مقاله لللاخ نصر طه مصطفي تبين ان مشاكلنا من جنوب الوطن وليست من الرئيس

الكاتب : احمر غامق   المشاهدات : 582   الردود : 0    ‏2006-09-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-04
  1. احمر غامق

    احمر غامق عضو

    التسجيل :
    ‏2006-05-10
    المشاركات:
    49
    الإعجاب :
    0
    عند الحديث عن ظاهرتي الفقر والفساد في بلادنا فأول ما يمكن قوله أنهما ليستا جديدتين علينا ، ففيما يخص الفقر فإن الكثير يعرفون كيف كانت أحوال الناس بائسة عشية قيام ثورتي سبتمبر وأكتوبر في شطري البلاد قبل أكثر من أربعين عاما واستمرت كذلك حتى هذه اللحظة مع تفاوت في مستويات المعيشة بين صعود وهبوط على مدى العقود الأربعة الماضية سنتحدث عنها لاحقا ... أما بالنسبة للفساد فهو ليس قصة جديدة وبحسب ذاكرتي فإن أول عهدي بحكاية الفساد المالي والإداري عند قيام حركة 13يونيو 1974م بقيادة الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي بحجة تصحيح الأوضاع وإنهاء الفساد المالي والإداري الذي استشرى في كل أجهزة الدولة بما في ذلك الجيش ... وتوالت الحكاية حتى اليوم!

    في قصة الفقر يمكن القول أنه ظل حالة طاغية على حياتنا بنسبة تتفاوت من مرحلة لأخرى ، ففي الشمال كان الفقر سمة حياتنا منذ عهد الإمامة حتى عام 1973م عند بدء الطفرة النفطية عقب حرب أكتوبر ، ومن يقرأ تاريخنا المعاصر سيعلم مدى الأزمات التي كانت تمر بها الدولة للبحث عن أبسط الموارد ، أما المجتمع فقد كان دوما يعيش – في غالبيته – على الحد الأدنى ، بل إن حياة كبار رجال الدولة كانت في غاية التواضع والبساطة ... ومع مجيء الرئيس الحمدي كانت الأوضاع تتحسن بسبب ارتفاع مستوى عائدات المغتربين في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط وبالتالي ارتفاع مستوى الاحتياطي النقدي في البنك المركزي وانعكاس كل ذلك على استقرار العملة وتحسن أحوال المواطنين بما فيهم الموظفين التي كانت محدودة جدا إلى درجة أن الحكومة كلها كان لها أمين صندوق واحد حتى السنوات الأولى من السبعينات وهو ما قد لا يصدقه أبناءنا الذين تفتحت مداركهم في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ، لكن الأزمات الداخلية التي رافقت عهد الحمدي بسبب خلافاته مع المشايخ حالت دون حدوث نهضة تنموية حقيقية ، وهذا لا يعني التشكيك في نواياه فالرجل كان يريد بناء مجتمع حديث وإنجاز نهضة تنموية لكنه قد لا يكون اختار الطريق الصحيح في بلد لا يتعايش إلا بالتوازنات ، وانتهى عهد إبراهيم بعد ثلاث سنوات وجاء عهد الغشمي الذي كان أشبه بترانزيت إلى أن تولى الرئيس علي عبدالله صالح القيادة في منتصف 1978م والحال الاقتصادي كما هو ، وفيما أغلق الرئيس صالح ملف الخلاف مع المشايخ بعودتهم للعاصمة وممارسة نشاطهم السياسي فإنه كان يستعد لمواجهة النشاط العسكري للجبهة الوطنية الموالية للنظام الاشتراكي في عدن إضافة لمواجهة نظام عدن نفسه المدان باغتيال الرئيس الغشمي ، وخلال السنوات الأربع التالية كان صالح قد أغلق ملف الصراع مع عدن والجبهة لتدخل البلاد في مرحلة استقرار سياسي غير مسبوقة منذ قيام الثورة ، نتج عنها حالة نهوض تنموي كبيرة بالمقارنة بما كان عليه الحال قبلها وترافق معها نفس المستوى من الاستقرار المعيشي والحياتي بالنسبة لمعظم المواطنين ... صحيح أن حالة الفقر ظلت موجودة لكنها تراجعت بالتأكيد بسبب الاستقرار النسبي لسعر العملة ودعم المواد الغذائية وتدفق عائدات المغتربين رغم أن جزءا من الاحتياطي النقدي تم إنفاقه في صفقات تسليح الجيش الذي شهد أول عملية بناء جادة له في عهد الرئيس صالح نتيجة الاستقرار الذي لم يعهده الشمال من قبل ، ومن الإنصاف القول أن قفزة تنموية حدثت لكنها لم تكن متكاملة بسبب أن الخلاف السياسي مع الجنوب من جهة والخلاف الحدودي مع السعودية من جهة أخرى كانا يستهلكان طاقة القيادة ، ولذلك فقد ألزم الرئيس صالح نفسه عند انتخابه رئيسا من قبل مجلس الشورى المنتخب عام 1988م بإنجاز الوحدة مع الجنوب وحل مشكلة الحدود مع السعودية لأنه يدرك أن إنجاز هذين الأمرين هما المفتاح الحقيقي للاستقرار ومن ثم التنمية.

    في الشطر الجنوبي لم يكن الحال أفضل بالنسبة لمسألة الفقر ، فالأوضاع المعيشية للناس كانت سيئة في ظل الاستعمار والسلاطين ، ومع الاستقلال واتجاه النظام نحو الأخذ بالاشتراكية العلمية هرب من بقي من أصحاب رؤوس الأموال وعشرات الآلاف من معارضي النظام الذي انحصرت علاقاته بالمنظومة الشيوعية التي أغرقته بديون يتعلق معظمها بالسلاح ودعم المواد الغذائية أما التنمية فلم تحظ بما ينبغي من الاهتمام ... الدولة أممت كل شيء وأصبح خلق الله كلهم موظفون لديها يستلمون رواتبهم الشهرية ومخصصاتهم الغذائية أما ناتج جهودهم فيعود للدولة كحال كل الأنظمة الشيوعية أو الاشتراكية – من باب التخفيف – فالدولة هي الأب الذي يرعى أبناءه وينفق عليهم ومن ثم فإن قدر الناس كلهم هو ذلك المستوى المحدد المرسوم من الدولة لمستوى حياتهم ومعيشتهم ، وإذن فهو الفقر على الطريقة الاشتراكية ... وما إن بدأت المتغيرات في الاتحاد السوفيتي على عهد الرئيس الأسبق (غورباتشوف) حتى أخذت الأنظمة الشيوعية تتهاوى ، ووصل النظام الاشتراكي في عدن إلى حافة الهاوية لولا حبل النجاة الذي ألقاه له الرئيس علي عبدالله صالح منذ أواخر عام 1988 لينتهي بالتوقيع على اتفاق عدن في نوفمبر 1989م ... وفي 22مايو 1990م سلم الاشتراكيون دولة الوحدة خزينة فارغة ومديونية خارجية تزيد عن ضعف مديونية الشطر الشمالي وأربعمائة ألف موظف تم إجراء ترقيات عشوائية لعدد غير قليل منهم بهدف تسوية أوضاعهم في ظل الدولة الموحدة رغم أن عدد السكان لا يزيد عن اثنين مليون نسمة ، في مقابل ستين ألف موظف يعملون في حكومة الشمال الذي يبلغ عدد سكانه اثنا عشر مليون نسمة وكانت خزينته مليئة باحتياطي يوازي حوالي أربعة مليار دولار ... هذه قراءة ضرورية لمن يتحدثون اليوم بلا ذاكرة ، مع العلم أنها أمور معروفة ولم تكن سرية في يوم من الأيام ، مع ضرورة الإشارة إلى أن مواطني المحافظات الجنوبية لا ذنب لهم في كل ما حصل بل إنهم كانوا ضحايا لنظام مراهق أرعن ظل يأكل نفسه على مدى ربع قرن تقريبا ثم انتهى إلى لا شيء!

    ومع الأعباء المفاجئة على الخزينة العامة منذ قيام الجمهورية اليمنية والترقيات المستمرة وكسب الناس بالدرجات الوظيفية ثم احتلال العراق للكويت وما أدى إليه من ثمن فظيع دفعه اليمن من عودة لمليون مغترب ووقف للمساعدات الخليجية والغربية ، ثم الدخول في أزمات داخلية بين شريكي الحكم (المؤتمر والاشتراكي) وتوقف عجلة التنمية تماما وعدم صدور موازنة عامة للبلاد لعامين متتاليين أخذ الريال يتراجع بسرعة أمام الدولار والأوضاع الاقتصادية تنهار بسرعة فيما مساحتي الفقر والفساد يتسعان بسرعة رهيبة خاصة أن حكومة المهندس حيدر العطاس بدأت في إلغاء الدعم عن بعض السلع الغذائية بموجب برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته في نهاية عام 1991م ... واستمر الحال كذلك حتى أزمة 93 التي قرر بعض قادة الحزب خلالها المضي دون رجعة في مشروع الانفصال وبسببه اندلعت الحرب في صيف 1994م التي دمرت الاقتصاد اليمني تماما حيث انتهت الحرب وليس في خزينة الدولة أكثر من تسعين مليون دولار فيما انهارت العملة الوطنية لتصل إلى 160 ريال للدولار الواحد ... فهل يعقل أن وضعا منهارا بهذا الشكل وأعباء رهيبة ملقاة على عاتق الدولة من توقف تام للتنمية وتصدع كامل للعلاقات مع أهم دول الإقليم والعالم وخسائر باهظة للحرب بلغت أحد عشر مليار دولار أمريكي ومؤسسات اقتصادية فاشلة من مخلفات العهد الاشتراكي وأكثر من ستمائة أو سبعمائة ألف موظف معظمهم يعتبرون بطالة مقنعة أو موظفون وهميون ويستهلكون أكثر من 50% من موازنة الدولة والباقي يذهب في دعم للسلع ... هل يعقل أن كل ذلك لا يتسبب في الفقر بل وفي الانهيار الكامل واسألوا إقتصادييكم؟!

    بعد الحرب لم يكن هناك مفر من الشروع في إجراءات إصلاح اقتصادي قاسية ولها سلبياتها ، ومضت هذه الإصلاحات بقرار من حكومة الائتلاف الثنائي للمؤتمر والإصلاح ... واقتصاديو الإصلاح يعلمون – وأقول ذلك عن علم – ألا بديل عن هذا النمط من الإصلاحات الذي يتمثل بإلغاء الدعم عن السلع لأن الدعم سياسة اشتراكية بينما التنافس الاقتصادي هو سياسة إسلامية قبل أن تكون رأسمالية فالرؤية الإسلامية للعملية الاقتصادية تقوم في الأساس على حرية الاقتصاد ، ولذلك قلت فيما سبق أن اقتصاد الشمال قبل الوحدة كان خليطا بسبب تأثيرات اليسار في عهد الرئيس الحمدي تحديدا والتي استمرت إلى الآن فنصف الفساد هو نتاج للقطاع العام وقيام الدولة بوظائف المجتمع والقطاع الخاص ، أما اقتصاد الجنوب الاشتراكي الخالص فلم يترك بعده إلا الانهيار الكامل ، واسألوا صديقي العزيز الأستاذ محمد قحطان ماذا رأينا سويا في بلد نووي مثل أوكرانيا عند زيارتنا له عام 1996م بعد خمس سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتي وأي فقر وانهيار شاهدناه ... أما وصفي للإصلاحات عام 1996 ببرنامج الإفقار الشامل – أيها العزيز علي الجرادي – فكان بسبب انتقائيتها واعتمادها حتى ذلك الحين على الإصلاحات السعرية فقط دون الدخول في الإصلاحات الإدارية وهو ما كنت ولاأزال أعتبره خطأ وقصورا كبيرا ، لكني في الوقت ذاته لم أكن أدرك تماما أهمية مثل هذه الإصلاحات وقد أشرت في مقالي الأسبوع الماضي إلى رأي القيادي الاشتراكي حولها إضافة إلى معرفتي بآراء أصدقاء اقتصاديين من أعضاء الإصلاح وغيره حولها والذين أكدوا لي أنها السبيل الوحيد لإصلاح اعوجاج الاقتصاد الوطني ... وأقول بصراحة أن هذه الإصلاحات على ضرورتها لن تؤدي النتيجة المطلوبة منها ما لم يكن هناك توفير أجواء آمنة للاستثمار لأن دخول رؤوس الأموال إلى البلاد وإقامة مشاريع استثمارية ضخمة – مثل مصر كنموذج – هو الكفيل بالقضاء على البطالة ومن ثم القضاء على الفقر ... فمعالجة الفقر أيها الإخوة لا تتم بأن تحول الدولة موارد التنمية إلى رواتب للموظفين الذين لايزيد عددهم مع من يعولون على ربع أو ثلث أبناء الشعب ، وإلى رواتب لبقية أبناء الشعب ... فهل هذا هو الحل لمشكلة الفقر عند إخواننا في اللقاء المشترك؟!

    إذن فالفقر لم يكن نتاجا لحكم علي عبدالله صالح ، بل هو نتاج لمخلفات العهود الإمامية والاستعمارية والتشطيرية والانتقالية والتي أنتجت أوضاعا ما كان يمكن الخروج منها إلا بإجراءات قاسية ، وإذا رأيتم ما حدث في بلدان مثل مصر والسودان والجزائر – كما أشرت في مقال سابق – وفي بلدان أخرى مثل الدول الأوروبية التي انتقلت من النمط الاشتراكي إلى الحر ولم تنجح إلا بسبب دعم الاتحاد الأوروبي لها وتحمله للكثير من الأعباء من أجل إدماجها في إطاره سنتفهم أسباب الفقر في بلد محدود الموارد مثل بلدنا ...
     

مشاركة هذه الصفحة