالته ورسالة من جاء من بعده من الأنبياء عنوان "الإسلام".

    التسليم المطلق لله:

    وكلمة "الإسلام" هي الكلمة التي تعني استسلام الوجود كلّه لله، فلا أمر للإنسان مع أمر الله، فهو ماضٍ في حكمه، عدل في قضائه، وهذا ما خاطب الله تعالى به نبيه إبراهيم(ع) بقوله، {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(البقرة/131) {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(البقرة/132).

    وهكذا نجد الكلمة التي تعبّر عن هذا النوع من الإسلام، وهي: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}(الأنعام/162-163). أي أن هذا الإسلام الذي أسلمتُ فيه كلَّ وجودي لله، أنا أوَّل من يعلنه. وهكذا لاحظنا كيف أن الله يريد للإنسان أن يكون مسلماً ملتزماً، وأن يظلَّ حذراً أمام كلِّ الانحرافات التي تبعده عن إسلامه، بحيث يبدأ مسلماً ويموت مسلماً، وهذا ما صرَّح به النبي يوسف(ع): {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}(يوسف/101)، أي أنّه يطلب البقاء في إسلامه في خطِّ الصلاح، حتى تكون وفاته وهو يعيش الإسلام لله سبحانه وتعالى بكلِّ ما عنده.

    الالتزام المطلق بأوامر الله:

    وكلمة "الإسلام" تعني الالتزام المطلق بما أمر الله به وبما نهى عنه، وهذا ما تُعبّر عنه الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ _ أي راقبوا الله وخافوه واتّقوه في كلِّ أموركم، كما يريد الله لكم، أي أن تلتزموا بما أمركم به التزاماً مطلقاً دقيقاً، وأن تنتهوا عما نهاكم عنه التزاماً مطلقاً دقيقاً.

    لا تتركوا أيَّ شيء من مواقع الأمر، ولا تفعلوا أي شيء من مواقع النهي، بهذا تكونوا مسلمين. وأن تتّقي الله حقَّ تقاته، أي أن تعبده وتوحّده وتطيعه في كلِّ ما أمرك به وما نهاك الله عنه، لأن هذا يمثِّل الإسلام _ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، أي كونوا مسلمين في أعمالكم بما يمثّله التقوى والحق في العمل، واستمروا في ذلك. اعملوا على أن لا ينحرف بكم أحد عن الإسلام، وأن لا يخدعكم أحد عن خطِّ الإسلام، اعملوا على أن لا يأتيكم الموت إلاّ وأنتم مسلمون. هذا هو الخطّ {وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

    وقد جاءت الرّسالات من بعد إبراهيم(ع) لتكون كل رسالة إسلاماً في مرحلتها، لأنَّ الإسلام هو طاعة الله في كل ما أمر به وما نهى عنه، ففي زمن موسى(ع)، عندما أنزل الله التّوراة على موسى، كانت التّوراة تمثّل خطَّ الإسلام، فالتوراة تتضمَّن أوامر الله ونواهيه، وكان يُراد للناس أن يأخذوا بها، وهكذا عندما جاء عيسى(ع) وصدّق بالتوراة، وأضاف إليها الإنجيل، كان الإنجيل أيضاً يمثِّل خطَّ الإسلام في زمن عيسى(ع). فمن أخذ برسالة عيسى(ع) فقد أخذ بالإسلام، ومن أخذ برسالة موسى(ع) فقد أخذ بالإسلام، لكن غاية ما هناك، أن بعض من جاء بعد موسى حرّف التوراة، وبعض من جاء بعد عيسى(ع) حرّف الإنجيل. وعلى ضوء هذا، فنحن نؤمن برسالة موسى(ع) ونؤمن برسالة عيسى(ع)، لأنّ النبي جاء مصدِّقاً بالذي بين يديه، ولكن ما بين أيدينا من التَّوراة والإنجيل لا نطمئن للنص الموجود فيها، نتيجة بعض التّحريفات الّتي حدثت فيهما. فقد ذكر الله في الإنجيل مبشِّراً برسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد، وهذا لم يُذكر بصراحة في التوراة أو في الإنجيل في هذا المجال.

    وعلى ضوء هذا، فإنَّ رسالة النبي(ص) سُمِّيت رسالة الإسلام، لأنّها تجمع خلاصة ما في الرسالات، فهي التي تمثّل أمر الله فيما أراد الله للناس أن يفعلوه، ونهي الله في ما أراد للناس أن يتركوه.

    وهكذا انطلقت كلمة الإسلام من إبراهيم(ع) وامتدَّت بعده إلى الأديان الإبراهيمية، ولذا نقول: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ...}(الحجّ/78) باعتبار أنّ الله أعطى كلمة الإسلام لإبراهيم(ع).

    والحمد لله ربِّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    ندوة الثّلاثاء 29/3/2005

    درس التفسير القرآني الذي ألقاه سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله



    نفس الكلام الي عندنا ولا ايش رايكم
     

مشاركة هذه الصفحة