العنف والديمقراطية في الحياة السياسية العربية

الكاتب : المسافراليمني   المشاهدات : 844   الردود : 0    ‏2002-07-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-15
  1. المسافراليمني

    المسافراليمني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-12-17
    المشاركات:
    2,699
    الإعجاب :
    0
    العنف والديمقراطية في الحياة السياسية العربية

    صادق أحمد

    العنف والديمقراطية، هما النقيضان الاكثر وضوحاً في الحياة السياسية العربية، فمع ان الدكتاتورية هي الحالة السائدة في دول المنطقة منذ اوائل القرن الحالي، فان الحرية السياسية والتعددية الحزبية ليست إلاّ استثناءً محدوداً، وهي ان صح التعبير سحابة صيف تغطي السماء العربية التي سرعان ما تزول.

    كانت وماتزال الدنيا تقوم ولا تقعد لمجرد ان احدى الحكومات العربية تبادر للقيام بخطوة صغيرة نحو الانفتاح السياسي، ويستبشر الكثيرون بخير وتعقد الآمال العريضة، لكن وبسرعة مذهلة ينهار كل شيء ويحدث المحذور، فبنفس الطريقة السريعة التي تولد فيها المبادرة، باتجاه الحرية السياسية، تتلاشى بأسرع ما يكون، بل وفي كثير من الاحيان تنقلب التجربة الديمقراطية الوليدة إلى اضافة جديدة في نمط الدكتاتورية التي كانت سائدة قبل الحديث عن الديمقراطية القادمة.

    لقد ابعد العنف والعنف المضاد المنطقة العربية عن الاستقرار السياسي والامن الاجتماعي وبطريقة اوتوماتيكية التقدم الاقتصادي رغم كل التحولات الكبيرة التي حدثت رغم كل التحولات الكبيرة التي حدثت في العالم خلال الفترة المتعاقبة. فالحرب العالمية الاولى التي اخرجت المنطقة العربية من السيطرة العثمانية، ادخلتها في مرحلة الاستعمار الغربي المباشر في وقت تنفست فيه بعض شعوب العالم الصعداء ولو بشكل نسبي. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتكرس الهيمنة الغربية على الدول العربية والاسلامية.

    لقد غابت الحرية السياسية عن الحياة اليومية في الدول العربية وكذلك الاسلامية خلال فترتين اساسيتين، الاولى، مرحلة الاستعمار الغربي المباشر، والثانية مرحلة الحكومات الوطنية والقومية التي لم تنته بعد. وخلال هاتين الفترتين التي استغرقت كل سنوات القرن العشرين الذي شارف على نهايته، فان العقود الماضية، كانت مليئة بالتجارب الدكتاتورية، بحيث يمكن القول ان الدكتاتورية هي اهم مخزون في التراث السياسي والاجتماعي للمنطقة، انّه الشيء الوحيد الذي تتوارثه ذاكرة الاجيال على مر السنوات.

    هناك حقيقتان في المنطقة العربية وكذلك الاسلامية وهما النفط والدكتاتورية، فكما ان شعوب الدول العربية لم تستنفد بصورة صحيحة من الثروة النفطية والتي تحولت في بعض الاحيان إلى مادة لتدميرها، فان الدكتاتورية هي توأم النفط، حيث يعاني المواطنون من الارهاب السياسي والفكري، وربما لو لم يكن النفط موجوداً في المنطقة العربية، فان احتمالات الحالة الدكتاتورية قد تكون اقل وطأة.

    خلال فترة الاستعمار الغربي المباشر، كانت الحربية السياسية بعيدة كل البعد عن الحياة العامة لشعوب المنطقة، فقد حكمت الحكومات الملكية التي صنعها المندوب السامي، البلاد والعباد حكماً قسرياً كان من اهم مظاهره فقدان الدول العربية والاسلامية الارادة السياسية، حيث ظهر المندوب السامي الغربي بوضوح وهو يدير دفة شؤون الحكم، وفي كثير من الاحيان، لم يراع المندوب عواطف ومشاعر الناس حين يحصر على البروز بمظهر الرجل الاول الذي يأمر فيطاع.

    وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، فان الدكتاتورية اخذت ابعاداً في غاية الخطورة خاصة وان الجيش هو الذي اصبح يمسك بجميع مقاليد السلطة، ولا شك ان مبررات سطوة العسكر على الحياة السياسية كثير. وفي مقدمتها انّه ـ اي الجيش ـ هو الذي خلص الوطن العربي من الاستعمار. وفيما يسيطر جنرالات الجيش على المؤسسات العسكرية وكذلك المدنية، فان البلاد تتحول بشكل طبيعي إلى مجرد ثكنة عسكرية كبيرة.

    ومن رحم سيطرة الجيش على الحكم، تتوالد الانقلابات العسكرية التي اصبحت خلال عقدي الخمسينات والستينات موضة عادية في الحياة السياسية العربية. ومن خلال الانقلابات المتعاقبة، تتوالى فصول الدكتاتورية، فيدخل الجميع في مأزق صعب للغاية. وفي هذا المجال ربما تبدو الآثار السلبية واضحة فيما تحدث في سوريا وعلى مدى ثلاث سنوات تقريباً ابتداء من عام 1949 وحتى عام 1952 ثلاث انقلابات عسكرية قادها على التوالي الزعماء الثلاث حسني الزعيم واديب الشيشكلي وسامي الحناوي. وكذلك الحال في اليمن، بشطريه الشمالي والجنوبي قبل اتحادهما في عام 1990 فقد شهد انقلابات عسكرية متعاقبة.

    وابرز ما في الانقلابات العسكرية، انها تثير جواً ارهابياً مستمراً تكون فيه الحريات السياسية هي الضحية الاولى فضلاً عن الرؤوس التي تتدحرج امام بوابات القصور الجمهورية والملكية على حد سواء وربما تكون تجربة حزب البعث في العراق حين سيطر على الحكم بانقلاب عسكري في عام 1968 مهمة جداً إلى كيفية تنامي الحالة الدكتاتورية بطريقة تصاعدية. فعلى سبيل المثال، فان اعضاء مجلس قيادة الثورة الذي استلم زمام الامور في العراق، لم يبق من اعضائه الاوائل هما اثنين فقط طه ياسين رمضان وعزة ابراهيم، في حين قضى الاخرون نحبهم من خلال التصفيات الجسدية التي كانت تتم اما بشكل فردي أو جماعي حسب ما تتطلبه الظروف. وربما تبدو مظاهر الحالة الدكتاتورية بشكل واضح في العراق، حين نرى ان البلاد لم تشهد منذ عام 1968 ولحد الآن استقالة اي وزير أو عضو في القيادة القطرية أو مجلس قيادة الثورة. فالمسؤول يبقى في منصبه حين يكون منسجماً تماماً مع الرجل القوي في الدولة، ولا يترك موقعه الرسمي باستقالة مهما كانت الظروف، فمغادرة المنصب تكون في حالة واحدة هي الذهاب إلى ساحات الاعدام. اما استقالة الرئيس العراقي السابق احمد حسن البكر في عام 1979 فكان اقالة واضحة تم اخراجها بالشكل الذي ظهرت فيه، ولاشك ان انتهاء دور البكر بعد خروجه من القصر الجمهوري مباشرة ثم وفاته الغامضة، دليل واضح على ان الانقلابات العسكرية لا تعرف الاستقالة.

    ومما يلفت الانتباه في الوضع العراقي في ظل حكم حزب البعث هو ان عمليات القمع والاضطهاد تتناسب طردياً مع بروز المؤشرات الاولية للنمو الاقتصادي في البلاد. فالعراق، استطاع ومن خلال زيادة العائدات النفطية بسبب ارتفاع اسعار النفط، ان يحقق احتياطاً مالياً جيداً وصل إلى نحو 36 مليار دولار في عام 1980، وبعبارة اخرى، فأن العراق وضع في اواخر عام عقد السبعينات قدمه الاولى في طريقة الانعاش الاقتصادي، لكن الطبيعة الدكتاتورية لنظام الحكم هي التي دفعت البلاد إلى حمامات دم لم يسلم منها القياديون في حزب البعث والمعارضون على حد سواء.

    ففي شهر تموز عام 1979، وبعد ان اصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية، تم اعدام خمسة أعضاء في مجلس قيادة الثورة بالاضافة إلى عشرات من الكوادر القيادية في الحزب، وجميع هؤلاء يشغلون مناصب حساسة في اجهزة الدولة المختلفة وكان السبب في هذه الاعدامات مازعم بوجود محاولة انقلابية يخطط لها هؤلاء لعزل صدام حسين. وقد اثارت هذه الاعدامات جواً من الارهاب والقلق في صفوف جميع المسؤولين.

    وبعد هذه الاعدامات بين اوساط البعثيين بفترة وجيزة جداً، بدأ النظام موجة اعتقالات واسعة النطاق ضد التيار الاسلامي وكان من ابرز مظاهر هذه الحملة الشرسة القانون الذي اصدره مجلس قيادة الثورة في شهر آذار عام 1980 والذي يقضي باعدام كل من ينتمي ويروج لافكار حزب الدعوة الاسلامية وبأثر رجعي. ثم جاء اعدام المفكر الاسلامي الكبير الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر واخته العلوية بنت الهدى في شهر نيسان عام 1980، كمؤشر واضح على عنف ودموية الاسلوب الذي يسلكه النظام في مواجهة معارضيه. وحينما تكون سياسة الحكومة العراقية الاعدام فقط للقياديين في حزب البعث والمعارضين له، فكيف تكون طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد؟

    ان الحالة الدكتاتورية في العراق والتي افرزها انقلاب عام 1968 لها ما يشابهها في بعض الدول العربية والاسلامية، لكن يبقى ان ما يحدث في العراق يعتبر حالة استثنائية في جميع القياسات. فاليمن على سبيل المثال، يشهد شطره الشمالي اغتيالات دموية لرؤساء الجمهورية ابراهيم الحمدي عام 1977. والغشمي في عام 1978، وكذلك في شطره الجنوبي حيث ان احداث عام 1986 قد تكون هي الاعنف في التصفيات الجسدية، بين القيادات الساسية المتناحرة، لكن ذلك الصراع لم ينعكس بنفس القوة على المجتمع اليمني، كما ان الانقلاب الذي قاده جمال عبدالناصر عام 1952 واسقط الملكية في مصر، لم يفرز تصفيات جسدية بين اعضاء مجلس قيادة الثورة مع ان بعضهم خرج من المجلس. وحتى انور السادات الذي دخل في صراع مفتوح مع ما اطلق عليه مراكز القوى في عام 1971، لم يقتل احداً من اولئك القياديين.

    ان الاستخدام الواسع وغير المبرر لامكانيات الدولة من قبل الحكومات الدكتاتورية في المنطقة لاشك انّه ادى بطريقة اوتوماتيكية إلى ردة فعل مشابهة لدى المعارضة التي وجدت في العنف المضاد وسيلة مشروعة للدفاع عن النفس فضلاً عن كونها اداة يمكن من خلالها اضعاف النظام هو المسؤول الاول عن الحرية السياسية والتعددية الحزبية، ذلك ان ممارسة العنف من قبل الحكم والمعارضة يدفع الطرفين بشكل غير مباشر إلى اعتماد القوة كوسيلة وحيدة للاهداف التي تنبغي تحقيقها. اي ان النظام ومن قاعدة الحفاظ على أمن واستقرار المجتمع، يبادر إلى تشكيل اجهزة امنية جديدة فضلاً عن تقوية مؤسساته القديمة، وبصورة تدريجية تتحول هذه المؤسسات الامنية إلى وجود عضوي في كيان الدولة سواء من جهة الدور الذي تقوم به هذه الاجهزة في حماية النظام أو حتى من ناحية الكادر البشري الضخم الذي لا يمكن الاستغناء عن خدماته. ففي بعض الدول العربية ومنها العراق بشكل خاص، يقترب عدد العاملين في الاجهزة الامنية المتعددة، من نصف تعداد القوات المسلحة، فكما ان امكانية تسريح افراد الجيش غير ممكنة، فكذلك الحالة بالنسبة إلى عناصر قوى الامن.

    وبطريقة اوتوماتيكية، فحينما تلاحظ المعارضة، ضخامة وخطورة الجهاز الامني في البلاد، فانها بكل تأكيد تحاول ان تحافظ على وجودها من خلال قضيتين متداخلتين الاولى اللجوء إلى العمل السري والثانية تشكيل جناح مسلح، فبينما يهدف العمل تحت الارض إلى حماية كيان الحزب المعارض من ضربات جهاز الامن الحكومي، فان الذراع المسلح يقوم بعملية مضادة لمنع المؤسسات الامنية الحكومية من الاستمرار في ممارسات عمليات القمع والاضطهاد.

    ومن عملية الشد والمواجهة هذه بين الحكم والمعارضة، تغرق البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد الذي تعاني منها الآن غالبية الدول العربية، وما يحدث الآن في الجزائر ومصر وتونس والعراق واليمن مؤشرات واضحة في هذا الاتجاه. مع ان باقي الدول العربية وكذلك الاسلامية لا تخلو من هذه الاحداث لكن بطريقة اقل عنفاً.

    ان انظمة الحكم العربية على مختلف اتجاهاتها السياسية والفكرية وهي في مرحلة الاستقلال، تكاد تشبه إلى حد بعيد انظمة الحكم الشيوعية التي كانت قائمة في الاتحاد السوفيتي السابق ودول اوروبا الشرقية، ومع ان اياً من الحكومات العربية لم تتبن النظرية اللينينة ـ الماركسية بمثل ما كان سائداً في المعسكر الشرقي اي ان الدول العربية وفي الوقت الذي اخذت استقلالها من الدول الغربية مثل بريطانيا وفرنسا، استلهمت من الكتلة الشرقية نظرية الحكم وخاصة من الجوانب الامنية والسياسية. وبعبارة اخرى، فان الحكومات العربية تركت الخيار الليبرالي الغربي واتجهت نحو الاسلوب الغربي وليس الشرقي علماً ان الحكومات العربية ظلت ترتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب والولايات المتحدة الاميركية في حين ان روابطها مع المعسكر الشرقي كانت عادية باستثناء بعض الدول العربية، وحتى هذا الاستثناء لم يكن مستقراً. فقد انهارت تجربة العلاقة بين موسكو والقاهرة في عهد الرئيس المصري انور السادات وكذلك اهتزت العلاقة القوية بين موسكو وبغداد مرات عديدة وكان آخرها في حرب الخليج الثانية بالاضافة إلى تجارب عديدة. في حين ان العلاقات العربية ـ الغربية لم تنهار في أي وقت رغم اندلاع ازمات خطيرة في المنطقة كان الغرب والولايات المتحدة الاميركية سبباً مباشراً فيها. وربما تكون متابعة سريعة للصراع العربي ـ الاسرائيلي منذ عام 1948 ولحد الآن تعطي ادلة كافية على ان الحكومات العربية ظلت متفاهمة مع الغرب رغم المآسي التي لحقت بشعوب المنطقة.

    في غالبية الحكومات العربية، هناك نمط من الحكم يكاد يكون واحداً وهو يشبه إلى حد بعيد طبيعة الانظمة الشيوعية التي كانت قائمة في الاتحاد السوفيتي ودول اوروبا الشرقية. ففي الكتلة الشرقية، كان الحزب الشيوعي هو اللون السياسي الوحيد الذي يطيع الحياة السياسية بالاضافة إلى وجود احزاب سياسية صغيرة هي في العموم متحالفة مع الحزب الشيوعي الحاكم. وتسيطر الاحزاب الشيوعية على جميع اجهزة الدولة بدون استثناء بالاضافة إلى تدخلها المباشر فى الحياة العامة للمواطنين. ولاشك ان امساك الاحزاب الشيوعية بمقاليد الحكم ادت إلى ضياع الحرية السياسية وتنامي الحالة الدكتاتورية بشكل ملفت للانتباه.

    ومن خلال نظرة سريعة للاوضاع العامة في الدول العربية يمكن ملاحظة هذا التطابق بين المعسكر الشرقي والمنطقة العربية، فالحزب الواحد أو العائلة الواحدة هي التي تحكم الوضع العام في الدول العربية ولا يستثنى من هذه القاعدة جميع الدول العربية التي تتوزع على نوعين من الانظمة اما جمهورية ويحكمها الحزب الواحد أو الملكية وتسيطر عليها العائلة الواحدة. ومن خلال التجربة فان الحزب الواحد والعائلة الواحد لم يسمحا إلاّ لانصارهما بالعمل السياسي سواء كان هؤلاء المتحالفون احزاباً صغيرة أو شخصيات سياسية أو اجتماعية أو ثقافية. وعلى مدى العقود الماضية، فان المنطقة العربية مثل الكتلة الشرقية في السابق، لم تشهد اي عملية تغيير في الحكم من خلال انقلاب هؤلاء المتحالفين ضد الحزب الحاكم أو العائلة الحاكمة، وإذا ما حدثت بعض المتغيرات في التحالف القائم بين الحكم والحلفاء، فانه يدخل في اطار المفارقات ليس اكثر.

    اما الجهاز الامني في الدول العربية، فهو ايضا على شاكلة الاجهزة الامنية في الكتلة الشرقية سابقاً، فكما ان الحزب الشيوعي هو الذي كان يوجه النشاط العام لجهاز المخابرات السوفيتية «الكي. جي. بي» فان حزب البعث في العراق والحزب الوطني في مصر وحزب جبهة التحرير السابق في الجزائر هم الذين يشرفون على اجهزة المخابرات في هذه الدول، وكذلك الحال بالنسبة للحكومات الملكية، فبصورة شبه دائمة، يكون احد افراد العائلة المالكة هو الذي يشرف على الجهاز الامني كما هو الحال في السعودية والكويت وغيرهما.

    وحينما يكون الحزب الواحد والعائلة الواحدة يوجهان الحياة السياسية في البلاد، وبدعم مباشر من الاجهزة الامنية المرتبطة بهما، تبرز حالة جديدة في الدولة في غاية الخطورة وهي شعور نظام الحكم بأن الامن القومي للبلاد مرتبط به مباشرة بل ويوجه في خدمته، ولاشك ان هذا الشعور يدفع نظام الحكم إلى ممارسة اعمال قمعية ضد المعارضين حتى وان ادى ذلك إلى دخول البلاد في مأزق سياسي وامني. وما حدث في العراق بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية مؤشر واضح في هذا الاتجاه، ذلك ان صدام حسين الذي دخل في حرب مدمرة مع الحلفاء لم يشعر انّه وضع الامن القومي للعراق في المزاد العلني، بل ان الانتفاضة هي التي هددت الامن القومي، فبادر إلى ارتكاب مجازر حقيقية ضد الشعب.

    وما يحدث الآن في مصر دليل آخر، فقوات الامن والشرطة حاصرت وبأعداد ضخمة مدينة «امبابة» القريبة من القاهرة في شهر تشرين الثاني الماضي، واعتقلت من الاصوليين المئات خلال ايام معدودة في حين ان الحكومة المصرية تعاملت بهدوء واضح مع شبكة آل مصراتي التجسسية في صيف عام 1992 التي كانت تعمل لصالح الكيان الصهيوني مع ان احد افراد الشبكة وفائقة مصراتي اعترفت بمعلومات هي في غاية الخطورة على الامن القومي المصري، ومع ذلك، فان الحكومة المصرية اطلقت سراح شبكة آل مصراتي بعد توقيف استمر عدة ايام. ان التباين في موقف الحكومة المصرية ازاء شبكة التجسس والاصوليين يكشف بوضوح ان الحكومة لا تنظر إلى طبيعة الخطر الحقيقي الذي يهدد الامن القومي للبلاد، بل إلى ما يمكن ان يؤثر سلباً على موقع الحكومة.

    ان تعاظم الاجهزة الامنية في الدول العربية يجعلها مهيأة بطريقة للدخول في مواجهات امنية مفتوحة مع المعارضة، اي ان الجهاز الامني في مصر مثلاً يحاول ومن خلال عملية تضخيم واضحة للمعارضة ان يثبت للحكومة جدارته على الرغم من المزالق التي ترافق هذه القضية، وحينما ترسم الاجهزة الامنية صورة غير واقعية للمعارضة، فإنها تحصل اوتوماتيكياً على الضوء الاخضر من الحكم لتنفيذ ضربات معينة للمعارضة. وفي هذه الحالة، يتطرف الجهاز الامني في استخدام الاساليب التعسفية، وبعبارة اخرى فان المؤسسات الامنية تقوم بعملية قلب للحقائق، بحيث يبدو هي وكأنها المدافع الاول والاخير على امن المجتمع في حين تظهر المعارضة في حالة وكأنها تعرض الامن القومي للخطر.

    وبسبب التشابه الواقع بين الطبيعة العامة لانظمة الحكم العربية والحكومات الشيوعية في الاتحاد السوفيتي ودول اوروبا الشرقية، منذ استعارت بعض الدول العربية لفظ «البيرسترويكا والفلاسنوست» وهي النظرية التي اطلقها الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف. ومما يلفت الانتباه إلى الاستعارة العربية للبيرسترويكا انها جاءت في مرحلة بدأ الاتحاد السوفيتي يتجه بسرعة نحو التفكك، اي ان الحكومات العربية لم تحاول الاستفادة من البيرسترويكا في بداية اعلانها وذلك في عام 1985 بل حينما ظهرت عليها علامات العجز بالضبط مثلما برزت على الامبراطورية السوفيتية. وقد تكون التجربة الجزائرية، مهمة في هذا المجال، فالرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد كان اول الرؤساء العرب الذي ردد مقولة البيرسترويكا ولاشك انّه كان يدرك خطورة الوضع العام في البلاد. ان عبارة «البيرسترويكا العربية» التي تحدثت عنها بعض اجهزة الاعلام العربية اعادة للاذهان مقولة «الاشتراكية العربية» التي برزت للوجود في اوائل عهد الاستقلال الذي شهدته المنطقة العربية وبالتحديد في كتابات التيار اليساري العربي.

    إنّ توجه الحكومات العربية نحو الحرية والانفتاح السياسي يأتي دائماً في الوقت الضائع، اي في الفترة التي تكون فيها الاوضاع قد تدهروت بشكل تكون فيه التعددية الحزبية مأزقاً اضافياً جديداً سواء على الصعيد السياسي أو المستوى الامني وربما كلاهما.

    فبعد انفجار الاوضاع في الجزائر في شهر تشرين الاول ـ اكتوبر ـ عام 1988 بشكل انتفاضة جماهيرية عامة، بادرت الحكومة الجزائرية وبالتحديد الرئيس الشاذلي بن جديد إلى القيام ببعض الخطوات المهمة لاجل السير في البلاد نحو التعددية والحرية السياسية، فجرت في عام 1989 الانتخابات البلدية التي افرزت فوزاً ساحقاً للجبهة الاسلامية للانقاذ، وفي اواخر عام 1990 اجريت الانتخابات البرلمانية التي حققت فيها جبهة الانقاذ فوزاً كبيراً ايضا، وقبل عقد الدورة التكميلية للانتخابات في شهر شباط ـ فبراير ـ عام 1992 قدم الشاذلي بن جديد استقالته بصورة كانت توحي بما لا يدع أي مجال للشك بأن جنرالات الجيش هم الذين اجبروا الرئيس على تقديم الاستقالة. حيث اصبح امام خيارين اما مواجهة الانقلاب العسكري أو القبول بالتنحي عن السلطة وهو ما حدث بالفعل. وبعد استقالة الشاذلي، الغيت نتائج الانتخابات كما فرضت حالة الطوارىء حيث شنت اجهزة الامن حملة اعتقالات واسعة النطاق ضد قيادات وقواعد التيار الاسلامي. وفي غمرة المواجهة بين الحكومة التي يسيطر عليها العسكر والتيار الاصولي، اغتيل الرئيس محمد بوضياف في ظـروف غامضة. وقد ادت جميع هذه الاحداث إلى دخول الجزائر في النفق المظلم. وبعبارة اخرى، فقد ظهر امام الرأي وكأن المأزق السياسي والامني الذي تواجهه جاء بعد الخطوة الاولى التي خطاها الشاذلي بن جديد نحو الحرية السياسية والتعددية الحزبية وهو ما تحاول استغلاله اجهزة الدعاية الغربية والصهيونية بأن شعوب العالم الاسلامي يصعب عليها الانسجام مع الحياة الديمقراطية.

    وفي العراق، حدث ما يشبه ذلك ولكن بصورة أخطر، فبعد توقف الحرب العراقية ـ الإيرانية في عام 1988، تحدث الرئيس العراقي صدام حسين في أوائل عام 1989 وبشكل متكرر وكذلك وسائل الإعلام وكبار المسؤولين في الدولة عن استعداد العراق للدخول في مرحلة سياسية جديدة تكون أكثر انفتاحاً على التيارات والاحزاب السياسية في البلاد. ورغم إنّ العراق لم يشهد أي تجربة ديمقراطية منذ سيطرة حزب السلطة في عام 1968، لكن انتهاء الحرب بالطريقة التي حدثت فيها، دفعت البعض للإعتقاد، بأن صدام حسين لا يخسر شيئاً إذا ما قرر البدء في ممارسة الانفتاح السياسي خاصة وانّه مضى على حزب البعث في السلطة فترة طويلة جعلت من الصعب على الآخرين أن يحققوا انتصاراً لهما في أي انتخابات.

    ووسط الآمال والشكوك باحتمالات حصول الانفراج في شهر آب عام 1990 باتجاه الاراضي الكويتية. وكانت تلك الخطوة بداية الانهيار الكبير للعراق في جميع المجالات. فقد دمّر الحلفاء في حرب عاصفة الصحراء امكانيات العراق العسكرية والاقتصادية والصناعية واعادوه حسب تقديرات الخبراء ثمانين عاماً إلى الوراء.

    وفي ظل اجواء الكارثة التي حدثت للعراق، توقع الكثيرون أن يبادر صدام حسين للاستقالة ويعلن أمام الرأي العام مسؤوليته الكاملة عن كل ما حدث، لكن المفاجأة التي لم تفاجأ العراقيين في أقل التقديرات، هي أن صدام حسين قام بارتكاب مجازر دموية ضد المواطنين في الجنوب والوسط وكذلك في الشمال حين اندلعت الانتفاضة الشعبية في غالبية المحافظات العراقية. وكانت بمثابة اكبر استفتاء شعبي ضد نظام الحكم. هكذا كان نهاية استعداد صدام حسين عن ممارسة التجربة الديمقراطية في عام 1989، انّه الحلم الزائف والريع الذي تحول إلى مأساة حقيقة. ان شعوب المنطقة تكون اقرب إلى الكارثة فيما تتحدث الحكومات عن قرب تحقيق الديمقراطية، وما يحصل الآن في الجزائر والعراق وبعض الدول الاخرى، مؤشرات واضحة على ذلك.

    وبعد تلاشي الحلم الذي راود الكثيرين بأن بيرسترويكا غروباتشوف ستكون لها افرازات ايجابية على الاوضاع السياسية في المنطقة العربية، فأن حرب الخليج الثانية ومن ثم انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وضع المنطقة أمام مظاهر جديدة للدكتاتورية، وقد تكون محادثات السلام العربية ـ الاسرائيلية التي بدأت في العاصمة الاسبانية في عام 1991، هي الخطوة الاولى نحو ابتعاد دول المنطقة عن الحرية السياسية والتعددية الحزبية، على اعتبار ان الحكومات العربية سوف تضطر امام الرفض الشعبي للسلام مع الكيان الصهيوني إلى اتباع وسائل قمعية كما حدث في عهد الرئيس المصري السابق أنور السادات الذي دخل في مواجهة مع الجميع بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، وقد دفع السادات ثمن تلك المعاهدة مع اسرائيل حيث قُتل في عام 1981. وبدون شك، فان غالبية الحكومات العربية وهي تدخل في مفاوضات سلام مع الكيان الصهيوني تعاني من عقدة مقتل انور السادات التي صفقت لمقتله في الظاهر.

    فاثناء فترة اشتداد الصراع بين الحكومات العربية التي كانت ترفع لافتة الثورية والكيان الصهيوني، فان الولايات المتحدة الاميركية والدول التي تتعاطى الارهاب، قد وضعت في هذه القائمة الدول التي ترفض السلام مع الكيان الصهيوني وتقدم الدعم للمنظمات الفلسطينية المتشددة. وكان النظام العراقي في هذه القائمة حتى عام 1983 حيث رفضته ادارة الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريغن لاعتبارات كثيرة منها حرب النيابة التي كان يقوم بها صدام حسين ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية. وقد عانت شعوب المنطقة من تلك الدول التي كانت بالفعل تمارس «الارهاب» ولكن ليس ضد الكيان الصهيوني انما ضد شعوبها. فبذريعة الاستعداد للمواجهة الكاملة مع اسرائيل، كانت تتم عملية كم الافواه ومصادرة الحرية. وبعبارة اخرى فان دعماً محدداً تقدمه الحكومات الراديكالية للمنظمات الفلسطينية للقيام ببعض العمليات الفدائية يقابله عملاً قمعياً واسعاً ضد المواطنين.

    ومنذ بدأ مفاوضات السلام العربية ـ الاسرائيلية بدأت تهمة الارهاب تنتقل من الحكومات إلى الشعوب، بحيث اصبحت شعوب المنطقة الآن في قفص الاتهام الاميركي ـ الغربي. وإلاّ كيف يمكن تبرير الحصار الذي تفرضه قوى الامن المصرية على عدد من المدن بحجة ممارسة بعض الاصوليين في تلك المدن نشاطاً ضد الحكومة المصرية؟ ومما يثير الانتباه في هذا المجال هو أن اميركا والدول الغربية تقدم شتى انواع الدعم لحكومات المنطقة التي تمارس القمع ضد الاصوليين رغم انها ترفع لافتة الدفاع عن حقوق الانسان. ان الغرب ينحاز الآن إلى جانب حكومات المنطقة ضد التيار الاسلامي بنفس الطريقة التي كان ينحاز فيها إلى جانب الحكومات الملكية وهي تواجه الخط اليساري في العقود الماضية مع فارق واضح هو ان الاضطهاد الذي يمارس ضد الاسلاميين لا يمكن مقارنته بما حصل مع اليساريين سابقاً.

    ان جميع الظواهر الحالية تؤكد ان العنف هو الذي سيطبع الحياة العامة في دول المنطقة وان الحرية السياسية ستكون أبعد ما يكون خاصة في وقت تعاني فيه الحكومات من مأزق سياسي وتدهور اقتصادي ملحوظ.

    ((((( منقول)))))
    ***

    الفهرس
     

مشاركة هذه الصفحة