أنـا وأبـي وشـجـرة البــلــوط .. الروايـة التـي عـجـلـت برحيـل نجيـب محفـوظ !!

الكاتب : الجعمي   المشاهدات : 624   الردود : 0    ‏2006-09-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-23
  1. الجعمي

    الجعمي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-06-05
    المشاركات:
    126
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم


    انبثق شعاع الفجر في قريتنا الصغيرة , وابتدأ صياح الديكة ومكالخ القطاوة , وانبلجت شمس الصباح من خلف الغيوم الكثيفة , معلنتن قدوم يوماً جديدا .. كانت افواج التلاميذ تنطلق من بيوت القرية وتسنهم ذر , وكل واحدن يجرجر في شنطته , وعلامة الكسل والتضجر بادية على محياهم وتسن الواحد منهم رايحن للجبهة مهوب للمدرسة يا كافي => أقول أمحق من دافعية للتعلم


    كان الطقس بارد والامطار منهمرة مع اني سامعن كراني البارح عقب نشرة الأخبار يقول: ان الشمس مشرقة والجو دافيء وابشروا بمشراقن وش زينه ! لم أخذ شمسيتي ولم ارتدي معطفي الجلدي, وأكلت خابور كله من كراني الله لايوفقه, كانت دائما ماتحذرني منه جدتي هيلة وتقول لايهمك , ترى ماعنده ماعند جدتك حصة => تقصد قرين مذر


    انطلقت مع أقراني نهرب من المطر والبرد با تجاه المدرسة , وقفنا جميعا أمام الباب الكبير , كان اكبر باب في قريتنا , كانت حبات المطر تنساب ناعمة من فوق طواقينا , في وسط هذا الجو القارس والبرد الشديد , كنا ننتظر ابودحيم فراش المدرسة ان يفتح الباب الكبير لنذهب الى حيث الدفء.كان ابودحيم معطينا أشكل ويجمع غنمه علشان يدخلهن الحوش عن البرد , غير مكترثن بنا وما طاق لنا خبر , والله لو يدرون عنه جمعية الرفق بالحيوان كان يحطونه الرئيس الفخري لهم ويزوجونه على بارجيت باردو كان السبب الذي جعل ابو دحيم يعطينا الطرشا , هو انه كان عقيما وما له ذرية .


    أخذت اجول بنظري , والقي نظرة على مزرعتنا التي كانت بالقرب من المدرسة, لعلي أحس بالدفاء, وكانت نخيل السلج والدخيني شامخة أمام الرياح العاتية والامطار الكثيفة , قلت في نفسي , والله ماتصير هالنخيلات أشمخ مني , فشمخت ولكني بعد ذلك أحسست بشعوراً غريب ينساب في داخلي .. شعرت بانقباض وبداء قلبي يرجف وكأنه مكينة البلاكستون التي في مزرعتنا , كان سبب انقباضي هو اني لم أشاهد ابي في وسط المزرعة مثل العادة ,يخضر , ويحش , ويصرم , ويروس , ويلقح , والكلمة الاخيرة لم اكن اعرف معناها , الا اني الاحظ تعليق امي على ابي أذا شافت معه لقاح , فكانت تقول : ياجودك في حق هالنخلة, ولا انا مضيعني


    كان سبب تغيب ابي عن الذهاب الى المزرعة هو كما اخبرتني امي وهي تضع خبز " الشريك " في شنطتي البكم, لشعوره بألم في ضهره , وطمنتني امي , انه طيب فهو كما تقول امي حبيب وجيدن في حق اميمته ولا هوب شايفن شر. أحسست بالوحدة , فقد كنت متعوداً ان ارى ابي قبل ان ادخل المدرسة , فيشير لي بيده وهو ممسكن بالمحش ويقول مشجعاً لي : شد حيلك يا بعيري، وبيض وجهي وانا ابوك , فقد كان ابي يناديني دائماً (بعيري).. آه ..ياأبي كم اتمنى ان تكون بخير ، آه..ياليت الوجع في ظهر ابو دحيم حتى يدري ان الله حق ويرحمنا من ذالمطر والبرد.!


    أخيرا فتح لنا ابو دحيم الله يفتحها في وجهه ويسكرها في قفاه أبواب المدرسة , وانطلقنا نركض تسننا ذواليك البزران الي في افتح ياسمسم, ويعلم الله مهوب حبن في المدرسة , ولكن منحاشين من المطر وذا النسري الي شقق براطمنا ، فقد نسم علينا النسري من مفرق الوادي ,مثل ما قالت فيروز ذات مرة


    دخلنا الفصل , وقد كان موحشاً وخالياً إلا من شخبطات على السبورة , كانت هذه شخبطات الأستاذ صالح مدرس الرسم في نهاية الحصة الأخيرة يوم الاربعاء وهو يوصف لوكيل مدرستنا محل مطبق في شارع العصارات في الرياض , وكان يحرصه عليه ويقول :إذا رحت للرياض فلايفوتك !!


    دخل علينا مدرس الدين بلحيته الصغيرة المهذبة وشاربه الي قاصه على طريقة هتلر , كنت أحبه لانه يشبه والدي , خلع فروته الثقيلة وعلقها على مسمار فوق السبورة كان موضوعاً لتعليق الوسائل التعليمية , أصبحنا لانرى شخابيط الأستاذ صالح , بل لم نعد نرى السبورة بكبرها ! بدأ درسه كالمعتاد , وكان سؤاله اليومي الذي نتوقعه كل صباح وهو : وش تعشيتوا عليه البارح ؟


    في هذه اللحظة تذكرت ابي , وهو البارح يقاوم الالم , ويضغط على نفسه ليذهب ويحضر لنا خبز طابونة , بعد ان رفض ان أذهب انا بحجة أن البرد شديد , وتذكرت حين وضع الخبز امامي وانا متروبع أمام مرقة البيدجان , وذهب هو ودس روحه في فراشه وتغطى بذيك البطانية الكاروهات , وهو يقول : كل يابعيري علشان تدفىء ,


    تذكرت كل ذلك ثم نظرت مع نافذة الفصل الى مزرعتنا المليئة باشجار النخيل وسنابل القمح , وأشجار التين , فيما كانت شجرة البلوط التي كان دائماً مايجلس والدي تحتها ويتناول غدائه المتواضع , كانت تتمايل ذات اليمين وذات الشمال , وكأنها تبحث هي ايضا عن والدي .


    جاءت الحصة الثانية , ومن بعدها الفسحة , اصبحت أمشي في فناء المدرسة وأنا حاطن يدي في مخابيي وأمشي وأشوت في الحصا , وبينما أنا أحثرب في مخباتي ,إذ بأصابعي تصطدم بشيء , أخرجت هذا الشيء بسرعة وأذا به حلاوة بقر , فككت قرطاستها ووضعتها في فمي , أحسست بمرارة غريبة , لم اتطعم الحلوى هذه المرة !


    مرت الحصص بطيئة وأنا جالس على مقعدي الخشبي ,ومالي مهنة الا اناظر مزرعة ابوي => (الله واكبر العاذرية على غفلة) وفي هذه اللحظة دخل الأستاذ (ناصر) أستاذ مادة الحساب , ليقطع حبل تفكيري صوت (عليان)عريف الفصل, وهو يقول: قياااااااااااااام !! قعود !!


    دخل الأستاذ (ناصر) وعلى طول سحب كرسيه بجانب (فايز) أملح واحد في فصلنا والوحيد الي يلبس طاقية زري والوحيد ايضاً الي يحلق تواليت , اتكاْ الاستاذ (ناصر) على ماصة فايز واضعاً عرقوبه على طرفها وكفه على خده ودقنه , وحاطن خشته في خشت فايز , واصبح يسولف هو وياه , وكان صوت الاستاذ ناصر ينخفض الى مايشبه الهمس عندما يسأل فايز عن عمه الذي جاء من الرياض برفقة اولاده في زيارة لهم , كان الاستاذ (ناصر) ذيخاً ، ويستغل براءة (فايز) ويركز اسئلته عن بنت عمه (دلال) افضل ما أنجبته القرية من البنات فقد كانت موديلاً فاخراً من نوع فول اوبشن .


    في هذه الاثناء كنت اواصل مشاهدتي لمزرعتنا عبر النافذة بعيني الجميلتين, ولكن فجأة هالني منظر شجرة البلوط فقد أصبحت تتمايل وبعنف , وكأنها قد نفذ صبرها وملت من انتظار ابي , أشفقت عليها وخشيت ان ينكسر جذعها من قوة التمايل , نهضت من مقعدي وفتحت النافذة وصرخت بأعلى صوتي : ابوي مهوب جاي اليوووووم , يوجعه ظهره, هكذا اخبرتني امي ياشجرة البلوووووط ..=> هكذا صرخت بصوتن فيه الصياح


    توقفت شجرة البلوط عن التمايل . وضج الفصل بالضحك . رجعت الى مقعدي , وإذا بالأستاذ (ناصر) يتجه لي , طلب مني ان أقف ، وقفت واغمضت عينيّ ، وظغطت على عضلات وجهي انتظر كف الاستاذ (ناصر) الي بيدير وجهي , تباً لكي ياشجرة البلوط ، كله من تحت راسك ، انتظرت الكف ولكنه تأخر !


    بادرني الأستاذ (ناصر) قائلأ وهو يكسر كمومه متأهباً لضربي وقال : الله يحلل لينا خوية عدنان عندك ، هي تحاتسي العصافير وانت تحاتسي الشجر ! فقعو امها الطلاب ضحك على ذبة الاستاذ ناصر . صرخ الأستاذ (ناصر) وقال: بس ياولد انت واياه ولا كلمة .! سكت الجميع ، وعم الفصل هدوء مطبق فقد بلع الضحكة جميع الطلاب !


    وبينما الأستاذ (ناصر )وقد تجهم وجهه، ويهم برفع يده ليضربني => (جعله يعلقها على رقبته ) كانت هناك ضحكات ناعمة تشبه الموسيقى تنبعث من مقدمة الفصل ! التفت الاستاذ الى مصدر الصوت ، وفجأة تبدلت تقاسيم وجهه الى ابتسامة عريضة .. فقد كان مصدر الضحكة (فايز ) ! اتجه الاستاذ الى مصدر الصوت وهو يعدل كمومه ، وجلس قباله وخشته في خشت (فايز) مرتن ثانية .


    تنفست الصعداء مدري وشي الصعداء بس اني تنفستها ، الحمدلله لم اكن مهيئاً هذا الصباح اني آخذ لي كف ففيني اللي كافيني.. في هذه الاثناء فُتِحَ باب فصلنا بحركة سريعة , كان ذلك مدير المدرسة .. نظر المدير الى الاستاذ (ناصر ) وهو جالس قبال (فايز) وقال متهكماً : مشااااالله يأستاذ نويصر ! وش رايك احط لكم شمعة على الماصة !وأجيب لكم اثنين عصير بردقان !! تعال ! تعال ! ابيك . امسك المدير بعضد الاستاذ (ناصر) وخرج هو واياه خارج الفصل , عاد الاستاذ (ناصر )ووجه نظرات باتجاهي وقال لي: تعال.. ذهبت اليه وانا يالله تقوى تشيلني رجلي , عندما وصلت عنده رفع يده ومسح على راسي بكل حنان وقال : شف ابو دحيم عند باب المدرسة رح معه للبيت امك تبيك,


    انطلقت مع ابو دحيم الى بيتنا وليس امامي الا صورة والدي , حتى مزرعتنا الي انا صاجكم بها من اول القصة ماناظرتهاولا فكرت فيها ، يا إلهي هل سأفتقد كلمة (بعيري) ولن اسمعها مرة أخرى , دخلت بيتنا واستغربت من كثرة الاشخاص الموجودين في المجلس , حتى مدرس الدين الذي يشبه والدي كان موجوداً..انه يشبه ابي ولكنه ليس ابي !! ابي لم يكن موجودا معهم , دخلت وسط البيت وجدت فراش ابي , ولكن ابي لم يكن على فراشه ..


    خرجت من البيت وانا اركض وابكي ، حتى وصلت الى مزرعتنا ، وضعت رأسي على شجرة البلوط واتكأت عليها .. وانهمرت في البكاء.. لم تكن شجرة البلوط تتمايل هذه المرة بل كانت صامته وتسنها تسمع لصياحي..فجأة سمعت صوتاً قادماً من خلفي يقول : وراك قاعدن فيذا يابعيري ؟ عندنا عزيمة والعالم عندنا مجتمعين في البيت .. التفت بسرعة .. هذا صوت ابي فلا أحد يقول لي (يابعيري) الا هو!! انطلقت اليه بأقصى سرعتي ورفعني عاليا في الهواء ثم احتضنني بقوة وانا مغمض عيوني.. فتحت عيني وقد اسندت خدي على كتف ابي لأشاهد ابو دحيم وهو يحتضن تيساً صغيرا !


    قلت :ابي , ابو دحيم يبي يجي لعزيمتنا ؟ قال ابوي: لا اعتذر يقول عندي موعد مع جمعية الرفق بالحيوان يبي يمرون علي اليوم! .. ذهبت مع والدي الى البيت وبينما كنا نمشي دس ابوي يده في مخباته واخرج حبة حلاو بقر ، كلتها بس هالمرة كن طعهما حلو ..


    الفائدة من القصة :

    ليش نحط النهاية حزينة وحنا نقدر نخليها سعيدة ,! الناس ناقصين هم


    منقول
    مع تحيات الجعمي
    :d :d :d :d
     

مشاركة هذه الصفحة