سيف بن ذي يزن ومعرفته بالنبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم

الكاتب : ذي يزن   المشاهدات : 596   الردود : 1    ‏2002-07-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-12
  1. ذي يزن

    ذي يزن «« الملك اليماني »» مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-26
    المشاركات:
    34,433
    الإعجاب :
    55
    قال الواقدي: وكان في زمان عبد المطلب ملك يقال له سيف بن ذي يزن المازني وكان من ملوك اليمن وقد أنفذ ابنه إلى مكة واليا من قبله وتقدم إليه باستعمال العدل والإنصاف ففعل ما أمره به ثم إن عبد المطلب دعا برؤساء قريش مثل عتبة بن ربيعة ومثل الوليد بن المغيرة وعتبة بن أبي معيط وأمية بن خلف ورؤساء بني هاشم فاجتمعوا في دار الندوة وهي الدار الموصلة في المسجد الحرام فلما قعدوا وأخذوا مراتبهم ثم تكلم عبد المطلب وقال: اعلموا أني قد دبرت تدبيرا.

    فقال المشايخ: وما دبرت يا رئيس قريش وكبير بني هاشم فقال: يا قوم إنكم تحتاجون أن تخرجوا معي نحو سيف بن ذي يزن لتهنئته في ولايته وهلاك عدوه ليكون أرفق بنا وأميل إلينا فقالوا له بأجمعهم: نعم ما رأيت ونعم ما دبرت ثم أمر عبد المطلب أن يستحكموا آلات السفر ففرغوا من ذلك قال فخرج عبد المطلب ومعه سبعة وعشرون رجلا على نوق جياد نحو اليمن فلما وصلوا إلى سيف بن ذي يزن بعد أيام سألوا عن الوصول إليه قالوا لهم إن الملك في قصر الوادي وكان من عاداته في أوان الورد أن يدخل قصر غمدان ولا يخرج إلا بعد نيف وأربعين يوما ولا يصل إليه ذو حاجة ولا زائر وأنتم قصدتم الملك في أيام الورد فذهب عبد المطلب إلى باب بستانه وكان لقصر غمدان في وسط البستان أبواب وكان لهذا البستان باب يفتح إلى البرية وقد وكل بذلك الباب بواب واحد فقال عبد المطلب لأصحابه: لعلنا يتهيأ لنا الدخول بحيلة ولا يتهيأ لنا إلا بها.

    فقال القوم: صدقت.

    قال الواقدي: ثم إن عبد المطلب نزل واتجه نحو الباب فنظر إلى البواب وسلم عليه وضحك في وجهه ولم يظهر للبواب شيئا ولم يقعد إلا إلى جانبه ثم قال له: ((يا بواب دعني أن أدخل البستان)) فقال له البواب: وا عجبا منك ما أقل فهمك وأضعف رأيك أمصروع أنت فقال له عبد المطلب: ما رأيت من جنوني فقال له البواب: أما علمت أن سيف بن ذي يزن في القصر مع جواريه وخدمه قاعد فإن أبصرك في بستانه أمر بقتلك وإن سفك دمك عنده أهون من شربة ماء.

    فقال له عبد المطلب: دعني أدخل ويكون من الملك إلي ما يكون فقال له البواب: يا مغلوب العقل إن الملك في القصر وعيناه للباب والبواب وإنه قدر ما يرفق أن يأمر بقتلك فقال عقيل بن أبي وقاص: يا أبا الحارث أما علمت أن المسارج لا تضي‏ء إلا بالدهن فقال عبد المطلب: صدقت.

    قال الواقدي: ثم إن عبد المطلب دعا بكيس من أديم فيه ألف دينار وقال بعد أن صب الكيس بين يدي البواب: يا هذا إن تركتني أدخل البستان جعلت هذا بري إليك فاقبل صلتي وخل سبيلي.

    فلما نظر البواب إلى الدراهم خر مبهوتا وقال له البواب: يا شيخ إن دخلت ونظر إليك الملك وسألك عن كيفية دخولك ما أنت قائل له قال عبد المطلب: أقول له كان البواب نائما وشرط عليه عبد المطلب: أن لا يكذبه إن دعاه الملك للمسائلة فيقول غفوت وليس لي بدخوله علم قال: نعم.

    فقال عبد المطلب: إن كذبتني في هذا أصدقت الملك عن الصلة التي وصلتك بها فقال له البواب: ادخل يا شيخ، فدخل عبد المطلب البستان وكان قصر غمدان في وسط الميدان والبستان كأنه جنة من الجنان قد حف بالورد والياسمين وأنواع الرياحين والفواكه وفيه أنهار جارية في وسطه وإذا سيف بن ذي يزن قد اتكأ على عمود المنظرة من قصره وفي قصره يقول الشاعر:



    اشرب هنيئا عليك التاج
    مرتفعاً في رأس غمدان دارا منك محلالا

    اشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم
    وأسبل اليوم في برديك إسبالا



    قال: فلما نظر سيف بن ذي يزن عبد المطلب غضب وقال لغلمانه: من ذا الذي دخل علي بغير إذني ليؤت به سريعا فسعى إليه الغلمان والخدم فاختطفوه من البستان فلما دخل عبد المطلب عليه رأى قصرا مبنيا على حجر مطلى بطلاء الورد منقشا بنقش اللازورد ووردا على أمثال الورد ورأى عن يمين الملك وعن شماله وبين يديه من الجواري ما لا عدد لهن ورأى قريب الملك عمودا من عقيق أحمر وله رأس من ياقوت أزرق مجوف محشى بالمسك ورأى عن يساره تورا من ذهب أحمر وعلى فخذه سيف نقمته مكتوب عليه بماء الذهب شعر يقول.


    رب ليث مدجج كان يحمي
    ألف قرن مغمد الأغماد

    وخميس ملفف بخميس
    بدد الدهر جمعهم في البلاد



    قال الواقدي: فوقف عبد المطلب بين يدي سيف ولم يتكلم الملك ولا عبد المطلب حتى كرع الملك في التور الذي بين يديه فلما فرغ من شربه نظر إليه وكان سيف قد شاهد عبد المطلب قبل هذا ولكنه أنكره حتى استنطقه فقال له الملك: من الرجل فقال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان حتى بلغ آدم عليه السلام فقال له الملك: أنت ابن أختي فقال: نعم أنا ابن أختك؛ وذلك أن سيف بن ذي يزن كان من آل قحطان وآل قحطان من الأخ وآل إسماعيل من الأخت فعلم سيف بن ذي يزن أن عبد المطلب ابن أخته فقال سيف بن ذي يزن: أهلا وسهلا وناقة ورحلا ومد يده إلى عبد المطلب وكذلك عبد المطلب إلى نحو الملك. فأمره الملك بالقعود وكناه بأبي الحارث وقال: فأنتم معاشر أهل الشار رجال الليل والنهار وغيوث الجدب والغلاء وليوث الحرب لضرب الطلى ثم قال: يا أبا الحارث فيم جئت. فقال له عبد المطلب: أيها الملك السعيد جده الرفيع مجده المطاع أمره المحذور آفته المدرك رأفته نحن جيران بيت الله الحرام وسدنة البيت وقد جئت إليك وأصحابي بالباب لنهنئك بولايتك وما فوضه الله تعالى من النصر بك وأجراه على يديك من هلاك عدوك فالحمد لله الذي نصرك وأقر عينيك وأفلج حجتك وأقر عيوننا بخذلان عدوك فأطال الله تعالى في سوابغ نعمه مدتك وهنأك بما منحك ووصلها بالكرامة الأبدية فلا خيب دعائي فيك أيها الملك ففرح سيف بدعائه وازداد له محبة بما سمع من تهنئته ثم أمره أن يصير هو ومن معه بالباب من أصحابه إلى دار الضيافة إلى أن يؤمر بإحضارهم بعد هذا اليوم إلى مجلسه فمضى وحجابه وخدمه بين يديه إلى حيث أمرهم وخرج عبد المطلب واستوى على جمله واتبعه أصحابه وبين يديه غلمان الملك حوله حتى أنزلوه وأصحابه وبالغوا بالتوصية به وبأصحابه فأمر الملك أن يجري عليهم في كل يوم ألف درهم بيض فبقي عبد المطلب في دار الضيافة شهرين حتى تصرمت أيام الورد فلما كان في اليوم الذي أراد فيه مجلسه للتسليم عليه والنظر في أمره ذكر عبد المطلب في شطر من ليلته فأمر بإحضاره وحده فدخل عليه الرسول فأمره وأعلمه بمراد الملك منه فقام معه إليه فإذا الملك في مجلسه وحده فقال لخدمه تباعدوا عنا فلم يبق في المجلس غير الملك وعبد المطلب وثالثهم رب العزة تبارك وتعالى فقال له الملك: يا أبا الحارث إن من آرائي أن أفوض إليك علما كنت كتمته عن غيرك وأريد أن أضعه عندك فإنك موضع ذلك وأريد أن تطويه وتكتمه إلى أن يظهره الله تعالى.

    فقال عبد المطلب: السمع والطاعة للملك وكذا الظن بك.

    فقال الملك: اعلم يا أبا الحارث أن بأرضكم غلاما حسن الوجه والبدن جميل القد والقامة بين كتفيه شامة، المبعوث من تهامة، أنبت الله تعالى على رأسه شجرة النبوة وظللته الغمامة، صاحب الشفاعة يوم القيامة، مكتوب بخاتم النبوة على كتفيه سطران: الأول لا إله إلا الله والثاني: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى توفى أمه وأباه وتكون تربيته على يدي جده وعمه وأنا وجدت في كتب إسرائيل صفته أبين وأشرح من القمر بين الكواكب وإني أراك جده. فقال عبد المطلب أنا جده أيها الملك. فقال الملك: مرحبا بك وسهلا يا أبا الحارث.

    ثم قال له الملك إني أشهد على نفسي يا أبا الحارث أني مؤمن به وبما يأتي به من عند ربه ثم تأوه سيف ثلاث مرات بأن يراه فكان ينصره وينظره فيتعجب منه الطير في الهواء. ثم قال: يا أبا الحارث عليك بكتمان ما ألقيت عليك ولا تظهره إلى أن يظهره الله تعالى فقال عبد المطلب: السمع والطاعة للملك ونظر عبد المطلب في لحية سيف بن ذي يزن سوادا وبياضا وخرج من عنده وقد وعده في الحباء في غد ليرحلوا إلى أرض الحرم إن شاء الله تعالى فلما رجع إلى أصحابه رآهم وجلين خائفين وقد أكثروا الفكر فيه حين دعاه الملك في مثل ساعته التي دعاه فيها.

    فقالوا له: ما كان يريد الملك منك قال عبد المطلب: يسألني عن رسوم مكة وآثارها ولم يخبر عبد المطلب أحدا بما كان بينه وبين الملك وغدا عليهم رسول الملك من غد يحضرهم مجلسه فتطيبوا وتزينوا ودخلوا القصر وعبد المطلب يقدمهم فدخلوا عليه فنظر عبد المطلب فإذا برأسه ولحيته سواد حالك فقال له عبد المطلب إني تركتك أبيض اللحية فما هذا فقال له: إني أستعمل الخضاب.

    فقال أصحاب عبد المطلب: إن رأى الملك أن يرانا أهلا لذلك الخضاب فليفعل قال: فأمر الملك أن يؤخذ بهم إلى الحمام وكان القوم بيض الرؤوس واللحى فخضبوا هناك فخرجوا ولشعورهم بريق كأسود ما يكون من الشعر ويقال: إن سيفا أول من خضب رأسه ولحيته.

    قال الواقدي: ثم إن الملك أمر لكل واحد منهم ببدرة دراهم بيض وحمل كل واحد منهم على دابة وبغل وأمر لكل واحد منهم بجارية وغلام وبتخت ثياب فاخرة ووهب لعبد المطلب ضعفي ما وهب لهم ثم دعا الملك بفرسه العقاب وبغلته الشهباء وناقته العضباء وقال يا أبا الحارث إن الذي أسلمه إليك أمانة في عنقك تحفظها إلى أن تسلمها إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا بلغ مبلغ الرجال فقال له اعلم أني ما طلبت على هذه الفرس شيئا إلا وجدته وما قصدني عدو وأنا راكب عليها إلا أنجاني الله تعالى منه وأما البغلة فإني كنت أقطع بها الدكادك والجبال لحسن سيرها ولا أنزل عنها ليلي ونهاري فأمره أن يتحفظ ويجعلها لي تذكرة وبلغه عني التحية الكثيرة.

    فقال عبد المطلب: السمع والطاعة لأمر الملك ثم ودعوه وخرجوا نحو الحرم حتى دخلوا مكة فوقعت الصيحة في البلد بقدومهم فخرج الناس يستقبلونهم وخرج أولاد عبد المطلب وقعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على صخرة وقد ألقى كمه على وجهه لئلا تناله الشمس حتى تقارب عبد المطلب فنظر أولاده إليه وقالوا: يا أبانا خرجت إلى اليمن شيخا ورجعت شابا قال: نعم أيها الفتيان سأخبركم بما ذكرتم فأخبرهم ثم قال لهم أين سيدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا له: إنه في بعض الطريق ينتظركم ثم إن عبد المطلب سار نحوه حتى وصل إليه مع أصحابه فنزل عن مركوبه وعانقه وقبله بين عينيه وقال له: إن هذا الفرس والبغلة والناقة أهداها إليك سيف بن ذي يزن ويقرأ عليك التحية الطيبة ثم أمر أن يحمل رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الفرس فلما استوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ظهر الفرس نشط وصهل صهيلا شديدا فرحا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونسب هذا الفرس أنه عقاب بن تيزوب بن قابل بن بطال بن زاد الراكب بن الكفاح بن الجنح بن موج بن ميمون بن ريح أمره الله قال كن فكان بأمره.

    قال الواقدي: وأخذ أبو طالب بلجام فرسه وحف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعمامه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: خلوا عني فإن ربي يحفظني ويكلؤني فرقي الفرس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن فمال النبي ليسقط فمال الفرس معه لئلا يسقط فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة على حالته فشاع خبره في قريش وبني هاشم فتعجب من أمره الخلق وبقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرحا مسرورا عند عبد المطلب.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-07-13
  3. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    في البداية الف مرحب بعطر فواح ومسك أصيل
    بقدوم ذي يزن المرادي من له في القلب مكانة تشفع له الغياب عن مجلسه الأدبي ..

    اخي الحبيب ما اروع ما أتيت به ما إن بدأت بالسطر الاول حتى وجدت نفسي في حديقة غناء مضيت فيها الى باب الخروج وكلي دهشة من جمال الألفاظ وروعة التصوير وأسلوب التشويق ..

    ماورد أعلاه من حيث الحقيقة والخيال شئ يحتاج الى تقصي وبحث ...
    قصر غمدان قرأت في وصفه مايملأ النفس فخراً باجدادنا وأي عنصر نحمله حق لنا أن نفاخر باننا نسل الفاتحين أولي القوة والبأس الشديد ..

    عشرون طابقاً
    سقفها لم يعمد ..

    القصر بني من عشرين طابقاً الطابق الأخير فيه كان سقفاً مبنى من زجاج شفاف وعلى أركان القصر الأربعه برزت أربعة أسود من نحاس مجوفة كلما هبت الريح ملأ زئيرها الأرجاء ...
    وفي ساحته من النوافير الجميلة والرائعة كالتي ورد ذكرها أعلاه ..

    الرائع اسلوب القصة التصويري لكأننا نرى المشهد بل نشاركة المكان ونحس بهمس عبد المطلب ونرى صرامة وجه الرجل وذكائه وحنكته جد خير البرية صلوات ربي وسلامه عليه في كل وقت وحين .. ونرى أي ابهة وفخامة هي لإبن ذي يزن الذي وقف الأدباء عند غيرته على وطنه ووقف السياسيون يرون فيه وفي نسل شعبه (( عقدة يزنية )) ... ووقف الرواة يصيغون من خرافات الأساطير مايفوق العقل ولايشبع منه الخيال الخصيب ..

    كل التقدير والمحبة :)




     

مشاركة هذه الصفحة