إن المشهد اليمني يشبه في تعقيداته وتداخلاته السجادة الأعجمية الجميلة،

الكاتب : مـــــدْرَم   المشاهدات : 427   الردود : 0    ‏2006-09-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-19
  1. مـــــدْرَم

    مـــــدْرَم مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-02
    المشاركات:
    20,314
    الإعجاب :
    1,592
    [​IMG]
    ملصقات الرئيس صالح منتشرة في معظم أرجاء العاصمة اليمنية(الفرنسية)

    عبد العزيز آل محمود-صنعاء

    يقلب الخبير السجادة عند معاينتها ويضع مكبرا صغيرا على إحدى عينيه ليحسب عدد العقد، فكلما كانت العقد صغيرة انفرجت أساريره وعلت وجهه ابتسامة، حينها يعيد السجادة إلى وضعها الطبيعي ليدقق في التصميم وتعقيداته وجمالياته وتداخل ألوانه وتناسقها.

    إن المشهد اليمني يشبه في تعقيداته وتداخلاته السجادة الأعجمية الجميلة، فعليك التدقيق في عدد العقد قبل التأمل في الظاهر.

    لقد تداخلت القبلية والحزبية والمصالح المالية والدين بشكل معقد يصعب فكه وحله، فقد تظهر على السطح إحداها مخفية البقية لحين من الوقت ثم تختفي لتحل محلها أخرى.

    السير في شوارع صنعاء وأزقتها يوحي بأن الرئيس علي عبد الله صالح سيحصل على منصب الرئاسة مرة أخرى، فصورته على واجهات المحلات والسيارات والدراجات النارية حتى على الخناجر التي يفخر اليمنيون باقتنائها, فهي ملصقة على كل جدار ومعلقة على كل حبل، تسمع خطبه صادحة من سيارات تجوب العاصمة مذكرة الناس بمنجزاته.

    لقد كان لدي انطباع -صادق أم كاذب- بأن الرئيس على عبد الله صالح سيفوز بكرسي الرئاسة لا محالة على منافسه المهندس فيصل بن شملان الذي لم أر له صورا سوى تلك التي ألصقت على خجل هنا أو هناك.

    لا يتحدث الناس كثيرا عن تلك الأرواح التي أزهقت خلال التدافع الذي حدث في المهرجانات الانتخابية، فالأرواح لا تعني الكثير هنا كما هو الحال في بقية دول العالم الثالث، فخلال الاحتفالات يحب الناس تجاهل الأحزان أو نسيانها وتركها خلفهم حتى لا تفسد لهم عيدا.

    تعرف أنك في صنعاء حين ترى أوداج الناس منتفخة بشكل غير طبيعي نتيجة لمضغ القات، وما أن يحل العصر حتى تألف مشاهدة الأجساد المنهكة على جوانب الطرق وهي تتأمل المارة بعيون نصف مغمضة متجاهلة كل ما يدور حولها من صخب.

    ما الذي يدور في عقول هؤلاء الناس؟ وما الذي يريدونه؟ وإلى ماذا يطمحون؟ دعونا نسألهم ونسبر أغوارهم.

    خارج الفندق الذي أسكن فيه يجلس الشاب المقعد عبد الله على كرسيه المتحرك مسلما على المارة طمعا في بضع ريالات يدسونها في يده التي لم أره يمدها لهم، بل ينتظر منهم أن يضعوا ما تجود به أنفسهم بها بدون أن يكسر كرامته التي يحاول جاهدا الحفاظ عليها.

    جلست بقربه على الرصيف وسألته عن رأيه في الانتخابات، رد بقوله: أنا لا أريد علي عبدالله صالح، لقد حكمنا لسنوات طويلة ولم نزد إلا فقرا، لست أثق في الساسة فهم لا ينظرون إلا إلى مصالحهم، وعندما سألته رأيه في فيصل بن شملان قال: كيف أحكم على رجل لم يتولى السلطة!!

    سائق التاكسي الذي ركبت معه كان يضع كيسا من القات بين فخذيه يأخذ منه وريقات يضعها في فمه من حين إلى آخر، وكلما رن هاتفه النقال وضعت يدي على قلبي فهو يتحدث ممسكا بهاتفه بيد، وباليد الأخرى يتعامل مع جهاز نقل الحركة ثم ينقلها سريعا ليستخدمها أيضا للتحكم بالمقود، وعندما انتهى من مكالمته سألته مصغيا قدرا استطاعتي لما يقول فمن الصعوبة فهم حديث رجل تحول فمه كله لمطحنة للقات.

    سألته نفس السؤال، فرد بقوله: كيف يعقل أن تبني عمارة ثم يأتي من يأخذها منك بعد أن تكون قد تعبت في بنائها؟ نعم، إن الرئيس على عبد الله صالح يستحق أن يحكم لأنه هو الذي بنى الدولة.

    سائق تاكسي آخر، كان أفضل ثقافة من سابقه، شعرت بتحامله على الوضع الحاصل، فسألته عن رأيه الشخصي، تمعن في الأعلام المعلقة على الشوارع واللافتات والصور ثم قال: هاااه.. إن هناك من يقلب أكوام القمامة باحثا عن شيء يأكله ومع ذلك يصرف هؤلاء على كل هذه الصور والاحتفالات والمهرجانات الانتخابية!! فليبنوا لنا مستشفى أو مدرسة أفضل لنا من هذا كله، إننا نصرف من أموالنا على الفصول الدراسية التي يحضرها أبناؤنا!!.

    هناك شعور بالخوف من التغيير وخوف من السلطة، تضيف إليه العقلية القبلية التقليدية شيئا من الولاء لزعيم القبيلة أيا كانت عيوبه وسلبياته.

    يعمل المرشحان بجد وبدون كلل لكسب الولاءات القبلية، فقد تكون القبيلة هي التي ستحسم لمن سيكون الفوز بالصراع الانتخابي الرئاسي بعد أن تم ضمان الأصوات الأخرى سواء تلك التي تريد التغيير أو التي تخاف منه.
    ـــــــــــ
    رئيس التحرير-الجزيرة نت
     

مشاركة هذه الصفحة