الشاعر سميح القاسمالنقد الذاتي والجنون

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 486   الردود : 0    ‏2006-09-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-30
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    االشاعر سميح القاسم النقد الذاتي والجنون والانتحار في حوار شامل للقدس العربي

    الشاعر سميح القاسم

    في حوار شامل

    ( للقدس العربي )عن

    النقد الذاتي والجنون

    والانتحار


    اضطهادي ذكرني باضطهاد الشنفري وثورته.. واذ لم يمن علي الله بالشهادة فانني علي استعداد للشهادة الثقافية
    عرضت علي جائزة إسرائيل وبعدها مباشرة قالوا تأخذ جائزة نوبل فقلت لا.. كرامة القصيدة هي الجائزة


    حاورته: رماح مفيدہ ( القدس العربي )
    في تاريخ الأمم، عشرات من الذين قالوا كلمتهم ثم عانقوا الألم والموت علي شرف ما قالوا. إنّ السجن والتهديد بالقتل والتعذيب لم تثن شاعرنا الكبير عن قول كلمته وإكمال مشواره، بل زادته إصراراً علي المواصلة والتحدّي، فالشاعر اليوم علي استعداد لأن يموت شهيد كلمته وقصيدته ويدعو للاستشهاد بحزام الثقافة الناسف.. لقد وحدّ شاعرنا بين كلمته وموقفه منذ البدء ومن دون مواربة، لكونه يحترم كرامة القصيدة، ومن هنا وعت وحفظت قصائده وتُردد الآن علي لسان الجميع..
    نستطيع القول: إنّ سميح القاسم شاعر تخلو روحه من الازدواجية المقيتة ما بين الفن وسلوكه، الازدواجية التي هي في جوهرها عجز عن المواجهة، حين يكون علي المرء أن يطبّق ما قاله. الحق في الكلمة والموقف الثابت هما الميزتان الأساسيتان لدي شاعرنا الكبير، بل هناك الكثيرون غيره جمعوا بينهما، ولكن الذين صمدوا حتي النهاية كانوا قلة، والذين لا يزالون يصرون علي الاستمرار هم قلة قليلة أيضاً..
    سميح القاسم كما نراه ويراه الآخرون ظاهرة إنسانية ووطنية وقومية فذّة وفريدة، وبين كل هذه الوجوه يطل القاســــم علي الجرح العميق في خاصرة الوطن، وما كان حوارنا هذا إلاّ محاولة إبحار علي خريطة رحلة لم تنته بعد ونتمني أن تطول لأنها رحلة غنية وممتعة في آن واحد ـ فصديقنا المشترك القاسم هو أحد أهم الشعراء المعاصرين الذين حافظوا علي أصالة الشعر والحياة مستغلاً قدراته الإبداعية والمعرفية، لإبراز التراث والأدب الفلسطينيين بأسلوب حداثي، دون التنكر للماضي ودون الخوض في الماضوية..
    إنها الحداثة الخالصة المستمدة من الواقع العربي الحي..

    التقينا الشاعر ودار بيننا هذا الحوار:
    كيف تنظر إلي قصيدة النثر والنصّ المفتوح ومفهوم الحداثة الشعرية؟
    حق الشاعر في المغامرة الفنية غير محدود، فليغامر كما يشاء لا أحد يستطيع وضع حدود للعملية الإبداعية. ويبقي هذا في إطار الشكل، تغير الأشكال اختراع أشكال جديدة، إبداع وسائل وطرق تعبير، هذا حق مقدس للشاعر لكن ممارسة الحق لا تعني بالضرورة زودة المردود، إذا غيرنا الشكل ولم نبدع في النتاج الكلي شكلاً ومضموناً يبقي مقدار المغامرة الفنية محدوداً في مردوده وغير مبرر، ليس بالضرورة ان يكون كل شيء جديداً، المهم أن يكون جيداً هذا هو المقصود، السؤال في النهاية الشعر أو اللاشعر إبداع أو اللاإبداع هذا هو المهم.
    أما بالنسبة لموضوع الحداثة فأنا أميز بين الحداثة والاستحداث، الحداثة تنبع من أعماق الشاعر ومن تجربته والحداثة في نظري هي استمرار للأصالة، لا حداثة من دون أخذ التراث والجذور بعين الاعتبار. لذلك أنا أبني حداثتي علي أصالتي وتراثي، أنطلق من التراث لأبني حداثتي، وأرفض التنكر للتراث لأنه يتحول لما أسميه بالاستحداث، وهو أخذ أشكال جديدة من مصادر من الغرب أو من الشرق ونسقط في التقليد وفي الضحالة وفي فقدان الصلة بعنوان المرسل إليه في الإبداع هو الإنسان في المطلق والإنسان في البيئة التي نعيش فيها ـ ما قيمة قصيدتي إن لم تكن عنصراً مؤثراً في أمتي وما قيمة قصيدتي إن لم تكن عنصراً مؤثراً في الإنسان في المطلق في أي إنسان يقرأها، إذن الحداثة القائمة علي التقليد والشعور بالدونية والشعور بالنقص إزاء المصادر الأخري أنا لا أحترمها أسميها بالاستحداث، مثل أن تعطي أعرابياً سيارة آخر موديل يقودها لكنه ليس شريكاً في إنتاجها هو لم ينتج (برغياً) فيها لم ينتج شيئاً فيها فهذا يقع في باب الاستحداث وليس في باب الحداثة. من هنا كثيرون من النقاد يرون ما أقول به من أن الحداثة يجب أن تبني علي أسس متينة من التراث.
    أغلب الظنَّ أن التنوع في الكتابة قد يؤدي إلي تشتت في الأفكار وعدم التركيز علي الفعل الإبداعي، وأنت تسعي إلي التنوّع ألا يؤثر ذلك علي مشروعك الشعري الأساسي؟
    هذه فرضية قابلة للجدل، بمعني إن كان التنوع مبنياً علي مجرد التنوع رغبة في مجرد التنوع قد يكون سؤالك صحيحاً لكن إذا كان التنوع عفوياً ومن منطلق ذاتي مبني علي تجربة وعلي قدرات أيضاً هنا يصبح التنوع بركة لا نقمة. النهر المتدفق تخرج منه جداول، ينتج بعض الجزر تنبت علي ضفافه أشجار وتعيش حيوانات وطيور. هو يفعل ذلك بصورة تلقائية بصورة عفوية لا نلوم النهر لأنه أنتج جزيرة أو أنتج شاطئاً من غابة لا يلام النهر علي تدفقه، يلام إذا كان النهر جدولاً ويريد أن يتصرف كمحيط هنا يقع الخلل، والتنوع عندي كما أري هو ضرورة فنية وضرورة حياتية في لحظات معينة أعتقد أنني أجلس لأكتب قصيدة فإذا بي أكتب مقالة أو أبدأ بمشروع مسرحية، المهم الحالة الإبداعية إذا كانت صادقة لا يجوز لنا حصر هذه الحالة في شكل من الأشكال حرية الإبداع، حرية التغير في الشكل وحرية التغير في القوالب أيضاً. هناك قوالب للإبداع.

    النقاد والشاعر

    النقد أحياناً لا يقدم الكثير للشاعر المحترف، علي اعتبار أنّ قيمة الشاعر تكمن في نصه، وليس فيما يكتبه النقاد عنه، وأن العلاقة بين الشاعر والمتلقي أقوي بكثير من العلاقة بين الشاعر والناقد، ماذا تقول؟
    النقاد أنواع، هناك ناقد يريد أن يتملق وناقد يريد أن يهدم وناقد موضوعي وناقد ذاتي ـ النقاد يختلفون ـ هناك ناقد موضوعي وناقد يريد أن يتثقف هناك ناقد اعتباطي ـ إذن ليس هناك شيء في المطلق اسمه النقد هناك مدارس وتيارات وعوامل. الناقد الموضوعي والعميق يساعدني من دون شك في اكتشاف أمور قدمتها تلقائياً وهو يوضحها لي وللآخرين (منها دراسة أجرتها باحثة أمريكية علي أن أخرج اسمها من النت عن حالة الجناس لدي سميح القاسم وهي حالة كان يعيشها دون أن يعيها).. هناك أستاذه أمريكية داري ديونك كتبت دراسة مذهلة عن تجديد الجناس عندي أنا لم أنتبه لهذا الموضوع وهي لفتت نظري إلي هذا الموضوع.. مشكورة أنا لا أعرفها شخصياً وهي لا تعرفني، إذن هنا كان النقد إيجابياً بمعني أنه أضاف للنص أيضاً، القارئ ربما لم ينتبه إلي ما أشارت إليه هذه الناقدة، وهناك نقاد يؤلهون الشعر وهناك نقاد يحاولون تدميره. إذن تتوقف المسألة علي منطلق الناقد وعلي مضمون النقد وثقافة هذا النقد، لكن في رأيي النقد يتبع النص هو ليس طبيعياً أن يتبع النص النقد، النقد يصدر عن النص لولا النص لما وجد النقد واستعمل دائماً تلك الطرفة عن المتنبي، ألف شاعر وناقد هجوا المتنبي وهاجموه ـ ربما بصدق وربما بجدارة وربما عن حق في كثير من المسائل، لكن قوة المتنبي أبقته واختفي هؤلاء الذين انتقدوه رغم أن البعض منهم انتقده علي حق لكنهم لم يكونوا متجنين في نقدهم.
    الواقعية في توصيل الفكرة ليست مجرد رؤية قديمة، بل هي تخضع كذلك لضرورات شعرية بالقياس إلي وحدات التخيل والفنتازيا واستعمال الرموز كيف توضح هذه الفكرة؟
    هناك اعتقاد غير دقيق بأن الواقعية تعني إلغاء المخيلة وهذا غير صحيح علي الإطلاق، الإبداع بشكل عام هو نتاج علاقة بين الواقع وبين المخيلة وبين الواقع والحلم، هذا لا أسميه صراعاً ولا أسميه صداماً أسميه حواراً وجدلية بين الواقع وبين الحلم، هو المصدر الأكبر للإبداع والواقعية لا تعني التخلي عن المخيلة بالعكس، أبداً بقدر عمق الواقعية يكون أيضاً عمق المخيلة.
    يمكن القول إن النص السهل لا يترك فرصة مشاركة القارئ في إنتاج المعاني ولا يساعده علي شحن مخيلته، ألا تعتقد أن ذلك يناقض مبدأ التكثيف والتوسع ومبدأ التلاقح بين الأفكار؟
    أنا أريد التميز بين النص السهل وبين السهل الممتنع.. السهل الممتنع هو أصعب الفنون كشعر نزار قباني مثلا - الشعر الذي يبدو سهلاً تقرأه وتشعر أنك قادر علي كتابة مئة قصيدة من هذا النوع لكن إذا جلسنا لنكتب فلا نستطيع، هذا هو السهل الممتنع، وهو أصعب الفنون هو سهل في مظهره لكنه في جوهره في أعماقه شديد الصعوبة لأنه يحقق ما يشبه المعجزة، معجزة الوضوح والمشبع في الغموض، الغموض الفني والوجداني ووضوح النص هو شديد التركيب لدرجة أنه يبدو بسيطاً ـ أعتقد اللعبة الشعرية الأكثر خطورة وهو الامتحان الذي يكرم فيه الشاعر أو يهان، هناك نصوص سهلة وسطحية تقرأها لكنها لا تترك فيك أثراً ـ لكنك أنت ذكرتِ نص قصيدة الانتفاضة لا بد من وجود سر يحول القصيدة إلي رمز وإلي صيحة وجدان أمة، أنا فوجئت أنه في إيران يحفظون لي هذه القصيدة وهم ليسوا عرباً فوجئت بأن القصيدة قد تكون أكثر القصائد انتشاراً بين الناس، المثقفين الكبار وبين الأميين، إذن السهل الممتنع برأيي هو اختبار شديد كبـــير وصعب وهو نتاج ضرورة أنا لا أقرر اني سأكتـــب الآن قصيدة من السهل الممتنع أو سأكتب قصيدة موغلة في التجرد أو الرمزية أنا لا أقرر، هو يأتي بشكل تلقائي. لكن لا يعقل أن نكتب عن الانتفاضة قصيدة غامضة، الدم واضح والدمار واضح الاحتلال واضح والعنف واضح وتدمير الأشجار وهدم البيوت وقتل الأطفال والنساء واضح فبأي حق يطالبني كائن من كان بأن أكتب قصيدة غامضة، هذا تناقض غير مبرر.

    الرموز التراثية والتاريخية

    كيف تنظر إلي الرموز التراثية الأدبية في حال توظيفها في النص الشعري؟
    بعض النقاد يتحدثون عن الأقنعة أنا لا أقر هذه التسمية حين كتبت عن الشنفري انتقام الشنفري أنا لم أجعل من الشنفري قناعاً ـ أنا لم آخذ الشنفري لأجعله قناعاً علي وجهي لأتكلم من خلاله، أبداً هذا يصح في المسرح ربما، لكن في الشعر لا يوجد قناع يوجد تماهي أن يتحول الشاعر في لحظة معينة إلي شنفري أن يصبح هو الشنفري لكن بين الشنفري في الجاهلية والشنفري المعاصر هناك فارق لذلك الشنفري في قصيدتي يرتدي البلوجينز هو أشبه بشاب معاصر، هو مقاتل فلسطيني وهو شاب عربي مشحون بالمأساة وبالكوارث التي تنزل علي العرب، لذلك ليس غريبا أن أستفيد من ثقافتي ومن التراكم المعرفي عندي أن استفيد من العلاقة الاستثنائية بيني وبين الشنفري، علاقتي بالشنفري ليست علاقة شاعر معاصر بشاعر جاهلي أبداً، هي علاقة بين إنسان وإنسان، اضطهادي ذكرني باضطهاد الشنفري وثورتي ذكرتني بثورة الشنفري لذلك حصل ما يمكن أن نسميه بالتماهي.
    ما مدي تأثير الرمز التراثي أو التاريخي علي ذهن القارئ؟
    من دون شك أن استعمال الرموز التراثية سواء الدينية أو القومية تـــساعد النـــص الشعري والأدبي بشكل عام في التوغل في ذات المتلقي وفي ترسيخ الفكرة وفي إيصال رؤية، من دون شك.
    أليس لدينا رموز معاصرة يمكن أن تستلهم فيها تجربة البطل الثوري المعاصر؟
    طبعا لدينا، هوشي منه، جمال عبد الناصر، سلطان الأطرش، عمر المختار.
    والآن؟
    لا يجوز الحـــديث عن رمز إلاّ ببعد تاريخ معين، لا بد من بعد تاريخي معين، لدينا الآن قادة شبان مثل حسن نصر الله هو في رأيي قائد مدهش في ثقافته وفي وعيه وفي نضجه، لكنه ابن عصره ولم تكتمل تجربته بعد، وما زال في دور التكوين أنا لست من الناس الذين يتعجلون في الأمور أنا لا يمكن أن أتعامل مع شخص وكأنه رمز ما دام علي قيد الحياة وما دام قابلا للخطأ وللصواب.
    قد تكون حالة تنبؤ أو لنقل بعد نظر..
    التنبؤ هو مجموعة من الرؤي المجردة لكن في المجال السياسي وفي المجال الثقافي وفي أي مجال التنبؤ خطر يصبح شكلاً من أشكال المقامرة. مثلاً قد يقدم لي شاعر شاب قصيدة تعجبني جداً أقول هنا توجد موهبة رائعة وقد أكتب هذا الكلام لكن لا أستطيع أن أقول هذا هو فرس الرهان للمستقبل، أحياناً هناك شعراء يبدعون في قصيدة واحدة فقط شعراء القصيدة الواحدة معروفون في التاريخ، عدد كبير من الشعراء، ابن زريق اشتهر بقصيدة لا تعذليه فإن العذل يولعه . لذلك في السياسة وفي الثقافة وفي الشعر والفنون لا تجوز المراهنة غير المؤكدة تصبح شكلاً من المقامرة، لذلك لا أستطيع اعتبار حسن نصر الله رمزاً لا أستطيع ذلك وما زال يجرب يخطئ ويصيب والمستقبل أمامه أرجو له التوفيق وأنا مستعد إن لم تبايعوني خليفة للعرب فسأبايع حسن نصر الله إذا صدقت رؤيتي فيه إذا استمر بالشكل الصحيح وإذا خرج من مأزق المشروع الحزبي الطائفي وتحول إلي مشروع قومي، لا يوجد أي سبب يمنع من تبني هذا المشروع ودعم هذا المشروع أنتم تعرفون أنني لا أستطيع المراهنة علي مشروع طائفي أو حزبي أو عشائري أو قبلي أو إقليمي أو قطري لا أستطيع، يعنيني المشروع القومي والإنساني، عبد الناصر قدم مشروعاً قوميا ... فشل؟ لا بأس لكنه قدم مشروعاً قومياً لجميع العرب لا لطائفة ولا لقطر ولا لعشيرة، فأرجو لحسن نصر الله الذي أكن له كل المحبة والتقدير والاحترام من دون شك، وأعتبره سيد الزعماء العرب اليوم، وخيرتهم، ونخبة النخبة في الحقيقة، لكن لا أستطيع أنا شخصياً أن أعتبره رمزاً، هو حالة متقدمة جداً ومحترمة جداً ومثيرة جداً لكن حتي يتحول إلي رمز هو بحاجة إلي تجربه أطول وأعمق وأوضح.

    الماضوية والحداثة

    لماذا يحاول البعض الخوض في الماضوية علي حساب النصّ الحداثيّ المعاصر؟
    إسمحي لي أخت (رماح) هذا الكلام به خلط، الماضوية شيء والحداثة شيء آخر لكن إذا كان الالتصاق بالتراث والاهتمام بالتراث يعتبر ماضوية فهذا خطأ، الماضوية هي بناء المستقبل علي شاكلة الماضي، هذه هي الماضوية وهي بهذا المعني خاطئة، لكن الاستفادة من الماضي ومن التراث لبناء مستقبل جديد هذه هي الحداثة كما أراها، وفي هذا أختلف ربما مع كل الشعراء العرب المعاصرين، في هذا أختلف معهم جميعاً من دون شك هذه مسألة معروفة إعلامياً، أنا أرفض ما يسمي الآن بالحداثة الشعرية العربية أعتبره ضحلاً وسطحياً وغير أصيل وغير جدي أيضاً، لا حداثة من دون أصالة وأعتقد بأن قصيدتي تقدم النموذج الواضح للحداثة الشعرية العربية الملتحمة عضوياً وموضوعياً بالتراث العربي، لا أعتقد أنني لا أكون حداثياً إلا إذا كنت تي اس اليوت العربي، أو سان جون برس العربي، أنا لا أريد أن أكون تي اس اليوت ولا سان جون برس، لا تعتبري هذا الكـــلام غروراً أنا أعتبر قصيدتي أعمق وأكبر من اليوت ومن برس ومن أي شاعر غربي. لماذا يريدونني أن أتقزم وأن أنحني أمام موهبة أقل وطاقة أقل وانجازية أقل؟ وإبداعية أقل لست بحاجة هم ينتجون طائرات أفضل من طائراتنا من دون شك وسيارات أفضل من سيارتنا لكن قصيدتنا تظل هي سيدة القصائد إلي الآن وربما في المستقبل لا أعلم لا أستطيع أن أتنبأ مرة أخري.

    أين الاستشهاديون بالثقافة الناسفة؟

    كونك شــــاعرا كبيرا وكذلك قارئاً حصيفاً للأدب العربيّ، أتعتقد أنّ الشاعر العربيّ المعاصر كتب النص الذي يوازي حجمَ الصراع القائم علي الأرض؟
    وسائل الإعلام اهتمت بتعبير أطلقته في مهرجان قرطاج، قلت لدينا لدي الأمة العربية عدد كبير من الاستشهاديين بالأحزمة الناسفة لكن أين الإستشهاديون بالثقافة الناسفة؟ لا يعقل أن أمة الآن تخلو من ابن رشد مثلاً، لا يوجد عندنا مثقف مستعد للشهادة بحزام ثقافي، الثقافة دجنت المثقفين، الشعراء، الكتاب الصحافيين، المفكرين المبدعين، الأساتذة... الخ. دجنوا أصبحوا أشبه بموظفين عند المؤسسة الحاكمة وعند الشركات وعند أصحاب المصالح، هذه حالة مأساوية في نظري وكارثية، لم يمن علي الله بالشهادة لكنني دائماً علي استعداد للشهادة الثقافية. سجنت صحيح طردت من عملي صحيح هددت بالقتل صحيح، تعرضت لشرور كثيرة هذا صحيح، لكن لم ينعم علي الله بالشهادة، أنا علي استعداد لأن أكون شهيد فكري وشهيد قصيدتي وشهيد موقفي. للأسف الشديد حين دخلت بعض المعارك مع مؤسسات رسمية عربية ومع دول، أنا واجهت دولاً عربية بمواقف ثقافية للأسف الشديد كان المثقفون العرب يتدافعون ويتهافتون علي أعتاب الدول حين كنت في صراع معها.. صراع ثقافي لم يكن صراعاً شخصياً والغريب في الأمر أن الدول التي استبعدتني وتنكرت لي لسنوات عادت الآن لتدعوني ولم تعد تلتفت لهؤلاء الذين استكلبوا للنفاق وللمجاملة وللانحناء، أنا لا انحني، لا لملك ولا لرئيس ولا لكائن بشري، ولدي علاقات شخصية مع ملوك ورؤساء وزعماء وشيوخ ولي علاقة شخصية قد تصل حد الصداقة أحياناً لكن هذا أمر مؤكد أنا لا أنحني لا لملك ولا لرئيس ولا شيخ ولا لزعيم ولا لأحد.. أنا أنحني لخالقي فقط وأنحني لأي طفل ولأي طفلة من هذا الشعب الصابر الصامد، الجميل والشجاع والصابر.. أنحني لهم لكن لا أنحني لسلطة.
    يسود أدب الشباب في العالم العربي تأثيرٌ فاضحٌ بالأشكالِ الأوروبية والغربية، كيف تنظر إلي هذه القضية؟
    أولاً لا بــــد من الانفتاح علي الثقافات كلها وذلك ضروري أنا قرأت الشعر الأوروبي والأمريكي والياباني والصيني، يجب أن نعرف الآخر يجب أن نعرف ثقافات العالم وبالمناســـــبة، الحضارة العربية الإسلامية التي هي من أروع الحضارات البشرية لم تتكوّن إلاّ بالانفتاح..
    العرب والمسلمون الأوائل كانوا منفتحين علي الثقافات وعلي الحضارات علي اللغات، أخذوا وأعطوا، أخذوا من الاغريقيين ومن الهند ومن الصينيين ومن الأوروبيين أخذ أجدادنا وكونوا وأضافوا وأعطوا، هذا هو سر عظمة الثقافة العربية الإسلامية وسر عبقرية الإنسان العربي المسلم القديم، نحن انغلقنا، تراجعنا من نهايات القرن الرابع عشر الميلادي، في رأيي هناك العقل العربي أصيب بشيء من الشلل ومن فقدان التوازن، دخلت مؤثرات الاحتلال العثماني والنفوذ الفارسي والاستعمار الغربي بوسائل شتي، وهذه القوي الشـــــريرة في رأيي حجمت العقل العربي وجمدت الروح العربــــية، وسادت لدينا ثقافات وافدة ذوبت ما نريد إدخاله في ذاتنا، لخلق تعبير جديد، لا يوجد هناك شيء نقرأه إلاّ ما يؤثر في داخلنا، هذه هي ثقافة الروح ثقافة الوعي، أنا لا أري التــــناقض بين المتنبي وبين بايرون الانكليزي أو لوركا الاسباني أو نيرودا التشيلي، لا أري تناقضاً بينهم، جميعهم مبدعون كبار خرجوا من إطار القومي المحلي وأصبحوا عالميين إنسانيين لا مـــانع بالعكـــس، من الضروري أن نقرأهم ونتــــعرف عليهم لكن دون أن نتخلي عن روحنا عن وجهنا عن شخصيتنا عن ذاتنا عن كياننا أن نبدع كياناً جديداً أن نتطور لا أن نقلد، ولا مانع أن نستفيد من تجاربهم.
    كيف نستطيع أن نحل المشكلة؟
    للأسف المؤسسات الثقافية العربية عاجزة وقاصرة، اتحادات الكتــــاب والروابط والصحف، لا تعمل كفاية لإنقاذ أجيالنا الجديدة من محنة القزامة تجاه الأجنبي ، لا يوجد هناك مبرر من أن يكون هناك قـــزامة لدينا تجاه الأجنبي هو أقوي منا في التكنولوجيا نعم، نعترف لكن هذا لا يعني أن ننكسر، ونشعر أننا اقل من البشر، نحن لسنا اقل من البشر، لدينا زوايا تتفوق، زوايا نقل، لكننا في المعدل نحن متساوون مع كل البشر.
    تقفُ الأشعارُ مع أطفالِ الحجارة وأطفالِ قانا، ولا يقف الشاعرُ العربيُّ معهم فهل حلّت الكلمةُ محلَّ الفعل اليوم في أوطاننا؟
    هنا يوجد تجن في الحقيقة فدور الشاعر هو من خلال الشعر، لكن أنا مع التداخل بين الموقف والموقع، يعني من الأمور المعروفة ومن ضمنها أول مظاهرة نظمت ضد العدوان علي غزة والعدوان علي لبنان، كان لي شرف المشاركة بها والكلام، مظاهرة مسيرة بيان اعتصام، احتجاج، لكن الشاعر ليس مطالباً بأن يركض مع الأطفال وأن يقذف حجارة، إلاّ إذا صادف وجوده مثل أن أكون في غزة وجيش الاحتلال يداهمني وأنا معي بعض الأطفال سأحمل حجراً مثلهم وسأضرب، لكن لا يطلب من الشاعر أن يكون مقاتلاً في الميدان يجب التركيز علي التخصص، الشاعر بقصيدته، المقاتل بسلاحه الفلاح بزراعته، العامل بمصنعه، يجب أن يكون هناك تداخل بين جميع شرائح الشعب، مكونات الشعب، القصيدة والحجر والوردة والسنبلة التي ينتجها الفلاح والآلة التي ينتجها العامل في المصنع كلها تشكل حالة مقاومة، لكن لا تجوز القطيعة بين مكونات الروح ومكونات المجتمع، لا يعقل أن أكتب عن الانتفاضة بقدرات ذهنية ومهنية فقط، يجب أن أعيش التجربة، أنا في القدس كدت أختنق في الغاز، قذفت بالغاز مع المتظاهرين وهناك نشأت قصيدة تقدموا قصيدة الانتفاضة من خلال التجربة وليس من خلال المخيلة فقط، لكن إذا كتبت قصائد عن حرب الفيتنام، لم أكن في فيتنام ولم أقاتل في فيتنام، هنا من حقي كشاعر أن أعكس تجربتي كفلسطيني وعلي التجربة الفيتنامية، يدخل موضوع التداخل الإنساني، لا يفرض علي الإنسان أن يكون سوبرماناً، لكنه مطالب بأن يحترم كلمته، للقصيدة كرامتها، وللعمل الإبداعي كرامته وللثقافة كرامتها، لا يعقل أن أكتب ضد الاستعمار وفي أقرب فرصة أن أكون ضيفاً علي البيت الأبيض، وأن يقدموا لي جائزة، لا يعقل.. مثلاً عرضت علي جائزة إسرائيل في وسائل الإعلام، أن أتسلّم جائزة إسرائيل وبعدها مباشرة قالوا تأخذ جائزة نوبل فكان جوابي، لا أريد جائزة نوبل ولا جائزة إسرائيل، أهم جائزة لدي هي إنسان، طفل أو امرأة أو رجل أو عامل أو طالب أو فلاح عربي أن يشعر أنني أعطيته شيئاً من القوة للصمود، للبقاء، كرامة القصيدة، كرامة المقاومة، لا يجوز استعمال القصيدة كسلم للوصول إلي مراكز والي جوائز.
    لماذا تكتب؟
    أنا ضد الادعاء، ضد محاولة الشعراء والفنانين لأن يخلقوا هالة حول أنفسهم، لذلك لنقلها بصراحة، أنا لا أكتب لا للأمة ولا للثورة، ولا للانتفاضة ولا للحرية ولا للتحرر، أنا أكتب حتي أتمكن من التنفس أكتب لأنقذ ذاتي من الجنون أو الانتحار.. هذا الوضع السائد يؤدي إما للجنون وإما للانتحار.. أنا أمنع الجنون والانتحار بالكتابة لإنقاذ ذاتي قبل كل شيء، الآن ما أكتبه يبدو أن هناك نفوساً أخري كثيرة في الأمة العربية تعاني نفس الشعور، لذلك تجد تعبيراً عن نفسها في قصيدتي، هذا يخلق حالة حب منقطعة النظير، لا أعتقد أن هناك في التاريخ شاعراً أُتيحت له حالة حب مع جماهير الشعر ومع الجماهير بشكل عام كالحالة التي أتمتع بها، وأحس هذا حيثما أذهب في الوطن العربي أحس هذا مع الأطفال ومع الشيوخ مع المثقفين ومع الأميين، كالمطالبة في القراءة، الرسائل، الاتصالات، المقالات، الهدايا البسيطة، مثل أن تقدم لي صبية مغربية باقة فل صغيرة بالنسبة لي هذا أهم من جائزة نوبل أهم من أية جائزة أن تكون حالة وجدانية متقدمة أن تساعد الإنسان الذي هو أنت.. أخشي أن يساء الفهم لكن في الحقيقة أشعر بأني كل عربي، العربي الصادق والنبيل والحر العربي الذي يسعي للكرامة والحرية والحضارة، هو أنا وأنا هو، معركتنا واحدة قضيتنا واحدة همنا واحد، حلمنا واحد وجرحنا واحد، وقصيدتنا بالتالي واحدة، حين أكتب لا يكون أحد في بالي، ولا في ذهني ولا في مخيلتي لا جمهور ولا وطن ولا دولة ولا أي شيء، مرة أخري أعترف بأني أكتب لأنقذ نفسي وبما أن الآخرين يشاركونني هذا الشعور فإذن هم يلتقون معي بالقصيدة.
    هل ما زال القلق المصطحب بوهجِ التغير يؤثّر في الأجيال الجديدة بنفس القوة التي ظهر في عقلِ الأجيال التي سبقتهم؟
    مراحل التاريخ لا تتحرك بشكل مستنسخ. التاريخ يتغير، مثل ماء النهر، كلنا نتحدث عن نهر النيل، لكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن نهر النيل يتغير كل ثانية، كل لحظة، المياه تتغير إذن هو ليس هو، هو في حالة تغير مستمر، هو يتحقق بتغيره، لو لم يكن هذا التغير في مياه النيل لأصبح بحيرة أو بحرا إذن التغير هو جزء من الحياة، من الاستقرار، الاستقرار هو في التغير، تستقر صورة النهر لأنه يتغير لو لم يتغير لما استقرت صورة النهر، إذن التغيير ورغبة التغيير، دائمة لدي الإنسان، لكن أنا ضد الاتكالية في التغيير بمعني أن غيري سيغير لا يغير الله ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم .

    تكرار مفردات القاموس

    هل تعتبر تكرار الصورِ والمفردات المعينة عند أيّ شاعر هو إضافة بمنطقِ (الأسلوب المدرسة الاستهلاك)؟
    توجد في قاموس اللغة العربية بالذات ملايين الاشتقاقات، لكن لكل شاعر تتبلور لغة خاصة به، شاء أم أبي، ولست مخيراً مثل أن أقول سأغير لغة سميح القاسم. إن ذلك ليس وارداً بالحسبان، هذه تتكون بمرور الزمن، نقرأ قصيدة غير موقعة نقول هذه لنزار قباني، نقرأ قصيدة غير موقعة نقول هذه لأدونيس أو للجواهري، تتكون لغة وحالة خاصة بالشاعر وتتكرر بداخل هذه اللغة تتكرر تعابير عندي مثل: الجواد الأبيض، السنبلة، الزهرة، الجمجمة، اليد، الليلك، هناك تعابير تتكرر وهي لا تتكرر رغبة في التكرار لكنها تتكرر لأن الحالة التي صدرت عنها متكررة مستمرة، يعني ما دام هناك احتلال ستظل مفردة الحرية، ومفردة الاحتلال، والانتفاضة ستتكرر لأن الاحتلال مستمر ومتكرر، لا يعقل أن نقول كتبنا كثيراً عن الانتفاضة، ويكفي هذا، إذا كانت الانتفاضة مستمرة، إذن يجب أن يكون التعبير عنها بحالة استمرار، لست ملزماً ولا يستطيع أحد أن يلزمني، أنا في حياتي لم أكتب بناء علي طلب ولا ألتزم لا بحزب ولا بثورة ولا بشعب ولا بأمة ولا بأحد، لا التزم إلاّ لذاتي، هي مسألة عفوية. إذا أحس أحدهم بالتعب، من المقاومة من حقه أن يتخلي لأنه تعب ولا يريد المقاومة، لكن إذا كان هناك من يريد أن يستمر في المقاومة فلا يحق لنا أن نلومه وأن نقول له أنت تكرر نفسك، ماذا يعني إذا كرر نفسه، ما زال هناك احتلال والمقاومة مستمرة، إذا كان هو يكرر نفسه بالنصوص، ذلك خطأ النصوص ولا بد أن تتجدد دائماً، الذي يتكرر هو الحالة، والحالة مستمرة ما العمل؟
    لقد اعتبرَ النقادُ أن نقطةَ التحول لدي سميح القاسم في شعرهِ كانت في قصيدة رجل غير مرغوب فيه ومن هؤلاء النقاد نبيه القاسم وفهمي هويدي فما هو تعليقُك؟
    من حق الناقد أن يري ما يري أنا لا أتدخل في رؤية الناقد، أعتقد أن كل مجموعة من مجموعاتي ما كنت لأنشرها لو لم تكن هي إضافة لما سبقها، وأنا أراجع نسخة الطبعات الأولي، أراجعها أمر عليها انتابتني القشعريرة، لم أتخيل أنني اشتغلت بهذه الدرجة، ولا يوجد هنا كتاب إلاّ واختلف عن الذي سبقه، وهي وجهة نظر أن يروا التحول في ديوان رجل غير مرغوب فيه، لم أكرر نفسي قط، الحالة النفسية الشهرية تتكرر من دون شك، أنا من برج العذراء وعنيد، هناك احتلال مقيت ويجب أن أقاومه، لا يوجد لدي ملل وتعب، ما دام الاحتلال مستمراً إذن سأقاوم، لكن شكل المقاومة وشكل القصيدة يتغير من قصيدة إلي أخري.

    اسرائيل والشعر الثوري

    كشاعر فلسطينيّ مررت بكل مراحلِ المأساة الفلسطينية الا تشعر أنّ إسرائيل كانت سبباً في أن تكرّس مجهودك في الشعر الثوري أكثر منه في التأملِ علماً بأن الشاعر هو كتلة من المشاعر والإحساسات؟
    هناك فرضية خاطئة وكأن الشعر الثوري يناقض التأمل، أنا لا أقر الادعاء أن الشعر الثوري لا يوجد فيها ادعاء والتأمل لا يوجد به ثورية، الشعر الثوري الحقيقي والذي يبقي ويعيش وهو أرقي أشكال التأمل.. هناك كمان ادعاء أن الشعر الثوري يوضع مقابله الشعر الذاتي، الفيندجوالزم، هذا عند الغرب، عند الغرب ظهرت حالة أن الفرد ينقطع عن المجتمع وعن الآخر يتحول إلي كتلة ذاتية منقطعة عن الآخرين، يعبر عن نفسه من دون شك وقد يكون تعبيراً جميلاً جداً وراقياً جداً، لكنه يكون أقل فائدة، لأن من الممكن أن يكون لديك زهرة بلاستيك وزهرة طبيعية، وأحياناً تكون زهرة البلاستك مصنوعة بشكل أجمل، لكن الطبيعية فيها حياة فيها روح فيها عطرها، فيها حياتها، أنا مع الزهرة الحية ولست مع زهرة البلاستيك.. ضعي في البيت لوحتين لوحة جميلة جداً، تعطيك سعادة معينة وإلي جانبها لوحة لنقل الجيرنكا، لبيكاسو، الجرنيكا جميلة لكنها تعبر عن قضية عن مأساة شعب، أنا أفضل الجرنيكا علي اللوحة الأخري الجميلة جداً.
    لا أقلل من جماليتها، لكن هناك جمال للجمال وجمال للحياة، أحبّ أعمال سلفادور دالي كثيراً لأنه رسام سوريالي، أعماله جميلة جداً، كذلك أحب أعمال اشر، هو فنان غرائبي لا أنكر أن أحب أعمال الجميع، لكن إذا خيرت بين لوحة من بيكاسو أو سلفادور دالي، بين سكيروس وبين اشر، سآخذ لوحة بيكاسو وسيكروس، بسبب المضمون الإنساني، هذا هو الفرق. أنا مع الجمال في المطلق لكني مع الجمال المفيد للإنسان، لم أكتب بسبب إسرائيل، كتبت بسبب سميح القاسم وشعبه، مثلاً هناك أناس يقولون انتم شعراء المقاومة لولا السياسة ولولا القضية الفلسطينية لما كنتم موجودين، أما فرضية سخيفة مثل: هاينش هارني لولا النساء التي أحبّهن لما كان موجوداً، بالمناسبة هو كتب شعر حب وأبدع فيه، ولولا الجرح الفلسطيني لما كنا موجودين، إذن ماذا تريدون أن تقولوا؟ بعض من يقول هذا الكلام يقوله للأسف الشديد أحياناً لغيرة أو حسد، وقد يستعمله لتغطية النقص الذي لديه، من هو سميح القاسم، وتوفيق زياد، ومحمود درويش؟ هذا ليس صحيحاً لأن هناك أكثر من 10,000 إذا (مش كتبوا عن القضية) ولا يمكن اعتبار ذلك بجريدة الاتحاد أو الحزب لأن هناك وسائل إعلام أكبر، كل الإعلام الغربي تجند لبعض الشعراء العرب ـ لن أسميهم ـ كانوا يتجاهلوننا ولم نكن موجودين في الإعلام، كم شخصاً يقرأ الاتحاد في سوريا ولبنان.. كانت (تطنطن) لهؤلاء الشعراء، لكن أين هم اليوم، هناك آلاف الشعراء كتبوا عن الانتفاضة، وعن القضية، لكن هناك احترام للتاريخ وللقضية وللشعب الفلسطيني، هناك شاعر مغتاظ من شاعر برز في الكتابة الشعرية، هذا يدل علي التفاهة مثل أن أقول أفضل من شوقي ومن المتنبي، هذا عيب، هنا أكون غير مثقف وغير شريف كمان، هنا أكون إنساناً ساقطاً، عليك الاعتراف بالآخرين، وليعترف الآخرون بما لديك لا أكثر ولا أقل، لا أطلب جوائز ولا مكافآت نحن لا نركض وراء الشهرة والإعلام والشهرة نتيجة للقصيدة وليست القصيدة نتيجة للشهرة، أنا لا أسوق قصيدتي هي تسوقني..
    هل يوجد قاسم مشترك ما بين المأساة (التراجيديا) الإغريقية القديمة والمأساة الفلسطينية التي يسببها الصراع الإسرائيلي الفلسطينيّ؟
    هناك شبه واحد في حديث معي قلت إني سأستبدل تعبير المأساة الإغريقية بتعبير المأساة الفلسطينية، لأنها تكررت، المأساة الإغريقية تكونت عبر عقود طويلة من الزمن والعقود الطويلة من الزمن أيضاً مرت علي المأساة الفلسطينية ووجعها صار شيئاً عالمياً، يمكن أن نتحدث اليوم ونقول حدثت في بنغلاديش مأساة فلسطينية، مثل أن نقول حدثت في فلسطين مأساة إغريقية ولكن المأساة هي المأساة والإنسان هو الإنسان إذا كان فلسطينياً أو عربياً، تركيا أو روسياً، الإنسان هو الإنسان، وبالمناسبة المأساة اليهودية وظفتها في تجربتي الشعرية وأنا متعاطف مع ضحايا النازية ضد هتلر، إحذروا نحن نفقد إنسانيتنا إذا وقعنا في عنصرية الضد، مثل أن نقول ما دام هؤلاء النازيون ذبحوا اليهود، إذن الله يسلم أيديهن وفي هذه الحالة نحن نفقد إنسانيتنا وهي أغلي وأعز ما نملك، وهي جوهر حضارتنا، نحن لسنا عنصريين، العرب والمسلمون هم ليسوا عنصريين، ثقافتهم ليست عنصرية، ثقافتهم تسامح وإنسانية وتكافل وعطف، كل مسلم يتعاطف مع النازية والعنصرية أنا أقول إنه خرج عن دين الإسلام، العنصري ليس منا، لكن في الوقت ذلك، أنتقد توظيف المأساة اليهودية في الصراع الفلسطيني مثل ما تعمل الحكومة الإسرائيلية، الوحش النازي اضطهدكم ونحن ندفع الثمن؟ نحن معكم ضد الوحش النازي، لكننا لا نسمح لكم إذا تقمّصتم شكل الوحش النازي، أنتم تهينون ضحاياكم إذن..
     

مشاركة هذه الصفحة