في حضرة الغياب محمود درويش

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 586   الردود : 0    ‏2006-09-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-30
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    ["]في حضرة الغياب



    محمود درويش



    ما زال محمود درويش على قلقه المفتوح، يتجاوز ذاته في كل نص، وفي كل قصيدة. ها هو اليوم يخوض كتابة النص المفتوح. النص الشعري المفتوح. ولا نظنه يتأرجح في نصه الجديد "في حضرة الغياب" بين النثر والنثر أو بين الشعر والنثر، بل هو في صميم الكتابة الشعرية المتعددة الايقاع والنبرة واللغة، في مناخ غني، متجدد، خصب كأنه بين الاعتراف، وبين الجرح، وبين الغياب، وبين الحدود القصوى للتجربة. كأنه في نصه الجديد على حافة "الهاوية" الخلابة، وتلك التي تستدعي ما يخلبها، ومن يخجلها، الى مستور النص، وما في تضاعيفه، وما في ايماءاته، وما في عنفه وشفافياته.
    هنا مقاطع من كتاب درويش الذي صدر عن دار رياض نجيب الريس في بيروت.
    ***
    ظلام ظلام، ظلام. نجاة اللون من التأويل، وخيال يهب الأعشى ما فاته من فروق الاملاء، ومساواة ترجح كفة الخطأ. لو خلا الليل منا لعاد صيادو الأشباح الى ثكناتهم خائبين. ولو خلا الليل منهم لعدنا إلى بيوتنا سالمين.
    الأشجار سوداء عمياء بلا أسماء وبلا ظلال. وفي كل حجر سرّ ما. كأن الموت الذي لم تره من قبل ينصب فخاخه بدهاء تامّ السرية. فماذا تفعل في هذا الخلاء الكامل لو نقصت هذه القافلة الصغيرة؟ ومن أية جهة تنجو، وماذا تفعل بنجاتك؟ إلى أين تأخذها وأنت لا تعرف أي طريق؟.
    لم تفكر بموتك أنت، فما زلت صغيراً على هذه التجربة، إذ لم تدرك بعد أن بمقدور الصغار أيضاً أن يموتوا. لكن، كيف تمضي وحيداً إلى حياة لا تعرفها ولا تعرف مكانها؟ فأبكاك احتمال يهيل عليك، بلا رأفة، سماء ثقيلة الوطأة. ويروي لك، بلا رحمة، نهاية قصة عن ضياع أبدي في ليل وحشي مطبق على بغلتين، وطريق صخري، وسمسار حنين يقود خمسة عائدين إلى خطاهم المعاكسة.

    وستروي إلى لا أحد واضح الملامح: لم يكن لنا من غدو، وقتئذ، إلا الضوء والصوت. ولم يكن لنا، ليلتئذ، من حليف سوى الحظ، ينهرك صوت الخوف الخفيض: لا تسعل أيها الولد، ففي السعال دليل الموت الى مقصده. ولا تشعل عود الثقاب، أيها الأب، فان في بصيص نارك الصغيرة إغواء لنار البنادق.

    وخيّل لك ان الليل هذا هو خباء الموت الواسع، وأنك تمشي أو تزحف أو تقفز كالجندب في برية الذئاب الخالية من المارة. وخيّل لك ان الضوء القادم من نجمة شاردة، أو من سيارة بعيدة، هو أحد الأدلاء السريين لصاحب هذه البرية. وعليك إذا لاح الضوء من بعيد أن تتخذ هيئة شجرة واطئة أو صخرة صغيرة، وأن تحبس أنفاسك لئلا يسمعك الضوء الواشي.

    وستروي لي عندما أتقن التدوين، أو ستروي للا أحد كيف عثرت هناك، في ذلك الليل، على قرون استشعار جاهزة لالتقاط الرسائل البعيدة، وكيف تدربت على الاقامة في المغامرة، وكيف اكتويت بجمرة الثنائيات، وجاهدت في مكابدة الضد للضد، وتجنبت تعريف العكس بالعكس، فليس كل عكس لما هو خطأ صواباً دائماً. وليس الوطن هو النهار، دائماً. وليس المنفى هو الليل...
    ظلام يوحد العناصر في كهف الوجود الخالي من الصور. يطفح المجهول المحمول على عواء الذئاب وعلى هسيس العشب الدامي وتمشي خطوة على خواطر سوداء، وعلى صخرة ليل خطوة. وأنت تسأل في سرك عما يجعل العتمة صلبة، وعما يجعل الحياة صعبة. وتحن إلى مطر في الجنوب، إلى مطر يذيب هذا الحبر الكوني الهائل، وتقول: لو هطل المطر علينا في هذا الليل لذاب الظلام ورأينا خطانا والطريق، وقادتنا رائحة المطر إلى الشجر الذي شب في الغياب ودخلت أغصانه العالية الى الغرف.

    لكن همساً مالحاً يأمرك بأن تنبطح على الأرض. هوالضبع ـ يقولون لك وهم يشيرون إلى ضوء سيارة من بعيد، ولا يأذنون لك بأن تسأل: هل يقود الضبع سيارة؟ لم تعرف المجاز بعد، فلم تعرف أن الضبع هو "حرس الحدود". إذ ظنوا أن الضبع لمن هو في سنك أرحم. فهو لا يحمل بندقية ولا يعرف المحاججة. ويكفيك، لتنجو منه، أن تخفي خوفك في جيبك، وتتظاهر بالمشية اللامبالية. يبتعد الضوء، وتزدرد الخوف، وتمشي مع بغلتين، وعائلة، وسمسار حنين على هدي الظلام.

    وأنا الراوي، لا أنت، أذكّرك الآن بمنادي قرية كان يقف على سطح بيت ويصرخ: جاء الضبع. فيهرول عشرات من أمثالك إلى كهف القرية، إلى ان يعود الجنود من حملة التفتيش عمن عادوا الى بلدهم "متسللين". تلك القرية المنحوتة في سفح جبل ذات بيوت من جدران ثلاثة. أما الرابع فهو ظهر الجبل. بيوت لو نظرت إليها من تحت، من كرم الزيتون، لرأيت لوحة عشوائية رسمها فنان أعمى على عجل، صخرة على صخرة، ونسي ان يرش عليها شيئاً من نعمة اللون، فقد كان خائفاً من أن يرى، فجأة، ما صنعت يداه. أما النوافذ فانها تطل على جهة واحدة: جهة الضبع!

    هناك، عرفت من آثار النكبة المدمرة ما سيدفعك الى كراهية النصف الثاني من الطفولة. فان كنزة صوف واحدة، منتهية الصلاحية، لا تكفي لعقد صداقة مع الشتاء. ستبحث عن الدفء في الرواية، وستهرب مما أنت فيه إلى عالم متخيل مكتوب بحبر على ورق. أما الأغاني، فلم تسمعها الا من راديو الجيران. وأما الأحلام فلن تجد متسعاً لها في بيت طيني، مبني على عجل كقن دجاج، يحشر فيه سبعة حالمين، لا أحد منهم ينادي الآخر باسمه منذ صار الاسم رقماً. الكلام اشارات يابسة تتبادلونها في الضرورات القصوى، كأن يغمى عليك من سوء التغذية، فتداوى بزيت السمك... هبة العالم المتمدن لمن اخرجوا من ديارهم. تشربه مكرهاً كما تكره الألم على اخفاء صوته في ادعاء الرضا.

    تتذكر مذاق العسل الجارح الذي كان جدك يرغمك على تناوله فتأبى، وتهرب من مشهد جدتك التي تضع المنخل على وجهها لتتقي عقصات النحل وتقطف الشهد بيد جريئة. كل شيء هنا برهان على الخسارة والنقصان. كل شيء هنا مقارنة موجعة مع ما كان هنا. وما يجرحك أكثر هو ان "هناك" قريبة من "هنا". جارة ممنوعة من الزيارة. ترى الى حياتك التي يتابعها مهاجرون من اليمن دون ان تتدخل في ما يفعلون بها، فهم أصحاب الحق الالهي وأنت الطارئ اللاجئ.

    وحين تقول لأهلك: لم أذق في حياتي طعماً أسوأ من زيت السمك، يسخر منك الكبار: ألك حياة يا ابن السابعة. ألك ذكريات؟ تقول: نعم. وهذا هو الفارق. ولد الماضي فجأة كالفطر. صار لك ماض تراه بعيداً. وبعيد هو البيت الذي يسكنه وحيداً ولد الماضي من الغياب. ويناديك الماضي بكل ما ملكت يداه من ازهار الصبار الصفراء على طريق يصعد فوق التلال، ومن رائحة الحنين الشبيهة برائحة البلوط المشوي في الموقد، ومن عباءة جدك البنية كالتبغ الذي بلله الماء، الخفاقة كصوت صراع ودي بين الحكمة والعبث. ولد الماضي كأثداء كلبة توشك على الولادة، ومن خوفك من الغد ولد الماضي كاملاً جاهزاً لخطف العروس على حصان الحكاية. من كل ما أنت فيه، ومن كل ما فيك من بؤس الحاضر الجائع إلى تعريف الهوية.. ولد الماضي.

    وكما لو كنت تهذي: البعيد هو السعيد. والسعيد هو البعيد. سأجعل الليل إثمداً لأستعيد عافية الماضي وأداوي بها حمى اصابت الأرض المتشعبة فيّ كالنجيل. وأهذي وأعرف أني أهذي، ففي الهذيان وعي المريض برؤياه، لأنه أنبل مراتب الألم.

    سيقول الطبيب مرة أخرى: إنه يشكو من سوء التغذية، فهل اقلع عن تناول زيت السمك؟ كلا، ولكنه يتذكر أشياء لا يحتملها من هو في مثل عمره. يتمنى ان يكون فراشة، فهل للفراشات ذكريات؟ الفراشات هي الذكريات لمن يتقنون الغناء قرب نبع الماء، فهل غنّى؟ ما زال صغيراً فأنى له أن يدحرج الكلام على مصطبة من رمل؟ إنه يشكو من سوء الحاضر، فلتأخذوه الى الغد.

    ليس لنا في اليد حيلة ولا غد ـ قالوا ـ ونحن على هذه الحال، مربوطون الى مصائر متينة التركيب، ومشدودون الى هاوية بعد هاوية. نشتري الماء من آبار الجيران، ونقترض الخبز من سخاء الحجر. ونحيا، إن كان لنا ان نحيا، في ماض رضيع مزروع في حقول كانت لنا، منذ مئات السنين، الى ما قبل قليل... قبل ان يختمر العجين وتبرد أباريق القهوة. بساعة نحس واحدة دخل التاريخ كلص جسور من باب، وخرج الحاضر من شباك. وبمذبحة أو اثنتين، انتقل اسم البلاد، بلادنا، إلى اسم آخر. وصار الواقع فكرة وانتقل التاريخ الى ذاكرة الأسطورة تغزو، والغزو يعزو كل شيء الى مشيئة الرب الذي وعد ولم يخلف الميعاد. كتبوا روايتهم: عدنا. وكتبوا روايتنا: عادوا الى الصحراء. وحاكمونا: لماذا ولدتم هنا؟ فقلنا: لماذا ولد آدم في الجنة؟

    تذكّر، لتكبر، نفسك قبل الهباء
    تذكر تذكر
    أصابعك العشر، وأنس الحذاء
    تذكر ملامح وجهك،
    وأنس ضباب الشتاء
    تذكر مع اسمك، أمك
    وأنس حروف الهجاء
    تذكر بلادك، وأنس السماء
    تذكر تذكر!

    VI
    عشت، لأن يداً إلهية حملتك من عين العاصفة الى واد غير ذي زرع. وعشت في منزلة الصفر، أو أقل وأكثر. عشت عصيّ القلب، قصيّ الالتفات الى ما يوجع ويجعل الوجع جهة، وإلى ما يرجع من صدى أجراس تضع المكان على أهبة السفر: من هنا مرّت الغجريات المصابات بحمّى الرقص والإغواء. علّقن سراويلهن على أغصان الشجر وارتدين العري المتخفّي في رشاقة الحركة. على الخيال وحده أن يرى فضيحة العُري في إيمان الفن بذاته المتمنعة عن الإفصاح. فالغجريات الماهرات بدسّ البرق في عظام المشاهدين، هنّ هنّ القادرات على ستر العري بضوء يسطع من نهود ترشح حبيبات ماء يضحك...

    في كل ولد غجرية. وفي كل غجرية سفر مرتجل. وفي كل سفر حكاية ولا تُروى إلاّ بعد اجتياز الذكرى سنّ الخجل من أصحابها. ألهذا حملت الغجر معك كلما افترق المكان عن زمانه، وكلما تشرّد المكان في سُكّانه الباحثين عنه في ما تبقى من روائح هي الدليل على حسّية الروح؟ ألهذا بحثت في النساء الغريبات عن فوضى الجسد في شهوة الغجريات الراقصات على حبال الريح، واصطحبت المعنى الخالي من الزركشة، في الحب، الى آخر العبث؟

    وعشت، لأن يداً إلهية أنقذتك من حادثة. عشت في كل مكان كمسافر في قاعة انتظار في مطار يُرسلك، كبريد جوّي، الى مطار.. عابراً عابراً بين اختلاط الهُنا بالهناك، وزائراً متحرراً من واجبات التأكد من أي شيء. هكذا مرّت الغجريات على حقل أيامك البعيدة، في طريقهن الشريد من الهند الى ما يرد على حاسة التيه من هواجس بلا خرائط وهويات... جميلات وبائسات وراقصات بلا سبب، سوى ما للدم الساخن من نسب الى الإيقاع. هُنّ هُنّ، سرب خيام مهاجرة الى مغامرة قد يجدن فيها كفاف حياة في متناول اليد. ولا يودّعن شيئاً لئلا يحزن، فالحزن مهنة لا تليق بهنّ، فهنّ الحزينات منذ وُلِدن. ويرقصن كي لا يمُتن. ويتركن الأمس وراءهن حفنة من رماد موقد موقت. ولا يفكرن بالغد لئلا يعكّر التوقع صفو الارتجال. اليوم اليوم هو الزمن كله/

    فاحذر طريق الغجريات، لأنه لا يوصل الى أي هدف.

    وعشت، لأن كثيراً من الرصاص الطائش مرّ من بين ذراعيك ورجليك ولم يصبك في قلبك، كما لم يَشُجّ حجر طائش رأسك. وعشت لأن سائق الشاحنة انتبه في اللحظة الأخيرة الى ولد يصرخ بين مؤخرة الشاحنة وبين الجدار الذي تلتصق به. وعشت، لأن سائق سيارة رأى في الظلام قميصاً أبيض واقفاً على حافة الشارع، فأنقدك من خطر الليل وأعادك الى الأهل المشغولين بتقليب الافتراضات على جمر الخوف. وعشت، لأن ضوء القمر اخترق الماء وأضاء صخوراً مدببة أقنعتك بأن الموت سيكون مؤلماً لو قفزت من تلك الصخرة الى البحر، لا سباحة في مياه الأبدية.

    وعشت، من دون أن تعرف كيف تصوغ كلمات الشكر البسيطة: حمداً للحياة حمداً. ولم تسأل إلاّ متأخراً: كم مرة متّ ولم أنتبه؟ وكلما متّ وانتبهت التهمت الحياة كحبة خوخ، فلا وقت طويلاً للخوف من المجهول ما دامت الحياة، وهي أنثى، مشغولة عن الموتى بتجديد صباها وفجورها وتقواها، على مرأى من المحرومين.

    تجلس في مطعم المطار في ركن قصيّ، وتفكّر في جدوى الرحلة: هل أنا في ذهاب أم إياب. لا أحد ينتظر في الذهاب ولا سبب يدعوني الى الإياب. لي أكثر من اسم وأكثر من تاريخ ميلاد في جوازات سفر جليلة الأغلفة، حمراء وزرقاء وخضراء. وحرٌّ أنا في هذا الزحام المسافر، وآمن كبضائع الحوانيت المعفاة من الجمارك، ومحروس بأجهزة الإنذار الإلكترونية. لا أحد يسألني من أنت ولا أحد يلتفت الى مشيتي المتلعثمة، وإلى الزر المقطوع في معطفي، وإلى بقعة الزيت على قميصي. كأني شخص هارب من إحدى الروايات المعروضة في كشك الصحف، هارب من المؤلف والقارئ والبائع. وفي وسعي أن أضيف وأن أحذف وأن أعدّل وأن أبدّل وأن أقتُل وأن أُقتَل وأن أمشي وأن أجلس وأن أطير وأن أصير ما أريد وأن أحبّ وأن أكره وأن أعلو وأن أهبط وأن أسقط من أعالي الجبال ولا أصاب بسوء لأني لا أعتدي على حقوق المؤلف، ولي في المصائر، أعني مصائري، وجهة نظر أخرى/

    لم ينهك أحدٌ في المطار عن الإفراط في الخروج من انضباط المؤلف، فاسترسلت في طرق المعلوم على فولاذ المجهول، فتطاير شَرَرُ الممكن من خيال كلما ضاقت عليه الجدران شعّ كبلّور مكسور في مجاز السجين. فرأيت الى نفسك في المطار التالي شخصاً غير مرغوب فيه، لافتقار الوثائق الى فقه الربط بين الجغرافيا وأسمائها: فمن وُلِدَ في بلد لا يوجد.. لا يوجد هو أيضاً. وإن قلت مجازاً إنك من لا مكان قيل لك: لا مكان للامكان هناك. وإن قلت له، لموظف الجوازات، اللامكان هو المنفى، أجابك: لا وقت لدينا للبلاغة.. فاذهب إذا كنت تحبّ البلاغة الى لا مكان آخر/

    ورأيت الى نفسك في مطار ثالث ورابع وعاشر تشرح لموظفين لا مبالين درساً في التاريخ المعاصر عن شعب النكبة الموزع بين المنافي والاحتلال، من دون أن يفهموك وأن يمنحوك إذناً بالدخول. ورأيت الى نفسك في شريط سينمائي طويل تروي على رسلك ما حلّ بأهلك مسروقي اللسان، والقمح والبيت والبرهان... منذ هبطت عليهم جرّافة التاريخ العملاقة وجرفتهم من مكانهم وسوّت المكان على مقاس أسطورة مدجّجة بالسلاح وبالمقدّس. من لم يكن آنئذ في الأسطورة لن يكون الآن. وتساءلت: هل من جلاّد مقدس؟ ورأيت الى نفسك تكمل ما تيسّر لك من عمرك، بلا مؤرخين ومؤلفين في المطار المزدحم بالمسرعين الى مواعيدهم التجارية والغرامية/

    وأنت المُفرَغ من لقاء أو وداع، تجلس على المقعد الجلدي وتنام. وتستيقظ لأن مسافراً مستعجلاً تعثّر بك واعتذر من دون أن ينظر إليك. تمضي الى الحمّام وتغسل ثيابك الداخلية وجوربيك وتحلق ذقنك، ثم تتوجه الى الكافيتيريا لتحتسي فنجان قهوة، وتبحث في الجرائد عن آخر أخبارك: هل من بلد يقبل بي؟ فلا تجد فيها، في الجرائد، إلاّ أخباراً مُفَصّلة عن الحروب والزلازل والفيضانات. لعل الله غاضب على مايفعل البشر بالأرض! لعل الأرض حبلى بالقيامة!

    ما معنى أن يحيا إنسان في المطار؟ تهجس: لو كنت مكاني لكتبت مديحاً لحريتي في المطار: أنا والذبابة حُرّان/ أُختي الذبابة تحنو عليّ/ تحطّ على كتفي ويدي/ وتُذكّرني بالكتابة/ ثم تطير. وأكتب سطراً:
    كأن المطار بلاد لمن لا بلاد له/ وتعود الذبابة بعد قليل/ وتمحو الرتابة، ثم تطير تطير تطير/ ولا أستطيع الحديث الى أحد/ أين أختي الذبابة، أين أنا؟

    ترى الى نفسك في شريط سينمائي تحدق الى امرأة تجلس في الركن المقابل لك في الكافتيريا. وحين تراك وأنت تراها تتشاغل بتنظيف قميصك من قطرة نبيذ، وقعت ككلمة شاردة من عبارة كنت ستقولها لها لو كانت معك: جمالك هذا كثير عليّ كسماء، فارفعي السماء قليلاً لأتمكن من الكلام. ترفع عينيك عن صحن الحساء الساخن، فتراها تراك، لكنها سرعان ما تتشاغل برش الملح على طعمها بيد يرتجف عليها الضوء، فتخاطبها في سرك: لو كنت مثلي ممنوعة من الخروج، لو كنت مثلي! تشعر بأنك أحرجتها، فتتظاهر بأنك تخاطب النادل: لا، عفواً. لؤلؤة من عرق تلمع في جيدها المرفوع للثناء، فتقول لها في سرك: لو كنت معك للحست حبة العرق. الرغبة ماثلة واضحة كالصحن، كالشوكة والملعقة والسكين، كزجاجة الماء، كالشرشف، وكأرجل الطاولة. والهواء معطر. تلتقي النظرتان وتشعران بالحرج فتفترقان. هي تحتسي جرعة من كأس النبيذ الذي ذابت فيه اللؤلؤة. وأنت تشعر بأنها قد سمعت بكاء الحوت في محيط عميق، وإلا، فما الذي يغرقها في هذا الصمت الكثيف؟ تقول لها في سرك: إن أعلنوا أن قنبلة ستنفجر في المطار، فلا تصدقي.. لأني أنا من أطلق هذه الشائعة لاقترب منك وأقول لك إني، لا غيري، من أطلق هذه الشائعة. يخيل لك أنها اطمأنت، فرفعت نخبك متلألئاً، وانسل خيط من الرغبة من أطراف أناملها، وحرك في عمودك الفقري نبضة كهربائية، وهزتك قشعريرة... فتولهت وتأوهت، وفاحت رائحة المنجو من سرير سري معلق في الهواء، وناحت كمنجات بعيدات وارتخت أوتارها في نهاية الهياج/

    لم تنظر اليها، لأنك تعلم أنها تنظر اليك ولا تراك، فقد حلك الضباب على طاولتك الدائخة من فرط ما كدست عليها من أدوات التأويل، ومن أوراق بيضاء لا يكفي عشرون مؤلفاً لإشباعها بالكنايات. لم يكن النادل، بل هي من ربتت على إغمائك، وقالت: هل كانت وجبتك شهية؟ وأنت ـ سألتها، فقالت: سعدت بلقائك... هل تذكرتني؟ قلت: قد يفقد المرء ذاكرته في المطارات. فقالت: وداعاً لم تنظر اليها وهي تبتعد، لأنك لا تريد أن ترى الرغبة وهي تدق بكعبين عاليين رخام الكاتدرائيات، وتوقظ في أجساد الكمنجات شبقاً الى الرحيل. لكنك تذكرتها حين تسلل النعاس، كما تسلل خدر النبيذ الى جسدك، بدءاً من الركبتين الى ما لا تتذكر من غابة الجسد. أما اسمها، فقد تعرفه غداً، على طاولة أخرى في مطار آخر!

    VII
    السجن كثافة. ما من أحد قضى ليلة فيه إلا درب حنجرته على ما يشبه الغناء، فتلك هي الطريقة المتاحة لترويض العزلة وصيانة كرامة الألم. ان تسمع صوتك المبحوح يعني أن آخرك قد سامرك وأسر لك باخبارك الشخصية، في غرفة كلما ضاقت اتسع ما وراءها واحتضنت العالم بشغف المصالحة/

    وأنت إذ تغني لا تغني لتتقاسم الليل مع أحد. ولا تغني لتقيس ايقاع وقت بلا ايقاع ولا علامة، بل تغني لأن الزنزانة تغريك بمناجاة الخارج، نقصانك في كمال العزلة: تأتي الحقول اليك بحفيف السنابل الذهبية. والشمس تملأ قلبك بضوء البرتقال. وتأتي اليك زهور السفوح المبعثرة كشعر فتاة فوضوية. ورائحة القهوة المشحونة بهياج الهال تأتي اليك. كأنك لم تنتبه من قبل الى ما في خارجك من سعة ودعة... والى ما كان ينقصك من احتفاء بالطبيعة/

    وكما في القصائد والغسق، يحتفل الغموض بالوضوح، لأن بؤرة سرية تطلق إشعاعها في الجهات وفي الكلمات، وتحرم الظلام من أبدية الصفات. تزورك الذكريات الصغيرة قطيعاً من ماعز وأيائل تتقافز كأكواز صنوبر على طريق جبلي. في كل أغنية فتاة تنتظر على محطة باص أو على شرفة. وعلى كل شرفة منديل يلوح وحمامة آمنة/

    وأنت، أنت وأكثر/

    مأهول، كمجمع سكاني، بالصاعدين على الدرج وبالنازلين الى الشارع. مأهول بأدوات المطبخ والغسالات ونزاع الأزواج على أفضل طريقة لتقشير البطاطا وقلي السمك. وجع خفيف في المعدة يتبعه وجع ميتافيزيقي: هل تصاب الملائكة بالزكام؟

    وأنت، أنت وأقل/

    لا تستطيع ولوج يوم جديد بلا حمام، وحلاقة، وصحيفة، وفنجان قهوة. حجم الأرض هنا متران مربعان لهما باب حديدي دائم الإغلاق. أصوات أحذية غليظة تحمل اليك حساء العدس المطبوخ بالسوس، فتدرك أن نهاراً جديداً قد حل ضيفاً على العالم. لكنك لا تحصي الأيام، فلا خرز في زنزانتك ولا حصى للتقويم الجديد. ولا تعلم إن كانت حرب جديدة قد اندلعت، أو كانت الحرب القديمة قد وضعت أوزارها. ولا تعرف إن كانت ثيابك قد توقفت عن بث رائحتها،أم أن حاسة الشم فيك هي التي تعطلت.

    لا جديد إذاً. لا جديد في هذه القطيعة الصلبة مع الزمن. لا جديد سوى قديمك الزاحف منك واليك، متحولاً فكرة وصورة تتناوبان، بلا مهاراة، ذرائع هدوئك الذي لا غنى لك عنه للتنفس الطبيعي في هواء فاسد. لا شيء رهن إشارة القلب الذي كان يأمرك فتنصاع، ويأمرك بأن تعصى فتعصى، ويأخذك الى أقصى ما في مطاردة الحجل من برية، والى أقسى ما في الكلام من خشونة الهجاء.

    كم أنت هادئ لتقول: الهجاء فحولة اللغة القادرة على مناطحة الجنادل، كلما توقفت البلابل عن الغناء، وامتثلت فرس غير أصيلة، الى إغواء حمار. الهجاء فروسية مقهورة تعوض نقصان التشبه بالقادر برفع إنشاء الخاسر الى مرتبة العرش، لكنه، الهجاء، يطرب الجمهور الغاضب، ويعذب الغالب بطنين الأولاد الذين يلاحقونه بأصوات التنك والشتائم، ويحرمه من تتويج النصر بالطرب.

    وأنت، تقريباً أنت/

    لا سجين ولا طليق. فالسجن كثافة. ما من أحد قضى ليلة فيه إلا وأمضى الليل كله في تدليك عضلات الحرية المتشنجة، من فرط السهر على الأرصفة، حافية وعارية وجائعة. وها أنت ذا تحتضنها من كل ناحية، حراً متحرراً من عبء البرهان. ما أصغرها وما أبسطها وما أسرعها في الاستجابة الى نشاط السراب. وهي فيك وفي متناول يدك التي تدق بها جدران الزنزانة: في اقتباسك امثولة الطير، وفي هطول المطر، وفي هبوب الرياح، وفي ضحكة الضوء على حجر منسي، وفي كبرياء شحاذ يوبخ مانحيه إذا بخلوا، وفي حوار غير متكافئ مع سجانك حين تقول له:
    أنت، لا أنا، هو الخاسر، فمن يحيا على حرمان غيره من الضوء يغرق نفسه في عتمة ظله. ولن تتحرر إلا إذا بالغت حريتي في الكرم، كأن تعلمك السلام وترشدك الى بيتك. أنت الخائف، لا أنا، مما تفعله الزنزانة بي، يا حارس نومي وحلمي وهذياناتي الملغومة بالإشارات. لي الرؤيا ولك البرج وسلسلة المفاتيح الثقيلة والبندقية المصوبة الى شبح. لي النعاس حريري الطبع والملمس، ولك السهر علي لئلا يسحب النعاس سلاحك من يدك قبل أن يرتد اليك طرفك. الحلم مهنتي، ومهنتك استراق السمع، سدى، الى حديث غير ودي بيني وبين حريتي/

    لا يصغي السجان اليك، ولا يراك وأنت تغافله وتدخل في نفسك دخول الغريب الى مقهى على الرصيف. لم تحب المقاهي وملاهي الليل، كما أشاعوا عنك. المقهى هو امتلاء الروائي بفضول النص المتعطش الى مراقبة المصائر. المقهى هو إفراغ الوقت من ضجر مصاحب للكائن في كؤوس نميمة. والضجر مذل كالشهوة المتأججة في غير موضعها. المقهى هو الشرك الملائم لاصطياد أفكار نسيها أصحابها مع البقشيش على الموائد، واقتباسات غير دقيقة لعناوين ثقافية تشبه الوجبات السريعة.

    لكنك تحس الآن برغبة ملتهبة في الذهاب من الزنزانة الى المقهى. ستجلس وحدك مع فنجان قهوة وجريدة قد تقرأها وتنسى ما قرأت. وقد لا تقرأها وتتذكر ما لم تقرأ. لكنها ستارة ورقية لاختلاس النظر الى الآخرين: الى سيدة تخاطب كلبها بحنان عائلي، والى جنرال يأكل بنهم، فالجنرال هو أيضاً كائن يجوع.. والى فتاة تنزل خصلة شعر على جبينها بنزق المنتظرة... والى صحافي يدون ملاحظات عن رجل أمامه يحاول حل الكلمات المتقاطعة. وحين تختلس النظر الى نفسك، تكتشف أنك لا تفكر بشيء ولا تنتظر أحداً، ولا تشعر بفراغ أو امتلاء أو ضجر.

    الضوء ساطع، فتخرج الى الشارع النازل من قمم الصنوبر الى البحر. السجن هو حرمان الكائن من مشهد الشجرة والبحر. والحرية هي المخيلة القادرة على استدعائهما الى السجن، وجعل ما ليس مرئياً مرئياً. لا.. هذا ما يفعله الشعر. الشعر إذاً فعل حرية، ويجعل ما هو مرئي غير مرئي عند مواجهة الخطر. والمشي رياضة وحرية. تتخيل أنك تمشي على شارعك الشخصي بطيئاً في البداية. تتملى شبابيك مفتوحة على الداخل، على أسرار صغيرة وحمامات. تقيس المسافة بين لقاء طويل ووداع صغير، فينتابك شعور حامض بالندم على خطأ لم ترتكبه: لست أنا المسؤول عما حدث. لكن الحرب أعادت كلا منا الى خيمته. أنت الى نشيدك الوطني، وأنا الى السجن، فلم تعد أغنية الجسدين مشتركة!

    المشي رياضة وحرية. تتخيل أنك تمشي على شارعك الشخصي سريعاً سريعاً لتحرق السعيرات الزائدة لساندويتش الشورما وألواح الشوكولاته. الدهن والسكر هما شهوة السجين الى استرداد عافية المألوف. والمشي رياضة الكلمات وتدريب الذاكرة على ما تحتاج اليه من نسيان الزؤان والإهانة. المشي السريع يخفف عن الكلمات شحم النعوت والمترادفات وما يجعل السهم طائشاً. المشي السريع يضع الرمزي في موقعه الصحيح من الواقعي مهما تحرش الضباب بالصورة والفكرة والرؤيا. المشي السريع يلف الكلام بسروة القوام الرشيقة تحت سماء صافية. فلتسرع قبل أن يوقفك السجان عن رياضة المجاز في منتصف هذا الشارع الواسع. ولتسرع قبل أن يوقظك، ويرمي اليك بوعاء البول الصباحي.

    وأنت أنت ولا أنت في آن واحد/

    منقسم الى داخل يخرج وإلى خارج يدخل. لكنك حر في الاختلاء بحرية غير حمالة أوجه.. حر في وضع الخيال على ركبتيك. ولا تجري، كما هي العادة، مقارنة بين سجن كبير وسجن صغير، لأن لا شيء في الزنزانة يلهيك عن التحديق الى بؤرة سوداء تشع نوراً، فتغني له وتطير، كما يفعل المتصوف، أبعد من هدهد في أقاصي السؤال!

    عن ( المستقبل ) اللبنانية

    ]
     

مشاركة هذه الصفحة