صورة ممزقة..- جمال أنعم

الكاتب : ابو محمد اليماني   المشاهدات : 508   الردود : 0    ‏2006-09-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-09-01
  1. ابو محمد اليماني

    ابو محمد اليماني عضو

    التسجيل :
    ‏2006-04-21
    المشاركات:
    119
    الإعجاب :
    0
    نعرفه جيداً- وربما أكثر من اللازم- فلمَ كل هذه الصور؟ وهل يخفى الرئيس؟ هل تخفى صورته عن محكوميه بعد 28 سنة من الحكم؟.

    المعروف لا يعرف والبَطَر في التعريف منكرٌ يدل على السّفَه.

    صور الرئيس تغرق البلاد، تزحم الشوارع والواجهات بكيفيات ومقاسات مختلفة باهظة الكلفة وبكميات مهولة -ربما- تجاوز أعداد الناخبين.

    (2 مليون دولار) لوحات دعائية ضوئية "فليكس"، نفذت في دبي بحسب مصادر صحفية.

    900 ألف دولار لوحات زجاجية تتوسط الشوارع.

    630مليون ريال قيمة صور مطبوعة على فانلات وقبعات وميداليات وما شابه-بتقدير مختصين- وللعالمين ببواطن البطون يقينٌ مفتوح على أرقام لا معقولة.

    المشكلة أن الصرف على هذا النحو لا يمنح الصورة قيمة إضافية بل -ربما- كان سبباً في تراجعها أكثر لكنها مسألة مربحة والصورة مطلوبة والشوارع مشرعة والجدران تتسع وتستدعي المزيد والرئيس واسع الرزق والإمكانات وما أظن أحداً يستطيع منافسة صورته فخامة وتنوعاً وكثرةً وفرص تصدر.

    الانتخابات الرئاسية ليست تنافساً على الصورة، ليست معركة بين صورتين إنما هي مواجهة بين مضمون وشكل، بين جوهرٍ ومظهر.

    بن شملان ليس مجرد صورة، ليس مجرد شخصٍ متفردٍ بإمكانات الظهور، بن شملان صورة بسيطة لبسطاء حُلم عظيم، صورة لأشواق التغيير، صورة للإباء الجماعي، صورة شعبٍ يصبو لرؤية صورته بعد طول غياب، يثب لاستعادة ذاته وملامحه وشخصيته الوطنية.

    المضمون قد يكتفي بحضوره مستغنيا عن الشكل وأقصد بالمضمون هنا حضور المعنى بينما الشكل الفارغ يضل مجرد شكلٍ فارغٍ وتطلب الحضور لا يعني بالنسبة له سوى الإيغال في الشكلانية والخواء المظهري.

    الإنسان روح ومع الروح العظيمة يسقط الشكل، يتراجع الجسد، ومن أفق العظمة أستدعي روحاً عزيزة تجسد الفكرة عن قرب.

    هذا الشيخ أحمد ياسين-الشهيد الحي- مثالٌ لسطوة الروح.. من منكم نظر إلى الجسد المشلول؟ من نظر إلى الإعاقة؟ من شعر بالإشفاق عليه؟.

    دعوني أتجاسر على الإجابة: لا أحد.

    حضرت الروح فتراجع الجسد، ارتفع حظ البقاء وسقط حظ الفناء، تراه فترى جسدك المشلول أنت، عزمك المقعد، إرادتك الساقطة، تراه كوناً حياً متوهجاً مواراً بالحركة يطلق الأرواح والأجساد من أسار الهمود، كان روحاً كبيرة يشعر الجميع دونه بالإعاقة وكان استشهاده خاتمة تليق برجل كبير، هو حيٌ يتدفق في القلب، يضيء لعشاق الحياة مدارج الصعود، الحياة معنى، روحٌ باقيةٌ تستحق كل ما يفنى فداءً، الجسد مجرد عبء ثقيل، حمار الروح الميت والشقي من استغرقه جسده، من كرس روحه لخدمته، من بدد عمره في عمارة الفناء.

    "..تسقط الكائنات وتبقى المعاني.." خطها أحمد العواضي ببعض من مداد البروق ذات تجلي.

    أترك لكم فرصة المشاركة في استدعاء المعنى العظيم صوراً وأسماءً وتواريخَ حافلة فقط أذكركم بـ"المهاتما غاندي" بقاديه الأبيض، استدعي صورته الشاحبة الآسرة وجسده المكدود الباسل وهو يتقدم شبه القارة الهندية في مطالع الأربعينات ووراءه موكبٌ يتجاوز 400مليون نسمة حينها يسيرون بإيقاع واحد وعلى قلب أمة هي مزيجٌ من "إثنيات" وأقليات عرقية وطوائف متعددة، لم يكن "غاندي" يكثر من الثرثرة، كان يطيل الصمت بينما كفه تخيط للهند أثواب الخلاص

    أذكركم بـ"نلسن ما نديلا" وهو يخرج بعد 27 سنة من زنزانته وقد جاوز الثانية والسبعين زعيماً ورمزاً للحرية والكرامة.

    بن شملان..واحد من تلك الأطياف -بحسب العزيز منصور هائل-.

    بن شملان..هو أنتم الباحثون عن صورتكم الضائعة في مهرجان الصور الفخيمة، هو أنتم العائدون إلى المشهد.

    قليلة صوره إزاء الكثرة "المهنجمة" ومع هذا لا تسلم من التمزيق فالكثرة قد تكون صورة الزيف لا صورة الثقة.

    بن شملان..مثلكم لا يحب الصور، يكره الادعاء ويرى البذخ في هذه الشكليات جزءاً من مواريث الفساد وأقل ما تسببه إثارة الأحقاد الجائعة.

    الأوطان المغلقة على صورة الزعيم كثيراً ما تكون مغلقة على العفن حيث صورة الواقع -دائماً- ما تفضح أكاذيب الصورة.

    بالأمس البعيد وذات حمى مماثلة كتبت معلقاً هنا على صور أراها اليوم مجترة لحزبٍ يبشرنا بدولة نظام وقانون ويداه ملطختان بخيانات الدولة وذبح النظام والقانون ومع كل انتخابات يغدوا أكثر عدوانية وعنفاً ورعونة وتبشيراً -أيضاً- بقرب الخلاص على يديه.

    هم خائفون، مرعوبون، أشبه بتاجر غشاش يواجه غوائل الإفلاس بمحاولة تسويق آخر بضائعه المتعفنة والمنتهية الصلاحية، من خلال أساليب التضليل والخداع والدعاية الرخيصة المضمون، الباهظة الثمن، وانتهاء بالرعونة وارتكاب الحماقات.

    يعون جيداً أن السنين الماضيات-بما حملت من أوزارهم وجرائمهم- حفرت في أعماقنا الكثير من الجراحات التي لا تدع لهم مجالاً لمزيد من الكذب والخداع.

    الغارقون في مستنقع الفضيحة لا يمكنهم رسم سبل النجاة لأحد من ضحاياهم، والصور الممزقة والمهترئة في صدور الناس وواقع حياتهم لا ولن تقيمها الجدران ولن تثبتها المسامير ولا المواد اللاصقة حين يزفر الشعب كل الشعب آخر آهاته ولاءاته في وجه الفساد معلناً بصوت جهور: (أنا الشعب).
     

مشاركة هذه الصفحة