كيف تكون عظيماً؟ كيف تكونين عظيمة؟

الكاتب : بنت الخلاقي   المشاهدات : 568   الردود : 0    ‏2006-09-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-20
  1. بنت الخلاقي

    بنت الخلاقي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-07-31
    المشاركات:
    8,030
    الإعجاب :
    0
    كيف تكون عظيماً؟ كيف تكونين عظيمة؟

    لاشك أن الموت نهاية كل حي (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) لكن شتان بين من يموت في أمر **** وبين من يموت في أمر عظيم، شتان بين من يموت وهو على طاعة الله، وبين من يموت وهو على معصية الله، شتان بين من يموت وهو يحمل هم الأمة ويحترق قلبه لصلاح المسلمين، وبين من يموت وهو يحمل هم نفسه وهم شهواته وملذاتها، شتان بين من حمل روحه على أكفه وطار يقارع أعداء الله من الصليبيين والمرتدين، وبين القاعد المخذل يأكل ويشرب كما تأكل الانعام، ألم يئن لشبابنا ولفتياتنا أن يعلموا حقيقة الحياة والغاية التي من أجلها خلقوا؟ ألم يئن للران أن ينقشع عن القلوب قبل أن يجمدها هادم اللذات؟
    أيها الأخ الحبيب أيتها الأخت الغالية: إن لا إله إلا الله نورٌ في القلب، فهل انطفأ هذا النور؟ اسمع لكلام ابن القيم الجميل يوم أن قال: (اعلم أن أشعة لا إله الله تُبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور ويتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه إلا الله تعالى، فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف، ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً ومعرفةً وحالاً، وكلما عظم نور هذه الكلمة وأشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبة ولا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشك بالله شيئاً، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سُرق منه، استنقذه من سارقه أو حصل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبدا مع لصوص الجن ولإنس ليس كمن فتح لهم خزانته وولى الباب ظهره) انتهى كلامه رحمه الله تعالى
    .

    الناس يحيون على هذه الأرض ما شاء الله أن يحيون، ثم يموتون ثم يبعثون ثم ينشرون ويحشرون فيقفون بين يدى الله ليحاسبهم ويسألون عن أعمارهم فيما مضت؟ وحياتهم كيف انقضت؟ فينقسمون لذلك إلى منعمين ومعذبين، وسعداء وأشقياء، وبينهم في التفاوت في المنازل ما الله به عليم، من الناس من يعيش لنفسه يرعى مصالحه ويسوس أمره لا يرى غير صورته ولا يسمع إلا صوته ولا يشير إلا لنفسه، قد انغلق على ذاته وعكف على شئونه وانفرد بحياته، فليس له في الحياة أثر ولا في الواقع موقع، إن سألت عنه غيره أنكره، فلا أحد يعرفه، وإن غاب لم يفقد، وإن حضر لا يفرح ولا يستبشر به، ليس له موقع من الإعراب، فحضوره كالغياب وسفره كالإياب، ومجيئه كالذهاب، وموته كالحياة، فلا يعرف بالمعروف، ولا يذكر بخير، فليس له على الناس يد، وليس له عليهم فضل، يموت حين يموت فتبكيه زوجته مجامله، ويتصنع عليه البكاء ولده، ويتظاهر بفقده الجيران، والحقيقة أنهم نسوه ودفنوه، وأصبح مدفونا تحت ركام النسيان، هل يستوي هذا مع من تبكيه الدنيا كل الدنيا ويحزن عليه الناس كل الناس عند موته أو غيابه كابي مصعب طيب الله ثراه وعطر الله ذكره ورفع الله قدره في عليين؟ يغيب فيزيد حبه، ويبتعد فيتضاعف قربه، ونحن لذكره، وتتشوف لرؤيته الأنظار، وتتشوق لمجالسته القلوب، يتكلم فيسمع الناس، ويأمر فيأتمر له الخلق، ليس لسلطانه أو ماله أو حسبه ونسبه إنما لسلطان علمه، فيده تعطيهم، وجاهه يشملهم، وكلامه المهذب يسل سخيمة نفوسهم، صال وجال وقارع الأعداء فله عليهم بعد الله سابقة الفضل، ترتفع أيديهم له بالدعاء، وتنطلق ألسنتهم عليه بالثناء، وتخفق قلوبهم بحبه، وتحن نفوسهم لقربه.

    وهنا تبرز الإجابه على السؤال الكبير: كيف تعيش عظيماً؟ كيف تكون أمة لوحدك؟ والجواب: تعيش عظيماً، وتموت عظيماً، وتبعث - إن شاء الله - عظيماً إذا عشت لغيرك ترعي مصالح الناس، وتقوم على منافعهم، وتفني نفسك في خدمتهم، وتسعى لمصلحتهم، وإن أصابك من جراء ذلك ما أصابك، فلا تقبل الدنيه في دينك ولا تعطيهم لتأخذ منهم، وإنما تجود بالموجود، وتعطي من حُرِم، وتنصر من ظُلِم، وتعين الضعيف، وتُؤمّن الخائف والمطارد، وتنفخ في رماد الخامل، وتُعَلّم الجاهل، وترحم اليتيم، وتُنَفِّس عن المكروب، وتفرج عن المنكوب، وتعيد حق المسلوب، فلا يعرف الناس منك إلا المعروف، فأنت به موصوف، وإلى بذله ملهوب، فعليك قلوب الناس تطوف، وإليك نفوس الخق تميل
    .

    لعَمرك ما الرزية فقد مال *** ولا شاة تموتُ ولا بعيرُ
    ولكن الرزية فقد حرٍ *** يموتُ بموتهِ خلقٌ كثيرُ



    فإن لم تكن مجاهداً في سبيل الله تبحث عن الموت مضانه آخذاً بعنان فرسك، أو إن لم تكن تجود بمالك للمجاهدين، أو إن لم تكن تناجي ربك بأن ينصر المجاهدين وأن يفتح الله على قلبك ويلحقك بركبهم، فوالله لبطن الأرض خيرٌ لك من ظاهرها، فشتان بين من همته في الثرى وبين من همته في الثريا، ولذلك كان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - يردد هذه الأبيات الجميلة:
    كان يقول رحمه الله:


    إذا ما مات ذو علم وتقوى *** فقد ثلمت من الإسلام ثلمة
    وموت الحاكم العدل المولى *** بحكم الأرض منقصة ونقمة
    وموت فتى كثير الجود محل *** فإن بقائه خصب ونعمة
    وموت العابد القوام ليل *** يناجي ربه في كل ظلمة
    وموت الفارس الضرغام هدم *** تشهد له بالنصر عزمة
    فحسبك خمسة يبكى عليهم *** وباقي الناس تخفيف ورحمة
    وباقي الخلق همج رعاع *** وفي إيجادهم لله حكمة



    أترضى أن يكون موتك من التخفيف على الناس والرحمة بهم؟
    أترضين أيتها الأخت المسلمة الغالية أن تكوني من الهمج الرعاع؟
    والله لا نرضى نحن لمسلم أن يكون موته تخفيف ورحمةٌ فضلاً على أن يكون من الهمج الرعاع.
    كيف يرضى مسلم عاقل أن يقتله روتين الحياة ورتابتها؟
    كيف يرضى مسلم عاقل أن تذهب الأيام والليالي والشهور والسنون وهو على حاله بدون تطور ولا تقدم؟
    اسأل نفسك كم عمرك، كم بلغت من العمر الآن؟
    عشرون سنة، ثلاثون سنة، أربعون سنة؟ أسألك بالله هل أنت راضي عن نفسك أيها الحبيب؟
    ماذا قدمت خلال هذه السنوات؟


    اسمع لابن الجوزي - رحمه الله تعالى - وهو يقول: (ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون في كل علم، ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون، وأكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم فهم يحتقرونها مع التمام، ويعتذرون من التقصير، ومنهم من يزيد على هذا فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك، ومنهم من لا يرى ما عمل أصلا لأنه يرى عمله ونفسه لسيده.
    وبالعكس من المذكور عن أرباب الاجتهاد حال أهل الكسل والشره والشهوات، فلئن ارتدوا بعاجل الراحة لقد أوجبت ما يزيدوا على كل تعب من الأسف والحسرة، ومن تلمس صبر يوسف عليه السلام، وعجلة ماعز - أي في التوبة- بان له الفرق وفهم الربح من الخسران، ولقد تأملت نيل الدر من البحر فرأيته بعد معاناة الشدائد، ومن تفكر في ما ذكرته مثلاً بانت له أمثال، فالموفق من إذا تلمح قصر الموسم المعمول فيه، وامتداد زمان الجزاء الذي لا آخر له، انتهب - أي حرص - حتى اللحظة، وزاحم على كل فضيلة، فإنها إذا فاتت فلا وجه لاستدراكها، أوليس في الحديث يقال للرجل ( اقرأ و ارتق فمنزلك عند آخر آية تقرأها)، فلو أن الفكر عمل في هذا حق العمل حفظ القرآن عاجلاً) انتهى كلامه.

    دنو الهمة وعدم التطلع لما هو أفضل وما هو أحسن وربما نظر أحدنا إلى من هو دونه في العبادات فأعجبته نفسه وتقاعس عن الكثير من أبواب الخير وأسمع لشعر هذا الكناس وعزته:
    قال الأصمعي: مررت بكناس (يكنس الشوارع) في البصرة ينشد:


    فإياك والسكنى بأرض مذلة *** تعد مسيء فيه إن كنت محسن
    ونفسك أكرمها وإن ضاق مسكن *** عليك بها فاطلب لنفسك مسكن
    يقول الأصمعي فقلت له: والله لن يبقى بعد هذا مذلة، وأي مذلة بعد الكنس؟
    فقال الكناس: والله لكنس ألف مرة أحسن من القيام على باب مثلك.

    هكذا يجب أن تكون عزة المسلم أيا كان ذلك العمل الذي يقوم به مادام أنه يقوم به لله عز وجل.
    ولم أرى في عيوب الناس عيبا *** كنقص القادرين على التمام.

    والله أيها الأحبة أني على ثقة أن في شبابنا وفتياتنا ورجالنا ونسائنا خير كثير، وأن في وسعهم وطاقاتهم الكثير الكثير، ولكن السلبية تلك الداء العضال - أعاذنا الله وإياكم منها - إن الله يربي المؤمنين على التطلع إلى أعلى المقامات، فيقول سبحانه حاكياً حالهم (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً).

    إن من فكر وجد، وإن من حرص وحمل الهم عرف كيف يعمل، أما الجلوس في المجالس وعلى الأرصفة والاستراحات والكلام والقيل والقال فيما لا ينفع، فإن هذا ضياع للأعمار والأوقات والطاقات والمواهب والأفكار والعقول.


    والله إن كل فرد منا عليه حجم من المسؤولية مهما كان:

    لا تلم كفي إذا السيف نبأ *** صح مني العزم والسيف أبى
    ***

    مرحبا بالخطب يبلوني إذا *** كانت العلياء فيه السبب



    أخي الحبيب أختي الفاضلة: هذا شهر مبارك قد أقبل فشمرا عن ساعد الجد وأريا الله من أنفسكما خيراً، وأجعلا بدايته ميلاد رجل عظيم أو امرأة عظيمة.

    منقول لتعم الفائده
     

مشاركة هذه الصفحة