منقول - اليمن والانتخابات الرئاسية: في انتظار المسرحية الخامسة!

الكاتب : Shipami   المشاهدات : 407   الردود : 0    ‏2006-09-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-17
  1. Shipami

    Shipami عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-24
    المشاركات:
    903
    الإعجاب :
    1
    2006/09/15
    http://www.alquds.co.uk/index.asp?f...???? ????????: ?? ?????? ???????? ???????!fff
    صبحي حديدي
    في أواخر حزيران (يونيو) الماضي، كاد الرئيس اليمني المشير علي عبد الله صالح أن يسجّل سابقة تاريخية لا مثيل لها في سجلّ الحاكم العربي، بل كاد أن يصنع معجزة سياسية: لقد رفض، هو الذي يتولي السلطة منذ 28 سنة، قرار حزبه الحاكم، المؤتمر الشعبي العام ، ترشيحه لولاية رئاسية جديدة تمتدّ علي سبع سنوات. ولقد بدا جاداً، وكذلك حازماً وغاضباً، حين خاطب قيادة حزبه هكذا: لست تاكسي أجرة تستأجرونني لصالح المؤتمر أوالقوي السياسية. أنا في المقام الأول أرعي مصلحة هذه الأمة ولست مظلة لفساد حزب سياسي أو قوي سياسية. لست مظلة لأن يفسد أحد بجهد علي عبدالله صالح .
    لم يكن ذلك التشبيه، الغريب بعض الشيء في الواقع، هو التصريح الأكثر لإثارة في سلسلة ما أدلي به صالح من أقوال ذات طابع دراماتيكي، وذلك منذ تعليقه الشهير حول عزم الولايات المتحدة حثّ الأنظمة العربية الصديقة أو الحليفة علي اعتماد مزيد من الإجراءات الإصلاحية: يجب أن نحلق لأنفسنا قبل أن يحلق لنا الآخرون ؛ وصولاً إلي تعليقه الأحدث عهداً: لقد ملّلنا الناس وملّونا ! وفي طور ما من هذا الميل الجارف إلي مباغتة الناس بأقوال ليست معهودة منه شخصياً، ومن الحاكم العربي إجمالاً، بدا صالح فلسفيّ المزاج أيضاً: كم من زعامات في العالم غنوا وملكوا، لكن في نهاية المطاف ـ لا إله إلا الله ـ يذهب كل منهم إلي الآخرة بأجسادهم ملفوفة بذراعين إلي ثلاثة أذرع قماش أبيض فقط. لا شيك ولا حلية ذهب ولا صولجان.. ولا شيء ينفع أي منهم إلا عمله إذا كان صالحاً أو ما تصدّق به في الدنيا أو إذا كان لديه ولد صالح يدعو له !
    وفي العودة إلي خطابه أمام مؤتمر حزبه، اعتبر صالح أنّ شروط العمل السياسي في اليمن تتيح إطلاق اللعبة الديمقراطية كاملة غير منقوصة، لأنّ الملعب مهيأ من قبل 15 سنة عندما أخذنا بالخيار الديمقراطي وطلعت الأحزاب من تحت الطاولة إلي فوق الطاولة. والملعب مهيأ أكثر عندما أعلنت في 17 تموز (يوليو) عدم ترشحي. علينا أن نقدم نموذجاً ديمقراطياً في المنطقة. كما شدّد علي أنّ قراره برفض ترشيح الحزب ليس مسرحاً، و الحديث عن السلطة ليس مسرحية سياسية أو غزل سياسي معكم كمؤتمرين أو مع الشعب اليمني، ولكن لأضع الشعب اليمني أمام مسؤولية تاريخية بكل فئاته وقواه السياسية، وحسمها ينبغي ألاّ يكون عبر المظاهرات والمسيرات .
    بيد أنّ القول الفصل كان من نصيب المظاهرات المسيرات، في نهاية المطاف، والغلبة عُقدت لمكبّرات الصوت المحمولة علي سيارات جالت العاصمة طولاً وعرضاً، تحثّ الجماهير علي التظاهر ومناشدة الرئيس العدول عن قراره. وكان للجماهير ما أرادت، فانقلب مزاج صالح رأساً علي عقب، وتراجع عن قرار رفض الترشيح ليستبدله بقرار قبول الترشيح، أي القرار الذي اتضح سريعاً أنه الوحيد النهائي الذي لا يقبل الطعن، والوحيد الأبعد حقاً عن أن يكون مسرحية. وهكذا تبيّن أنّ أحداً لم يستأجر التاكسي بقدر ما تطوّع سائقها من تلقاء ذاته، أو استجابة للجماهير الغفيرة التي احتشدت في ساحة السبعين، كبري ساحات العاصمة اليمنية صنعاء، وناشدته التراجع عن قراره.
    أكثر من هذا، وفي خطاب قبول التاج من الشعب للمرّة الخامسة، ألقي صالح خطاباً حماسياً لم يطفح بالوعود والتهويل واللغة الشعبوية عموماً فحسب، بل لاح وكأنّ الرئيس سوف يتولي الحكم للمرّة الأولي فقط، وليس منذ العام 1978 حين استولي علي السلطة في انقلاب عسكري. وفي مقابلة مع صحيفة الثورة اليمنية الحكومية، أوضح صالح أنه استجاب للدموع التي ذرفها الشيوخ والنساء والأطفال ، وانحني أمام نداء الملايين من أبناء الشعب الذين خرجوا إلي الشوارع والساحات العامة في العاصمة والمحافظات لأنهم كانوا مقتنعين بأن أجراس الإنذار قُرعت، وأنّ الوحوش تكشّر عن أنيابها، مستهدفة الفتك بالثورة، وبالجمهورية، وبالوحدة، وبالديمقراطية ! وتابع يقول: الجماهير خرجت إلي الشوارع بعفوية، دون أن يحثها أحد علي ذلك، ودون برنامج موضوع مسبقاً، ولهذا أجبرتني علي الرجوع عن القرار الذي اتخذته من قبل . وأمّا المهامّ التي حدّدها لنفسه في الولاية الجديدة، فهي ليست أقلّ من حماية الثورة والجمهورية، حماية الوحدة، حماية الوطن ضد التطرّف والإرهاب، وحماية الجمهورية ضدّ المدافعين عن النظام الإمامي ممّن ترتفع أصواتهم بين الحين والآخر في محافظة صعدة، ولهم أنصار في محافظات أخري .
    والحال أنّ الحمقي وحدهم هم الذين صدّقوا أنّ صالح يمكن أن يتنازل طواعية عن الحكم، ليس لأنّ الرئيس سبق له أن فعل الشيء ذاته تقريباً في انتخابات 1999 فحسب، بل أساساً بسبب تعديل الدستور في عام 2003، بحيث اعتُبرت ولاية الرئيس الرابعة بمثابة ولاية أولي، الأمر الذي منحه الحقّ في ولاية ثانية! كذلك كان واضحاً أنّ جماهير ساحة السبعين، التي استجاب صالح لندائها كما يقول، لم تكن عفوية علي الإطلاق: لقد عطّلت جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية وشركات القطاع العام والمدارس، وجري توجيه الموظفين والعمال والطلاب إلي الساحة، كما حثّ خطباء المساجد المصلّين علي المشاركة، ونُصبت الخيام، وتمّ توزيع زجاجات المياه المعدنية مجاناً...
    النقيض تماماً هو الذي جري حين اجتمعت جماهير حاشدة في ساحة السبعين ذاتها في تموز (يوليو) 2005، حين خرجت تظاهرات واسعة احتجاجاً علي رفع الدعم عن أسعار المحروقات. آنذاك كانت الدبابات، لا زجاجات المياه المعدنية المثلجة، في انتظار أبناء الشعب اليمني، حيث سقط عشرات القتلي ومئات الجرحي، وجري اعتقال المئات بمن فيهم الأطفال. ورغم الارتفاع الهائل في أسعار النفط خلال العام 2005، فإنّ اليمن ما يُزال في عداد البلدان الأفقر علي نطاق عالمي، الأمر الذي يزيد في عدم استقرار البلد وتزايد الإضطرابات الاجتماعية (مؤخراً، كان معهد كارنيغي للسلام قد صنّف اليمن في المرتبة 12 للبلدان الأشدّ افتقاراً للاستقرار، بعد هاييتي وأفغانستان ورواندا).
    واليمن بلد قائم علي حكم أوتوقراطي عسكرتاري، تعمّ فيه مختلف أنماط الفساد والمحسوبية والولاءات القبلية، وتنازعته أكثر من حرب أهلية داخلية بينها حرب انفصالية أساسية بين الشمال والجنوب سنة 1994، فضلاً عن انخراط النظام علي نحو شبه تامّ في ما تسمّيه الولايات المتحدة الأمريكية الحملة علي الإرهاب . لكنّ النفوذ الأمني الأمريكي في اليمن بلغ حدّاً من الصلافة جعل صحيفة المؤتمر ، الناطقة باسم الحزب الحاكم، إلي اتهام السفير الأمريكي السابق في صنعاء، إدموند ج. هَلْ، بأنه يتصرّف مثل مندوب سامٍ لبلده وليس كسفير لدولة أجنبية، وآن الأوان لكي يدرك أنّ اليمن بلد مستقلّ ذو سيادة .
    الحادث الأمني الأهمّ في هذا الصدد يظلّ ذاك الذي وقع أواخر العام 2003، حين قُتل ستة يمنيين وهم علي طريق صحراوي شرق العاصمة صنعاء، وكان بينهم علي قائد الحارثي ومحمد حمدي الأهدل، اللذين اشتبهت واشنطن بأنهما كانا يشغلان مواقع قيادية في منظمة القاعدة . ولقد تأكد، بعد ذلك، أنّ ما حدث كان في الواقع عملية اغتيال منظمة نفّذتها القوّات الأمريكية الخاصة عن طريق قصف السيارة بصاروخ من طائرة أمريكية بلا طيّار. وتردد أيضاً، وعلي نطاق واسع، أنّ السفير الأمريكي السابق كان قد زار منطقة الحادث قبل ثلاثة أيام، وتوفّر مَن اتهمه بالإعداد اللوجستيّ والإلكتروني الذي سمح بتوجيه الطائرة من الأرض.
    ومن اللافت أنّ الرئيس اليمني كان في طليعة الحكام العرب الذين استشعروا الضغوطات الأمريكية علي الأنظمة العربية في سياقات ما سُمّي ملفّ الإصلاح الديمقراطي، حتي أنّ تصريحه الشهير حول حلق الرأس ذاتياً بدا إشارة مبكرة علي أنه ينوي الانحناء أمام العاصفة. ومن المنطقي، استطراداً، أن يكون إصراره علي ولاية خامسة متكئاً علي ضوء أخضر من نوع ما، أمريكي جوهرياً، يفيد أنّ واشنطن تنوي التسامح معه بسبب الأهمية التي تعلّقها علي دور نظامه في ما تسمّيه الحملة علي الإرهاب .
    وتعتقد الولايات المتحدة أنّ اليمن هي أهمّ المواقع التي يُحتمل أن تتحوّل إلي محطة تلجيء أسامة بن لادن ومنظمة القاعدة بعد أفغانستان والعراق، خصوصاً وأنّ البلد ملائم تماماً لهذا، من حيث الجوانب العملية (المناطق الوعرة في الجبال والوديان والصحاري، هيمنة القبائل في مناطق لا تخضع للسلطة المركزية إلا بالإسم، وجود أحزاب إسلامية ومجموعات أصولية متشددة، الخ...)، فضلاً عن كونها بلد بن لادن الأصلي ومسقط رأس أبيه. ولعلّ واشنطن تتعامل بجدّية، كذلك، مع احتمال أن يتحالف بن لادن مع المجموعات القبائلية التي قادت سنة 2004 تمرداً شاملاً في محافظة صعدة، حيث اعتبر زعيم التمرّد حسن بدر الدين الحوثي أنّ سلطة صالح خارجة عن الإسلام بسبب دورها في الحرب علي الإرهاب تحديداً (وهذا ما يلمّح إليه الرئيس اليمني في إشارته إلي الدفاع عن الجمهورية).
    المفارقة أنّ كلّ هذا الإنخراط الرسمي اليمني في الحملة الأمريكية لا يحول دون اختراقات أمنية دراماتيكية تحققها القوي الإسلامية الأصولية، كما حدث مطلع شباط (فبراير) الماضي حين تمكن 23 من عناصر القاعدة من الفرار من سجن تابع للمخابرات اليمنية في صنعاء، عن طريق حفر نفق تحت الأرض بطول 44 متراً. ولقد أصدرت محكمة عسكرية احكاماً بالسجن علي 12 ضابط أمن، بسبب إهمالهم في هذا الحادث، كما طردتهم نهائياً من وظائفهم في الجهاز. وبصرف النظر عن المآل الختاميّ لهذه الواقعة المثيرة، فإنّ حدوثها علي هذا النحو يجعلها تحمل من المغزي الأمني والسياسي أكثر بكثير مما يكتنف مغامرة هروب من سجن حصين.
    ومن المرجح أن تسفر انتخابات هذا الشهر عن فوز الرئيس الحالي بولاية خامسة، وذلك رغم تغييرين هامّين دخلا علي شروط اللعبة الإنتخابية: الأول هو أنّ صالح يواجه هذه المرّة مرشحاً منافساً لا ينتمي إلي الحزب الحاكم ذاته (كما حدث في انتخابات 1999، حين كان العضو في حزب المؤتمر الشعبي العام ، نجيب قحطان الشعبي، هو الوحيد الذي وافق البرلمان علي قبول ترشيحه للرئاسة منافساً لصالح). التغيير الثاني أنّ لقاء الأحزاب المعارضة أجمع علي مرشح واحد مشترك هو السياسي المخضرم والبرلماني السابق فيصل بن شملان، الذي يجمع في شخصه سلسلة خصال ذاتية وموضوعية: مهندس من حضرموت الجنوبية، عمل وزيراً منذ استقلال جنوب اليمن عن بريطانيا عام 1967، ومعروف بنزاهته وزهده في المنصب لأنه اشتُهر باستقالته كوزير للنفط سنة 1997، واستقالته من مجلس النوّاب لأنّ المجلس مدّد لنفسه سنتين وأطلق عبارته الشهيرة: الشعب منحنا الثقة أربع سنوات لا ست .
    إلي هذا وذاك، يتردد أنّ الرجل انتمي ذات يوم إلي جماعة الإخوان المسلمين ، وشعبيته في صفوف الإسلاميين لن تتأثر بمواقف الشيخ عبد الله الأحمر، زعيم التجمع اليمني للإصلاح ورئيس مجلس النوّاب، المؤيدة للرئيس صالح. كذلك فإنّ شعبيته في الجنوب لن تتأثر بالتحاق بعض الزعامات الجنوبية، من أمثال عبد الله الجفري ومحسن فريد، بصفّ الرئاسة. وثمة، إذاً، كلّ العناصر التي تجعل منه منافساً حقيقياً وقوياً في انتخابات الـ 20 من هذا الشهر.
    هذا، بالطبع، شرط أن لا تسير الإنتخابات علي شاكلة خيام السلطة ومياهها المعدنية في ساحة السبعين!
     

مشاركة هذه الصفحة