في الطريق إلى الحريّة .. زواج عتريس من فؤادَه باطِل- د.مروان الغفوري*

الكاتب : نقيب في الجيش   المشاهدات : 525   الردود : 0    ‏2006-09-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-20
  1. نقيب في الجيش

    نقيب في الجيش عضو

    التسجيل :
    ‏2006-07-24
    المشاركات:
    171
    الإعجاب :
    0
    منقووووول من الصحوة نت ...... رائع يادكتور

    (ما معنى أنّك نبيل ؟ إنّك فيما سوى مولدِك لستَ أفضل مني في شيء! ).

    مسرحي بومارشيه، في"قطّاع الطرق".

    كان لا بد، طبقاً لكل مقدمات التنوير والإصلاح الأوروبيين، ، من هذه الصرخة على المسْرح ، وبشكل جهوري لا يخشى قطاعَ الطرق ، ثالوث الكنيسة والإقطاعيين والنبلاء ، أو يقيم اعتباراً لدوافع السلامة والحفاظ على النفس ، في تلك المسافة القصيرة الفاصلة بين الأزمة والانتصار. لقد وجد المجتمع الأوربي – في القرن السابع عشر- نفسه، ولأوّل مرّة، عقب عرض هذه المسرحيّة في كل من فرنسا وألمانيا ، أمام تساؤل صادم لم تكُن له إجابة سابقة : هل حقّاً ليسو أفضل منّا( أعني : النبلاء، أصحاب امتيازات النفوذ والثروة) ؟ وهل هناك، في الواقع، فرصة حقيقيّة سيعبرُ من خلالها الفقراء إلى منافسة أولئك النبلاء على امتيازات الحياة والحريّة؟ وماذا عن الدم الأزرق الذي يجري في شرايين الحكّام والطبقات القريبة؟ ألم تعمّدهم الكنيسة بحظوة أزليّة، وتقرر أن قدرنا في المعاناة هو مقدّمة حتميّة لخلاص كائننا البشري من الخطيئة؟

    صغار خائفون، يرددون السؤال نفسه في شوراع باريس الترابيّة . بنات عاشقات يستخدمن العبارة،ذاتها، في معاكسة العاشقين العاطلين في حدائق فايمر وبراغ. فالمكان ليس حكراً لأحد ، والزمان ملك للأطفال وليس للمعمّرين. ومهما تكُن تقاسيم التاريخ صلدة وغاشمة، فثم حلقة صغيرة فيه هي الأضعف على الإطلاق .. إنها الحلقة التي تبدو أكثر قوّة وصلابة .. فمثلاً: يقف الملك اليوناني أجاممنون على ظهر سفينته قبالة شواطئ طرواده ليستقبل التهنئات بانتصار جيوش اليونان في أولى أيام الحرب.ولأن أخيليس، كما في الإلياذة، هو صاحب ذلك النصر منفرِداً فإن أحدَهم (أوديسيوس) تدخّل لإنقاذ الموقف، هامساً في أذن صديقه الصلف : تجاهل السياسة، فهكذا هي الحرب يموتُ فيها الشباب ويتوّج عند انتهائها الشيوخ (هل تتذكرون الآن قصّة الوحدة اليمنيّة؟). لينتهي أجاممنون قتيلاً بطعم التشرّد، في المكان نفسه، وعلى مسافة خطوات فقط من عرشِه على الماء( السفينة) .. وبالأبّهة نفسها، خلفه، يخرج من التاريخ شريداً ومعدماً.. وبمثل ذلك يصِل لويس الرابع عشر إلى النفسيّة السيكوباثيّة التي تسوّلُ له إختزال الوطن في اسمه وشخصه (أنا هو فرنسا ، وفرنسا هي أنا) لكن الثورة ، تلك التي أكلت أبناءها وأعداءها معاً،فيما بعد، لم تكُن بعيدة عن كل هذا ، عن اللحظة الاختزالية العُظمى التي يُشحن فيها الوطن، جغرافية وإنساناً، في حقيبة فرد تائه ، يعلن عن نفسه بواحدية الموصوف واستثنائية الصفة ..كما لم تُكن تحمِلُ ، أعني الثورة الفرنسيّة، في صرّتها أيّاً من معانِ الغفران، غير قرابين المحاكم الشعبيّة، لأولئك الرجال المدبّبين ناهبي المدينة والريف ، إطلاقاً. وقريباً من لويس الرابع عشر يقِف السادات أمام عدسات التلفاز،وبلكنته السوقية المعهودة يبرّر بطشه بمعارضيه بالقول: يهدّدون أمّنا مصر! ليأفل السادت ويقفز مقدارٌ لا بأس به من الدم إلى تجويف قفصِه الصدري تحت وطأة العنف المضاد المفرّخ من قبِل أجهزته الأمنيّة القمعيّة .. وتنساه أمّه مصر في زحمة انشغالها بالمستقبل.

    يبدو لي أن الوطن كائنٌ ناري، وأنّ طينه سماوي خاص، لا يقبل أن يحتكره بدنُ بشر. يحملُ الوطنُ كثيراً من خطايا ساكِنيه ويسرّها في نفسه، لكنه في لحظة الأزمة الكُبرى يخرجُ أثقاله لافا دميمة يسلخ بها جلود أولئك الذين حبسوه في جيوبِهم وامتهنوه كما لو كان عبداً من مخلّفات عظام آبائهم التالفة. الوطنُ أكبر من الشخص، ومعادلات الحاجة البشرية التي يخلقها أمام أعضائه باستمرار هي أعقد ، بكل تأكيد، من قدرة فرد واحد على التعامل معها واستيعابها بصورة معمّرة.

    لقد كان العراقي ( أحمد مطر) غايةً في السخريّة ، دقّة في تشخيص متلازمة الدمج القسري بين الفرد والوطن : أبي الوطن. أمي الوطن. أنت يتيمٌ أبشع اليتم، إذن. ولأن مفردة الوطن جاءت من الفعل (توطّن) بمعنى نزل وأقام في مكان ما، فهي – في الأساس- تحمِلُ معنى الضيافة والفرصة.. أعني : فرصة الإقامة، بكل قواماتها من صحّة وتعليم ولقمة عيش وتمثيل سياسي. وقرِيباً من المعنى العربي للمفردة فالوطن ،في اللغة الإنجليزيّة ، هو Home .. بكل حميميّة المنزل – البيت – السكن، وإمكانات الحياة والأمن فيه. وحين تُنسف هذه الحميّمية،وتنشأ مكانها حالة اليتم البشع،كما يتحدّث (مطر)،يفقد الوطنُ معناه الحقيقي ويستحيل مجرّد أحجار ومبانٍ لا تثير في الساكِنين رائحة الإنتماء، ما دامت ترمِز لعبوديّة قسريّة وعدم حضاري قارِس. عند المعنى الأخير يقفُ الوطنُ الراهِن، العربي بالتحديد، مرتبِكاً مفرّغاً من قيمته الكونيّة ومعناه الحميمي، زريبةً صحراويّة يتملّكها بائعو النفط والضمير(الحقراء،كما يصفهم بدر شاكر السيّاب).وفي الوطن العربي، اللاوطن واللاعربي، يتمايز المواطن إلى : عبد سعيد،وعبد تعيس .. بهائم سمينة لامعة، تتمتّع بامتيازات الثراء واللذّة، وخراف ضالّة جائعة تنتظر صيفاً بعيد الأمكِنة .. والمحصلة: زريبة كُبرى،يسكنها الخوفُ والمجهول .. والفصل العنصري ، أيضا.

    سحبٌ بسيط للمشهد أعلاه،يقدّم لنا وطننا التائه بذات المعنى العدمي. وكمواطِن،يبحث عن دالة الوطن في الذات والكون، كنتُ أقول لأصدقائي: في الغربة، تجِد أكثر الناس إحساساً بقيمة الوطن هم أبناء الذوات، من أثرياء المال العام بكل تأكيد.. ولكي لا يبدو الأمر كما لو كان مفخرة إضافية لهؤلاء على نظام لويس الرابع عشر، قلتُ للأصدقاء: إن الوطن بالنسبة لهؤلاء يوفّر معناه. يتوفّرُ على امتيازات الحياة والحريّة والفرصة العامة، وبصورة تخلق تمايزاً حادّاً بين هؤلاء الأبناء وغيرهم من السكّان، وهو ما يفتقدونه خارج الوطن، وما لا نجده نحن الفقراء لا داخليّا ولا خارجيّاً. إن هؤلاء هم ربائب الطبقيّة،الرافضون لمفهوم الوطن أحادي الدالة،والمتماهون مع الوطن عديد الدوال .. المكان الجشتالتي، المتوفّر على كم مريح من الفقراء، وعدد مُرضي من الأبنية العملاقة والسيارات الاستثنائية والمتنزّهات الطبقيّة . تسكن هؤلاء الأبناء(أبناء الذوات،قطعاً) شهوة النظر إلى أصابع الفقراء المشغولة بعد ممتلكاتهم . إنها شهوة لا توازيها سوى شهوة كبس الوطن - بكل تضاريس إنسانه ومكانه - في سروال!

    لم يأتِ أحدٌ بالوطن من بيت أبيه، وأحدٌ أيضاً لا يمكنه أن يستعبدنا أو يورّثنا لأبنائه. نحنُ الدالة التي لا انتهاء لمعادلاتها، ومهما بدا عتريسُ، العُمدة، مصرّاً على (كتْب كتابِه) للمرّة الألف رغم رفض (الآنسة فؤاده) فهُناك عقد جديد تجري كتابته الآن.. ضد عتريس ،العُمدة وابن العُمدة، ولمصلحة فؤاده،الحرّة، وأبنائها الحالمين من بعد. ومهما بدا القرويّون المنهكون والخائفون من بطش وبلطجة عتريس زعيم قبيلة (الدهاشنه) والإرهابي المختطف البشع، صاحب أجلف اسم شهرة (أنا عتريس يا ولاد الدهاشنه ومحدش قدي)، وأيّاً كان عدد الصور العتريسيّة المعلّقة في مداخل القرية وشوارعها، فإن عتريس قد يوجد في كل مكان إلا أن يوجد في قلوب أبناء القرية .. قد يحمله المارّةُ فوق رؤوسِهم لكنهم يرفضونه من داخلهم، ليس كرهاً حتميّاً له، لكن أصحاب القرية يريدون العودة إلى قانون الطبيعة، إلى إمكانات التوحّد مع الكون والمطلق دون وسائط عسكرية أو عمديّة. فمما يمكن أن يضاف إلى قصة عتريس وفؤاده (شيءٌ من الخوف .. فيلم لكمال حسين، 1969م) هو ما يحفظه أهل القرية جيّداً ويتذكرونه بصورة رثّة عن قصّة موت كلب العمدة. فقد خرجت القرية كلها،كما تفاخرُ القصّة، لعزاء العمدة في موت كلبه. ولكي يبدو المشهد أكثر سخرية من قصائد الترويج لزواج عتريس من فؤاده، بوصفه الضرورة التي لا خيار بديلاً عنها، فها هي القصة تنمو بهيئتها المخيفة : وعندما مات العمدة ، لم يمشِ في جنازته أحد! ويُستكمل المشهد القصصي بخروج أهل القرية، في ساعة نسف سمعة الخوف، وهم يهتفون بصورة برتقالية ناعِمة وجريئة : زواج عتريس من فؤاده باطل.

    زواج عتريس من فؤاده باطل، أحد عناوين الحريّة الكليّة المدعّمة للعنوان الذي فجّره المناضل مصطفى كامل في عشرينات القرن المنصرِم ( لسنا عبيداً ولن نورّث) .. لغة حيّة، فائقة، شجاعة، وحضارية، ضد لويس الرابع عشر ، ضد السادات ، وضد الصور المشوّهة بين الصورتين. لن نكون ، أبداً وبعد الآن، عبيداً سعداء ولا مماليك تُعساء . بمقدورِنا، وبكل اعتزاز، أن نكون الأحرار التُّعساء، أو الأحرار السّعداء ، أو أحراراً في منزلة بين المنزلتين، متى ما شئنا ..لنمثّل إجابة اجتماعيّة لفعل الحركة الكونيّة الرافضة لتخليق إلهات صغيرة في الأرض. وبتحوّل كبير ، على شرط الحريّة، سنعلّق على صدورِنا صوراً عملاقة للعذراء فؤاده، وسنركُلُ صور وأسماء (عتريس) .. سنهدِم قناديل الخوف، وأشياء الرهبة، وأنياب عتريس الساكنة في رؤوسِنا .. ستسقط كلها إلى ما هو أسفل من أقدامِنا الحافية. وفي لحظة حداد تقليدي على أعوام الزريبة الكُبرى، وكمائن التيه سنغنّي بكبرياء وطنيّة، مع أحمد مطر : وضعوني في إناءٍ ، ثم قالوا لي تأقلم .. و أنا لستُ بماء . أنا من طين السماء. و إذا ضاق إنائي بنموّي يتحطّم !

    __________________________

    (*) مروان الغفوري - كاتب وشاعر يمني، عضو منظمة (مستقلّون من أجل التغيير).
     

مشاركة هذه الصفحة