كيف نفهم ما حدث في الانتخابات؟ سلطة شمولية إلا ربع

الكاتب : النهايه هنه   المشاهدات : 436   الردود : 1    ‏2006-10-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-10-06
  1. النهايه هنه

    النهايه هنه عضو

    التسجيل :
    ‏2005-09-27
    المشاركات:
    216
    الإعجاب :
    0
    ناصر يحيى
    05/10/2006 الصحوة نت - خاص:

    (1)

    فرصة جديدة ضاعت على وطننا الغالي كان يمكن أن يتم فيها تصحيح بعض من الاختلالات الكثيرة التي شوهت التوجه الديمقراطي الذي ارتبط بقيام دولة الوحدة عام 1990م!

    ضاعت الفرصة ليس لأن أحداً لم ينتبه لها, بل على العكس فقد كانت هي المحور الحقيقي للخلاف بين السلطة وبين المعارضة.. وهي ضاعت تأكيداً على أن الممارسة الديمقراطية في البلاد ما تزال شكلية باستثناء بعض الممارسات التي لا تخرج كثيراً عن إطار الكلام وقولوا ما تريدون (بعيداً عن الخطوط الحمراء طبعاً) لكن في الأخير فإن (الكلام) لن يغير شيئاً!

    أزمة (الديمقراطية) في بلادنا -التي ارتبطت بقيام الوحدة- أنها كانت أشبه باللعبة التي يرميها الكبار للصغار لكي يتلهوا ويفرحوا بها وحتى ينشغلوا بها عن القضايا الكبرى التي حصرها الكبار بأنفسهم ولأنفسهم! ولذلك لم تكن (الديمقراطية) التي نشأت عام 1990م هي تلك (الديمقراطية) التي يملك الشعب فيها أمره ويكون مصدراً حقيقياً للسلطة.. بل كانت -للأسف الشديد- ديمقراطية شكلية تركزت فيها القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية في ممثلي النظامين الشموليين السابقين اللذين كانا يحكمان شطري الوطن! ولذلك فقد كان واضحاً أن الديمقراطية (الممنوحة) لن تكون إلا على نمط واهبيها لا تأخذ منهم سلطة حقيقية ولا تسلبهم حقوقهم (التاريخية)!

    وبالطبع (الشرقي) فلم يكن ممكناً عند قيام الوحدة أن تقوم دولتها على أسس ديمقراطية سليمة تؤدي إلى بسط الحريات السياسية والإعلامية والنقابية والجماهيرية كاملة دون انتقاص, ويتم فيها تحييد المؤسسات العسكرية والأمنية وجعلها في خدمة الشعب, وليس في خدمة المسيطرين عليها.. وتتحرر فيها السلطة القضائية من هيمنة الجهاز التنفيذي! وتتم فيها الممارسات الديمقراطية وفي مقدمتها الانتخابات بحرية ونزاهة وتنتج ثمرة ناضجة هي التداول السلمي للسلطة دون السقوط في أوهام (القوة) و(الأغلبية) و(التاريخية)!

    نعم.. لم يكن كل ذلك ممكناً وقتها -وحتى الآن للأسف الشديد- لأن تداول السلطة سلمياً, والرضا بنتائج الانتخابات الحرة والنزيهة في ظل ممارسة ديمقراطية سليمة, أمر كان, وما يزال, فوق مستوى العقليات الحاكمة! فلا (حاكم) يترك السلطة سلمياً في مثل هذا المجتمع الذي نعيش فيه إذا كان قادراً على البقاء فيها بالقوة ولوازمها! ولم تكن لدى القابضين على السلطة (تقوى) كافية تفرض عليهم أن يعملوا على تأسيس ديمقراطية سليمة ولو أطاحت بهم سلمياً! ولم تكن هناك إلا نية واحدة وهي البقاء في السلطة عبر الالتفاف على مفهوم الديمقراطية، وتشكيل وحدة حزبية بين الأقوياء الذين يملكون السلطة حقيقة: عسكرياً, واقتصادياً, وإعلامياً.. لتمكينهم من الاحتفاظ بالأغلبية ومواصلة حكم اليمن الواحد بالروح نفسها التي كان عليها الأمر قبل الوحدة.. مع مستجد جديد هو: السماح لقوى المعارضة أن تتمتع بهامش حرية في الكلام وتأسيس أحزاب وفتح مقرات والمشاركة في الانتخابات للحصول على (النصيب المقسوم) لها من قبل الحكام!


    (2)

    ومن نافلة القول إن المضمون السياسي الخاطئ الذي قامت عليها دولة الوحدة قد انهار بعد أن اصطدمت المصالح والعقليات والأهواء ببعضها بعضاً وحدث الصدام المسلح الذي كان من نتائجه أن الوحدة استمرت.. ولكن الديمقراطية المشوهة استمرت هي أيضاً! وبعد أن كان (الخوف) -على حد رأي الأستاذ محمد باسندوة- قبل الحرب ينصب على (الوحدة) في حالة احتراب الأقوياء أو على (الديمقراطية) في حالة وفاقهم.. صار (الخوف) يتركز على (الهامش) الديمقراطي الذي بقي لظروف عديدة بعضها داخلي, وبعضها خارجي.. لكن كان السبب المهم هو أن الحكام وجدوا أنهم يكسبون سياسياً وإعلامياً كثيراً من السماح بهذا الهامش (الكلامي) ولا يخسرون في المقابل شيئاً من قوتهم وهيمنتهم على السلطة!

    والديمقراطية إما تكون كاملة وإما هي شمولية بديكور ديمقراطي لا تخرج عن حقيقة الحكم الفردي أو الشمولي! وهي لا تكون كاملة إلا إذا أقيمت على أسس صحيحة من أول يوم! أما التعلل بأننا ما زلنا في بداية الطريق وأننا ديمقراطية ناشئة.. وأن المجتمع كان محكوماً بشمولية صريحة ويحتاج إلى زمن للتعلم والانتقال إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقة وأن البلاد تواجه أخطاراً خارجية ومؤامرات.. هذه التعللات هي ذاتها (الحكم الشمولي) و(احتكار السلطة)! وإلا قولوا لنا: لماذا لم يحدث مثل ذلك في مجتمعات أخرى كانت أسوأ ديكتاتورية منا ثم انتقلت إلى النظام الديمقراطي بسهولة ويسر, ودون أعذار السن وعذر الثقافة الديمقراطية؟ فهذه ألمانيا وإسبانيا والبرتغال وجنوب أفريقيا ودول أمريكا اللاتينية وكوريا الجنوبية.. كلها صارت مجتمعات ديمقراطية حقيقية دون لف أو دوران! فلماذا نحن في اليمن الذي يقال لنا: تقبلوا هذه الديمقراطية المشوهة لأنكم ما زلتم في البداية وتحتاجون إلى زمن طويل لتصلوا إلى مستوى غيركم؟


    (3)

    لقد كان ضرورياً البدء بالحديث عن الطريقة الخاطئة التي قامت عليها الممارسة الديمقراطية في دولة الوحدة حتى لا تتوه معالم الطريق علينا ونحن نبحث عن أسباب هذه الانتكاسة الجديدة -لكن الكبيرة هذه المرة- للممارسة الديمقراطية في بلادنا! ولكي نتلمس الأسباب الحقيقية ولا نغرق في التنظيرات والأسباب غير الجوهرية, فإن البعض بسوء قصد وبحثاً عن مطامع ذاتية سوف يسعى لحرف النقاش عن جوهر الخطأ إلى أعراض ومظاهر أخرى سوف نكتشف أنها هي نفسها من أعراض الاختلالات الجوهرية! فأس المشاكل التي نشكو منها في هذه البلاد هو هذه الاختلالات التي يتسم بها النظام السياسي الممارس -وليس الدستوري والقانوني النظري- والذي يجمع بين نصوص دستورية وقانونية ممتازة في مجملها تنظم الحياة السياسية.. بينما نحن في الواقع نعيش حياة سياسية تحمل بصمات الشمولية في معظم ممارساتها وفي مقدمتها استحالة حدوث تداول سلمي للسلطة في ضوء حقيقة أن الحزب الحاكم يهيمن على كل مقدرات الدولة -الاقتصادية والإعلامية والعسكرية- وكأنها ملكية خاصة يتصرف بها كما يشاء لتثبيت سلطته والحفاظ على هيمنته إلى الأبد!

    ليس فيما نقوله هنا جديد.. فمشروع الإصلاح السياسي والوطني الشامل الذي أعلنته أحزاب اللقاء المشترك, ومثله برنامج مرشحها في الانتخابات الرئاسية, هو تشخيص دقيق لأزمة الديمقراطية وهو بلورة ناضجة للحل الذي يعالج المعضلة الرئيسية التي نعاني منها منذ قيام دولة الوحدة: ديمقراطية شكلية، تركز للسلطة في مركز سياسي واحد، وتفريغ خطير للمبادئ والأسس والقوانين من روحها وتحويلها إلى مجرد كلمات ميتة لا أثر لها!


    (4)

    بإمكاننا أن نضرب كثيراً من الأمثلة على شكلانية الممارسة الديمقراطية في بلادنا .. فما زالت المؤسسات العسكرية والأمنية خاضعة لهيمنة الحزب الحاكم وتدار بطريقة مخالفة للدستور والقوانين وحتى للأعراف العسكرية في بعض الحالات! ومن المؤسف أن السلطة المؤتمرية لاتتردد بالزج بهذه المؤسسات الوطنية صاحبة الدور المهم في الحفاظ على وحدة البلاد واستقلالها، في خلافاتها السياسية مع المعارضة .. ومن أجل أهداف مثل تغليب حصة المؤتمر في الانتخابات! فأبناء القوات المسلحة والأمن تتعامل معهم هذه السلطة كما يتعامل بعض المتنفذين مع الأهالي في بعض المناطق حيث تفرض عليهم خيارات بأساليب لا تتناسب مع حساسية العمل الوطني المنوط بهم! وقد أثبتت الانتخابات السابقة خلال (16 عاماً)، وهذه الانتخابات خاصة، أن المؤسسات العسكرية والأمنية ما تزال تدار بالعقلية نفسها التي كان عليها الأمر قبل الوحدة! ولعل أبرز دليل على ذلك الطريقة التي تتعامل بها أبرز الشخصيات الرسمية فيها مثل: وزير الدفاع والداخلية ورئيس الأركان مع شأن سياسي مثل الانتخابات وحتى مثل إرسال برقية التهنئة للرئيس بمناسبة إعلان فوزه في الانتخابات!

    ولذلك لم يكن غريباً أن بعض المعسكرات أشعلت سماء صنعاء - وربما المدن الأخرى - بالرصاص الثقيل فور إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية!

    وقارنوا ما الذي يحدث للمواطنين في مثل هذه الحالات في الأعراس أو غيرها .. وكم يلاقي المواطنون - البسطاء طبعاً - من عنت إذا أطلقوا رصاصاً أو وجدوا (سلاحاً) في سيارة لمواطن! وتذكروا كيف يثيرون الدنيا من (مكبرات الصوت) في المساجد لأنها تقلق الآمنين والمرضى؟! فكيف نتوقع أن تكون هناك ممارسة ديمقراطية سليمة وتداول سلمي للسلطة إذا كانت العلاقة بين السلطة وبين المؤسسات العسكرية على هذا النمط؟


    (5)

    ومن الجيش والأمن إلى الإعلام الحكومي الذي ظل منذ ماقبل موعد الحملة الانتخابية وهو يسخر أموال الشعب لاستعراض منجزات أحجار الأساس هنا أو هناك! ثم إذا بدأت الحملات الانتخابية ظهر كأسوأ ما يمكن أن يكون عليه (إعلام شمولي) يفترض أنه محايد حتى على الأقل في تلك الأيام فقط! والحقيقة أننا نعذر الإخوة في الإعلام الحكومي .. فهم مجرد موظفون في جهاز إعلامي شمولي - إلا ربع! - ولن يكون بمستطاعهم أن ينتصروا للدستور والقوانين! على أن هذا العذر ليس من حق بعض المؤسسات التي بالغت في الإسفاف وفي النفاق السياسي والإعلامي في أيام الحملة الانتخابية وإنما نحن نقصد المغلوبين على أمرهم! فأهل الإسفاف ظلوا يومياً في صحافة الحكومة يقدمون الدليل تلو الدليل على الديمقراطية اليمنية مجرد لعبة وأكذوبة عيني عينك!

    أما المال العام فقد تأكد مجددا أن سلطة المؤتمر تديره بالطريقة نفسها التي كانت السلطة الإمامية تدير بها بيت المال! وقد كشفت فضيحة غسيل الأموال التي كانت تصب في صندوق الحزب الحاكم مصدر التمويل الخرافي لنشاطات الحزب الحاكم .. أما الإنفاق المجهول في الانتخابات فلن تبرره تبرعات رجال الأعمال .. فهي أولاً لم تتجاوز 500 مليون ريال .. وثانياً فقد قيل - والله أعلم - أنه تم التبرع بها لصالح لبنان وفلسطين! وسيكون مستحيلاً على الحزب الحاكم أن يبرر بطريقة سليمة عشرات المليارات التي أنفقها في حملته الإنتخابية، وفي تجييش الأنصار! فضلاً عن أن ينكر مقدارها .. فإذا كان الطالب الواحد يحصل على (1800 ريال) لحضور مهرجان السبعين، والمعلم على (5000 ريال) والإداري على (8000 ريال) .. فكم تحصل قيادات الدوائر والمحافظات والوزراء والأمناء المساعدين ومطلع مطلع؟

    حكاية البنك المركزي والجامع الكبير والدائرة المالية تعطينا مؤشراً واضحاً عن مصدر تمويل نشاطات المؤتمر قبل الانتخابات وبعدها؛ فإذا تذكرنا أن الحكومة ترفض بإصرار تنفيذ توصية مجلس النواب بوضع فوائض البترول في صندوق خاص (وصلت إلى مليار دولار خلال الشهور السبعة الماضية فقط) .. وأنها تقدم كل نهاية عام - منذ 1997م - كشفاً بمئات المليارات التي تم صرفها خارج الموازنة وتطلب من البرلمان الموافقة على صرفها كاعتماد إضافي! إذا تذكرنا كل ذلك فهل من التجاوز أن نقول إننا نشكك أن القوم يستخدمون المال العام لأغراض حزبية؟ وبالمناسبة .. ألا يحق لنا أن نطالب - من باب الفضول - إخواننا في المؤتمر أن يرفعوا مخصصات الحشد والتحشيد وخاصة للفئات المسحوقة مثل الطلاب والمعلمين!!


    (6)

    ولكل ما سلف .. فإن الحديث عن (الديمقراطية) اليمنية لن يكون سليماً إذا تجوهلت كل تلك المعطيات فكيف يمكن أن تكون هناك ديمقراطية سليمة إذا كان الجيش, والأمن, والمال العام, والإعلام الحكومي كلها مسخرة لخدمة حزب واحد؟ وكيف يمكن أن تنجح عملية تطبيق مواصفات ومعايير ديمقراطية عالمية على ممارسة ديمقراطية بكل هذا السوء وبكل هذه الاختلالات! لذا فالتقويم السليم ينبغي أن يأخذ في اعتباره أن (ديمقراطيتنا) ما تزال شوهاء مختلة وشمولية إلا ربع وأن نتائجها لن تكون طبيعية وسليمة إلا عند الذين باعوا ضمائرهم في مذبح الأهواء الذاتية..!

    وهذه الـ(إلا ربع) نصر عليها لكيلا يندفع أحدهم فيعيرنا بأن الإعلام كان يبث كلمة مرشح اللقاء المشترك، وينشر برنامجه - طبعاً دون أن يشير إلى أن الحذف الذي حدث - أو يذكرنا أن المعارضة نافست (الرئيس) دون أن يقطع أحد رؤوسها أو يضعهم في السجن! أو يغلق مقراتها أو يوقف صحفها!

    قد يغضب المؤتمريون من عبارة (شمولية إلا ربع) ولكنها تظل أقل حدة من مقابلها في المعنى (ديمقراطية ونحن أسيادكم)!
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-10-06
  3. النهايه هنه

    النهايه هنه عضو

    التسجيل :
    ‏2005-09-27
    المشاركات:
    216
    الإعجاب :
    0
    ناصر يحيى
    05/10/2006 الصحوة نت - خاص:

    (1)

    فرصة جديدة ضاعت على وطننا الغالي كان يمكن أن يتم فيها تصحيح بعض من الاختلالات الكثيرة التي شوهت التوجه الديمقراطي الذي ارتبط بقيام دولة الوحدة عام 1990م!

    ضاعت الفرصة ليس لأن أحداً لم ينتبه لها, بل على العكس فقد كانت هي المحور الحقيقي للخلاف بين السلطة وبين المعارضة.. وهي ضاعت تأكيداً على أن الممارسة الديمقراطية في البلاد ما تزال شكلية باستثناء بعض الممارسات التي لا تخرج كثيراً عن إطار الكلام وقولوا ما تريدون (بعيداً عن الخطوط الحمراء طبعاً) لكن في الأخير فإن (الكلام) لن يغير شيئاً!

    أزمة (الديمقراطية) في بلادنا -التي ارتبطت بقيام الوحدة- أنها كانت أشبه باللعبة التي يرميها الكبار للصغار لكي يتلهوا ويفرحوا بها وحتى ينشغلوا بها عن القضايا الكبرى التي حصرها الكبار بأنفسهم ولأنفسهم! ولذلك لم تكن (الديمقراطية) التي نشأت عام 1990م هي تلك (الديمقراطية) التي يملك الشعب فيها أمره ويكون مصدراً حقيقياً للسلطة.. بل كانت -للأسف الشديد- ديمقراطية شكلية تركزت فيها القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية في ممثلي النظامين الشموليين السابقين اللذين كانا يحكمان شطري الوطن! ولذلك فقد كان واضحاً أن الديمقراطية (الممنوحة) لن تكون إلا على نمط واهبيها لا تأخذ منهم سلطة حقيقية ولا تسلبهم حقوقهم (التاريخية)!

    وبالطبع (الشرقي) فلم يكن ممكناً عند قيام الوحدة أن تقوم دولتها على أسس ديمقراطية سليمة تؤدي إلى بسط الحريات السياسية والإعلامية والنقابية والجماهيرية كاملة دون انتقاص, ويتم فيها تحييد المؤسسات العسكرية والأمنية وجعلها في خدمة الشعب, وليس في خدمة المسيطرين عليها.. وتتحرر فيها السلطة القضائية من هيمنة الجهاز التنفيذي! وتتم فيها الممارسات الديمقراطية وفي مقدمتها الانتخابات بحرية ونزاهة وتنتج ثمرة ناضجة هي التداول السلمي للسلطة دون السقوط في أوهام (القوة) و(الأغلبية) و(التاريخية)!

    نعم.. لم يكن كل ذلك ممكناً وقتها -وحتى الآن للأسف الشديد- لأن تداول السلطة سلمياً, والرضا بنتائج الانتخابات الحرة والنزيهة في ظل ممارسة ديمقراطية سليمة, أمر كان, وما يزال, فوق مستوى العقليات الحاكمة! فلا (حاكم) يترك السلطة سلمياً في مثل هذا المجتمع الذي نعيش فيه إذا كان قادراً على البقاء فيها بالقوة ولوازمها! ولم تكن لدى القابضين على السلطة (تقوى) كافية تفرض عليهم أن يعملوا على تأسيس ديمقراطية سليمة ولو أطاحت بهم سلمياً! ولم تكن هناك إلا نية واحدة وهي البقاء في السلطة عبر الالتفاف على مفهوم الديمقراطية، وتشكيل وحدة حزبية بين الأقوياء الذين يملكون السلطة حقيقة: عسكرياً, واقتصادياً, وإعلامياً.. لتمكينهم من الاحتفاظ بالأغلبية ومواصلة حكم اليمن الواحد بالروح نفسها التي كان عليها الأمر قبل الوحدة.. مع مستجد جديد هو: السماح لقوى المعارضة أن تتمتع بهامش حرية في الكلام وتأسيس أحزاب وفتح مقرات والمشاركة في الانتخابات للحصول على (النصيب المقسوم) لها من قبل الحكام!


    (2)

    ومن نافلة القول إن المضمون السياسي الخاطئ الذي قامت عليها دولة الوحدة قد انهار بعد أن اصطدمت المصالح والعقليات والأهواء ببعضها بعضاً وحدث الصدام المسلح الذي كان من نتائجه أن الوحدة استمرت.. ولكن الديمقراطية المشوهة استمرت هي أيضاً! وبعد أن كان (الخوف) -على حد رأي الأستاذ محمد باسندوة- قبل الحرب ينصب على (الوحدة) في حالة احتراب الأقوياء أو على (الديمقراطية) في حالة وفاقهم.. صار (الخوف) يتركز على (الهامش) الديمقراطي الذي بقي لظروف عديدة بعضها داخلي, وبعضها خارجي.. لكن كان السبب المهم هو أن الحكام وجدوا أنهم يكسبون سياسياً وإعلامياً كثيراً من السماح بهذا الهامش (الكلامي) ولا يخسرون في المقابل شيئاً من قوتهم وهيمنتهم على السلطة!

    والديمقراطية إما تكون كاملة وإما هي شمولية بديكور ديمقراطي لا تخرج عن حقيقة الحكم الفردي أو الشمولي! وهي لا تكون كاملة إلا إذا أقيمت على أسس صحيحة من أول يوم! أما التعلل بأننا ما زلنا في بداية الطريق وأننا ديمقراطية ناشئة.. وأن المجتمع كان محكوماً بشمولية صريحة ويحتاج إلى زمن للتعلم والانتقال إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقة وأن البلاد تواجه أخطاراً خارجية ومؤامرات.. هذه التعللات هي ذاتها (الحكم الشمولي) و(احتكار السلطة)! وإلا قولوا لنا: لماذا لم يحدث مثل ذلك في مجتمعات أخرى كانت أسوأ ديكتاتورية منا ثم انتقلت إلى النظام الديمقراطي بسهولة ويسر, ودون أعذار السن وعذر الثقافة الديمقراطية؟ فهذه ألمانيا وإسبانيا والبرتغال وجنوب أفريقيا ودول أمريكا اللاتينية وكوريا الجنوبية.. كلها صارت مجتمعات ديمقراطية حقيقية دون لف أو دوران! فلماذا نحن في اليمن الذي يقال لنا: تقبلوا هذه الديمقراطية المشوهة لأنكم ما زلتم في البداية وتحتاجون إلى زمن طويل لتصلوا إلى مستوى غيركم؟


    (3)

    لقد كان ضرورياً البدء بالحديث عن الطريقة الخاطئة التي قامت عليها الممارسة الديمقراطية في دولة الوحدة حتى لا تتوه معالم الطريق علينا ونحن نبحث عن أسباب هذه الانتكاسة الجديدة -لكن الكبيرة هذه المرة- للممارسة الديمقراطية في بلادنا! ولكي نتلمس الأسباب الحقيقية ولا نغرق في التنظيرات والأسباب غير الجوهرية, فإن البعض بسوء قصد وبحثاً عن مطامع ذاتية سوف يسعى لحرف النقاش عن جوهر الخطأ إلى أعراض ومظاهر أخرى سوف نكتشف أنها هي نفسها من أعراض الاختلالات الجوهرية! فأس المشاكل التي نشكو منها في هذه البلاد هو هذه الاختلالات التي يتسم بها النظام السياسي الممارس -وليس الدستوري والقانوني النظري- والذي يجمع بين نصوص دستورية وقانونية ممتازة في مجملها تنظم الحياة السياسية.. بينما نحن في الواقع نعيش حياة سياسية تحمل بصمات الشمولية في معظم ممارساتها وفي مقدمتها استحالة حدوث تداول سلمي للسلطة في ضوء حقيقة أن الحزب الحاكم يهيمن على كل مقدرات الدولة -الاقتصادية والإعلامية والعسكرية- وكأنها ملكية خاصة يتصرف بها كما يشاء لتثبيت سلطته والحفاظ على هيمنته إلى الأبد!

    ليس فيما نقوله هنا جديد.. فمشروع الإصلاح السياسي والوطني الشامل الذي أعلنته أحزاب اللقاء المشترك, ومثله برنامج مرشحها في الانتخابات الرئاسية, هو تشخيص دقيق لأزمة الديمقراطية وهو بلورة ناضجة للحل الذي يعالج المعضلة الرئيسية التي نعاني منها منذ قيام دولة الوحدة: ديمقراطية شكلية، تركز للسلطة في مركز سياسي واحد، وتفريغ خطير للمبادئ والأسس والقوانين من روحها وتحويلها إلى مجرد كلمات ميتة لا أثر لها!


    (4)

    بإمكاننا أن نضرب كثيراً من الأمثلة على شكلانية الممارسة الديمقراطية في بلادنا .. فما زالت المؤسسات العسكرية والأمنية خاضعة لهيمنة الحزب الحاكم وتدار بطريقة مخالفة للدستور والقوانين وحتى للأعراف العسكرية في بعض الحالات! ومن المؤسف أن السلطة المؤتمرية لاتتردد بالزج بهذه المؤسسات الوطنية صاحبة الدور المهم في الحفاظ على وحدة البلاد واستقلالها، في خلافاتها السياسية مع المعارضة .. ومن أجل أهداف مثل تغليب حصة المؤتمر في الانتخابات! فأبناء القوات المسلحة والأمن تتعامل معهم هذه السلطة كما يتعامل بعض المتنفذين مع الأهالي في بعض المناطق حيث تفرض عليهم خيارات بأساليب لا تتناسب مع حساسية العمل الوطني المنوط بهم! وقد أثبتت الانتخابات السابقة خلال (16 عاماً)، وهذه الانتخابات خاصة، أن المؤسسات العسكرية والأمنية ما تزال تدار بالعقلية نفسها التي كان عليها الأمر قبل الوحدة! ولعل أبرز دليل على ذلك الطريقة التي تتعامل بها أبرز الشخصيات الرسمية فيها مثل: وزير الدفاع والداخلية ورئيس الأركان مع شأن سياسي مثل الانتخابات وحتى مثل إرسال برقية التهنئة للرئيس بمناسبة إعلان فوزه في الانتخابات!

    ولذلك لم يكن غريباً أن بعض المعسكرات أشعلت سماء صنعاء - وربما المدن الأخرى - بالرصاص الثقيل فور إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية!

    وقارنوا ما الذي يحدث للمواطنين في مثل هذه الحالات في الأعراس أو غيرها .. وكم يلاقي المواطنون - البسطاء طبعاً - من عنت إذا أطلقوا رصاصاً أو وجدوا (سلاحاً) في سيارة لمواطن! وتذكروا كيف يثيرون الدنيا من (مكبرات الصوت) في المساجد لأنها تقلق الآمنين والمرضى؟! فكيف نتوقع أن تكون هناك ممارسة ديمقراطية سليمة وتداول سلمي للسلطة إذا كانت العلاقة بين السلطة وبين المؤسسات العسكرية على هذا النمط؟


    (5)

    ومن الجيش والأمن إلى الإعلام الحكومي الذي ظل منذ ماقبل موعد الحملة الانتخابية وهو يسخر أموال الشعب لاستعراض منجزات أحجار الأساس هنا أو هناك! ثم إذا بدأت الحملات الانتخابية ظهر كأسوأ ما يمكن أن يكون عليه (إعلام شمولي) يفترض أنه محايد حتى على الأقل في تلك الأيام فقط! والحقيقة أننا نعذر الإخوة في الإعلام الحكومي .. فهم مجرد موظفون في جهاز إعلامي شمولي - إلا ربع! - ولن يكون بمستطاعهم أن ينتصروا للدستور والقوانين! على أن هذا العذر ليس من حق بعض المؤسسات التي بالغت في الإسفاف وفي النفاق السياسي والإعلامي في أيام الحملة الانتخابية وإنما نحن نقصد المغلوبين على أمرهم! فأهل الإسفاف ظلوا يومياً في صحافة الحكومة يقدمون الدليل تلو الدليل على الديمقراطية اليمنية مجرد لعبة وأكذوبة عيني عينك!

    أما المال العام فقد تأكد مجددا أن سلطة المؤتمر تديره بالطريقة نفسها التي كانت السلطة الإمامية تدير بها بيت المال! وقد كشفت فضيحة غسيل الأموال التي كانت تصب في صندوق الحزب الحاكم مصدر التمويل الخرافي لنشاطات الحزب الحاكم .. أما الإنفاق المجهول في الانتخابات فلن تبرره تبرعات رجال الأعمال .. فهي أولاً لم تتجاوز 500 مليون ريال .. وثانياً فقد قيل - والله أعلم - أنه تم التبرع بها لصالح لبنان وفلسطين! وسيكون مستحيلاً على الحزب الحاكم أن يبرر بطريقة سليمة عشرات المليارات التي أنفقها في حملته الإنتخابية، وفي تجييش الأنصار! فضلاً عن أن ينكر مقدارها .. فإذا كان الطالب الواحد يحصل على (1800 ريال) لحضور مهرجان السبعين، والمعلم على (5000 ريال) والإداري على (8000 ريال) .. فكم تحصل قيادات الدوائر والمحافظات والوزراء والأمناء المساعدين ومطلع مطلع؟

    حكاية البنك المركزي والجامع الكبير والدائرة المالية تعطينا مؤشراً واضحاً عن مصدر تمويل نشاطات المؤتمر قبل الانتخابات وبعدها؛ فإذا تذكرنا أن الحكومة ترفض بإصرار تنفيذ توصية مجلس النواب بوضع فوائض البترول في صندوق خاص (وصلت إلى مليار دولار خلال الشهور السبعة الماضية فقط) .. وأنها تقدم كل نهاية عام - منذ 1997م - كشفاً بمئات المليارات التي تم صرفها خارج الموازنة وتطلب من البرلمان الموافقة على صرفها كاعتماد إضافي! إذا تذكرنا كل ذلك فهل من التجاوز أن نقول إننا نشكك أن القوم يستخدمون المال العام لأغراض حزبية؟ وبالمناسبة .. ألا يحق لنا أن نطالب - من باب الفضول - إخواننا في المؤتمر أن يرفعوا مخصصات الحشد والتحشيد وخاصة للفئات المسحوقة مثل الطلاب والمعلمين!!


    (6)

    ولكل ما سلف .. فإن الحديث عن (الديمقراطية) اليمنية لن يكون سليماً إذا تجوهلت كل تلك المعطيات فكيف يمكن أن تكون هناك ديمقراطية سليمة إذا كان الجيش, والأمن, والمال العام, والإعلام الحكومي كلها مسخرة لخدمة حزب واحد؟ وكيف يمكن أن تنجح عملية تطبيق مواصفات ومعايير ديمقراطية عالمية على ممارسة ديمقراطية بكل هذا السوء وبكل هذه الاختلالات! لذا فالتقويم السليم ينبغي أن يأخذ في اعتباره أن (ديمقراطيتنا) ما تزال شوهاء مختلة وشمولية إلا ربع وأن نتائجها لن تكون طبيعية وسليمة إلا عند الذين باعوا ضمائرهم في مذبح الأهواء الذاتية..!

    وهذه الـ(إلا ربع) نصر عليها لكيلا يندفع أحدهم فيعيرنا بأن الإعلام كان يبث كلمة مرشح اللقاء المشترك، وينشر برنامجه - طبعاً دون أن يشير إلى أن الحذف الذي حدث - أو يذكرنا أن المعارضة نافست (الرئيس) دون أن يقطع أحد رؤوسها أو يضعهم في السجن! أو يغلق مقراتها أو يوقف صحفها!

    قد يغضب المؤتمريون من عبارة (شمولية إلا ربع) ولكنها تظل أقل حدة من مقابلها في المعنى (ديمقراطية ونحن أسيادكم)!
     

مشاركة هذه الصفحة